09・06・2026
من العدد ٣٥
التضليل الإعلامي بوصفه سلاح حرب
كيف يوظّف «حزب الله» الأخبار المضلِّلة في حربه الحالية؟

عندما أطلقَ «حزب الله» الصواريخ في الثاني من آذار على إسرائيل، سادت حالة من الارتباك حتى داخل بيئته الإعلامية، إذ لمْ يصدّق بعض إعلامييه وصحافييه وجمهوره أنّ العملية صادرة عنه فعلًا.

وبقي هذا الالتباس قائمًا إلى أن صدر البيان الأول، الذي قدّم العملية باعتبارها «ثأرًا لعلي خامنئي».

غير أنّ هذا التأطير لم يكن كافيًا لامتصاص التململ، خصوصًا في أوساط النازحين الذين بدَت ردود فعلهم متحفّظة أو قلقة من تداعيات التصعيد. هنا، تدخَّل الجهاز الإعلامي مجدّدًا عبر بيان ثانٍ أعاد كتابة الحدث بطريقة مختلفة: «دفاعاً عن لبنان وشعبه»، وربطَ العملية بالاختراقات التي أدّت إلى مقتل المدنيين منذ وقف إطلاق النار.

انتقل «حزب الله» من خطاب الثأر إلى خطاب الدفاع بهدف إعادة ضبط التململ الشعبي وتوجيهه. ففي اللحظة التي تبيّن فيها أن محاولة إضفاء بعدٍ إقليمي على العملية لم تحقق الأثر المتوقع، جرى استدعاء الخطاب الوطني والدفاعي كإطار بديل. ويُفهم هذا التحول في سياق محاولة احتواء صدمة جزء من الجمهور، خصوصًا إزاء محدودية الأثر العسكري للصواريخ الستة، إضافة إلى تهدئة المواقف المتحفظة داخل البيئة اللبنانية المعارضة أو غير المؤيدة للتصعيد.

ولم يكتف «حزب الله» بإصدار البيانات، فقد طلع علينا أمينه العام نعيم قاسم ليقدّم خطابًا يبرّر فيه إطلاق الصواريخ ردًّا على استمرار العدوان الإسرائيلي - الأمريكي وانتهاك وقف إطلاق النار. وركّز في خطابه على أن ما جرى فعل دفاعي مشروع ضمن سياق الاستباحة المستمرة للبنان، مع تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ضعف المواجهة السياسية والدبلوماسية. كما اعتبر   إسرائيل خطراً وجوديًّا يتجاوز لبنان، مؤكدًا أن المقاومة وسلاحها حق مشروع في مواجهة الاحتلال. واختتم بتشديد على استمرار المواجهة وربطها بالثبات العقائدي والسياسي، مع دعوة إلى وحدة داخلية وإسناد النازحين في ظلِّ التصعيد.

 

التضخيم والانتقاء في الإعلام الموالي لـ«حزب الله»

يُعدّ الانتقاء الإخباري أحد أشكال التضليل القائم على اختيار معلومات محدّدة وإغفال أخرى بما يخدم سردية مسبقة. ويُلاحظ أن هذا النمط من التضليل لا يعتمد على التزييف المباشر بقدر ما يقوم على إعادة ترتيب الواقع وإبراز أجزاء منه دون غيرها. وبهذا، تقدّم الوسائل الإعلامية الأخبار بطريقة غير محايدة عبر انتقاء الوقائع والمصادر وصياغتها على نحو يوجّه الفهم العام للحدث وفق منظور معين، ولا سيما في السياقات السياسية وفي حالات الصراعات والحروب التي تتعدّد فيها الروايات.

