
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخي. النص، رغم لغته التعبوية الثقيلة والمشبعة بالمفردات العقائدية والدينية، يكشف في عمقه عن انتقال نفسي وسياسي من خطاب القوة إلى خطاب التبرير، ومن منطق المبادرة إلى منطق الاحتماء بالرمزية، ومن مشروع الانتصار إلى محاولة احتواء آثار الهزيمة المعنوية والاجتماعية داخل البيئة الشيعية نفسها. فحين يصبح الخطاب موجّهًا بصورة شبه كاملة إلى «أهل المقاومة» وعائلات الشهداء والنازحين والمهجّرين، فهذا يعني أن القيادة لم تعد تخاطب الخارج بوصفها قوة فائضة قادرة على فرض الوقائع، بل باتت تخاطب الداخل القلق والمتصدّع والخائف من المستقبل، محاولةً إعادة ترميم ما تصدّع في الوعي الجماعي بعد التحولات الكبرى التي أصابت بنية المشروع كله.
النص يبدو أقرب إلى مرثيّة طويلة منه إلى خطاب تعبئة. فالإفراط في استحضار مفردات الصبر والشهادة والتهجير والتدمير والاستهداف الوجودي، يكشف بصورة غير مباشرة أن القيادة باتت تُدرك حجم الانهيار الذي أصاب جمهورها، لا فقط على المستوى المادي، بل على مستوى اليقين العقائدي والسياسي. هنا تحديدًا تظهر الإشكالية الكبرى؛ الخطاب لا يعِد الناس بشيء ملموس، لا يقدِّم أفقًا سياسيًّا، لا يتحدث عن إعادة بناء، لا عن حماية اجتماعية، لا عن مراجعة، لا عن محاسبة، ولا حتى عن تصوُّر واقعي للخروج من الكارثة. كل ما يقدّمه هو محاولة تحويل الخسارة إلى قيمة معنوية، والهزيمة إلى امتحان أخلاقي، والانكسار إلى نوع من التفوُّق الروحي. وهذه من أخطر اللحظات التي تمر بها أي جماعة سياسية أو عقائدية، حين تعجز عن تقديم مشروع واقعي فتلجأ إلى تعظيم الألم نفسه وتحويله إلى فضيلة.
في هذا السياق، يبدو محمد رعد وكأنه يكتب من داخل شعور شخصي عميق بالانطفاء منذ مقتل نجله سِراج. فمنذ تلك اللحظة، تغيّر أداء الرجل بصورة لافتة، وبات خطابه يحمل نبرة انكسار وجودي أكثر مما يحمل روح المواجهة التقليدية التي عُرف بها الحزب لعقود. لم يعد هناك ذلك النفَس الواثق الذي يتحدث عن التحولات الاستراتيجية أو عن تغيير موازين القوى أو عن الانتصارات الإلهية الحاسمة، بل حلّ مكانه خطاب أقرب إلى الاستسلام لفكرة الفقدان الكبير. وكأن خسارة الابن كان لحظة سقوط نفسي وسياسي انعكست على اللغة والأداء والنبرة وحتى على طريقة مخاطبة الجمهور.
المشكلة الأعمق أن هذا النوع من الخطاب يحمل في داخله إقرارًا ضمنيًّا بأن كل شيء قد خُسر تقريبًا. فالحديث المكثّف عن التهجير وتجريف القرى والانهيار والاستهداف الوجودي، مقرونًا بعدم تقديم أي تصوُّر للردع أو التغيير أو قلب المعادلات، يجعل الجمهور أمام حقيقة مرعبة؛ القيادة نفسها لم تعد تمتلك اليقين القديم. ولهذا بدا النداء وكأنه محاولة لإدارة مرحلة ما بعد الخسارة لا مرحلة صناعة النصر. وهنا تكمن الصدمة داخل البيئة الشيعية، لأن هذه البيئة لم تُبنَ نفسيًّا خلال العقود الماضية على ثقافة الاحتمال أو التعايش مع الهزيمة، بل على سردية التفوق الدائم والانتصار التاريخي والتحوُّل إلى قوة إقليمية صاعدة. وعندما تنتقل القيادة فجأة إلى خطاب الصبر على الخراب، فإن ذلك يهزّ الأساس النفسي الذي قامت عليه التعبئة طوال سنوات.
