03・11・2025
من العدد ٢٧
الدين كشرعية للاستمرار السياسي... ولاية الفقيه في اختبار البقاء


منذ نشأة التشيّع الإمامي، ارتبط الفكر السياسي الشيعي والشرعية السياسية بمفهوم الإمامة الإلهية التي تُعدّ امتدادًا للنبوّة في القيادة، بحيث تكون السلطة الدينية والسياسية في يد الإمام المعصوم المنصوص عليه.

كانت الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر عند الشيعة الإثني عشرية محمد بن الحسن المهدي في أواخر القرن العاشر ميلادي، مع ما رافقها من انقطاع التواصل معه عبر نواب خاصّين، بداية لمرحلة جديدة من الفراغ السياسي عندهم. فهم إماميون يعتبرون أن السلطة من حق الإمام المعصوم المعيَّن، وكل ما عدا ذلك يقع تحت عنوان اللاشرعية والغصبية. 
مع طول غياب الإمام عن العمر الطبيعي المتوقّع، ومع ضغط الواقع وتغيّراته، بدأ الفقهاء الشيعة بالاجتهاد في موضوع السلطة والتعاطي معها. وقد تنوعت هذه الاجتهادات، من تلك التي تبنّت فكرة اعتزال السلطة، إلى نظريات عديدة أخرى تسمح بالتعاطي مع السلطة والانخراط فيها.
كانت هذه النظريات المتعددة تحاول إيجاد آليات تعاطٍ شرعية مع السلطة، وفي السلطة، ريثما يظهر الإمام الغائب. أي إنها سعَت إلى شرْعنة ذلك الفعل، لا شرْعنة تلك السلطة. وكانت مهمة الفقيه التبليغ والإفتاء وإقامة الحدود إضافة إلى الولاية على الأمور الحسبية (الولاية على أموال الأيتام والقُصَّر...) وقد تجاوزتها خلال العصر الصفوي انطلاقا من القرن السادس عشر مع مشاركة الفقيه في السلطة إلى جانب السلطان. وبقي الأمر ضمن هذا النطاق حتى مطلع القرن التاسع عشر. 
كانت نظرية ولاية الفقيه التي أطلقها أحمد النراقي (توفي ١٨٢٩م) انقلابا شيعيًّا في هذا المجال. وبموجبها أصبح لا فارق موجودًا في صلاحيات الوظيفة والحكم بين الإمام المعصوم والفقيه المجتهد. وحاكمية الفقيه المطلقة هنا تختلف عن تلك العقيدة التي نَظَّر لها الفقيه الشافعي الماوردي (توفي ١٠٥٨م) في كتابه الشهير «الأحكام السلطانية» حيث اشترط في الخليفة الحاكم العدالة والعلم المؤدّي إلى الاجتهاد. لكن هذه النظرية الشيعية الجديدة لم تجد طريقًا إلى التطبيق إلّا في أواخر القرن العشرين على يد الخميني بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩ على أساس هذه النظرية.
شكّل قيام دولة ولاية الفقيه حدثًا مفصليًّا في التاريخ الشيعي المعاصر، ففيها حصل تلازُم للدِّين مع السياسة. وتحوّل الإيمان إلى سلطة وتشريع. فلم يعد الدِّين مجرد مرجعية روحية، ولا ولاية الفقيه مجرد نظرية حكم، بل أصبحا معًا إطارًا سلطويًّا وتشريعيًّا أساسه الشرع الإلهي، وتمارس الدولة من خلاله وظيفة الإمام الغائب. وهكذا قامت إيران على هذا الأساس الولائي الذي قّدم نفسه كامتداد شرعي للإرادة والقيادة الإلهية في زمن الغيبة.
من ناحية أخرى، اعتبر متبنّو هذه النظرية أنّ هذه الولاية، بهذا الشكل السلطوي، هي أبهى مظاهر التمهيد لظهور الإمام المهدي الغائب، واعتبروها، بما فيها من حركية سياسية، نموذج انتظار إيجابي له، مقابل ما وصَفوه بنماذج الانتظار السلبي بخصوص باقي النظريات. وهكذا حصل تلازم جديد هنا بين دولة ولاية الفقيه وظهور الإمام المهدي. وانتشرت هذه الثقافة داخل هذه البيئة التي باتت تعتبر أن هذه الدولة، على هذا الشكل، هي التي ستبقى وتستمر كي تسلِّم راية الحق للمهدي، وقاموا انطلاقًا من هذا المبدأ بعمليّات إسقاط للشخصيات الروائية الموجودة في روايات عصر الظهور في كتب التراث الشيعي على الشخصيات المعاصرة الموجودة في إيران وخارجها. وبات الخميني هو «رجل من قُم» الموعود، والإيرانيون الولائيون هم الخراسانيون الذين سيكونون عِماد جيش المهدي.
