04・06・2026
من العدد ٣٥
أسباب وتداعيات انهيار إمبراطورية إنترا
الحلقة الثانية

تناولنا في الحلقة الأولى مسار «بنك إنترا» من نشأته حتى انهياره، بوصفه تجربة مصرفية شكّلت علامة فارقة في التاريخ المالي اللبناني. تحدّثنا عن النشأة والتوسّع الكبير، وصولًا إلى الانهيار وإعلان إفلاسه، لتُطوى بذلك صفحة من أكبر التجارب المصرفية صعودًا وسقوطًا في المنطقة.

في هذه الحلقة الثانية سنتناول أسباب انهيار إنترا. كما سنعرض إلى تداعيات ذلك الانهيار المختلفة التي طاولت مختلف الميادين، ومنها إنشاء شركة مساهمة عامة فوق تلك الأنقاض.

أسباب انهيار إنترا

 كان انهيار «بنك إنترا» مفاجئًا، وترك آثاره العميقة على النظام المالي في لبنان. وبقيت الظروف التي أحاطت بهذا الانهيار مثار جدل حتى يومنا هذا. كانت أسباب هذا الانهيار الموضوعية متنوعة: من الفساد وسوء الإدارة المالية إلى الإفراط في التوسّع وعدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد إلى القرارات الحكومية، إضافة الى ما تمّ تداوله، وما زال، عن المؤامرات التي حيكت ضد البنك.
الفساد وسوء الإدارة المالية: توسّع بنك إنترا تحت قيادة يوسف بيدس بسرعة كبيرة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ومع ذلك، لم يكن توسّع البنك قائمًا دائمًا على ممارسات مالية متينة، بل كانت الممارسات بدائية تفتقر إلى الدقة ويتخللها سوء إدارة. وساهم بيدس بذلك من خلال إعطائه لنفسه سلطة مطلقة باتخاذ القرارات الكبرى[١]. وكانت هناك ممارسات إقراض محفوفة بالمخاطر ومغامرات مالية[٢]
كان بيدس يعقد صفقات تجارية ومجازفات استثمارية، مردودها كبير على المدى الطويل، بينما معظم موجودات البنك كانت ودائع جارية أو متوسطة الأجل. وكان على قناعة بأن النسبة الكبرى منها هي لأثرياء لن يحتاجوا لأن يسحبوها لأنها تمنحهم فوائد مرتفعة. لكن العكس هو ما حدث عام ١٩٦٦[٣].
لقد كشفت التحقيقات اللاحقة عن وجود تحويلات إلى حساباتٍ بعضها كان مجهولًا، وتضمنت القائمة أسماء كثيرة تعود لأشخاص حوِّلت إليهم أموالًا نقدية، إضافة إلى الهدايا والرحلات والتبرعات والإكراميات، ومبالغ كبيرة أُنفقت على الدعاية لأصحاب الصحف، وغير ذلك[٤].
الإفراط في التوسّع: كان أحد العوامل الرئيسية التي أدَّت إلى انهيار البنك هو الإفراط في التوسّع. فقد تحمّل بنك إنترا ديونًا ضخمة وقام باستثمارات محفوفة بالمخاطر في العقارات وغيرها من القطاعات. وكان هذا خلافًا لظنّ بيدس بالمناعة وأن إمبراطوريته لا تُقهر وأن حجم البنك يجعله منيعًا في وجه الانهيار[٥].
الرئيس اللبناني الأسبق شارل حلو الذي شهد عهده انهيار «بنك إنتر» يقول في كتاب مذكراته «حياة وذكريات»: «انهار ما سُمي إمبراطورية إنترا لأسباب عديدة على رأسها السبب الرئيسي لانهيار كل إمبراطورية، ألا وهو اتساعها، وبالتحديد سرعة الاتساع وما يرافقه من مغامرات ناجحة في بعض الأحيان وفاشلة في بعضها الآخر وخطرة في كل الأحيان، إذ تكفي كبوة واحدة للقضاء على كل ما سبق من نجاح، فكيف بالحال إذا تعددت الكبوات؟»[٦].
كما ذكر حبيب أبو فاضل، المدير العام السابق لـ«البنك المتحد للأعمال» في قائمة أخطاء إنترا «محاولة سيطرتها على أسهم شركات مرتبطة ارتباطًا قويًّا بالاقتصاد الوطني وتملُّكه لهذه الأسهم وشراءه الأراضي والعقارات، الأمر الذي يخالف قانون النقد والتسليف»[٧].