الأكثر خطورة أن النص يتعامل مع الجمهور بوصفه خزان تضحيات لا شريكًا في القرار. فالناس الذين خسروا أبناءهم ومنازلهم وأرزاقهم وحياتهم الطبيعية، لا يسمعون في المقابل أي اعتراف بحجم الكارثة التي يعيشونها، بل يسمعون إعادة إنتاج للخطاب ذاته الذي قادهم إلى هذا المصير. هنا يظهر البُعد النقدي الأشدّ قسوة؛ هل يكفي تمجيد الشهادة لتبرير انهيار مجتمع كامل؟ وهل يمكن الاستمرار في مطالبة الناس بالمزيد من الصبر فيما هم يفقدون كل شيء فعلًا؟ هناك لحظة تصبح فيها البلاغة نوعًا من القسوة، لأن الإفراط في تمجيد الألم قد يتحوَّل إلى تجاهل حقيقي لمعاناة البشر الواقعية.
النص أيضًا يكشف أزمة ثقة داخلية غير مسبوقة. فحين يهاجم «المتخاذلين» و«المراهنين على الخارج» و«المأخوذين بالأميركيين»، فهذا يعني أن القيادة تشعر بأن جزءًا من بيئتها بدأ فعلًا يطرح أسئلة محرّمة سابقًا؛ ماذا جنَينا؟ أين الدولة؟ لماذا دفع الشيعة هذا الثمن الهائل وحدهم تقريبًا؟ ولماذا تبدو الطائفة اليوم أكثر عزلة وفقرًا وخوفًا مما كانت عليه قبل سنوات؟ هذه الأسئلة لم تعُد هامشية، بل أصبحت جزءًا من الوعي اليومي داخل البيئة الشيعية، حتى وإن لم تُعلَن بصوت مرتفع.
ومن هنا تحديدًا، يبدو خطاب محمد رعد متأخرًا عن اللحظة التاريخية. فهو لا يخاطب جيلًا منتصرًا بل جيلًا مُتعبًا ومصدومًا ومحمّلًا بالخسائر. ولا يمكن لجمهور يعيش انهيارًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا بهذا الحجم أن يكتفي بالشعارات ذاتها التي كانت فعالة في مراحل الصعود. فالمجتمعات حين تتعرض لخسائر كبرى تبدأ تلقائيًّا بمراجعة سردياتها المؤسِّسة، وهذا ما تخشاه القيادة فعلًا، لذلك جاء الخطاب دفاعيًّا ومشحونًا بالعاطفة الدينية إلى هذا الحد.
لكن المفارقة الأشد إيلامًا أن آلاف العائلات الشيعية التي خسرت أبناءها ومنازلها وأعمارها، ربما كانت تنتظر من قيادة بهذا الحجم شيئًا مختلفًا؛ لحظة شجاعة أخلاقية، مراجعة حقيقية، اعترافًا بحجم المأساة، أو حتى كلمة تقول إن الدماء لم تعد مادة لاستمرار الصراع المفتوح إلى ما لا نهاية. ولذلك بدا الخطاب، بالنسبة إلى كثيرين، وكأنه محاولة لتثبيت الناس داخل الألم لا إخراجهم منه.
لهذا يمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا. ولهذا تستعيض عن الاعتراف بإغراق الجمهور بالمفردات العقائدية والتاريخية والدينية، في محاولة لتأجيل الانفجار النفسي داخل البيئة الحاضنة. غير أن المجتمعات التي تخسر بهذا الحجم لا تعيش على اللغة وحدها، بل تحتاج إلى أفق، والنداء كله كان يفتقر إلى أي أفق فعلي، وكأن قائله يطلب من الناس فقط أن يتحملوا الخسارة والموت بصمت وأن يحوّلوا هزيمتهم إلى شكل من أشكال الفضيلة التاريخية.
لذلك؛ فان البيئة الشيعية، بعد كل ما عاشته من خسائر وتحوُّلات، لم تعد تحتاج إلى خطابات تعبئة مغلقة تقوم على إعادة إنتاج الألم والعقيدة ذاتها، بل إلى مراجعة عميقة في الأشخاص والأسلوب والمضمون وطريقة التفكير. فلبنان لا يُدار بمنطق الجماعات العقائدية الصلبة، بل بمنطق التوازنات الدقيقة والشراكات والهواجس المتبادلة بين مكوّناته. وأي خطاب يستمر في مخاطبة الناس بلغة الصمود المجرد فيما هم يبحثون عن دولة وحياة واستقرار ومستقبل، سيزيد التصدُّع النفسي والسياسي داخل البيئة نفسها. المطلوب انتقال حقيقي من خطاب التعبئة إلى خطاب الشراكة الوطنية، ومن عقلية المواجهة المفتوحة إلى عقلية حماية المجتمع، لأن البنية العقائدية حين تُستنزف بالحروب والخسائر من دون أفق، تصبح أكثر ضعفًا أمام أي اهتزاز، فيما التركيبة اللبنانية بطبيعتها لا تحتمل مشاريع مغلقة بل تحتاج إلى مرونة وواقعية وقدرة على إعادة تعريف الأولويات بما يحفظ الناس قبل الشعارات.
* باحث - دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال




