في علم الاجتماع، يُنظر إلى الزيّ بوصفه خطابًا رمزيًّا يعكس منظومة القيَم والمعايير الأخلاقية للجماعة. فهو لا يغطّي الجسد فحسب، بل ينظّم العلاقة بين الفرد والجماعة، ويحدّد الحدود بين «الداخل» و«الخارج». وعندما يتداخل هذا الخطاب مع البُعد السياسي أو الدِّيني، يتحوّل الزيّ إلى أداة هيمنة رمزية، تفرض معايير محدّدة للقبول الاجتماعي والانتماء.
في هذا السياق، يشكّل الجنوب اللبناني حالة نموذجية لدراسة تحوّلات الزيّ النسائي، حيث أصبح الحجاب والعباءة السوداء منذ الثمانينات رمزَين للانتماء إلى «البيئة المقاومة»، ووسيلة لترسيخ الانضباط الاجتماعي والسياسي داخل المجتمع الشيعي..jpg)
قبل ثمانينات القرن العشرين، اتّسمت العلاقة مع الجسد واللباس في الجنوب بطابعها العفوي واليومي. كانت الملابس تُعبّر عن إيقاع الحياة الزراعية أكثر مما تُعبّر عن منظومة قيَم دينية منظّمة: أقمشة قطنية خفيفة، ألوان زاهية، وأشكال عملية تسمح بالحركة والعمل في الحقول أو في المنزل.
لم يكن الزيّ موحّدًا أو محكومًا بمرجعية دينية صارمة، بل تلوّن وفق المعايير الاجتماعية المحلية والذوق الفردي. الحجاب، في تلك المرحلة، كان ممارسة اجتماعية أكثر منه دينية، ارتبط بفكرة الحياء الاجتماعي لا بفريضة ذات طابع فقهي. كانت النساء يُغطين رؤوسهنّ بوشاح خفيف غالبًا لا يحجب الشعر بالكامل، في انسجام مع تقاليد القرية ومفاهيم اللياقة السائدة.
بهذا المعنى، كان الجسد الأنثوي في الجنوب أقرب إلى ذاته، غير مُثقل بالمعاني السياسية أو الدِّينية، ولم يُختزل بعد إلى موقع رمزي داخل سردية جماعية. غير أنّ هذا التوازن الهشّ بين التقاليد والحرية الشخصية بدأ يتزعزع مع تحوّل الجنوب إلى فضاء مقاومة وصعود خطاب جديد أعاد تعريف العلاقة بين المظهر والانتماء.
ومع تصاعد الاجتياحات الإسرائيلية للجنوب وبروز الحاجة إلى خطاب تعبوي موحّد، بدأت العلاقة مع الجسد واللباس تكتسب أبعادًا سياسية جديدة مهّدت لظهور الزيّ المقاوم.
شكّل تأسيس «حزب الله» عام ١٩٨٢ نقطة تحوّل مفصلية في إعادة تشكيل البنية الرمزية للمجتمع الشيعي في لبنان. لم يكن المشروع مقاومةً عسكرية فحسب، بل أيضًا مشروعًا لإنتاج هوية ثقافية وجسدية متمايزة، تستند إلى سردية المقاومة بوصفها إطارًا أخلاقيًّا وسياسيًّا في آن.
منذ منتصف الثمانينات، بدأ الزيّ النسائي يتحوّل إلى أداة ترميز سياسي تعبّر عن الانتماء إلى ما أُطلق عليه «البيئة المقاومة». فالحجاب لم يعد ممارسة فردية، بل صار علامة دلالية على الانضباط والولاء. تأثّر هذا التحوّل بالخطاب الثوري الإيراني وبصورة المرأة «الزينبية» في الثقافة الشيعية ما بعد الثورة، حيث غدا الجسد الأنثوي موقعًا للانضباط الأخلاقي ومؤشّرًا للهوية العقائدية.
انتشار العباءة السوداء في الجنوب خلال هذه الفترة لم يكن مجرّد ظاهرة لُبس، بل تعبيرًا عن إعادة إنتاج رمزية اللون الأسود بوصفه لون الحداد والولاء والعفّة. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الزيّ إلى نظام بصَري يفصل الداخل (المنتمي) عن الخارج (الآخر)، ويعيد إنتاج الانتماء الجماعي في الحيّز العام.
