13・06・2026
من العدد ٣٥
بين حربين: نساء الجنوب يحملن ما تبقّى من الحياة

 

تُظهر الأزمة الراهنة في لبنان، بعد سنوات من الحرب وعمليات النزوح، تدهورًا واضحًا في أوضاع النساء والأُسر المعيلة. فقد تعرّض الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت لأشدّ موجات القصف خلال الحرب الماضية، ومع تجدّد الحرب تكرّرت موجات النزوح والخسارة، ما أجبر أكثر من مليون لبناني على ترك منازلهم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو نصف النازحين كانوا من النساء والفتيات، فيما وجدت آلاف النساء أنفسهن أمام مسؤوليات مضاعفة، بين النزوح والخسارة وتأمين الحد الأدنى من الحياة اليومية.

أصبحت النساء المعيلات للأُسر يتحمّلن الجزء الأكبر من أعباء الحياة. فإلى جانب تأمين الطعام والدواء ومتابعة تعليم الأطفال، وجدت كثيرات أنفسهن مسؤولات عن رعاية كبار السن والمرضى داخل ظروف نزوح قاسية وغير مستقرة. وتشير التقارير الإنسانية إلى أن مئات آلاف النساء النازحات يعشن ضغوطًا نفسية ومعيشية حادة نتيجة فقدان الاستقرار والخوف المستمر من المستقبل.

 

بين حربين، العمر يمر

في بيروت، تجلس السيدة علياء، المعروفة بـ«أم علي»، داخل شقة صغيرة لجأت إليها مع أولادها وأحفادها بعد نزوحها من الجنوب. تنظر إلى يديها المتعبَتين وتقول: «قدّيش بعد بدنا نعيش لنرجع نزرع ونعمّر؟».

أم علي، السبعينية، أمضت عمرها في قريتها الجنوبية. كانت تعيش من أرضها وزراعتها ومحاصيلها، وتعتبر الأرض جزءًا من حياتها وكرامتها. خلال حرب ٢٠٢٤، طال القصف منزلها وأحرق مزروعاتها ودمّر مصدر رزقها الوحيد. يومها، نزحت مع عائلتها إلى بيروت للمرة الأولى، تاركة خلْفها البيت والأرض وكل ما بنَته خلال سنوات طويلة.

بعد وقف إطلاق النار، عادت إلى قريتها على أمل استعادة حياتها. بدأت مع أولادها ترميم المنزل وإعادة تأهيل الأرض، وزرعت موسمًا جديدًا من الخضار والأشجار. تقول: «فلحت الأرض وزرعتها بيدي. أنا مزارعة ولست امرأة مرفّهة». كانت تعتقد أن ما عاشته هو الحرب الأخيرة، وأن تعب العمر لن يضيع مرة أخرى.

لكن مع تجدّد التصعيد في ربيع ٢٠٢٦، نزحت أم علي من جديد. خرجت من قريتها من دون أن تحمل معها سوى بعض الملابس. تقول: «كنا نعيش على الأرض ونعمّرها. اليوم صار عيشنا خوفًا من الغد، وخوفًا على أولادنا وأحفادنا بلا بيوت ولا مدارس».

تحوّل النزوح بالنسبة إليها إلى عبء يومي من القلق والخسارة ومحاولة حماية العائلة وسط ظروف معيشية قاسية. فقدَت مصدر دخلها، وتعطّلت أعمال أبنائها، وأصبحت مسؤولة عن متابعة تفاصيل الحياة اليومية داخل مدينة تختلف تمامًا عن حياة القرية التي اعتادت عليها.

 

 

النساء كحاملات للصمود

قصة أم علي تشبه حياة آلاف النساء اللواتي تحوّلن خلال الحرب إلى معيلات فعليات لعائلاتهن، في وقت انهارت فيه مصادر الدخل وارتفعت تكاليف الحياة بشكل غير مسبوق. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نسبة النساء والفتيات بلغت نحو ٥١% من إجمالي النازحين داخليًّا خلال الحرب، فيما كانت نسبة كبيرة من الأُسر النازحة تُعال من قبل نساء.

فقَدت كثيرات أعمالهن المرتبطة بالزراعة أو الأعمال الصغيرة أو الأجور اليومية. وفي الوقت نفسه، تضاعفت مسؤولياتهن داخل أماكن النزوح، من رعاية الأطفال وكبار السن إلى تأمين الطعام والدواء ومتابعة الحياة اليومية للعائلة. هذا العمل اليومي بقي غير مرئي وغير مدفوع، رغم أنه يشكّل أساس بقاء العائلات واستمرارها خلال الحرب.

