12・06・2026
من العدد ٣٥
عن عمرنا الذي يقاس بكؤوس عالم، وحروب

«عندما يبدأ المونديال سنكون في الضيعة يا بابا أليس كذلك؟». ذكّرني صغيري زياد بوعدٍ غبيٍّ قطعته له الشتاء الماضي ذات ليلةٍ مدرسية. أردْت ليلتها أن أشاطره شغَفي المزدوج: بكرة القدم، والصيف في الضيعة. زياد علي مكّي، ابني، ابن بلدة قاقعية الجسر الجنوبيّة، التي رغم وقوعها إلى الشمال من نهر الليطاني، لكنها الآن باتت تحاذي نقاط الاشتباك المباشر وذلك لمتاخمتها بلدة زوطر التي قيل إنّ قوات وآليات إسرائيلية تقدّمت باتجاه أطرافها حيث عبرت النهر هناك حسب تصريحات الجيش الإسرائيلي.

«لا يا بابا... سنشاهد المونديال في بيروت»، وأكملت في سرّي ما يستحيل أن أقوله جَهرًا: آمل أن يبقى لنا بيت وضيعة قبل انتهاء المطحنة.

أول مونديال سيعلق في ذاكرة زياد ذو الثامنة من العمر سيكون على وقْع حرب. وفكّرت: ماذا عنّي؟ كم مونديال شهدت على إيقاع حرب. أظنّ أنّه مقابل كلّ مونديال تابعته، ثمّة حربٍ شهدتها. 

كم مونديال شهدت في سنواتي الثلاث والأربعين؟

في طفولتي، كان كأس العالم هو محور تشجيع كرة القدم حيث كان تشجيع المنتخبات يتقدّم على تشجيع الأندية، وكنت - أنا المهووس بكرة القدم لعبًا ومشاهدة - أحاول احتساب الحد الأقصى من نهائيات كأس العالم التي ستسمح به سنوات عمري التي سأمضيها حيًّا على وجه هذه البسيطة بمشاهداتها، باعتبار أنّ هذه البطولة تنظم كلّ أربع سنوات مرّة.

في الطفولة كنت طَموحًا، واعتبرت أن بلوغي المئة من المسلّمات وأنّني بالتأكيد سأستمتع بمشاهدة ما لا يقل عن ٢٥ نسخة... حسنًا، شهدت منها حتى الآن عشر نسخ وها أنا على بُعد أيام من نسخة جديدة. حصيلتي إذًا ستكون إحدى عشر مونديال. 

ماذا عن الحروب؟

لست متأكّدًا... لِنرَ...

كانت ولادتي عام ١٩٨٣. بعد شهور من مونديال ١٩٨٢ الذي توّجت فيه إيطاليا، المنتخب الذي أشجِّع منذ صغري وما أزال، وشهور من اجتياح إسرائيل للبنان ١٩٨٢. ذلك التزامن الصدفة الذي عاد ليتكرّر عام ٢٠٠٦ حتى صار الموضوع بعدها نكتة لبنانية: كلّما فازت إيطاليا بمونديال ستشنّ إسرائيل حربًا على لبنان.

اجتياح الـ١٩٨٢ لم أشهده إذًا ولا مونديال العام نفسه، لكنّ التاريخ هذا سيكون نقطة انطلاقنا. معارك الحرب الأهلية اللبنانية المتنقلة منتصف الثمانينات غائبة كليًّا عن ذاكرتي أيضًا. في بالي صوَر ضبابية لحرب الإخوة بين «حركة أمل» و«حزب الله» وهروبنا من منزلنا في الغبيري، لذا لن أتوقّف عندها، وسأبدأ من أوّل حرب/ مونديال أذكرهما – نسبيًّا - بوضوح.