في التسعينات، اكتمل هذا التحوّل مع استقرار صورة المرأة «المجاهدة» التي تجسّد الانضباط الأخلاقي للمقاومة. أصبح الجسد الأنثوي ميدانًا لضبط القيَم الجماعية، وصار الزيّ جزءًا من سياسات تمثيل الجسد التي تمارسها الجماعة على أفرادها. بذلك، انتقل الحجاب من كونه ممارسة دينية إلى كونه علامة سياسية ـ ثقافية تشهد على اندماج الهوية الدينية بالمشروع المقاوم.
بعد انسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان عام ٢٠٠٠، اكتسب الزيّ الأسود طابعًا مؤسّسًا داخل المجتمع الشيعي الجنوبي. لم يعد رمز تعبئة ظرفيًّا، بل أصبح هوية بصرية مستقرّة تؤدّي وظيفة اجتماعية في تأكيد الانتماء الجماعي.
غير أنّ هذا الثبات الظاهري لم يُلغِ دينامية التبدّل الداخلي. ابتداءً من العقد الثاني من الألفية، بدأت تظهر أشكال تفاوض ناعمة داخل هذا النظام الرمزي، خصوصًا بين الأجيال الشابّة من النساء والفتيات الأصغر سنًّا. لم يعد السؤال يقتصر على الحجاب نفسه، بل امتدّ إلى كيفية لبسه ودلالته، وأصبح لبسهن حديثًا وأكثر انفتاحًا على الألوان والتصاميم، مع المحافظة في الوقت نفسه على الطابع الجماعي الذي يشير إلى الانتماء للبيئة الشيعية.
بهذا الشكل، أوجدت هذه الفئة حالة اجتماعية متميزة تعبّر عن هويتها الشيعية بطريقة أكثر تبرُّجًا وحداثة، بينما تظلّ ضمن حدود الرمزية الجماعية التي تحدد الانتماء والتمايز عن الآخرين.
يرى بيار بورديو أنّ ما يبدو طبيعيًّا أو «بديهيًّا» في الذوق واللباس والجسد هو في الواقع نتاج لعلاقات هيمنة رمزية يُعاد إنتاجها من خلال الممارسة اليومية. فالذوق ليس خيارًا حرًّا أو فرديًّا بالمطلق، بل هو شكل من أشكال الهابيتوس؛ أي البنية الذهنية والبدنية التي تترسّخ في الأفراد عبر التنشئة الاجتماعية وتدفعهم إلى تبنّي تفضيلات تتماشى مع موقعهم داخل البنية الثقافية.
في هذا الإطار، يصبح الزيّ النسائي، خصوصًا في السياقات الدينية أو «المقاومة»، آلية لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي والجنسي، إذ يُترجم عبره ما يسمّيه بورديو «العنف الرمزي»: عنف غير مباشر يُمارَس عبر القبول الطوعي بمعايير الجماعة. فارتداء العباءة أو الحجاب ليس مجرد فعل ديني، بل ممارسة تُنتج الامتثال وتكرّس الفوارق بين الأجساد المسموح بها وتلك المنبوذة.
ومن اللافت أنّ النساء أنفسهنّ ساهمن في إعادة إنتاج هذه الهيمنة، من خلال التماثل مع صورة «المرأة الزينبية» كنموذج أعلى. فالمتديّنات لم يَكُنّ ضحايا للخطاب فحسب، بل أيضًا فاعلات في تكريسه، عبر تبنّي معاييره وتقييم النساء الأخريات بناءً عليها. هذه العملية تُظهِر آليات الرقابة الاجتماعية الداخلية، إذ تساهم النساء في تعزيز القيَم الجماعية عبر الملاحظة والتقويم المتبادل، وتكرار الخطاب الأخلاقي والسياسي داخل الدوائر النسائية.