في المدن، واجهت النساء النازحات عزلة مختلفة عن حياة القرى. فالعلاقات الاجتماعية التي كانت تؤمّن الدعم والمساندة تراجعت مع النزوح، فيما ارتفعت تكاليف السكن والنقل والاحتياجات الأساسية. بعض العائلات اضطرت للعيش في شقق مكتظة تتشاركها عدة أُسر، فيما لجأت عائلات أخرى إلى المدارس أو أماكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية والاستقرار.

هذا الواقع لا يمكن فصله عن طبيعة الدور الذي رُسم للنساء داخل البيئة الشيعية خلال سنوات الحرب، حيث ارتبط حضورهن الاجتماعي بفكرة الصمود والتحمّل، أكثر من ارتباطه بحقوقهن أو بحمايتهن الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

النساء داخل البيئة الشيعية

في القرى الجنوبية، لا تُقدَّم النساء عادة كجزء من ثقافة الصمود نفسها. داخل البيئة الشيعية، وخصوصًا في الخطاب المرتبط بـ«حزب الله»، تُصوَّر المرأة بوصفها حاضنة للمقاومة، تتحمّل غياب الرجل، وتربي الأبناء، وتحافظ على تماسك العائلة خلال الحرب. وتستند هذه الصورة إلى مفاهيم دينية واجتماعية تمجّد الصبر والتضحية، وتربط دور النساء بحماية المجتمع واستمراره.

تُمنح النساء داخل هذا الخطاب دورًا معنويًّا واجتماعيًّا أساسيًّا، حيث يُنظر إليهن كجزء من معادلة الصمود الشعبي. فالأم التي تفقد ابنها، أو الزوجة التي تتحمّل غياب زوجها، تُقدَّم بوصفها نموذجًا للتضحية والثبات. ومع الوقت، تحوّل هذا التصوّر إلى جزء من الثقافة اليومية داخل البيئة الجنوبية، حيث يصبح الصبر واجبًا اجتماعيًّا، وتتحوّل القدرة على التحمّل إلى معيار للقوة والانتماء.

وهاتان الحربان كانتا ترجمة فعلية لفكرة الصبر والتضحية التي طُلبت من النساء لسنوات، حيث وجدن أنفسهن في مواجهة الفقر والنزوح وغياب الحماية الاقتصادية والاجتماعية. كثيرات أصبحن أرامل أو مسؤولات وحدهن عن إعالة العائلة، من دون وجود شبكة أمان حقيقية أو دعم كافٍ يخفف عنهن أعباء الحياة اليومية.

وهذا ما يكشف أن النساء عشن بين خطاب ديني يمجّد الصبر والتضحية، وواقع اقتصادي قاسٍ حمّلهن وحدهن كلفة الحرب والخسارة والنزوح.

 

 

ما بعد الصمود

مع استمرار الحرب وتكرار النزوح، أصبحت النساء يخشين المستقبل نفسه. فكل حرب جديدة تعني احتمال خسارة البيت والعمل والاستقرار مرة أخرى، وتعني أيضًا البدء من الصفر مهما كان العمر أو حجم التعب المتراكم.

في الجنوب اللبناني، تشكل الحرب زمنًا طويلًا من الخسارات المتراكمة. فكل نزوح جديد يسلبهن الإحساس بالأمان والقدرة على التخطيط للمستقبل. وبين خطاب الصمود وواقع الانهيار، تبقى النساء الحلقة الأكثر تحمّلًا والأقل حماية، يحملن وحدهن عبء النجاة فيما يمر العمر بين حرب وأخرى.

 

مقالات مشابهة
25・05・2026
أنا أنثى... جنوبية
علي خليل ترحيني
نشأتُ في رحاب الضيعة، حيث مزيجٌ من النار والخوف والذكاء والتمرد والحياء. عشت تفاصيل الطبيعة؛ أسبح في أشعّة الصباح مع الفراشات والسنونو، وأتسابق مع الحساسين وشحرور الوادي على ظهر حمار جدّي. كنت أستمع إلى أصوات الحياة والمقاومة، من تراتيل القرآن الكريم إلى «صوت الشرق» و...
03・12・2025
النساء الشيعيات في السياسة اللبنانية: قراءة تفكيكية قبيل الانتخابات البرلمانية
آلاء نجم
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في لبنان، يتجدّد النقاش حول موقع النساء الشيعيات في الحياة السياسية، في ظلِّ بنية حزبية - طائفية تُحكم السيطرة على المجال العام، وتضع النساء ضمن أدوار مراقَبة ومحدودة.
03・11・2025
تحوّلات الزيّ النسائي في الجنوب اللبناني: من التعبير الاجتماعي إلى الرمز الأيديولوجي
آلاء نجم
يصبح الزيّ النسائي، خصوصًا في السياقات الدينية أو «المقاومة»، آلية لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي والجنسي، إذ يُترجم عبره ما يسمّيه بورديو «العنف الرمزي»...