حرب التحرير١٩٨٩ - مونديال ١٩٩٠

في السادسة من عمري، أذكر معلّمتنا تُخرجنا من الصف باتجاه مسرح المدرسة (مدرسة مار الياس الجديدة - وطى المصيطبة). حالة هرْج ومرْج وأحاديث متوتّرة عن قصف وسقوط قذائف في مكانٍ قريب من المدرسة وكلام عن ضحايا، عرفت لاحقًا أنّه كان فصلًا من «حرب التحرير» التي أطلقها ميشال عون في وجه قوات الجيش السوري في لبنان، وما قيل إنه قصف لقوات ميشال عون طال أحياءً في بيروت الغربية. أذكر الناظرة تنادي اسمي وتنتشلني من زحام المسرح - الملجأ الصاخب، وتصحبني إلى - يا للمفاجأة - جدي الذي لم يسبق أن ارتبط ومدرستي في مشهدٍ واحد من قبل، فنركب السيارة وأفراد من العائلة متكدّسين فيها، منطلقين جنوبًا إلى الضيعة في إجازة مدرسية قصرية مبكرة طويلة وممتعة.

حزيران ١٩٩٠، خالي على سطح المنزل يتعامل مع الهوائي الضخم فوق، جدي قرب التلفاز السمين في الصالة، وخالي الآخر يلعب دور صلة الوصل بين الاثنين لإيجاد الوضعية التي تسمح بالتقاط أفضل صورة ممكنة للبث المباشر للمباراة. أذكر أطراف نقاش حاد عن مارادونا اليهودي الكافر والحشاش، حسب أحدهم، والبطل الشهم والأسطورة كما دافع عنه آخر.

حرب الأيام السبعة ١٩٩٣ - مونديال ١٩٩٤

تموز ١٩٩٣ في العاشرة من عمري، عطلة الصيف في المروانية ضيعة أمي. فجأة اكتظّت هذه القرية الجنوبية، البعيدة نسبيًّا عن نقاط الاشتباك والمتاخمة للمصيلح حيث يقطن الرئيس نبيه بري، اكتظت بعشرات العائلات النازحة من القرى الحدودية. عادت مصطلحات الحرب التقليدية لتحضر في يومياتنا بقوة: إم كامل والقنابل المضيئة وجدار الصوت والخطوط البيضاء الدائرية التي ترسمها الطائرات الحربية التي كانت تطير دائمًا بأعداد زوجية لسبب أجهله. كان الوضع ممتعًا للطفل الذي كُنته. سأعترف: لم أخَف. أجواء من الحماس والترقّب اللذيذ جاءت لتُضفي المتعة على يوميات إجازتنا الصيفية الممتعة أصلًا، كما أنّ الوفرة العددية للأولاد النازحين من أترابنا أعطتنا خيارات لعب أكثر، وملأت يومياتنا بالبهجة لفترة طالت قليلًا عن الأسبوع.

حزيران ١٩٩٤. أول مونديال أذكره جيدًا والأحبّ إلى قلبي. التهمته كاملًا حتى الثمالة رغم مرارة خسارة إيطاليا للنهائي ومشاهدة وقفة باجيو التي آلمتني طويلًا. لم يخفّف من مرارتها سوى الإعجاب اللامتناهي بروماريو فتى البرازيل الأسمر وقصير القامة، الذي وجدتني أتماهى مع سماره وقِصره. مونديال شاهدت فيه لأول مرة مواكب الاحتفالات السيارة في شوارع الضيعة، ومراسم الاحتفال الجماعي في أزقّتها، وظاهرة الأعلام المعلّقة فوق البيوت والتي تُنكّس وتتهاوى يوميًّا مع تساقط منتخباتها في الأدوار الإقصائية. مونديال اشترينا وارتدينا قمصان نجومه لأول مرة في حياتنا وقلّدنا حركاتهم واحتفالاتهم في مبارياتنا الماراثونية التي تبدأ ظهرًا ولا تنتهي إلّا مع أذان المغرب وإطلاق صيحة «الله وأكبر»، العبارة التي كانت بمثابة صافرة النهاية الرسمية لمبارياتنا الودية الطاحنة.