بالنسبة إلى استمرارية هذا التمهيد، وبشكل بديهي، الموضوع مرتبط باستمرار نظام ولاية الفقيه الإايراني. فالوليّ الفقيه عندهم هو قائد الشيعة في زمن الغيبة، وهو القادر على لعب هذا الدور التمهيدي، والظهور يحتاج إلى قاعدة متينة تؤسِّس له، وهي تتمثّل بدولة الوليّ. انطلاقًا من ذلك نراهم يشدّدون على أن هذه الراية ستستمر وتسلَّم للإمام المهدي، غير معتبِرين من سُنن التاريخ الشيعي نفسه، والذي يكرر نفسه أحيانًا بصُوَر ما. فمطلع القرن التاسع عشر مثلًا، خلال الحكم القاجاري لبلاد فارس، وفي عزِّ الحروب مع الامبراطورية الروسية والسلطنة العثمانية، كان فقهاء شيعة، ومنهم الشيخ جعفر كاشف الغطاء، يرون أن هذه الدولة ستتصل بدولة صاحب الزمان الإمام المهدي الغائب. فكان أن زالت من الوجود عام ١٩٢٥، لتبدأ معها مرحلة حكم بهلوي جديد. 
ترك هذا الواقع السلطوي الدِّيني الجديد، وما رافقه من ثقافة خاصة مرتبطة بمسألة الظهور، تأثيره على الفكر والسلوك السياسيين للنظام الإيراني، وعلى مَن يرتبط به، كـ«حزب الله» في لبنان والفصائل الأخرى في العراق، وغيرهم. وهكذا أصبح وجود هذا النموذج الإيراني في الحكم بالنسبة لهؤلاء استمرار لعقيدتَي ولاية الفقيه والتمهيد المبنيّتين عليه. 
انطلاقًا من ذلك، عمل القيّمون على النظام في إيران على فعل كل ما يمكن للحفاظ على هذا النموذج، وسلَكوا في حركتهم السياسية ما يُفيد في هذا الاتجاه.  فزرعوا في النفوس وجوب التضحية بأي شيء في سبيله. ونَظّروا لذلك من خلال اعتبار أن كل شيء بما فيه زهْق الأنفس والأرواح، ولو كانت نفس صاحب الزمان (مبالغة للتعبير عن محورية النظام في الفكر والحركة)، يهون مقابل الحفاظ على الجمهورية الإسلامية. كما أنشأوا أذرعًا خارجية تُفيدهم في هذا المجال. وتخلّوا في أحيان عديدة عن الثورية لمصلحة البراغماتية حفاظًا على النظام، تمامًا كما حصل مثلًا  في قضية إيران – «كونترا». فخلال الثمانينات من القرن الماضي كانت إيران منغمسة في معارك طاحنة مع العراق، وكانت تُعاني من نقص شديد في الأسلحة نتيجة العقوبات عليها. ورغم عداء الخميني المُعلن للولايات المتحدة، باعتبار أنها الشيطان الأكبر، إلّا أنّ النظام الإيراني وافق على شراء الأسلحة منها سرًّا بسبب حاجتهم الشديدة إليها، وتمّ توظيف الأموال الإيرانية المدفوعة لتمويل حركة «كونترا» المعارضة للنظام السانديني اليساري في نيكاراغوا والتي كان يرفض الكونغرس الأميركي تمويلها. فكان أن كُشِفت الصفقة هذه متسبّبة بزلزالَين داخل إيران والولايات المتحدة. ورغم تناقض هذا الفعل مع أسس وشعارات الثورة، إلّا أن إيران قامت بإعدام المتهم بهذه التسريبات إلى الإعلام مهدي الهاشمي، المقرّب من نائب الوليّ الفقيه وقتها حسين منتظري، وهو من التيار الثوري المعارض لأي تقارب مع الغرب. أعدمه النظام بتهم عديدة، منها فضح أسرار سياسية وعسكرية. وبإعدامه صمت الإعلام الإيراني، وصُوِّرت المسألة على أنها مؤامرة خارجية ضد النظام شارك الهاشمي فيها. كذلك وفي مظهر آخر من مظاهر البراغماتية، نجد حديثًا تراجعًا كبيرًا في التشدّد داخل النظام في موضوع حجاب المرأة الإلزامي وما يترتّب عليه من عقوبات، والذي كان قد أثار انتفاضة شعبية كبيرة بعد حادثة مقتل مهسا أميني عام ٢٠٢٢.
