08・06・2026
من العدد ٣٥
الشياح: سيرة الأرض التي غادرت فَيئَها... من عبَق «الفتوش» إلى غابات الإسمنت
مقدمة: في البدء كان الواحة


تستيقظ الذاكرة اللبنانية أحيانًا على شكل حنين جارف لضواحي العاصمة التي كانت يومًا ما رئة بيروت الخضراء، ومستودع سرّها الوديع. من بين هذه الحواضر، تبرز بلدة «الشياح» كشاهد ملَك على تحوّلات دراماتيكية صاغت وجه الوطن، وعكست في مرآتها الضيقة صراعات السياسة، وأحلام الطامحين، وقسوة المدافع.

لم تكن الشياح، في زمنها الأول، مجرد رقعة جغرافية على أطراف العاصمة، بل كانت واحة غنّاء وادعة، يسندها الساحل ويغسل أطرافها الندى. في تلك الأيام، كانت الأرض ممتدة، والبصر يمتد معها فلا يصطدم بجدران الإسمنت، بل «يَشيح» في الأفق البعيد المسترسل صوب مدى أخضر لا ينتهي، وهو لعَمري بُعد شعري وجداني يختزل اسم البلدة، حتى وإن ردّه اللغويون والمؤرخون إلى نبات «الشيح» العطري الذي كان يفترش تربتها الخصبة، أو إلى مهنة «الشيّاحين» الذين كانوا يشعلون الأتون ليصنعوا الفحم من حطَبها الوفير. مهما تعدّدت التأويلات، بقيت الشياح في ذاكرة عارفيها اسمًا يفيض بالخضرة والحياة.

أولًا: عائلات الوجاهة وسياج «الصبّير» الطبيعي

في ذلك الزمن الوديع، قبل أن تبتلع المدينة أطرافها، كانت الشياح تخضع لإيقاع الأرض والزراعة. شكلت العائلات الأصيلة النواة الاجتماعية الصلبة لهذه البلدة، وفي مقدمهم آل الخليل وآل كنج؛ أولئك الملاكون الكبار الذين لم يكونوا مجرد أصحاب عقارات، بل كانوا مدراء لدورة اقتصادية زراعية كاملة تُغذي أسواق بيروت القديمة. وإلى جانبهم، رسّخت عائلات فرحات، كزما، همدر، كزما، حضورها في النسيج المحلي، حيث كان التضامن العائلي والوجاهة التقليدية هما الحاكمين للمشهد العام.

كانت الشياح، التي عُرفت لاحقًا كجزء من «ساحل المتن الجنوبي»، بمثابة سلة بيروت الغذائية. في أراضيها الخصبة، كبرت كل مكوّنات «صحن الفتوش» اللبناني الأصيل؛ من البقدونس الشاهق الأخضر، إلى النعناع العبق، والبصل والفجل. كانت الزراعة هناك فنًّا يوميًا، وكانت الحدود بين ملكيات الأراضي تُرسم بذكاء ريفي فطري عبر سياج طبيعي من شجر «الصبّير» (الصبّار)، الذي كان يرتفع ليحمي الأرض دون أن يحجب الرؤية، معلنًا عن حدود العقار بلغة الطبيعة لا بلغة الجدران العازلة والأسلاك الشائكة.

كانت هذه الجنان الخضراء ترتوي من شريان حيوي ساحر؛ قنوات مياه رومانية أثرية تجرّ عذوبة نهر بيروت من أعالي المنصورية والمكلّس، وهي القنوات التي عُرفت تاريخيًّا باسم «قناطر زبيدة»، فكانت تلك القناطر تضخ الحياة في عروق السهل الساحلي، وتمنح الشياح خلودًا زراعيًّا تناقلته الأجيال، مترافقًا مع ازدهار شجر التوت الذي ربط المنطقة بعصر الحرير الذهبي وتربية دود القز.

