
في الفقه الشيعي، وحسب المرجع السيستاني، يُعتبر الزواج المؤقت أو «زواج المتعة» صيغة شرعية مؤقتة لعقْد الزواج، تختلف عن الزواج الدائم من حيث المدة والنِّية. تُعقد هذه الزيجة بلفظ واضح، حيث تقول المرأة للرجل: «زوَّجتك نفسي بمهرٍ قدره...»؛ فيجيب الرجل فورًًا: «قبِلت التزويج». وعلى الرغم من بساطة الصيغة، فإن الشروط الفقهية المرتبطة بهذا النوع من الزواج تطرح أسئلة عميقة حول سلطة الولي، واستقلالية المرأة، وحدود «الاختيار» في السياق الاجتماعي.
يُشترط عادةً، في تزويج الفتاة البِكر المسلمة أو الكتابية، موافقة الأب أو الجدّ من جهة الأب، ما لم تكن مستقلة تمامًا في شؤونها، أو في حال منعهما الزواج بكفء شرعًا وعرفًا، أو في حالات الغياب أو انسحاب الولي من التدخل. أما الفتاة غير البِكر – التي سبق لها الزواج أو مارست علاقة جنسية كاملة – فلا تحتاج إلى إذن ولي.
وفي بعض الحالات الخاصة، كالعيش في مجتمعات غربية حيث تستقل الفتاة في السكن والمعيشة والقرار منذ سنّ السادسة عشرة أو الثامنة عشرة، يجوز لها – وفقًا لبعض الآراء – التزوج دون الرجوع إلى ولي، شرط أن يكون الولي قد أقرّ ضمنيًّا أو صراحةً بحقها في اتخاذ قرارها.
هذا الإطار الفقهي، وإن بدا منفتحًا في بعض تفصيلاته، يبقى محكومًا بسؤال مركزي: هل يُتيح للمرأة حرية حقيقية في تقرير مصيرها العاطفي والجسدي؟ أم أنه يُعيد إنتاج وصاية ناعمة تُلبِس القيود لبوس «الحكمة الشرعية»؟
غالبًا ما يُطرح الزواج المؤقت كـ«حل واقعي» لمعضلة العلاقات الجنسية في ظلِّ التحريم الديني، وكمتنفّس شرعي للشباب في ظلِّ تعقيدات الزواج الدائم. لكن السؤال الذي لا يُطرح كفاية هو: حلّ لمَن؟
هل هو حلّ متاح للطرفين بالتساوي؟ أم أنه يخدم في المقام الأول حاجة الرجل الجنسية والاجتماعية، بينما تتحمّل المرأة وحدها تبِعاته الأخلاقية والعاطفية والقانونية؟
في كثير من «الحلول» الفقهية والاجتماعية التي تُطرح لتيسير أمور الزواج والعلاقات، تُستثنى النساء من العدالة. القوانين الشرعية، كما تُطبق في الواقع، نادرًا ما تُنصف المرأة، بل غالبًا ما تُعيد إنتاج التمييز ضدها، بزعم الحماية أو التنظيم.
في الزواج المؤقت، تُحرم المرأة من أبسط حقوقها: لا نفقة، لا إرث، لا ضمانة، لا اعتراف قانوني بالمولود في معظم الحالات. كل ذلك، بينما يحتفظ الرجل بحقه الكامل في الانسحاب متى شاء، دون تبِعات تُذكر.
تُترك المرأة وحدها لمواجهة نظرة المجتمع، ووصم العائلة، وعبء الحمَل – إن حصل – في ظلِّ غياب تامٍّ لأي تشريع مدني يحفظ كرامتها أو يُحاسب الطرف الآخر.
والأخطر أن هذا النوع من الزواج يُمارس دون أي تنظيم أو مراقبة، ما يجعله أحيانًا غطاءً للاستغلال، لا حلًّا كما يُروَّج له. وفي كثير من الحالات، تجد النساء أنفسهن في وضع اقتصادي هشّ، بعد علاقة قصيرة المدى لا تعترف بها الدولة، ولا تعوّضها عن خسائرها النفسية أو الاجتماعية.
إذا كان الزواج المؤقت يُقدَّم كحلٍّ في مجتمع محافظ، فإنه في واقعه الحالي ليس حلٌّا للنساء، بل حلٌّ على حسابهن.