عناقيد الغضب ١٩٩٦ - مونديال ١٩٩٨

شهر نيسان، ربيع ١٩٩٦، وربيع سنوات مراهقتي وانفجار براكيني مع اكتشافي كنوز أفلام الفيديو من إياهم، هروب جديد وعطلة مدرسيّة قصريّة جديدة، وعودة للحرب ومفرداتها التي طفت مجدّدًا على سطح يومياتنا. هذه المرة مع عامل جديد: الصورة. في هذه الحرب رأيت الموت متجسّدًا في مقاطع مصوّرة تُعاد على الشاشة عشرات المرات في اليوم. مشاهد جثث وأشلاء وأطراف مقطّعة. أحدها هزّني حتى الصميم وزلزل أركان الأمان في حياتي: مقطع مجزرة المنصوري ومنظر الأب المنهار يحمل أشلاء أولاده ومشهد الطفلة الباكية والأخرى ممسكةً زجاج النافذة بأصابعها المتفحمة. الفيديو حفر في قلبي رُعبًا وخوفًا من الحروب لم يخمد أبدًا. «تروما»، الكلمة التقنية التي لن أسمع بها إلّا بعد مرور سنوات طويلة وتوصّف رعبي الصامت البارد. ما ضاعف من صعوبة هذا الخوف حينها ضرورة كتمانه، فالذكورة السامة التي نشأت، كما معظم ذكور جيلي، على هَدْيها لا تسمح لفتى معتدّ بصلابته وقوته و«رجولته المستجدة» أن ينمّ عنه أي علامة ضعف طفولي أو هلع «أنثوي». الحلّ إذًا أن أدفن هذه المخاوف عميقًا... أن أكنسها فأخفيها تحت قشرة صلابة مصطنعة. ليال طويلة، أظنها امتدت لأسابيع، عانيت خلالها الرعب والأرق مخافة أن أُقصف أنا وكل من أحب أثناء نومنا. أوقات استحمامي اختصرتها للربع كي لا أموت في غارة وتنتشل جثتي عاريًا. مجزرة قانا الأولى التي وقعت في نفس الحرب وتلت مجزرة المنصوري بأيام، رغم هَولها الذي فاق مجزرة المنصوري عددًا وكارثية، لكنّها لم تترك الأثر نفسه في وجداني، ربّما لأنّه بعدها بساعات انتهت حرب نيسان بعناقيد غضبها.

حزيران ١٩٩٨، الصيف مجدّدًا في الضيعة هذه المرة في خيمتي المستجدة على السطح، مقرّي الصيفي الدائم وخلوَتي المحببة في حينه. السطح حيث جلسات الشاي والصبحيات والعصرونيات وسهرات الأُنس وحيث شاشة التلفزيون ومشاهدة المباريات طبعًا مع العائلة والرفاق، حيث التزريك على أصوله. مونديال الظاهرة رونالدو وزين الدين زيدان البطل العربي المسلم الذي لم أحب بسبب الصلعة الغريبة في مؤخرة رأسه. مونديال بكاء البرازيليين المرير في النهائي ونظرية المؤامرة عن مرض رونالدو مسمّمًا أو ترك صديقته له لمنح اللقب للفرنسيين أصحاب الأرض. وشماتة جماهير الألمان الذين شجّعوا فرنسا كما لو أنهم مواليد حواري باريس لا لسبب إلّا نكايةً بالبرازيليين، في مونديال كانت الجماهير الكرة في لبنان بأكثريتها الساحقة قد انقسمت مناصفة بين قطبي الكرة العالمية.

صيف السيجارة الأولى والسكرة الأولى والقبلة الأولى والخيبة الأولى. صيف العمل المأجور الأول، وشراء «الووكمان» و«كاسيتات» إيهاب وعمرو دياب ومصطفى قمر من حرّ مالي.