وتُعدّ قناة «بنت جبيل» مثالًا على الإعلام الحزبي المحلي الذي يحظى بمتابعة واسعة على منصّاتها. ويُلاحظ أنها تُبرز بشكل مكثّف العمليات العسكرية المرتبطة بـ«حزب الله»، وتعرضها في كثير من الأحيان ضمن إطار يوحي بالتفوّق الميداني أو نجاح العمليات، حتى في الحالات التي تبقى فيها النتائج العسكرية غير محسومة أو قابلة للتأويل. وتعتمد القناة في تغطيتها على مقاربة انتقائية، إذ تركّز على مشاهد وتصريحات محددة قد تمنح انطباعًا يتجاوز حجمها الفعلي في سياق المعركة، وهو ما يتوافق مع آليات الانحياز في اختيار الأخبار وإبراز بعضها وإغفال أخرى. ويشمل ذلك تقليل التركيز على حجم الدمار الذي لحق بالقرى الجنوبية، أو طبيعة القدرات العسكرية المقابلة لدى إسرائيل، إلى جوانب أخرى من المشهد لا تحظى بالاهتمام نفسه في التغطية الإعلامية.

إضافة إلى ذلك، تعتمد القناة على نقل تصريحات من وسائل إعلام إسرائيلية أو معارضين داخل إسرائيل، غير أنّ هذه المواد تُنتقى بعناية من سياقاتها الأصلية ويعاد تداولها ضمن إطار يهدف إلى تعزيز القدرة العسكرية لدى «حزب الله». كما تُستَخدم أحيانًا آراء ضيوف في برامج تحليلية من قنوات إسرائيلية تنتقد سياسات بنيامين نتنياهو العسكرية وتتناول ما يُصوَّر على أنه عجز في ردع صواريخ «حزب الله»، إلى جانب الإشارة إلى القُدرات العسكرية الهائلة للحزب. غير أنّ هذا الطرح لا يترافق غالبًا مع الصورة الميدانية الفعلية، إذ تشير الوقائع الميدانية إلى أن تأثير الصواريخ والطائرات المسيّرة لم تغيّر بصورة كبيرة واقع الأمن في المناطق الإسرائيلية القريبة من الحدود، حيث لم تشهد تلك المناطق موجات نزوح مماثلة لما حدث في الجانب اللبناني، خصوصًا في قرى وبلدات جنوب الليطاني التي تعرضت لعمليات تهجير واسعة.

 

 

وقد أسهم هذا النمط من التغطية، بالتوازي مع انتشاره على منصات التواصل الاجتماعي، في تعزيز ما يُعرف بـ«غُرف الصدى»، حيث يتعرض الجمهور لمعلومات متجانسة حول «النصر» دون مواجهة روايات بديلة أو معلومات مغايرة. وأدّى ذلك إلى حالة من العزل المعلوماتي لدى بعض الفئات، ولا سيما في البيئة الشيعية في الجنوب، إذ تشكلت تصوّرات موحدة إلى حد كبير حول طبيعة نتائج المواجهة. وظهر هذا الأثر بوضوح عند إعلان الهدنة وتوجه عدد من السكان نحو مناطق جنوب نهر الليطاني، استنادًا إلى تصوّر بأن المشهد يشبه ما أعقب حرب عام ٢٠٠٦، إلّا أنهم فوجئوا بتصريحات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي التي حذّر فيها من العودة إلى بعض القرى، ما كشف فجوة بين التوقعات المتشكّلة عبر الإعلام وبين الواقع الميداني.

إلى جانب الانتقاء، اعتمد بعض المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي، والمنصات الموالية على المبالغة وتضخيم الأثر العسكري وإظهار مشاهد القتال ضمن رواية تقوم على تثبيت الانتصار. وقد انتشرت عبارات من نوع: «الميركافا تحترق» و«الانتقال إلى الجليل بات مسألة وقت» على نحو كثيف في التغطية التلفزيونية والمنصات الرقمية، مرفقة بمقاطع مصوّرة تُظهر استهداف آليات عسكرية إسرائيلية، أو احتراق دبابات، أو إصابة جنود في نقاط حدودية، بما يرسّخ انطباعًا بأن ميزان المعركة يميل ميدانيًّا إلى الحسم. غير أنّ جزءًا معتبرًا من هذه المواد لم يكن موثوقًا بالضرورة، بل جرى تداوله في كثير من الأحيان من دون تحقق زمني أو جغرافي دقيق، أو أُعيد استخدامه خارج سياقه الأصلي أو بطريقة فيها مبالغة كبيرة.