ثانيًا: شجرات الجمّيز... نوادٍ اجتماعية تحت فَيء السماء

لم تكن المعالم في الشياح القديمة تُقاس بالمباني أو لافتات الشوارع، بل بأشجار جمّيز باسقة، ضخمة، تطاول السماء كأنها حراس الذاكرة وجسور واصلة بين الأرض والغيوم. كانت هناك ثلاث أو أربع شجرات عملاقة موزّعة في أرجاء البلدة، تقوم بدور «المضافات المفتوحة» والنوادي الاجتماعية العفوية للأهالي.

*  جمّيزة «الحجّة أم سبع الخليل» (قرب المشرفية): كانت الشجرة الأشهر، ارتبطت باسم سيدة ، وتحولت إلى مَعلم جغرافي يستدلّ به الركبان والمشاة. في ظلّها الوارف، التقت الوجاهة بالبساطة، وجلس العابرون يلتمسون البرودة في قَيظ الصيف.

*  جمّيزة حيّ الجوار: تلك الشجرة التي شهدت على بواكير الهجرة الريفية، وكانت بمثابة السقف المشترك الذي التقى تحته القادمون الجدد من قرى الجنوب، يتبادلون في فيئها أحاديث الحنين وشجون التأقلم مع حياة المدينة.

*  جمّيزة حيّ الجامع: التي منحت الحيّ طابعًا روحيًّا واجتماعيًّا خاصًّا، فكانت المقصد للمصلّين والجيران بعد خروجهم من المسجد، يتداولون في ظلّها شؤونهم اليومية وعلاقاتهم الأُسرية.

*  جمّيزة الطيونة: حارسة البوابة الشمالية للشياح ونقطة التقائها ببيروت التي عاصرت حركة العرَبات القديمة، وقبل أن تتحول المستديرة إلى خط نار ملتهب، كانت الجمّيزة هناك ترحّب بالقادمين وتودّع المغادرين.

تحت هذه الأشجار، لعب الأطفال، وتسلقوا الجذوع الضخمة، وتذوقوا حلاوة ثمر الجمّيز الذي يُثمر مرات عدة في السنة، بينما استراح الباعة المتجولون بعرباتهم، تاركين ذكرياتهم محفورة في لحاء تلك العمالقة الخضراء التي جرَفها الإسمنت لاحقًا.

ثالثًا: الهجرات المُبكرة وتشكّل الأحياء الحيوية

قبل أن تُقرع طبول الحرب الأهلية اللبنانية بسنوات طويلة، وتحديدًا في عقْدَي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، بدأت الشياح تشهد تحوّلًا ديموغرافيًّا هادئًا وذكيًّا، تمثّل في حركة هجرة ريفية واسعة النطاق من مناطق البقاع والجنوب باتجاه أطراف العاصمة بيروت بحثًا عن فرص العمل والحياة الكريمة.

لم تكن هذه الهجرات عشوائية بالكامل، بل اتخذت طابعًا تضامنيًّا وعائليًّا تجلّى في نشوء أحياء كاملة تحمل أسماء الوافدين إليها:

*  حيّ بيت شمص: الذي تشكل مع وفود كتل سكانية وازنة من عائلات آل شمص البقاعية الكبرى. حمل هؤلاء الوافدون معهم عادات التضامن العشائري المتين والروابط الأُسرية الوثيقة، ليتحول الحي إلى ما يشبه «القرية البقاعية المصغرة» النابضة بالحيوية والشهامة في قلب البيئة الساحلية.

*  حيّ الجوار: الذي استقطب عائلات جنوبية عريقة مثل آل رميتي (الذين وفدوا من بلدة المجادل وجوارها)، وآل بيلون وآل عيسى. كان هذا الحيّ يجسد اسمه حرفيًّا؛ مجتمعًا من الجيران الذين يلوذون ببعضهم البعض، ويبنون حيوات جديدة مرتكزة على التعاون اليومي.

*  حيّ الحجاج: الذي شهد تجمّع أبناء بلدة «دير انطار» الجنوبية، لا سيما من آل مُجير (أو حجيج)، حيث حافظوا على روابطهم ببلدتهم الأم، وفي الوقت عينه، تحوّلوا إلى عصب أساسي من عُصَب الشياح الاقتصادية والاجتماعية.