عام الفيديو كليبات والولَه بنوال الزغبي وابتسامتها التي توجع القلب.

تحرير الـ٢٠٠٠ - مونديال ٢٠٠٢

أيار العام ٢٠٠٠. لم تكن حربًا هذه الحرب بل ختامها النهائي كما افترض عقلي المتفائل والساذج وقتها. مع بدء الانسحاب راح خيالي، خيال مراهق يساري مثالي، يتخيّل احتفالًا مليونيًّا في ساحات الجنوب مع مارسيل خليفة وزياد الرحباني وجوليا والكثير من الفرح والكثير من الغناء وخطب حماسية عن حلم تحقق ونهاية سعيدة لصراع طويل. وإذ بوعيي السياسي الغرّ يُفاجأ بكلامٍ كثير عن الانسحاب المؤامرة. رئيس الجمهورية إميل لحود ورئيس الحكومة سليم الحص وأمين عام حزب الله حسن نصر الله وغيرهم يتحدّثون عن انسحاب أحادي خبيث هدفه ضرب تلازم المسارين اللبناني والسوري ووحدة المصير والمسار بينهما وحديث عن أرنب مزارع شبعا الذي أخرجه أحدهم من قبّعته وعن استمرار المقاومة والصراع. لأُدرك عندها أن درب جلجلتنا الطويل لمّا ينته بعد.

حزيران ٢٠٠٢، مونديال سنَتي الجامعيّة الأولى ومشاهدة أدواره الأولى في الكافيتيريا شذرًا بين امتحانات نهاية عام دراسي مخيب في الجامعة اللبنانية - كلية العلوم في اختصاص هربت منه مهرولًا ولم أعد. صيف افتتحت به رحلة طيشٍ وتخلٍّ كان يمكن أن تكون رحلة لا عودة لولا مصادفات غريبة وسعيدة حفظت لي طرق العودة، صيف تجربة المبيت في الشارع وفي الحدائق العامة وجسور المشاة لأيام، ثم عملي الصيفي في مسبح الجسر حيث شاهدت النهائي مسترقًا النظر إلى الشاشة أثناء تنقّلي بين الطاولات والشماسي. مونديال نهائي «الكلاسيكو» بين أصحاب الجماهير الأكبر بين المنتخبات في لبنان: ألمانيا والبرازيل. عام تسريحة رونالدو المضحكة في النهائي، التسريحة التي شاهدت بأمّ عيني العشرات من الأولاد والمراهقين، بينهم أقارب ورفاق، يرتكبونها بحق رؤوسهم الحامية حرفيًّا.

حرب تموز ٢٠٠٦ - مونديال ٢٠٠٦

صيف الحرب - المحطّة التي رسمت كلّ ما نعيشه حتى اليوم. هروبنا من الليلكي إلى الحمرا وتنقّلي بينها وبين فندق «بالم بيتش» عين المريسة الذي احتلّه جيش من الصحافيين الأجانب ونصبوا أجهزة بثّهم واستقبالهم على سطحه وراحوا يبثّون من هناك رسائلهم إلى العالم، وينثرون علينا نحن سعداء الحظ العاملين في الفندق دولاراتهم ويوروهاتهم، لأخرج من الحرب بجيوب منتفخة. حرب شهدت بداية سجالاتي السياسية الحادة بعد أن كان وعيي السياسي قد تبلوَر قبلها بعام منحازًا إلى خط الرابع عشر من آذار. عام الانتصارات الإلهية وانفجار فائض القوة وخطابات نصر الله الصادحة من مكبرات السيارات على الكورنيش البحري. حرب انتهت بتململ وملامح نقمة جنوبية سرعان ما اقتلعته من جذوره حقائب المال النظيف الذي راحت تنثر سحرها بين القرى والدساكر الجنوبية وأحياء الضاحية. فأشهد بأمّ عيني انفجار عمراني ودوَران عجلة اقتصاد شيعي يسبّب الدوار من فرط سرعته. الحرب التي كرّست، شيعيًّا، إلى غير رجعة سيادة خطاب حزب الله ومحوره، فصار الشيعة «حزب الله» وصار «حزب الله» هو الشيعة.