 

 

 

 

وتُظهر قناة «الميادين» هذا النمط بوضوح، إذ بثّت مرارًا مقاطع مصوّرة لعمليات استهداف دبابة «ميركافا» وآليات عسكرية إسرائيلية مع عناوين توحي بحسم ميداني واسع، من بينها تقرير مصوّر عن استهداف دبابة «ميركافا» وآلية «نميرا» في رويسات العلَم، جرى تداوله على نطاق واسع على أنه دليل على اختراق ميداني متقدم.

 

 

ومن جهة أخرى أظهرت تقارير تدقيق أن عددًا كبيراً من المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي من قِبل المستخدمين لم تكن حديثة، بل تعود إلى جولات سابقة من الاشتباك، وأُعيد نشرها على أنها مواد جديدة. وقد وثّقت منصة «مسبار» لمكافحة الأخبار الزائفة مثالًا واضحًا على ذلك في مقطع متداول زعَم ناشروه أنه يُظهر تصدّي مقاتلي «قوة الرضوان» لتوغّل دبابات «ميركافا» إسرائيلية في جنوبي لبنان، قبل أن يتبيّن أن الفيديو مضلّل، وأن مشاهده تعود في الأصل إلى استهداف نفّذته «كتائب القسام» الفلسطينية ضد آليات إسرائيلية في قطاع غزة خلال أيلول ٢٠٢٤، ولا صلة له بالاشتباكات التي نُشرت على أنه يوثقها.

 يمتدّ هذا النمط إلى توظيف صوَر ومقاطع مولّدة أو معدّلة رقميًّا، أو مواد يُعاد اقتطاعها وتحريرها على نحو يضخّم الأثر البصري للضربات، خاصة في ما يتصل بالمواقع الإسرائيلية والخسائر العسكرية. ومع إعادة نشر هذه المواد عبر الخوارزميات ومنصات التفاعل السريع، تتكرّس سردية نصر شبيهة بتلك التي أُنتجت عقب حرب تموز ٢٠٠٦، رغم اختلاف الوقائع الميدانية والسياقات العسكرية.

 

حادثة الإنزال الجوي قرب النبي شيت في البقاع

في آذار ٢٠٢٦، نفّذت قوة إسرائيلية خاصة عملية عسكرية في بلدة النبي شيت في البقاع، قالت إنّها هدفت إلى البحث عن أدلّة مرتبطة بالطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد. سبقت العملية رسالة إخلاء نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دعا فيها سكان عدد من البلدات المحيطة إلى المغادرة فورًا.

دخلت مروحيات إسرائيلية الأجواء اللبنانية من جهة سوريا، وأنزلت وحدة «كوماندوس» قرب النبي شيت بلباس يشبه زيّ الجيش اللبناني، قبل أن تندلع اشتباكات مع سكان محليين. أعقب ذلك غطاء جوي كثيف شمل نحو ٤٠ غارة إسرائيلية لتأمين القوة المنفّذة وانسحابها. وأسفرت العملية عن مقتل ٤١ لبنانيًّا وإصابة نحو أربعين آخرين، من دون تسجيل خسائر إسرائيلية، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنّ المهمة انتهت من دون تحقيق أي نتيجة. 

وقد نشر SKeyes Center for Media and Cultural Freedom تقريرًا مفصّلًا عن الحادثة، خلُص فيه إلى وجود فجوة واضحة بين ما روّجته الوسائل الإعلامية والرقمية المحسوبة على «حزب الله»، وبين الوقائع الميدانية التي أمكن التحقق منها. وتكمن أهمية التقرير في تفكيكه ما يسمّيه آلية «الاستدلال الدائري» أي حلقة مغلقة لتدوير المعلومات من دون مصدر أولي. 