عدم الاستقرار الاقتصادي: كان لبنان يمر بفترة من عدم الاستقرار الاقتصادي خلال الستينات. وكذلك المناخ المالي كان غير مستقرّ أيضًا، مما أثّر على أداء الشركات، بما في ذلك البنوك مثل «بنك إنترا». كما أدى إلى موجة سحوبات للأموال فضعُفت السيولة.
بدءًا من ربيع ١٩٦٦، وللجم التضخم الاقتصادي في الولايات المتحدة، بدأ المصرفي المركزي الأميركي سياسة نقدية صارمة، فرفع أسعار الفائدة. كما فعلت ألمانيا الغربية الأمر نفسه، ووصلت الفائدة التي تعطيها على حسابات الادّخار الى ٩%. فلم يستطع إنترا المنافسة كما في السابق، خاصة أن أمواله كانت مجمّدة في استثمارات طويلة الأجل. فبدأ يخبو بريقه في نظر الزبائن الكبار، فبدأوا ينسحبون الواحد تلو الآخر باتجاه الدول الغربية[٨].
كما كان بالإمكان كشف الأسباب البنيويّة لأزمة التضخّم في تلك الفترة، مما توفّر من معطيات تشير بوضوح إلى غياب التوازن بين القطاعات الاقتصادية لمصلحة القطاع التجاري والمصرفي، علاوة على غياب التوازن في الميزان التجاري الذي كان يشهد عجزًا كبيرًا نتيجة حريّة التبادل المطلقة وتراجع قطاعي الصناعة والزراعة[٩]
الموقف الحكومي: إن قرارات الحكومة اللبنانية أثرت في انهيار البنك. فهي فضلت عدم مدّ البنك بالسيولة اللازمة خوفًا من التفريط بأموال المصرف المركزي، الأمر الذي هزّ ثقة الجمهور اللبناني بالقطاع المالي. يقول غياث الوافي، نجل الرئيس عبد الله اليافي، إن عدم معرفة إدارة «إنترا» بعمق الأزمة وأُفقها أخاف الحكومة اللبنانية من أن تُفضي محاولة التعويم إلى إفلاس البنك المركزي ومعه الدولة اللبنانية، علمًا أنه لم يكن قد مرّ على إنشاء المصرف المركزي سوى سنتين، وبالتحديد في نيسان ١٩٦٤. كما ألمح الرئيس شارل حلو في مذكراته أيضاً إلى الاحتيال، وأن بيدس كان يعلم باضطراب أوضاع مصرفه فسعى في لقائه معه إلى الإستلاف من مصرف لبنان المركزي لتغطية خسائره[١٠].
نظرية المؤامرة: إن انهيار «بنك انترا» ألهم العديد من المتأثرين بنظريات المؤامرة لطرح سرديات استفهامية متنوعة. وكان من الطبيعي أن يكون بيدس أحد المتبنّين لذلك. فقد نقلت إحدى الصحف في ٢٧ كانون الثاني ١٩٦٧ أن يوسف بيدس تحدث عن مؤامرة دبّرها أعداؤه ضده متّهمًا عبدالله اليافي، رئيس وزراء لبنان الأسبق، بالاشتراك فيها لأنه رفض إعطاءه قرضًا من البنك المركزي[١١].
من هذه النظريات ما اعتبر أن أزمة السيولة التي أصابت «بنك إنترا» مصطنعة وغذّتها الشائعات، ودعمتها بتلكؤ مصرف لبنان عن مساعدة أكبر مصارف البلاد عندما احتاج لمدّ يد العون. فالشائعات حول إفلاس البنك وهروب رئيس مجلس إدارته للخارج كانت قد انتشرت بقوة وأدّت إلى تسارع المودعين الجنوني إلى المصرف لسحب ودائعهم، حتى اضطُر البنك إلى أن يدفع في شهر واحد مبلغًا لم يقلّ عن ١١٢ مليون ليرة[١٢]
وتطرقت نظرية أخرى لجنسية المؤسس بيدس الفلسطينية ودورها كي تتهم السلطات السياسية اللبنانية القلقة من تنامي نفوذ رجل من أصل فلسطيني على الاقتصاد المحلي وعلى وجه الخصوص بنيته التحتية، عبر منطقة الشرق الأوسط أو مرفأ بيروت[١٣]. كما تحدث البعض عن دور إسرائيلي في هذا الخصوص معتبرًا أنه قد كان لبيدس علاقات مع ياسر عرفات حيث كان العمل الفدائي الفلسطيني في بداياته[١٤].
وتحدثت أخرى عن دور سعودي في تلك المسألة بسبب مخاوفها من الطبيعة العلمانية والقومية للقضايا التي يدعمها بيدس. وهناك من تحدث عن اتّحاد للسياسيين والمصرفيين ورجال أعمال وعائلات وقفت في وجه امبراطورية بيدس[١٥].
كما أن هناك من يعتبر أن «بنك إنترا» كان يحمل بذور تنافس مستتر مع المصارف العالمية الضخمة التي كانت تخطط مع حكوماتها لتخطي سوق بيروت ومؤسساته المصرفية، وإلّا ستُناط بها وتعبِّد الطرق لامتصاص الفائض من الأموال المتزايدة والمتراكمة في حسابات الدول العربية المنتجة والمصدّرة للنفط[١٦]. كما نقل عن مجلة «التايم» أن ٣ دول تآمرت ضد إنترا، وهي: بريطانيا، فرنسا، وروسيا[١٧].
أما رشيد شهاب الدين فيتحدث عن أن بيدس كان ينوي شراء كميات كبيرة من الذهب من السوق العالمية وبيعها لأصحاب الطلب، إلّا أن اليد الخفية[١٨] وقفت له بالمرصاد ومنعته من تحقيق هدفه[١٩]
كما تحدث البعض عن ارتباط البنك بعمليات غسيل أموال مرتبطة بالمافيا الكورسيكية على أساس المعلومات التي قدّمها مكتب التحقيقات الفيدرالي، فكان أن دفع الثمن بسبب ذلك[٢٠].