انخرط هؤلاء الوافدون سريعًا في الدورة الاقتصادية للبلدة؛ فمنهم من عمل أجيرًا في البساتين مستفيدًا من خبرته الفلاحية، ومنهم من شقّ طريقه نحو المهن الحرة واليدوية التي بدأت تحتاجها المدينة المتوسّعة، فتحولوا إلى نجارين، وحدادين، وبائعي خضار عابرين ومستقرين، مشكّلين طبقة عاملة عصامية متماسكة، أضفَت على الشياح مناعة اجتماعية صلبة.

رابعًا: قلاع الصناعة والمراهنات... المغناطيس الاقتصادي

لم تكن الهجرة الريفية نحو الشياح مدفوعة بجمال طبيعتها فحسب، بل كانت هناك محركات اقتصادية وصناعية عملاقة عملت كالمغناطيس الجاذب للعمالة، ونقلت البلدة من طَور الريف إلى طَور المدينة الصناعية الناشئة.

على رأس هذه القلاع، تربَّع معمل غندور الضخم، الذي لم يكن مجرد مصنع للسكاكر والبسكويت والشوكولا، بل كان إمبراطورية تشغيلية ومؤسسة وطنية تضمّ مئات العمال والعاملات من أبناء المنطقة والوافدين إليها. كان المرور بقرب المعمل يعني استنشاق رائحة الفانيليا والسكر التي تملأ الأفق، وكان المعمل يمثل الأمان الوظيفي ومصدر الرزق الثابت لمئات العائلات الشعبية.

وعلى مسافة غير بعيدة، كان معمل «رَد شوز» (Red Shoes) يرفع لواء الجودة اللبنانية في صناعة الأحذية والجلديات، منافسًا البضائع الأوروبية، ومستقطبًا مئات الحرفيين والشباب الذين تعلّموا فيه أصول «المهنة» واعتاشوا على خيرات إنتاجه. وتكامل هذا المشهد الصناعي مع معمل «لافروتا» (La Frutta) الشهير الذي اختصَّ حصرًا بإنتاج عصائر ومربّيات الحمضيات والفواكه، فكان بمثابة الجسر الذكي بين ريف الجنوب وبساتين الشياح وبين الصناعة الحديثة، حيث كان يستوعب محاصيل الليمون والحمضيات ويحوله إلى منتجات تُوزّع في كل مكان.

إلى جانب هذه المصانع، كان لقرب الشياح من ميدان سباق الخيل (پارك بيروت) أثر بالغ في صياغة يومياتها؛ إذ انتشرت في منطقتي الطيونة والمشرفية اسطبلات ضخمة لتربية وتدريب الخيول العربية الأصيلة، وترافقت يدًا بيد مع انتشار مقاهي المراهنات الشعبية. أيام السبت والأحد، كانت هذه المقاهي تتحول إلى بورصة شعبية صاخبة، يمتلئ هواؤها بدخان السجائر وتوتر الترقّب، وتتحلق الجموع حول أجهزة الراديو تتابع بحماس أمتار حوافر الخيل الأخيرة، في مزيج غريب بين الشغف والبحث عن ربح سريع يغيّر مجرى الحياة.

هذا الازدهار الصناعي والخدَماتي كان، للمفارقة، هو السكّين الذي قطع حبل السُّرة بين الشياح وأرضها؛ فمع تدفق مئات العائلات للعمل في المصانع والاسطبلات، تزايد الطلب على السكن، وبدأ كبار الملاكين يبيعون بساتينهم، وتراجع بساط النعناع والفجل والبقدونس وغيرها ليحلّ مكانه الباطون، وتقلّصت المساحات الزراعية متسارعة نحو حتمية عمرانية غيّرت وجه البلدة إلى الأبد.