يرصد التقرير كيف بدأت هذه الحلقة مع قنوات مقرّبة من «حزب الله»، نشرت روايات مزيّفة عن اشتباكات عنيفة، وأسر جنود إسرائيليين، وتداولت مقطعًا مصوّرًا على قناة «بنت جبيل» قيل إنّه يوثّق سقوط مروحية إسرائيلية. ثم نُسبت هذه الادعاءات، مع تفاصيل ميدانية مختلقة، إلى «إعلام عبري» غير محدّد. بعد ذلك، أعادت قناة «تلغرام»، الناطقة بالعبرية، غير الرسمية، نشر المزاعم نفسها وقدّمتها على أنّها معطيات إسرائيلية، قبل أن تعود القنوات اللبنانية إلى الاستشهاد بها كأنّها تأكيد مستقل.

يُظهر التقرير أنّ هذه السلسلة لم تتضمّن، في أي مرحلة، مصدرًا أوليًّا قابلًا للتحقق. ومع ذلك، اكتسبت الرواية مظهر المعلومة الموثوقة من خلال إعادة تدويرها بين قنوات متعدّدة، إلى أن اكتملت هذه الحلقة خلال نحو ٢٣ دقيقة فقط.

ويُقصد بالاستدلال الدائري Circular Reasoning في الأخبار آلية تتكرر فيها المعلومة بين عدة مصادر بشكل يعطي انطباعًا خاطئًا بأنها مؤكدة ومتعدّدة المرجعيات، بينما تكون في الواقع صادرة عن مصدر واحد فقط. في هذا النمط، لا تُبنى المعلومة على تحقق مستقل، وإنما على إعادة نشر متبادلة تجعل كل طرف يبدو كأنه يؤكد الآخر، فتتشكل «حلقة مغلقة» من الإحالات المتبادلة التي تحلّ محل التحقق الفعلي.

تكتسب هذه الآلية خطورتها في السياق الرقمي المعاصر، حيث تتحوّل بعض المواقع الإلكترونية الكبرى، إلى جانب الصحف ووكالات الأنباء، إلى خزانات معرفية يعتمد عليها الجمهور بشكل سريع ودون تدقيق كافٍ. هذا الميل إلى الحصول على إجابات فورية يعزز قابلية الوقوع في هذا النوع من الاستدلال، لأن المستخدم أو حتى المؤسسة الإعلامية قد تتعامل مع تكرار المعلومة على أنه دليل على صحتها، لا على أنه احتمال لإعادة إنتاج الخطأ نفسه. وهكذا تتحول عملية النشر إلى شكل من أشكال التضليل غير المباشر، حيث يصعب تتبّع الأصل الأولي للمعلومة أو التحقق منه، خصوصًا عندما تتداخل الصحافة التقليدية مع المنصات الرقمية.

 

التعتيم الإعلامي خلال الحرب 

غابت المعلومات الدقيقة عن واقع الجنوب، وحُجبت إلى حدٍّ كبير المعطيات المتعلقة بحجم الخسائر الميدانية، ولا سيما ما يتصل بعدد قتلى «حزب الله» وحجم التراجع الميداني في القرى الحدودية. وخلال تلك المرحلة، ظلّت صورة الميدان شديدة الالتباس، في ظلِّ غياب تغطية مستقلة قادرة على نقل الوقائع من الداخل، واقتصار المشهد الإعلامي على مواد متفرقة ومتضاربة، مصدرها منصات محلية وحسابات صحافية وأفراد ينشطون على وسائل التواصل، من بينهم منى طحيني، بلال اللقيس، سحر غدار، عباس زهري، ومنصات محلية مثل «نبطية أونلاين»، من دون أن يتيح ذلك تكوين صورة متماسكة أو دقيقة عمّا يجري فعليًّا.

