
لم تكن معركة الإسناد في جنوب لبنان مجرّد جولة عسكرية مرتبطة بتطوّرات الحرب في غزة أو جزءاً عابراً من الاشتباك الإقليمي الدائر بين محور المقاومة وإسرائيل. بل جاءت كحدث يُعيد طرح أسئلة لبنانية عميقة تتعلّق بسيادة القرار الوطني، وبالعلاقة بين الجنوب اللبناني والدولة، وبمصير مجتمع أنهكَته الحروب والحرمان والهجرة.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الجنوب لا يمكن أن يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالأثمان التي يدفعها اللبنانيون - والجنوبيون منهم بشكل خاص - باتت أكبر من قدرة الناس على الاحتمال. قرى مهجّرة، منازل مُهدّمة، اقتصاد مُنهار، مدارس مُغلقة، ومستقبل يهرب من بين أيدي الشباب باتجاه الهجرة. وفيما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة، يبقى الجنوب الحلقة الأضعف، يدفع الثمن دون أن يكون شريكاً في القرار.
إن منطق الأمور يفرض اليوم إعادة فتح النقاش حول مستقبل الجنوب وموقعه ودوره. فليس مقبولاً أن يبقى قرار الحرب والسلم بيد أطراف تتجاوز الدولة اللبنانية، أو أن يبقى الجنوب ورقة في لعبة أمم لا يملك اللبنانيون فيها سوى الانتظار والتلقّي. إن استعادة القرار الوطني في الجنوب ليست دعوة ضد المقاومة ولا استهدافاً لها، بل هي دعوة لإعادة ترتيب الأولويات: حماية الأرض، حماية الناس وحماية الوطن قبل أي ارتباط بصراعات خارج الحدود.
لقد أثبتت التجربة أن الجنوب قادر على الصمود، لكنه في الوقت نفسه يستحق الحياة والأمن والتنمية. ما يحتاجه الجنوب ليس المزيد من الحروب، بل مشروع دولة عادلة تحمي أبناءها وتحفظ كرامتهم. يحتاج إلى خطة إنقاذ وإعمار، إلى جامعة رسمية قوية، إلى اقتصاد مُنتج، إلى فرص عمل توقف نزيف الهجرة، وإلى قرار سيادي يضع مصلحة لبنان فوق أي محور أو حسابات خارجية.
إن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار لمعادلة بسيطة وواضحة:
قرار الجنوب يجب أن يعود إلى الجنوب، وقرار لبنان يجب أن يكون لبنانيًّا.
فالتاريخ أثبت أن الشعوب التي تمتلك قرارها هي وحدها القادرة على صناعة سلام عادل أو خوض مقاومة مشرّفة. أما التورّط في صراعات إقليمية مفتوحة، فإن نتيجته واحدة: تدمير الداخل وإضعاف الدولة وتكريس الفوضى.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة وفي الرؤى، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: لا بديل عن الدولة، ولا مستقبل للبنان إلّا بالحفاظ على وحدته وسيادته واستقلال قراره.