حزيران ٢٠٠٦، نهاية عامي الثاني في كلية الآداب وتجربة الحب الأول والخيبة العاطفية الأولى.

مونديال تحقّق حلم المونديال من أول مباراة إلى النهائي والفوز أخيرًا بكأس العالم. مونديال تتويج الجيل الذي ورّطنا بحب منتخب لم يأتِ بعدها بلاعبين من طينتهم إلى اليوم. مونديال هدف ديل بييرو، بطلي، واحتفال غروسو في مواجهة ألمانيا وعلى أرضها وبكاء الحسناء الألمانية المرير ليلتها وضحكي السادي شامتًا بدموعها. مونديال نطحة زيدان وفرحي بطرده وصلْعته من النهائي. مونديال مشاهدتي المباريات من مقاهي الليلكي شارع كلية العلوم المكتظّة والمختلطة يا لسعادتنا. 

مونديال الـ «MSN» و«البلو توث» و«الانفراريد» و«القطف» الإلكتروني المستجدّ. مونديال تكريس الأسطورة/ الدعابة: فوز إيطاليا بكأس العالم يساوي حربًا إسرائيلية على لبنان.

٧ أيار ٢٠٠٨ - مونديال ٢٠١٠

مشارف الصيف مجدّدًا، الساخن كما دومًا. حربنا هذه المرّة أهلية. «ميني حرب» أهلية كما وصّفها أحد الإعلاميين. «السحسوح» كما يحب المولهون بفائض القوة أن يسموها إشارةً منهم إلى سرعتها وعدم تكافؤ القوى فيها. بعد السابع من أيار كان الصراع السني - الشيعي الذي بدأت نواته الأولى مع اغتيال رفيق الحريري وصراعات الـ٢٠٠٥ بالظهور، قد بلغ أوجه وساهمت خيبة السنّة من الأداء العسكري المخزي لـ«تيار المستقبل» في تكريس إحباطهم الطويل الذي لم تنته مفاعيله إلّا مع سقوط نظام بشار الأسد مؤخّرًا، ودفعت هذه الحرب المصغرة في ازدياد شعبية الفصائل الجهادية الراديكالية، لتتضاعف مع سنوات الحرب السورية الطويلة.

حزيران ٢٠١٠، المونديال الذي تزامن مع بدايات ما اصطُلح على تسميته بالربيع العربي كان مونديالًا باهتًا، أقلّه بالنسبة لي. مونديال جاء في ختام عامي الدراسي الثالث كمعلّم والأول كمشرفٍ على الصالة في مطعمٍ مرموق في ازدواج مهنيّ وازدواج في الـ«بيرسونا» استمرّ طويلًا. المونديال الذي حمل إلى النهائي منتخبَين من خارج دائرة الأبطال التقليديين، قبل أن ترسّخ أسبانيا اسمها من خلال هذا الكأس وما بعده، قطبًا عالميًّا ومن المرشحين الدائمين للفوز به. 

حرب سوريا حرب الجرود، مونديال ٢٠١٤

النضج العمري، أو أقلّه هذا ما كان مفترضًا مع تخطّي عتبة الثلاثين وما يصحبها من التزامات. ها لبنان قد أصبح بقرار من «حزب الله» الذي أمسى في قلب جغرافيا الحرب السورية، فيصبح لبنان بالنتيجة ملعبًا وساحة انتقاماتٍ وصندوق رسائل مفخّخة، بعد أن كان اللبنانيون لفترة وجيزة مشجّعين منقسمين على ضفتي أطراف الصراع الدموي السوري.