 


 


[١] فادي يونس، المؤامرة التي لم تسقط إمبراطورية إنترا، صحيفة الأخبار، قضايا وآراء، ١١/٩/٢٠١٥.

[٢] حمزة عليان، إمبراطورية «بنك إنترا» وقراصنة المال، الجريدة، ٢٧/٩/٢٠٢٣، تاريخ الدخول ٥/٣/٢٠٢٥ الساعة ١٤:٤٤.

[٣] كمال ديب، يوسف بيدس إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان، دار النهار للنشر، بيروت، ط ١، ٢٠١٤، ص ١٦.

[٤] أكثر من نصف قرن على إفلاس «إنترا»، صحيفة «الرأي» تعيد نشر مقتطفات من تقرير لجنة التحقيق، موقع الرأي، ٢٢/٣/٢٠١٩، تاريخ الدخول ٥/٣/٢٠٢٥ الساعة ١٥:٣٣.

[٥] كمال ديب، يوسف بيدس إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان، دار النهار للنشر، بيروت، ط ١، ٢٠١٤، ص ١٦.

[٦] جهاد طربيه، تداعيات هجرة رؤوس الأموال الفلسطينية على الاقتصاد اللبناني (بنك إنترا نموذجًا، ١٩٤٨ - ١٩٦٧)، الحداثة، عدد ١٩١/١٩٢، ربيع ٢٠١٨، ص ١٥٥.

[٧] حبيب اأو فاضل، كيف العمل لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي في الجمهورية الثانية - مال ومصارف، صحيفة البيان، ١٤ كانون الثاني ١٩٩١.

[٨] كمال ديب، يوسف بيدس إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان، ص ٥٢.

[٩] كمال ديب، يوسف بيدس إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان، ص ٨٦.

[١٠] توفيق شومان، «بنك إنترا»... كان في لبنان رجال دولة، موقع بوست ١٨٠، ٢١/٩/٢٠٢٢، تاريخ الدخول ١٥/٢/٢٠٢٣ الساعة ٢٢:٣٩.

[١١] توفيق شومان، «بنك إنترا»... كان في لبنان رجال دولة، موقع بوست ١٨٠، ٢١/٩/٢٠٢٢، تاريخ الدخول ١٥/٢/٢٠٢٣ الساعة ١٤:٣٨.

[١٢] «فلّس بنك إنترا؟»: مثل شعبي يحكي قصة انهيار أشهر بنك عربي والعنصرية اللبنانية متهمة!، العربي القديم، ٢٧ أيلول ٢٠٢٣، تاريخ الدخول ١٥/٢/٢٠٢٥ الساعة ٢٣:٠٨.

[١٣] الياس الخوري، انتقام يوسف بيدس، القدس العربي، ٢٩/٥/٢٠٢٣، تاريخ الدخول ٥/٣/٢٠٢٥ الساعة ١٥:٥٧.