خامسًا: الشغَف النبيذي وعمالقة المستديرة

إذا كان للاقتصاد عقل، فإن للشياح قلبًا نابضًا تجسّد في لعبة كرة القدم. ارتبط اسم الشياح عضويًّا وتاريخيًّا بنادي النجمة الرياضي (النادي النبيذي)، وشكّل جمهور البلدة وجيل شبابها العمود الفقري للمدرج النجماوي العريض. من أزقة الشياح الشعبية وملاعبها الترابية، خرج عمالقة صاغوا العصر الذهبي للكرة اللبنانية:

*  الملك محمد حاطوم: المهاجم الفذّ وصانع الألعاب الذي سحر الجماهير بمهاراته التهديفية العالية وكاريزمته القيادية، فاستحق لقب «الملك» في وجدان كل من رآه يلاعب الكرة.

*  مصباح رميتي: صخرة الدفاع الصلبة، اللاعب العصامي الذي جسّد روح الشياح القتالية والرجولية على أرض الملعب، وكان عنوانًا للوفاء والفدائية في الخطوط الخلفية.

*  حبيب كموني: الجناح الطائر السريع الذي كان يبثّ الرعب في دفاعات الخصوم، ويمثل بزمنه الجميل كرة القدم المليئة بالشغف الخالص ومتعة البصر.

*  المايسترو موسى حجيج: ابن حيّ الحجاج، الأسطورة المعاصرة الذي قاد نادي النجمة والمنتخب الوطني لسنوات، وصاحب الركلات الحرة القاتلة التي هزّت شباك النوادي المحلية والآسيوية، حاملًا إرث الشياح الكروي إلى جيل التسعينات والألفية الثانية.

إلى جانب هذا العشق الفطري لنادي النجمة، تطلّع أبناء الشياح ليكون لهم صرحهم الخاص، فأسَّسوا نادي «النصر – الشياح» قبل اندلاع الحرب الأهلية بسنة أو سنتين (حوالى عام ١٩٧٣). بدأ هذا النادي الطموح يشق طريقه بسرعة الصاروخ نحو الشهرة والأضواء الذي ضمَّ خامات كروية رائعة من ملاعب الأحياء الشعبية، وبدأ يحشد خلفه جمهورًا مناطقيًّا يُرى فيه كبرياء البلدة الرياضي. لكن الحلم، ككثير من أحلام ذلك الجيل، لم يكتمل؛ إذ أطاحت الحرب الأهلية بالمشروع في مهده، وتحوّل اللاعبون من ملاعبة الكرة إلى مواجهة المصير المجهول.

سادسًا: بركان السياسة وشرارة ١٣ نيسان

لم تكن الشياح يومًا على هامش الأحداث السياسية، بل كانت مختبرًا حقيقيًّا وتفاعليًّا لكل التحولات الإيديولوجية التي شهدها لبنان. في البداية، كانت البلدة قاعدة سياسية مهمة للرئيس كميل شمعون وللسياسيين التقليديين، حيث كانت الولاءات تُبنى على الوجاهة والخدمات المتبادلة بين كبار الملاكين والعهد الشمعوني.

لكن دخول العامل الفلسطيني على خط الأحداث، وبحكم القرب الجغرافي اللصيق للشياح من مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، غيّر المعادلات بالكامل. نسجت «حركة فتح» والفصائل الفلسطينية علاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع أهالي الشياح والشباب الوافد، مستفيدة من التعاطف الشعبي العارم مع القضية الفلسطينية. وفي هذا السياق، برزت وجوه محلية مثقفة قادت العمل السياسي، ومن أبرزها الدكتور قاسم الخليل الذي نسج علاقات ممتازة ومتقدمة مع «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بقيادة «الحكيم» جورج حبش، مما عكس الانجذاب الشبابي والمثقّف نحو الأطروحات الراديكالية والقومية آنذاك.

بالتوازي مع ذلك، كان لليسار اللبناني حضور وازن ومتجذِّر في الأحياء الشعبية للشياح؛ فالطبيعة العمالية للمنطقة (عمال المعامل، الحرَفيون، والمزارعون) جعلتها بيئة حاضنة بامتياز للأفكار الاشتراكية والماركسية. وكان «الحزب الشيوعي اللبناني» ومعه «منظمة العمل الشيوعي» والقوى التقدمية يشكلون عصب هذا الحراك.