الاحتقان والصراع السني - الشيعي بلغ أوجه. رعب الانفجارات والسيارات المفخخة. الارتياب من أي سيارة مركونة لوقتٍ طويل في مكانٍ واحد، دقات القلب المتسارعة على حواجز التفتيش في مداخل الضاحية حيث أسكن والارتياب من كلّ سائق عرَبة رباعية بملامح مريبة.

حزيران ٢٠١٤، مونديال الانبهار الصريح بميسي لأول مرّة بعد كتمانه طويلًا ومونديال تشجيعه للمرّة الأولى في النهائي الذي خسره وربحه الألمان. مونديال التفجيرات المتنقلة ومنها انفجار الشياح الذي هزّ المنطقة أثناء مباراة البرازيل وراح ضحيته العشرات بينهم مشجعين ذاهبين لمشاهدة المباراة في مقهى. مونديال الاحتفالات الخجولة نسبيًّا في الضاحية رغم حماوة المباريات وفوز الألمان ذويي الشعبية الجارفة بين أهلها، خوفًا من التفجيرات.

مونديال ٢٠١٨

مونديال روسيا. مونديال بارد بلا حرب هذه المرة، في ما يشبه هدوءًا سيسبق عاصفة «الكوفيد» التي ستعصف بالكوكب بعدها بسنة، وعاصفة الانهيار المالي الذي طحن لبنان مع ما رافقه من موجات اعتصامٍ وتظاهر ستستمرّ. مونديال توّجت فيه فرنسا للمرة الثانية في تاريخها بعد ٢٠ سنة على تتويجها عام ١٩٩٨. مونديال روسيا بلا حرب نعم، لكنّ روسيا نفسها المنظمة لهذا المونديال، سيُمنع منتخبها من الالتحاق بالمونديالين اللاحقَين بسبب حربها في أوكرانيا. 

ثمّة شيء مريب بدأ في هذا العام في علاقتي مع الوقت ونسبيّته واستمرّ إلى اليوم. دماغي منذ صيف العام ٢٠١٨ قاصر عن التعامل مع مرور الوقت، كما لو أنني في مرحلة انتقالية معلّقًا بين أمرين بانتظار حصول حدَث لا يأتي، والفروغ من آخر لا ينتهي. ثماني سنوات مرّت منذ ذاك الصيف أشعر كما لو أنها تسرّبت من ثقبٍ في جيب ذاكرتي.

حرب إسناد غزة ٢٠٢٣ - مونديال ٢٠٢٢

صيف ٢٠٢٣، قعقعية الجسر. ذكرى مرور أربعين يومًا على وفاة عمّي الحبيب محمّد. باحة البيت مكتظّة وهدوءٌ رماديُّ مقيت يشبه الموت يلفّه كأفعى ويرخي بظلاله على حديقة منزلنا بمن فيها من معزّين. صمتٌ لا يقطعه سوى أزيز المسيّرات وأصوات غارات بعيدة ودويّ جدار صوتٍ من حين إلى آخر يهزّ أركان صمتنا الحزين. أراقب بطرف عيني رعب ابني زياد من أصواتٍ لم يعتْدها ومحاولاته استمداد أمان من عينَي والدته القريبة منه جلوسًا بين النسوة في العزاء، أمان تعجز عن منحه إليه لافتقارها إيّاه أصلًا. فأقترب وأناديه محاولًا أن أمدّه عبر يديّ وعينيّ ولساني بما أُوتيت من جرعات أمانٍ مضاعفة فيستكين إلى ذراعي باطمئنان مؤقّت.

صيف نكبة الجنوب... المستمرّة.

حزيران ٢٠٢٢، عام قبل نكبة الجنوب. مونديال ميسي الذي شجعته كما لم أشجّع رياضيّ من قبل، شجّعت منتخبه كما لم أشجّع فريق من قبل، كما لم أشجّع إيطاليا من قبل. ففرحت لفرحه وبكيت فرحي دموعًا أجَدت إخفاءها عمّن حولي.

حرب إسناد إيران

الإمعان في الكارثة، الإمعان في نكبة الجنوبيين، الإمعان في الحفر عميقًا نحو الهاوية.