[١٤] أكثر من نصف قرن على إفلاس «إنترا»، «الرأي» تعيد نشر مقتطفات من تقرير لجنة التحقيق، موقع الرأي، ٢٢/٣/٢٠١٩، تاريخ الدخول ٥/٣/٢٠٢٥ الساعة ١٥:٣٩.

[١٥] كمال ديب، يوسف بيدس إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان، ص ٣٦٥.

[١٦] جهاد طربيه، تداعيات هجرة رؤوس الأموال الفلسطينية على الاقتصاد اللبناني (بنك إنترا نموذجًا، ١٩٤٨ - ١٩٦٧)، الحداثة، عدد ١٩١/١٩٢، ربيع ٢٠١٨، ص ١٥٢.

[١٧] زياد عيتاني، هل تلقى المصارف مصير «إنترا»؟، موقع لبنان الكبير، ٥/١٠/٢٠٢٢، تاريخ الدخول ٥/٣/٢٠٢٥ الساعة ١٥:١٥.

[١٨] يُقصد بها الصهيونية العالمية.

[١٩] جهاد طربيه، تداعيات هجرة رؤوس الأموال الفلسطينية على الاقتصاد اللبناني (بنك إنترا نموذجًا، ١٩٤٨ - ١٩٦٧)، الحداثة، عدد ١٩١/١٩٢، ربيع ٢٠١٨، ص ١٦٥.

[٢٠] فرنسوا الباشا، لبنان/ تاريخ: انهيار بنك إنترا، موقع لبنان نيوز، ٢٠/٢/٢٠٢٠، تاريخ الدخول: ٥/٣/٢٠٢٥ الساعة ١٦:٠٢.

تداعيات انهيار إنترا

يعتبر انهيار «بنك إنترا» من أهم الانهيارات المالية التي شهدها لبنان خلال القرن العشرين ومن أهم الأحداث التي شهدها القطاع المالي. وستكون تداعيات إفلاس البنك كبيرة على أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، وستؤثّر على لبنان تحديدًا نظرًا لموقع نظامه المالي. لم يكن البنك مساهمًا رئيسيًّا في الركائز الأساسية للاقتصاد اللبناني فحسب، بل كان من بين دائنيه حكومات الكويت وقطر والولايات المتحدة (ممثلة بمؤسسة ائتمان السلع التابعة للحكومة الأميركية والتي قدمت قرضًا إلى بيدس لشراء القمح لإهراءات مرفأ بيروت)[١]. وقد اعتبر ر. ت. نايلور أن انهيار «بنك انترا» عام ١٩٦٦ بمثابة أكبر كارثة حلّت على أي مصرف في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام ١٩٧٠ [٢]. ومن أهم التداعيات:
فقدان الثقة في القطاع المصرفي: ألحق انهيار «بنك إنترا» ضرراً بالغاً بالثقة العامة في المؤسسات المالية اللبنانية. فقد خسر العديد من المودعين مدّخراتهم، وشعر الجميع بالآثار المترتبة على ذلك في مختلف الجوانب الاقتصادية. وأُخضعت بنوك أخرى لمزيد من التدقيق، وأصبح العديد من المستثمرين أكثر حذَراً في التعامل مع مدّخراتهم. فحدثت تحويلات في الأموال من البنوك اللبنانية إلى البنوك الأجنبية[٣] داخل لبنان[٤].
الإصلاحات الحكومية: كان انهيار «بنك إنترا» أحد المحفّزات الرئيسية للإصلاحات المصرفية في لبنان. فقد أدركت الحكومة الحاجة إلى وتعزيز النظام المالي وهيكلته ودعمه، ففرضت تدابير تنظيمية جديدة تهدف إلى منع الأزمات المماثلة. 
كانت هذه الصدمة مسبّبًا رئيسيًّا في وضع قانون ٢/٦٧ (عُرف بقانون إنترا) الذي استهدف تجنّب إعلان إفلاس المصارف. وعُدّلت المادة ٧٠ من قانون النقد والتسليف المتعلقة بمهمة مصرف لبنان من أجل تفعيل الرقابة. كما تمّ استحداث مجموعة من التشريعات، أهمها: 
القانون ٦١/٦٦ الخاص بضمان حسابات الودائع والادّخار لدى إنترا لصالح صغار المودعين. 
القانون ٦٢/٦٦ الخاص بتسليف المصارف المتعثّرة لقاء سندات. 
قانون إخضاع المصارف المتوقفة عن الدفع لأحكام خاصة ٢/٦٧ ولإعادة المصرف المتوقف عن الدفع لنشاطه. 
قانون ٢٨/٦٧ الذي أجاز إنشاء «الهيئة المصرفية العليا» التي مُنحت صلاحيات وضع اليد على المصارف المتعثرة، وأجاز انشاء «المؤسسة الوطنية لضمان الودائع». 
المرسوم ٨٢٨٤ لتشجيع الدمج بين المصارف (٩/٦٧) الذي مُنحت بموجبه قروض وحوافز ضريبية للدمج والتصفية الذاتية[٥].
إنشاء شركة مساهمة عامة على أنقاض البنك: بسبب ممتلكات البنك الضخمة، تمّ وضع خطة إنقاذ وعملية إعادة هيكلة سريعة، وأوقفت الحكومة عملية تصفية إنترا واستبدالها بمشروع تجزئة موجوداته. فأنشأت «شركة إنترا للاستثمار»[٦]. كما سيحظَّر على جميع أعضاء مجلس إدارة «بنك انترا» السابقين ومسؤوليه أن يتولّوا أي إدارة أو مراقبة مباشرة أو غير مباشرة في الشركة أو في متفرعاتها[٧].

