










































ثمة حقيقة لا يمكن الهروب منها، ألا وهي أن من لم يستطع الدفاع عن أهم مواقعه العسكرية وأكثرها تحصينًا وإعدادًا، لن يستطيع الدفاع عن القرى والبلدات والمدن إذا خاض مغامرة جديدة. تلك هي الحقيقة التي يُراد القفز فوقها بضجيج الشعارات، واستحضار موازين قوى وهمية سبق اختبارها مرارًا.
فقد أفرغت المغامرات السابقة الجنوب من قراه، وأوجدت خطًا أصفر، ولوّنت قراه بلون الرماد والترميد. ولم تكن المشكلة في سوء التقدير وحده، ولا في حسابات أخطأت نتائجها، وإنما في الإصرار المدفوع على السير وفق إيقاع ما وراء الحدود، ووفق حسابات تعتبر حياة الناس كلفة جانبية لا يقررونها، بل يتحملون أثمانها. وكأن ثمة مسارًا لتحويل الخسائر إلى مقدمة لخسائر أكبر، والتعامل مع الأرض كما لو أنها تفصيل قابل للتعويض.
وليس في ذلك تبرئة للمحتل، ولا تخفيف لوطأة عدوانه وتدميره، وإنما إدراك أن مسؤولية المعتدي لا تلغي مسؤولية من يضع الأرض وأهلها، مرة بعد أخرى، في مواجهة يعرف الجميع نتائجها مسبقًا، استنادًا إلى الوقائع والتاريخ والتجارب. فالجنوب لا ينبغي أن يكون ساحة لإثبات صحة الشعارات، ولا احتياطًا أو ساحة جغرافية، ولا «حافة أمامية» لتصفية الحسابات، وفق تلك التسمية المشؤومة. بل هو، قبل كل شيء، بيوت وأرزاق وذاكرة وناس. وهو، بالطبع، ليس مجموعة مواقع يمكن التخلي عنها تحت مسمّى «انسحابات تكتيكية» أو «إعادة تموضع».
أمام هذا الواقع كله، لم تعد الاستفاقة ترفًا سياسيًا واجتماعيًا، ولا دعوة متأخرة إلى المراجعة، وإنما ضرورة لإنقاذ ما تبقّى. استفاقة تبدأ بالاعتراف بأن من عجز عن حماية أهم مواقعه في المناوشات لا يملك الحق في المجازفة بما تبقّى من أرض الناس في حرب يعلم الجميع أنها لن تُبقي شيئًا. المطلوب الآن أن يُنتزع مصير الجنوب من منطق المغامرين الغيبيين، وأن يعود قرار حمايته إلى من يعرف مصالح ناسه، لا إلى من يرميها في أتون الخراب. المطلوب اليوم هو انتزاع قرار الحرب والسلم بما يضمن ألّا يصبح الجنوب أثرًا بعد عين.
دائمًا، عند أقرب فرصة، تتكرّر جدليّة الالتحاق بالمحاور كمادّة للنقاش. فخَيار الانضمام إليها سياسيٍّا وعسكريًّا ليس شيئًا جديدًا في السياسة والعسكر، بل هو أمر ضارب في جذور التاريخ.