03・02・2026
من العدد ٣٠
اغتيال لقمان… حلقة من سلسة تستهدف الفكر...

 

لم يكن اغتيال لقمان سليم حادثة معزولة عن تاريخ الاغتيالات السياسية في لبنان، بل حلقة في سلسلة طويلة استهدفت نهجًا كاملًا قبل أن تستهدف أشخاصًا؛ من مهدي عامل، المفكر الماركسي الذي اغتيل لأنه حاول تفكيك البنية الطائفية بالعقل والتحليل، وصولًا إلى لقمان سليم، المثقف الشيعي الحر الذي رفض أن تكون طائفته صندوق ذخيرة في صراعات إقليمية. السؤال واحد: هل يُغتال الأشخاص أم يُغتال الفكر؟

لقمان سليم لم يُقتل لأنه يحمل اسمًا، بل لأنه مثّل نهجًا شيعيًّا مختلفًا، نهجًا منفتحًا، نقديًّا، يضع الدولة والقانون والعدالة الاجتماعية فوق العصبيات والسلاح والشعارات. هذا النهج نفسه الذي مثّله مهدي عامل قبله، ودفع ثمنه لأنه تجرأ على القول إن الطائفية ليست قدرًا، وإن التحرر لا يمر عبر الاستبداد ولا عبر تحويل الناس إلى أدوات.

ما يجمع بين مهدي عامل ولقمان سليم، رغم اختلاف الزمن والأدوات، هو الإيمان بأن الشيعة في لبنان ليسوا جماعة مغلقة ولا مشروع حرب دائمة، بل جزء أساسي من مشروع دولة مدنية عادلة. شيعة يؤمنون بالعلم، بالثقافة، بالاختلاف، وبأن العدالة الاجتماعية لا تُقوم على السلاح ولا الخوف، بل على القانون والمؤسسات.

اغتيال هذا النهج لم يكن يومًا صدفة. هو محاولة دائمة لإسكات كل صوت شيعي يرفض التطرف، ويرفض أن تكون الطائفة ورقة تفاوض بيد مراجع دينية أو سياسية من خارج الحدود. كل مَن يخرج عن السردية المفروضة، كل مَن يسأل: أين الدولة؟ أين العدالة؟ أين كرامة الإنسان؟ يصبح خطرًا يجب شطبه.

لقمان سليم لم يكن حالة فردية، بل امتدادًا لخط فكري أراد أن يُعيد الشيعة إلى موقعهم الطبيعي: شركاء في الوطن، لا وقودًا في معارك الآخرين. اغتياله، كما اغتيال مهدي عامل، هو رسالة واضحة بأن المشكلة ليست في الاسم، بل في النهج؛ نهج الحرية، العقل والنقد الذي يخيف أكثر من أي سلاح.

لكن التجربة أثبتت أن الأفكار لا تُغتال. يُقتل الجسد، يُسكت الصوت، لكن النهج يبقى. وكل ذكرى لقمان سليم، كما ذكرى مهدي عامل، تذكير بأن داخل هذه الطائفة، كما في كل لبنان، من لا يزال يؤمن بالدولة، بالقانون، وبأن المستقبل لا يُبنى بالخوف بل بالوعي.

مقالات مشابهة
03・02・2026
لقمان سليم ومسار كسر الانسداد التاريخي في الحياة السياسية اللبنانية...
جاد الأخوي
في ذكرى لقمان سليم، لا نكتفي باستحضار المأساة، بل نعود إلى السياق السياسي الذي جعل من لقمان شريكًا أساسيًّا في مسارٍ أراد كسر الانسداد التاريخي في الحياة السياسية اللبنانية. لقمان سليم كان من القلائل الذين قرأوا الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة نظام حكم لا أزمة أشخاص أو توازنات ظرفية.
03・02・2026
من أين أبدأ يا لقمان؟ حين صار الخوف صفرًا ولم ننكسر
محمد علي الأمين
صوت يُحرج الصمت قبل السلاح. اخترت أن تقول «لا» في زمنٍ صارت فيه النعم شرطًا للنجاة واخترت أن تكون لبنانيًّا شيعيًّا حرًّا في زمن أُريد فيه للهوية أن تكون قيدًا لا أفقًا. عرفتَ باكرًا أن الخوف ليس شعورًا فرديًّا فقط، بل نظام حكم.
03・02・2026
في ذكرى لقمان؛ ستبقى الحقيقة أقسى من رصاصهم وأطول عمرًا من سلطتهم
علي الضيقة
لقمان سليم قُتل ليكون عبرة، لكن العبرة انقلبت على القتَلة لأن الجريمة التي لا تُحاسَب تتحوَّل إلى لعنة؛ ولأن الدم الذي يُهدر اليوم يعود غدًا سؤالًا لا يُقهر...
أيضاً للكاتب/ة
25・03・2026
لبنان بين بين فكيّ السلاح وضغط الانهيار؟
طارق عزت دندنش
في الأيام الأخيرة، انفجرت مجموعة مؤشّرات سياسية وأمنية توحي بأنّ لبنان يقف على مفترق تاريخي: حكومة تتحدّث عن حصر السلاح بالدولة، ضغوط دولية متصاعدة على «حزب الله»، محادثات مباشرة مع إسرائيل بعد أربعة عقود، واستنفار أممي للدفع نحو وقف التصعيد..
03・02・2026
بين ١٧ أيار و٢٧ تشرين وكاريش: أين ضاعت حقوق لبنان؟
طارق عزت دندنش
بين اتفاقٍ أُسقط بالشعارات، واتفاقات أُقرت بالتراضي، ضاعت حقوق لبنان تباعًا، لا بالهزيمة العسكرية بل بالتنازل السياسي المقنّع. المقارنة بين ١٧ أيار ١٩٨٣ و٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، وكاريش، ليست دفاعًا عن اتفاق ولا تبرئة لمرحلة...
03・01・2026
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بين الانتخابات والثنائي: مرجعية لبنانية أم امتداد لولاية الفقيه؟
طارق عزت دندنش
يعود المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى واجهة النقاش مع كل استحقاق انتخابي، لا بوصفه مؤسسة جامعة تعكس تنوّع المزاج الشيعي في لبنان، بل كهيئة يَعتبرها كثيرون أقرب إلى موقعٍ ملتبس بين الدور الديني والدور السياسي.