تبرر غاية الزواج المؤقت بعدم قدرة الشباب على الزواج الدائم، فيلجأ الرجل إلى الزواج المؤقت لعدم وقوعه في علاقات محرّمة. وغالبًا ما يختار نساء مُطلقات أو أرامل من المجتمع المحيط، وتوافق النساء على الطلب كنوع من الطاعة الشرعية دون إكراه، بل كحاجة إلى علاقة، برأيهن، تحميهن من الوصَمات المجتمعية، دون التنبُّه إلى أن هذه المجتمعات لا تحمي النساء اللواتي يتزوَّجن «مؤقّتًا،»، بل قد يتعرضن للابتزاز والإساءة وتشويه السمعة في كثير من الأحيان.
ترافق صعود بعض الأحزاب الدينية الشيعية في لبنان، وعلى رأسها حزب الله، مع ترسيخ ثقافة الزواج المؤقت، ليس كخيار فردي محكوم بظروف استثنائية، بل كحلٍّ اجتماعي جماعي يُروَّج له داخل البيئات الحزبية المُغلقة، ضمن ثقافة مُلكية المرأة داخل البيئة، ويُقدَّم كطريق للـ«طهارة»، ودرعٍ وقائية ضد «الحرام». إلّا أن هذا الخطاب سرعان ما يتحوّل من تبرير ديني إلى آلية منظمة لإعادة إنتاج هيمنة الرجل داخل سياقات اجتماعية طُبِعت بالتهميش والرقابة الأخلاقية.
استكمالًا لثقافة ملكية النساء داخل البيئة الواحدة، تلعب الحرب دورًا جوهريًّا لدى الأحزاب الدينية وجمهورها في استغلال الوضع المستجد، وإعادة التذكير بأن الزواج المؤقت هو حلّ سريع لاحتواء النساء اللواتي خسرن أزواجهن خلال الحرب. في هذا المناخ، تتحول الأرملة من امرأة في حالة فقدان وحاجة، إلى «موضوع» لعقد غير متوازن يُقدَّم كـ«مساعدة»، لكنه في واقعه شكل من أشكال إعادة التملُّك الذكوري تحت غطاء شرعي.
وتُساهم بعض الأحزاب الدينية، خصوصًا في البيئات الشيعية، في تعميم هذا الخطاب، ليس فقط كخَيار فردي، بل كسياسة اجتماعية مغلّفة بـ«الرحمة» و«الستر»، تُخفي في طياتها رغبة واضحة في ضبط النساء ضمن أطر طائفية ذكورية تضمن الولاء وتُعيد إنتاج السيطرة.
في سياق ما بعد النزاعات في لبنان، تشير تقارير وتحقيقات ميدانية (مقال في موقع المدن ٢٠٢٣)، إلى تصاعد ممارسات الزواج المؤقت كأداة «شرعية» لإعادة ضبط النساء ضمن أطُر ذكورية تقليدية. في المجتمعات المتأثرة بالحروب، لا سيما تلك ذات الخلفية الطائفية المُحكمة، يُعاد إنتاج الأدوار الجندرية القديمة عبر خطاب «الستر» و«الرحمة»، ليُمارس على النساء، وخاصة الأرامل والنازحات، نوع من الضغط الاقتصادي والديني يدفعهن إلى القبول بعقود غير متكافئة تحت مسمّى «زواج مؤقت».
تُظهر شهادات لنساءٍ شاركن في تقارير صحافية وحقوقية أن هذا النوع من الزواج غالبًا ما يُفرَض عليهن في لحظات ضعف، ويفتقر إلى الضمانات القانونية والاجتماعية، ما يتركهن دون حماية في حال الانفصال أو وفاة الزوج المؤقت. كما سجلت منظمات نسَوية حالات متكررة لنساء خُدعن بوعد الدعم المالي أو الحماية، لينتهين في وضع أسوأ، يعانين فيه من النبذ الاجتماعي وانعدام الاعتراف القانوني بحقوقهن أو بحقوق أطفالهن.
هذه الدينامية تُعيد التأكيد على ما تشير إليه دراسات علم الاجتماع السياسي: إن فترات ما بعد الحرب لا تشكّل بالضرورة مساحات تحرّر، بل قد تُستخدم لتكريس السيطرة الذكورية من جديد، تحت ذرائع أخلاقية أو دينية، ما يُعدُّ استغلالًا مركّبًا للنساء: اقتصاديًّا، دينيًّا واجتماعيًّا.