ويمكن ملاحظة هذه الآليات الرمزية في مؤسسات التنشئة المبكرة كـ«كشّاف المهدي»، حيث تُعاد صياغة علاقة الفتيات بأجسادهنّ ضمن منطق الانضباط الجماعي والانتماء. يؤدّي الكشاف وظيفة أيديولوجية دقيقة، تطبيع الانضباط الجسدي والفكري منذ الطفولة.
في صفوف الفتيات، لا يُقدَّم الحجاب كاختيار شخصي أو التزام فردي، بل كعلامة انتماء إلى جماعة «المهدي» المنتظِرة والمجاهدة. تُربّى الفتيات على أن اللباس جزء من الإيمان والسلوك، وأن الالتزام به هو مشاركة رمزية في الجهاد، حتى قبل سنّ النضوج السياسي. وهكذا، يتحوّل الزيّ إلى أداة تربية جماعية لا مجرّد مظهر خارجي، يربط بين الطهارة، الانضباط، والهوية المقاومة ضمن بنية تربوية تُغرس منذ الطفولة.
كما أن الزيّ الموحد داخل الكشاف (الطرحة، الزيّ الطويل، الألوان الداكنة) يرسّخ فكرة الاندماج في الجماعة وتلاشي الفردية، فتتكوّن علاقة وجدانية بين اللباس والانتماء.
أدّت الهيئة النسائية في «حزب الله» دورًا محوريًّا في ترسيخ هذه المنظومة عبر خطاب مزدوج يجمع بين التعبئة الدينية والتنشئة الاجتماعية. فالأنشطة الثقافية والتربوية والإعلامية التي تنظّمها الهيئة لا تروّج للحجاب بوصفه فريضة فقهية فحسب، بل كرمز للهوية والتميّز الأخلاقي.
كما أعادت الهيئة تعريف «البيئة» بوصفها فضاءً أخلاقيًّا مغلقًا تُحافظ فيه النساء على حدود الجماعة ويؤدِّين دَور «حارسات الهوية». حيث يصبح الجسد المؤنَّث أداة لحماية الجماعة من الاختراق الرمزي، والزيّ وسيلة لضبط الفضاء الاجتماعي تحت غطاء الفضيلة والمقاومة.
مع تطوّر الفضاء الرقمي، لم تتراجع الرقابة الجماعية بل غيّرت أدواتها؛ إذ انتقلت من نظرات الشارع إلى تعليقات المنصّات. تُظهر متابعة ما يُنشر على صفحات نساء «البيئة المقاومة» أن الحملات الرقمية باتت تؤدّي وظيفة الرقابة الجماعية ذاتها: التنمُّر والتشهير الأخلاقي يعيدان ربط الحجاب بمفاهيم «الشرف» و«الطهارة»، ويُعيدان إنتاج آليات الوصم والسيطرة الرمزية في فضاء جديد.
يُطرح اليوم سؤال جوهري: هل يمكن أن يتغيّر الزيّ مع تغيّر الوضع السياسي والإقليمي لـ«حزب الله»؟
تاريخيًّا، تميل الرموز الجماعية إلى الاستمرار حتى بعد تغيُّر الظروف التي أنشأتها، لأنها تتحوّل إلى مكوّن من الذاكرة الثقافية. ومع ذلك، فإن أي تبدّل في موقع الحزب أو في علاقته بالنموذج الإيراني المرجعي سيُعيد بالضرورة فتح النقاش حول رموزه الثقافية، وفي مقدّمها الجسد واللباس.
تُظهر المؤشرات الحالية أن التحوّل لن يأتي عبر القطيعة، بل من خلال عمليات تفاوض بطيئة تقودها النساء أنفسهنّ، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الالتزام والحرية، والانتماء والاختيار الفردي. ومع اهتزاز النموذج الإيراني الذي ألهم الخطاب الزينبي، قد يتحوّل الزيّ من رمز ولاء جماعي إلى مساحة تعدّد وتعبير ذاتي.
فالزيّ، في جوهره، ليس كيانًا ثابتًا بل نظام معنى يتبدّل بتبدّل السلطة التي تمنحه دلالته. وحين تتغيّر السلطة الرمزية، يتغيّر بدوره شكل الجسد الذي يعبّر عنها.




