














الحرب قائمة: قتلٌ، وانفجاراتٌ، وصراخٌ، وضجيجٌ كثيف، وجنائزُ مؤجّلة. تحاصر الناس: أحلامَها وآلامَها وأيامَها، وما تبقّى فيها من قدرةٍ على الصراخ أو الهمس أو الشكوى. مرّ شهرٌ على المغامرة الثقيلة، على دفع الناس إلى التهلكة مرّةً أخرى، ولا حلّ في الأفق؛ كأن الزمن تواطأ عليها. تُترك على جوانب الطرقات بلا مأوى، وتتنقّل من مكانٍ إلى آخر، تطالها الغارات في كل مكان، ويلاحقها الدمار الذي اقتلعها من قراها. يطوّقها غيبٌ قاتل، مجهولٌ يبتلع الأيام، ويصوّب الموت نحو ما تبقّى من معنى.
هذه الناس، المحاصَرة بالانتظار حينًا وبالقتل أحيانًا، يخرج عليها اليوم من يطالبها بأن تتحمّل خياراتها التي لم تكن يومًا نتاجَ إرادةٍ حرّةٍ كاملة، بل كانت دائمًا محكومةً بالخوف وبالضغط وبالظروف التي لا تُرى. يُطلب منها أن تعترف، أن تندم، أن تصمت، وأن تقبل بما يحدث كقدرٍ لا يُرد. أو يخرج عليها من يقول إنّ كلّ ذلك ليس سوى قربانٍ لأفكاره أو لآلة دعايته، وأنّ عليها أن تموت أكثر، وأن تُحسِن موتها، وأن تصنع من موتها مشهدًا أجمل.
بيوتٌ تُهدم أمام أعين أصحابها، وأرضٌ تُترك فريسةً للنيران والاحتلال. لا تبدو الحرب كأنها ستضع أوزارها قريبًا، بل كأنها تتغذّى على هذا الألم المستمر، وتعيد إنتاجه كل يومٍ بصورةٍ أشدّ قسوة.
حال الناس لا يتبدّل، بل يزداد انكسارًا. منذ سنتين وهم ينتظرون مقتلة، ينتظرونها وهم يعلمون أنها قادمة، وأنها إن انتهت اليوم ستتكرّر غدًا. دوّامةٌ لا يُعرَف لها سبيلُ خلاص.
في زمن الحرب، لا يعود الكلام عن المؤسسات ترفًا تنظيميًا أو جدالًا إداريًا. الحرب تمتحن كل شيء: البشر، والمبادئ، والمواقف، وكذلك المؤسسات.