الأمر نفسه نجده في مسألة سلاح «حزب الله» والتمسُّك به، المرتبطة بنفس المشروع. فالحزب يسعى للحفاظ على هذا السلاح تحت أي عنوان، وبأيّ شكل من الأشكال، كي يبقى له هامش مناورة ذهنية يقدّمه للأتباع في هذا المجال. فهو كان قد زرع في نفوس الأتباع، وعبر عقود، ثقافة مفادها أن هذا السلاح لن يسلَّم إلّا إلى الإمام المهدي. وهو يُدرك تداعيات نهاية وجود هذا السلاح في كينونات الأتباع. فعل الحزب كل شيء يمكن أن يضمن له الإبقاء على هذا السلاح وبقاء الرمزية المرتبطة به. ولجأ لهذه الغاية إلى البراغماتية في سلوكه السياسي في الداخل اللبناني خلال الفترات الماضية، ثم خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل وما تلاها. 
إذًا، خلافًا للسلطة المستقلة عن الدِّين، وحيث إنه بإمكان الدِّين أن ينجو من تداعيات سقوطها، فإن الأمر يكون مختلفًا بخصوص السلطة المبنية على عقيدة دينية. فالولائيون يعلمون أن نهاية هذا النظام في إيران لن تكون تداعياته سياسية فقط، بل ستنعكس أيضًا دينيًّا، تمامًا كما حصل مع انهيار الاتحاد السوفياتي وما رافقه من تقهقر للإيديولوجيا الماركسية، وما حصل من صدمة قبلًا بعد سقوط الخلافة العثمانية.
إنّ سقوط النظام في إيران سيعني عمليًّا اهتزاز الثقة بالعقيدة القائم عليها، عقيدة ولاية الفقيه وما يرتبط بها، كالتمهيد للإمام الغائب. كذلك سيؤدّي إلى وقوع أتباعها في فراغ روحي - سياسي. ولن ينفع التأويل في هذا المجال إلّا في ظلّ بناء جديد لها بعيدًا عن السلطة، فتصبح ولايتها نظرية فقط كما كانت قبل عام ١٩٧٩.
ختامًا، إنّ ولاية الفقيه تواجه اليوم إشكالية مزدوجة. فهي من جهة تسعى إلى الحفاظ على شرعيتها الدِّينية في زمن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية العميقة، ومن جهة أخرى لتثبيت وجودها السياسي كأساس للدولة الضامنة لاستمرار بنيتها العقائدية الولائية. وهكذا أصبح اختبار البقاء للنظام اختبار لبنية فكرية كاملة أكثر منه امتحانًا لتجربة حكم. وأي اهتزاز حاصل لن يكون مجرد تحدٍّ سياسي، بل سيمثّل اختبارًا لقدرة الفكر الشيعي الحديث على التوفيق بين السياسي والغيبي القائم على فكرة التمهيد وتسليم الراية للمخلِّص المنتظَر.
 

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.
أيضاً للكاتب/ة
03・02・2026
٨ أوكتوبر.. سرديات التبرير وصياغة شرعية الحرب خارج ميزان الكلفة والمقاصد
بهاء الحسيني العاملي
ذكر علماء الأصول احتمالات على ترجيح أحد المتزاحمَين على الآخر، أحدها من حيث الملاك والمصلحة فعلًا وتركًا هو «تقديم الأهم على المهم» سواء بخصوص النفع أو دفع الضرر.
03・09・2025
التكليف كغاية: بين الولاء العقائدي وانعدام المسؤولية الواقعية
بهاء الحسيني العاملي
إنّ العلاقة بين الفكر والسلوك هي علاقة تأثير وتأثّر. فالأفكار التي يحملها الإنسان ويعتقد بها تجاه نفسه والآخرين تنعكس على سلوكه، وفي ردود أفعاله. وفي نفس الوقت، فإنّ السلوك أيضًا يغيّر في الأفكار من خلال التجربة والممارسة وما ينتج عنهما على أرض الواقع.
03・06・2025
من الشيخ إلى السيد
بهاء الحسيني العاملي

دائمًا، عند أقرب فرصة، تتكرّر جدليّة الالتحاق بالمحاور كمادّة للنقاش. فخَيار الانضمام إليها سياسيٍّا وعسكريًّا ليس شيئًا جديدًا في السياسة والعسكر، بل هو أمر ضارب في جذور التاريخ.