وعندما انطلقت الرصاصة الأولى عقب مجزرة بوسطة عين الرمانة في ١٣ نيسان ١٩٧٥، كانت الخلايا المسلحة للحزب الشيوعي والقوى اليسارية في الشياح أول مَن حمل البندقية واستنفر على خطوط التماس الفاصلة بين الشياح وعين الرمانة. في تلك الليلة، تحوّل شارع أسعد الأسعد ومحيط الطيونة من أسواق تجارية نابضة بالحياة إلى متاريس وخنادق، وأعلنت الشياح عن نفسها كخط الدفاع الأول في وجه قوى اليمين، لتتحوّل البلدة فجأة إلى بؤرة ملتهبة من بؤر الحرب الأهلية الطويلة.

خاتمة: الرماد وصمود الذاكرة

دمرت الحرب الأهلية أحلام الشياح الاقتصادية والرياضية بقسوة متناهية؛ فمعملا «غندور» و«رد شوز»، اللذان يقعان مباشرة على خط التماس الساخن، تحوّلا إلى ركام وهياكل محترقة، وانقطعت أرزاق المئات، وتفرّق شمل عمال «لافروتا»، واختفت الخيول واسطبلاتها، وقُطعت أشجار الجمّيز التاريخية لتفسح المجال أمام تحصينات عسكرية وسواتر ترابية، قبل أن تجتاحها فوضى الإعمار الاسمنتي المستعجل لاستيعاب موجات النزوح الضخمة الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الجنوب والبقاع.

لقد غادرت الشياح ريفيّتها، وخلعت ثوب بساتينها الأخضر، وتحوّلت إلى غابة من الاسمنت والكثافة السكانية الخانقة كجزء من ضاحية بيروت الجنوبية المعقّدة. لكن، ورغم الرماد، ورغم تبدّل الوجوه والملامح، تظلّ الذاكرة الشفوية لأبنائها، وتفاصيل حكاياتهم عن «جمّيزة أم سبع»، وأهداف موسى حجيج، وهتافات المقاهي، وأريج النعناع القديم، هي الحقيقة الوحيدة التي تثبت أن تحت هذا الاسمنت الصلب ترقد أرض ترفض أن تموت، وذاكرة حيّة تأبى النسيان.

هذه حلقة أولى عن الشياح - يتبع 

أيضاً للكاتب/ة
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
04・05・2026
الجنوب... حين تغدو الذاكرة وطنًا من حجرٍ وروح
أكرم محمود
ما أصعب أن تستيقظ الذاكرة على مشهدِ قرىً كاملةٍ سُوِّيَت بالأرض، وكأنَّ يدًا غريبةً امتدّت لتمحو هوية المكان وتغتصب ملامح العمران. لم تكن تلك الجدران التي سقطت مجرد سواتر إسمنتية، بل كانت الملاذ الدافئ الذي بنيتموه حجرًا حجرًا، وسقيتم أساساته بمرارة التبغ وعرق الجبين وسنوات طويلة من الحرمان. هي حكاية أجيالٍ جبلَت أعمارها في التراب لتصنع بيتًا، وحياةً، وأمانًا.
15・04・2026
كيف عبَّد المشروع النووي الإيراني طريق الهيمنة الغربية
أكرم محمود
​لا تكمن معضلة المنطقة مع إيران في رغبتها بامتلاك أدوات القوة، بما فيها السلاح النووي كخيار استراتيجي للدول في عالم لا يعترف إلّا بالأقوياء، بل تكمن المعضلة الحقيقية في «السلوك الوظيفي» لهذه القوة. فالخوف ليس من «الذَّرة» كتقنية، بل من استخدامها كمظلة لحماية مشروع «تصدير الفتن» وتأمين غطاء نووي لميليشيات عابرة للحدود تمارس التخريب تحت لافتات مذهبية ضيقة.