ولادة «شركة إنترا للاستثمار»
إذًا، لم يتبخّر كل ما يعود من أصول إلى «بنك إنترا»، بل تحوَّلت الأصول المربحة للمصرف المنحل إلى شركة استثمارية. وعوَضًا عن بيع بقية الأصول للدفع لكبار المودعين، وُضعت خطة لتحويل المودعين إلى مساهمين ضمن شركة جديدة عبر تحويل الودائع إلى أسهم بموجب مرسوم حكومي. كانت الخطة هذه من مقاربات روجيه تمرز، تلك الشخصية الغامضة المثيرة للجدل، والذي كان في تلك الفترة مفوضًا من الشركة الأميركية «كيدر بي بودي[٨]» التي كانت المستشار المالي لدائني «بنك إنترا». تسلَّمت الشركة المذكورة مسؤولية إدارة إنترا بموجب ما عُرف بـ«بروتوكول إنترا» في ١٠ تشرين الأول ١٩٦٧[٩].
استحوذ البنك المركزي والحكومة اللبنانية على حصص أساسية في الشركة الوليدة بلغت ٤٥%. فالدولة، وعبر مصرف لبنان، كانت قد تكفّلت بدفع الجزء الأكبر من أموال صغار ومتوسطي المودعين. فكان لهما الكلمة العليا في في تحديد رئيس مجلس إدارة الشركة وأعضاءها[١٠].
وهكذا تأسست «شركة إنترا للاستثمار» في كانون الأول من عام ١٩٧٠ كشركة مساهمة برأس مال مدفوع قيمته ٢٨٠ مليون ليرة مقسَّمة إلى ١١ مليون و٢٠٠ ألف سهم، وبسجل تجاري رقم ٣٤١١/٢٤٠١٥. وكانت الشركة قد حازت الترخيص لذلك قبلًا بعد موافقة مجلس الوزراء في جلسة ٤/١٠/١٩٦٩ ثم صدور المرسوم رقم ١٣١٩٠ في ٢٠/١٠/١٩٦٩، وكان المؤسّسون لها أربع: شركة اعتمادات السلع الأميركية[١١]، حكومة قطر، دولة الكويت، والدولة اللبنانية[١٢].
خلال معظم فترة نشاطها، ظلَّت هذه الشركة الجديدة مساهمًا رئيسيًّا في شركات أخرى عديدة. كما شكّلت «بنك إنترا» نقطة جذَب لرؤساء مجالس الإدارات المعينين بقرار سياسيّ والمستفيدين منهم. فكان كل رئيس جمهورية يعيّن الشخص الذي يناسبه رئيسًا لمجس إدارة إنترا، كون البنك قوة سياسية واقتصادية. وهكذا تمَّ تعيين بيار داغر المقرّب من شارل حلو، ثم لوسيان دحداح المقرَّب من سليمان فرنجية، ثم شفيق محرّم المقرّب من الياس سركيس، وروجيه تمرز المقرَّب من أمين الجميل[١٣].
بحلول العام ١٩٨٠، باعت الولايات المتحدة أسهمها في «بنك إنترا»، وباعت الشركة عقاراتها في باريس ونيويورك. لكن بقيت شركة إنترا المساهم الأكبر في شركات عديدة محلية وخارجية، منها شركة طيران الشرق الأوسط، كازينو لبنان، استوديو بعلبك، بنك المشرق وبنك الكويت والعالم العربي، على سبيل المثال لا الحصر. وكانت إنترا أيضًا تؤجِّر أصولها العقارية الضخمة وتحقق أرباحا تقدَّر بـ ٧ مليون دولار سنويًّا[١٤].