وفي مقابل هذا الغياب، تحوّل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إلى أحد أبرز مصادر المعلومات اليومية حول الجنوب، عبر بياناته المتكررة وتحذيراته الموجهة إلى سكان القرى الحدودية، ما جعل جزءًا كبيرًا من المعلومات المتداولة عن مسار المعركة يُستمد من الرواية الإسرائيلية نفسها، رغم طابعها الدعائي الواضح. 
ولم تبدأ ملامح الواقع الميداني بالظهور إلّا مع دخول الهدنة حيّز التنفيذ، حين تكشّف حجم التبدلات التي فرضتها إسرائيل في الجنوب، وتبيّن أنها أحكمت سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي الحدودية، ومنعت أبناء عشرات البلدات، التي تجاوز عددها خمسًا وخمسين بلدة، من العودة إليها. كما فرضت وقائع ميدانية جديدة عبر إنشاء ما بات يُعرف بـ«الخط الأصفر»، في إشارة إلى شريط أمني مستحدَث فرضته إسرائيل ميدانيًّا بعد المعركة، بما كشف الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإعلامي الذي روّج لسردية الصمود والانتصار، وبين الوقائع التي ظهرت على الأرض مع توقف القتال.

 

 

من الدعوى إلى الصمود

والعودة المنشودة إلى الجغرافيا غير الثابتة

عقب التوغّل الإسرائيلي الواسع في الجنوب اللبناني وتدمير عدد من المدن والقرى، صرّح قيادي في «حزب الله» بأن الحزب يعمل على سياسة عدم التمسك بالجغرافيا، مضيفًا أنه يناور لجذب العدو إلى نقاط قاتلة.

في هذا السياق، ظهرت آليات جديدة لدى الحزب في مخاطبة جمهوره، تتناول الخسارة ضمن لغة المناورة والتكتيك، بما يحدّ من الانطباع المباشر بالهزيمة. فبدل إنكار الوقائع الميدانية، جرى التعامل معها عبر تفسيرها بما يتلاءم مع الحفاظ على التماسك المعنوي والسياسي للجمهور الداعم.

ومع تعذّر إنكار التقدّم الإسرائيلي ميدانيًّا، اتجه الخطاب إلى توصيفه تقدُّمًا غير ذي قيمة استراتيجية، أو تقدُّمًا لا يحقق إنجازًا حاسمًا، مع التشديد على أن طبيعة المعركة تقوم على الاستنزاف لا على السيطرة الجغرافية الثابتة. وبهذا، انتقل الخطاب تدريجيًّا من منطق منع التقدُّم في بداية الحرب، إلى منطق نزع قيمة التقدُّم، وصولًا إلى تعريف الاشتباك نفسه خارج معيار الأرض كمؤشر وحيد للانتصار أو الهزيمة. واللافت في هذا التحول أنّه لم يقم على نفي الحدث العسكري، وإنما على ضبط معناه السياسي والعسكري ضمن إطار تفسيري مختلف، يهدف إلى تقليل أثره الرمزي داخل البيئة المؤيدة.

وللضرورة العسكرية، دعا «حزب الله» سكان مناطق جنوب لبنان، بعد إعلان الهدنة، إلى عدم العودة في الوقت الحالي، مع التريّث إلى حين ردع العدو وإخراجه من الأراضي المحتلة وتحقيق ما وُصف بالانتصار المنشود، بحيث يتمكن السكان من العودة لاحقًا في ظروف تتيح الاحتفال بكرامة.

 

كيف أصبحت الدولة اللبنانية مسؤولة عن احتلال الجنوب؟

قرّرت الحكومة اللبنانية، عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن، عقد أول جلسة مباشرة مع الجانب الإسرائيلي برعاية أميركية. شكّلت هذه الجلسة خطوة تمهيدية نحو مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل. وعلى ضوء هذه المحادثات، وبعد أيام قليلة، أُعلن عن هدنة جرى تقديمها على أنّها بادرة إيجابية تفتح المجال أمام استكمال المفاوضات.

في تلك المرحلة، نُسب هذا التطور في خطاب «حزب الله» إلى الدور الإيراني، إذ جرى التأكيد على أنّ إيران، قبيل توجهها إلى إسلام آباد، طالبت بوقف القتال في مختلف الساحات بما فيها لبنان. كما أعلنت باكستان أنّ وقف إطلاق النار يشمل الأراضي اللبنانية، قبل أن يصدر لاحقًا تصريح من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينفي ذلك. ضمن هذا التفسير، اعتُبر أنّ الضغوط الإيرانية أسهمت في التوصل إلى الهدنة داخل لبنان.