إذا كان الفقر والبطالة عائقان أمام الزواج الدائم، فهل الحلّ هو إيجاد علاقة «بلا مسؤولية»، أم توفير ظروف عادلة تسمح بالزواج المتكافئ؟
المرأة أيضًا تعاني من الفقر والبطالة، فلماذا يُطلب منها «التكيّف» مع استغلال حاجتها العاطفية والاقتصادية عبر زواج لا يُنصفها؟
إذا كان الفقر والبطالة يُقدَّمان كمبررَين لعجز الشباب عن الزواج الدائم، فهل يكون الحلّ في عقْدٍ بلا التزامات ولا مسؤولية؟ أم في بناء منظومة عادلة تُتيح للنساء والرجال على حدٍّ سواء تأسيس علاقات قائمة على التكافؤ والكرامة؟
المفارقة أن المرأة، التي تعاني مثل الرجل – بل أحيانًا أكثر – من الفقر والتهميش، يُطلب منها وحدها «التكيّف» مع هذه الظروف عبر علاقة لا تضمن لها شيئًا، تحت غطاء شرعي، بينما يُمنح الرجل امتياز الخروج من دائرة «الحرام» دون التزام أخلاقي أو قانوني.
إن تفكيك الخطاب الموجّه لإقناع النساء بالتنازل عن حقوقهن الفردية تحت مسمّى «الطاعة للشرع» أو «خدمة مصلحة الطائفة» يكشف عن بُنية سلطوية تُغلِّف الاستغلال بغلاف ديني وأخلاقي. في هذا الخطاب، تُختزل المرأة إلى دور وظيفي يخدم استقرار النظام الاجتماعي الذكوري، ويُطلب منها «التحمّل» و«الصبر» و«التفاني»، بينما تُصادَر قدرتها على الاعتراض أو المطالبة بالحماية القانونية.
في مجتمعات تُغلّف الذكورة بالدِّين، يُصبح طرح سؤال عن «الرجل المتزوج الذي يعقد زواجًا مؤقتًا» تحدّيًا حقيقيًّا. أين موقع الأخلاق في علاقة لا مساواة فيها؟ مَن يحمي النساء من علاقات عابرة تُسوَّق كشرعية بينما تُخفي في طيّاتها الاستغلال والهيمنة؟
وهل نملك الشجاعة لمساءلة الرجل، لا كفرد فقط، بل كجزء من نظام يُعطيه الشرعية الكاملة ليمارس التعدّد، المؤقت والدائم، دون حسيب أو رقيب؟
من منظور حقوق الإنسان، يُعدّ هذه الممارسة مخالفة واضحة لمبدأ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليهما في الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية «سيداو» (CEDAW)، التي صادَق عليها لبنان عام ١٩٩٧ مع تحفظات، أبرزها ما يتعلّق بالأحوال الشخصية. كما يتناقض هذا الخطاب مع الحق في الكرامة الجسدية، وحرية اتخاذ القرار بشأن العلاقات الشخصية، والحق في الحماية من الاستغلال.
وفي غياب قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، تُترَك النساء رهائن لتفسيرات دينية غير خاضعة للمساءلة أو الرقابة، حيث تضع السلطة الدينية نفسها فوق الدولة والقانون، ما يُنتج بيئة قانونية غير متكافئة. وهنا، لا تعني «الطاعة» سوى تكريس الهيمنة، ولا يعني «الخضوع للشرع» إلا تمكين الذكور من الإفلات من أي التزام مدني أو أخلاقي تجاه المرأة، خصوصًا في سياق الزواج المؤقت الذي لا يضمن لها لا النفقة، ولا الإرث، حتى ولا الاعتراف القانوني بالأبناء.
في هذه المعادلة، لا تُمنَح المرأة حقّها في أن تكون مواطنة كاملة أمام القانون، بل تتحوّل إلى موضوع طائفي يُدار وفق مصالح سياسية ودينية، لا وفق مبادئ العدالة أو المساواة.
إذا جمعنا العوامل التي تتعرّض لها النساء في هذه البيئات، نرى أن المعايير التي وُضعت لهنّ هي لخدمة المشروع الحزبي الدِّيني المتطرف، بكل المقاييس: العائلية، والاجتماعية، والسياسية وحتى الجسدية.