 


 


[١] «فلّس بنك إنترا؟»: مثل شعبي يحكي قصة انهيار أشهر بنك عربي والعنصرية اللبنانية متهمة!، العربي القديم، ٢٧ أيلول ٢٠٢٣، تاريخ الدخول ١٥/٢/٢٠٢٥ الساعة ٢٣:٠٨.

[٢] كمال ديب، روجيه تمرز إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان ١٩٦٨ - ١٩٨٩، المكتبة الشرقية، سن الفيل، ط ١، ٢٠١٨، ص ٢١.

[٣] هذه أسماء المصارف الرئيسية في بيروت عام ١٩٧٤ هي: البنك العربي المحدود، البنك البريطاني للشرق الأوسط، بنك سورية ولبنان، بنك صباغ، فرنسا بنك، بنكو دي روما، بنك ناسيونال دي باري، البنك اللبناني للتجارة، سيتي بنك، وبنك أوف أميركا.

[٤] تقرير جمعية التنمية الدولية - البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية، الوضع الإقتصادي الحالي وآفاق لبنان، ٢٨/١٢/١٩٦٧، ص ١٨.

[٥] كمال ديب، روجيه تمرز إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان ١٩٦٨ - ١٩٨٩، ص ٤٧٧.

[٦] كمال ديب، يوسف بيدس إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان، ص ٤٩١.

[٧] مرسوم اشتراعي رقم ٤٤، تعديل بعض أحكام القانون رقم ٢/٦٧ الصادر بتاريخ ١٦/١/١٩٦٧ المتضمن إخضاع المصارف التي تتوقف عن الدفع لأحكام خاصة، ٥ آب ١٩٦٧، المادة ٣.

[٨] Kidder, PeaBody.

[٩] كمال ديب، روجيه تمرز إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان ١٩٦٨ - ١٩٨٩، ص ٤٩ و٩٥.

[١٠] آدم شمس الدين، بئس صندوق لأصول الدولة على شاكلة «إنترا»... ومفاسدها، نداء الوطن، ٦/٦/٢٠٢٢، تاريخ الدخول ٥/٣/٢٠٢٥ الساعة ١١:٣١.

[١١] لاحقًا في ٣/١/١٩٧٥ صدر تشريع يُجيز للحكومة اللبنانية شراء مساهمة شركة اعتمادات السلع الأميركية في شركة إنترا. تاريخ النشر في الجريدة الرسمية ١٢/١/١٩٧٨. 

[١٢] نظام شركة إنترا للاستثمار ش.م.ل. لبنان، أرشيف إنترا عند أمم.

[١٣] كمال ديب، روجيه تمرز إمبراطورية انترا وحيتان المال في لبنان ١٩٦٨ - ١٩٨٩، ص ٣٨٩.

[١٤] كريم مرهج، «شركة إنترا للاستثمار: أكثر أسرار الدولة اللبنانية كتمانًا»، مصدر عام، تاريخ الدخول ١٥/٢/٢٠٢٥ اللساعة ٢٢:٢٢. 

مقالات مشابهة
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.
03・02・2026
اليونيفيل في جنوب لبنان: دورها وسرديات علاقتها مع المجتمع المحلي
أحمد خواجة
لم تكن قوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان، منذ اليوم الأول لوصولها، مجرد قوة عسكرية هدفها القيام بأعمال المراقبة وتطبيق قرارات الأمم المتحدة، بل تفاعلت باستمرار مع المجتمع الأهلي، ونشأت علاقات بين عناصرها وبين المواطنين.
03・02・2026
عن قضايا الطائفة الشيعية بعد حرب ٢٠٢٤
أدهم جابر
حتّى اليوم لم تنتهِ تبِعات الحرب التي بدأت منذ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣. هذا الوضع القائم الذي يمكن اختزاله بحالة «اللاحرب، واللاسلم»، شكّل أساس الرأي العام الذي تبلوَر لدى أبناء الطائفة الشيعية وسواهم من أبناء الطوائف الأخرى الذين يعيشون في مناطق سيطرة «حزب الله».