غير أنّ المشهد تبدّل بعد أيام قليلة، إذ عاد السكان إلى بلداتهم ليجدوا واقعًا ميدانيًّا مختلفًا، تمثّل في ما عُرف بـ«الخط الأصفر» وتهجير سكان نحو ٥٥ قرية ومدينة، مع استمرار القصف باتجاه شمال الليطاني. وفي هذا السياق، وجّه «حزب الله» انتقادات حادة إلى الحكومة اللبنانية، متسائلًا عن طبيعة الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في ظلِّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية. 

ومع تطوّر الأحداث، شهد الخطاب السياسي للحزب تحولات متتابعة في تفسيره للمشهد. إذ جرى في البداية تقديم الهدنة على أنّها نتيجة ضغط إيراني، قبل أن يُعاد لاحقًا تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية اتفاق وُصف بالغامض وغير الواضح البنود. هذا التحوّل رافقه تصعيد في الخطاب الإعلامي والسياسي، تضمّن اتهامات للحكومة بالتفريط، واتهامات لرئيس الحكومة نواف سلام بالمسؤولية عما اعتُبر خيانة سياسية، وربط ذلك بالخسائر التي لحقت بسكان الجنوب الذين وُضعوا في مواجهة عسكرية مباشرة.

في المحصلة، يمتد قراءة الواقع حاليًا إلى طريقة إنتاج الروايات السياسية وتداولها في سياق الحرب لدى «حزب الله». فالتبدّل المستمر في تفسير الحدث، بين نسبه إلى أطراف خارجية أو تحميل الحكومة اللبنانية المسؤولية عن تبعات حرب اتُّخذ قرار الدخول فيها من قِبل الحزب، يبرز خطورة ما يرافق ذلك في بيئة تتسم بالانفعال والتوتر الطائفي وتشابك مصادر المعلومات.

كما يوضح هذا المسار دور الروايات المتغيّرة في تشكيل إدراك الجمهور للحدث، بحيث يصبح فهم الوقائع مرتبطًا بكيفية تفسيرها داخل المجال السياسي والإعلامي لدى «حزب الله»، أكثر مما يرتبط بالمعطيات الميدانية ذاتها التي تُظهر خسارات فادحة مادية وبشرية.

ولا يمكن فصل هذا التحوّل في إنتاج الروايات السياسية عن البيئة الإعلامية الرقمية المعاصرة، حيث أصبحت الصورة والفيديو من الأدوات الأساسية في نقل الأحداث وبناء الواقع. وبما أننا نعيش اليوم في «عصر الصورة»، بات من الصعب تصنيف الصوَر والفيديوهات ضمن خانة «المزيّف»، نظرًا لفرط واقعيتها وقدرتها على محاكاة التفاصيل الدقيقة. وهكذا دخلنا «عصر ما بعد الحقيقة»، حيث يميل الأفراد إلى تفضيل ما يتوافق مع قناعاتهم المسبقة، وما يسهل الوصول إليه، على حساب الدقة والصدق بوصفهما معيارين أساسيين لتداول المعلومات. وأصبح الجمهور شريكًا في إنتاج المحتوى ونشره ضمن ما يُعرف بـ«الدعاية التشاركية» (Participatory Propaganda). كما بات «تصنيع الإجماع الزائف» عملية ممكنة، بل وسهلة نسبيًّا، من خلال تكرار الرسائل، وتكثيف الصوَر، واستخدام الإقناع العاطفي، وخلق إحساس بوجود رأي عام موحّد، عبر آليات متعدّدة تشمل الانتقاء والتضخيم والتلاعب بالسياق.