في صغَري، لو قيّض لي أن أعقد صفقة تربح عبرها إيطاليا المونديال في مقابل حربٍ واجتياح للجنوب، الأرجح أنني كنت سأقبل حتمًا. فرغبات الطفولة منفلتة من عقالها إلى درجة العته أحيانًا. فوز إيطاليا تسبّب بحربين كما تقول الأسطورة - النكتة، لكن المفارقة أنّه في النسخ الثلاثة الأخيرة لم تتأهل إيطاليا أصلًا إلى النهائيات، رغم هذا شهدنا في أقل من سنتين حربين واجتياحين. لكن ما يثير حنَقي حدّ الانفجار ملاحظة من يشجّع، بمنتهى العته، فريقًا يحفر بنا عميقًا نزولًا نحو الهاوية... لا الفريق فريق كرة قدم لنغفر لهم ارتكاباتهم في «ملعبنا الصغير» بمجرّد إطلاق صافرة النهاية، ولا المشجعون أطفال يعقدون في خيالاتهم صفقات انتصار حمقاء تبرّر لهم عتههم حداثة سنّهم.

التاريخ الذي دفعنا وسندفع أثمانه باهظةً من ذاكرتنا وحاضرنا ومستقبلنا ومستقبل أبنائنا نتيجة قراراتٍ معتوهة لم نملك في اتخاذها رأيًا.

حزيران ٢٠٢٦، مونديال الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. حمّى المونديال ستسحب كل الأضواء كما العادة. سيتضاءل الاهتمام العالمي والاقليمي - الضئيل أصلًا - بنكبتنا الجنوبية.

في لقاء مع جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني على هامش مقابلة عن حرب لبنان يقول: «عشيّة حصار بيروت شاهدنا على التلفزيون ملايين الجزائريين ينزلون إلى الشارع فاعتقدنا أنّ نزولهم للتنديد بالاجتياح الإسرائيلي فإذ بنا نعرف أنّهم نزلوا للاحتفال بفوز منتخبهم في مباراة في كأس العالم». هذه النسخة ستشهد مشاركة ثمانية منتخبات عربية.

حتى نحن اللبنانيون، والجنوبيون ضمنًا، لن نقوى على مقاومة إغراء السّاحرة المدوّرة، وسننفصل عن كارثتنا لبضع ساعات كلّ يوم ونَهيم في عالمٍ ليس فيه جنوبنا الغالي ملعبًا، ولا نحن وأولادنا كرة تركلنا الأقدام.

مقالات مشابهة
09・06・2026
التضليل الإعلامي بوصفه سلاح حرب
نور حطيط
يُعدّ الانتقاء الإخباري أحد أشكال التضليل القائم على اختيار معلومات محدّدة وإغفال أخرى بما يخدم سردية مسبقة. ويُلاحظ أن هذا النمط من التضليل لا يعتمد على التزييف المباشر بقدر ما يقوم على إعادة ترتيب الواقع وإبراز أجزاء منه دون غيرها. وبهذا، تقدّم الوسائل الإعلامية الأخبار بطريقة غير محايدة عبر انتقاء الوقائع والمصادر وصياغتها على نحو يوجّه الفهم العام للحدث وفق منظور معين...
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
12・05・2026
القرى الجنوبية في ظلّ وهْم الهدنة: لم يعد الصمود ممكنًا
بهاء الحسيني العاملي
إن تجربة القرى الجنوبية في هذه الحرب قد كشفت بوضوح أن الصمود ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو نتاج توازن بين مجموعة مقوّمات. فحين تتآكل هذه المقوّمات الاقتصادية والخدماتية والصحية والتعليمية وغيرها، يصبح البقاء فوق طاقة الإنسان. وبالتالي لا يعود النزوح خيارَا، بل يصبح نتيجة طبيعية للواقع الصعب المتعثّر.