ضمن هذا المشهد، يمكن قراءة أداء «حزب الله» الإعلامي خلال الحرب الجارية. فالحزب، الذي يمتلك جهازًا إعلاميًّا متماسكًا وخبرة طويلة في «الإعلام الحربي»، يوظّف مروحة واسعة من الأدوات: من الفيديوهات التي تُبث عبر قنواته التقليدية، إلى المحتوى الذي ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي عبر مناصريه. وتُقدَّم عملياته العسكرية في كثير من الأحيان ضمن تصوّرات بطولية، تُرافقها صوَر، بعضها موثّق، وبعضها الآخر قابل للتشكيك أو مولَّدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ومقتطفات من خطابات، تُسهم في تأجيج مشاعر الجمهور وتعزيز المناخ التعبوي المستمر.

أخيراً وللتنويه، لا تدّعي هذه المقالة الحياد الكامل، كما لا تسعى إلى تفنيد أو مقارنة ما يصدر عن الجانب الإسرائيلي، رغم أهمية ذلك. فالأخبار المضلّلة هي جزء من منظومة حرب معلوماتية أوسع، وليست حكرًا على طرف واحد، حيث تُستخدم فيها الروايات كسلاح موازٍ للسلاح العسكري.

 

مقالات مشابهة
12・06・2026
عن عمرنا الذي يقاس بكؤوس عالم، وحروب
علي مكي
«عندما يبدأ المونديال سنكون في الضيعة يا بابا أليس كذلك؟». ذكّرني صغيري زياد بوعدٍ غبيٍّ قطعته له الشتاء الماضي ذات ليلةٍ مدرسية. أردْت ليلتها أن أشاطره شغَفي المزدوج: بكرة القدم، والصيف في الضيعة. زياد علي مكّي، ابني، ابن بلدة قاقعية الجسر الجنوبيّة، التي رغم وقوعها إلى الشمال من نهر الليطاني...
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
12・05・2026
القرى الجنوبية في ظلّ وهْم الهدنة: لم يعد الصمود ممكنًا
بهاء الحسيني العاملي
إن تجربة القرى الجنوبية في هذه الحرب قد كشفت بوضوح أن الصمود ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو نتاج توازن بين مجموعة مقوّمات. فحين تتآكل هذه المقوّمات الاقتصادية والخدماتية والصحية والتعليمية وغيرها، يصبح البقاء فوق طاقة الإنسان. وبالتالي لا يعود النزوح خيارَا، بل يصبح نتيجة طبيعية للواقع الصعب المتعثّر.
أيضاً للكاتب/ة
20・04・2026
في مواجهة «الترند» و«غرف الصدى»: لماذا يصبح الكلام في السياسة ضرورة في زمن الحرب؟
نور حطيط
يظلُّ الكلام، حتى على مستوى الأفراد، ضرورةً - ولو في حدّه الأدنى - لمواجهة الرواية المهيمنة وكسر «غُرف الصدى»، تلك التي تحبس الناس في فقاعاتٍ، تتردّد داخلها الرواية نفسها، والسردية ذاتها، والأيديولوجيا عينها. وفي عصر «الترند» والنقر السريع، سرعان ما ترتفع هذه الفقاعات إلى الفضاء الافتراضي، مُشكِّلةً عشائر إلكترونية، تُرسّخ الاعتقاد بأنّ المختلف عدوّ ينبغي إقصاؤه، معنويًّا أو بالعنف...
03・02・2026
الماكِنة الإعلامية والدعائية لدى «حزب الله»: مآلاتها بعد حرب الإسناد – التمحور حول الهويّة والطائفة
نور حطيط
تسعى هذه الورقة إلى محاولة فهم الكيفية التي عملت بها هذه الماكِنة الإعلامية قبل «حرب الإسناد»، وكيف غيّرت خطابها وأدواتها بعدها.
03・08・2025
حين يُنتج الألم سلطةً: قراءة في سردية المظلومية الشيعية
نور حطيط
بدأ استخدام مصطلح المظلومية، حديثًًا في الخطاب السياسي والديني والاجتماعي، خصوصًا في سياق العلاقة المُعقدة التي تجمع «حزب الله» وقاعدته الشيعية... وقد استخدمهُ كوادر «حزب الله» بذكاء من خلال استدعاء سلسلة من الأحداث التاريخية المُحمّلة بالعاطفة...