
منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قدّم حزب الله نفسه بوصفه حركة مقاومة وُلدت من رحم الاحتلال الإسرائيلي للبنان، ودفع بسردية وتبناها في روايته الرسمية تقول أنّه تأسّس عام ١٩٨٢ استجابةً لظروف الاجتياح الاسرائيلي.
أوحى الحزب دائمًا بأنّ سلاحه آنذاك كان ذا غاية واضحة: تحرير الأرض والدفاع عن الجنوب المهمَّش.
وبفضل هذه السردية، نجح الحزب في اكتساب شرعيّة وطنية واسعة تخطّت بيئته الشيعية، لتشمل شرائح من اللبنانيين الذين رأوا في المقاومة ضرورة وطنية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن مسار «الحزب» لم يتوقّف عند لحظة «التحرير» في عام ٢٠٠٠، بل أخذ يتعقّد ويتحوّل. السلاح الذي أراد حزب الله أن يظهره كأداة وطنيّة ظرفيّة، تحوّل مع مرور الوقت إلى «سلاح عقيدة»، أي سلاح يتجاوز منطق الدولة والدستور ليُربط بمرجعيّات دينيّة غيبيّة. وفي أيلول الماضي، تجلّى هذا التحوّل بأوضح صوره: من تفجيرات البيجرز التي استهدفت البنية الأمنيّة للحزب، إلى حرب الإسناد التي فتحها في الجنوب دعمًا لغزّة، وصولًا إلى اغتيال الأمين العام حسن نصرالله، الذي حوّل شخصه إلى رمز أبدي يرسّخ قداسة السلاح.
هكذا صار أيلول شهرًا مفصليًا في ذاكرة «الحزب»: لحظة دمج بين الدم والرمز والعقيدة، ولادة جديدة لمشروع يتجاوز حدود الوطن ليتموضع في قلب صراع إقليمي وديني مفتوح.
شكّلت عملية تفجير أجهزة الاتصال «البيجرز» في ١٧ و١٨ أيلول الماضي صدمة مزدوجة لـ«حزب الله». فمن جهة، كانت تلك الأجهزة جزءًا أساسياً من بنيته الأمنية والتنظيمية، وتُستخدم في التنسيق والاتصال الداخلي بعيدًا عن شبكات الاتصالات الرسمية. ومن جهة ثانية، أدى التفجير المتزامن لعشرات الأجهزة إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، بينهم عناصر من «الحزب» ومدنيون من بيئته الاجتماعية، ما شكّل ضربة غير مسبوقة للبنية الأمنية والتنظيمية للحزب.
لم تكن الضربة مجرد عملية أمنية معزولة، بل وُصفت بأنها أكبر خرق أمني في تاريخ هذا «الحزب» منذ تأسيسه. إذ فجّرت إسرائيل ـ بحسب معظم التحليلات ـ نقطة الضعف الأعمق في جسد «الحزب»: اعتماده على شبكة اتصالات سرية ظنّ أنها منيعة. وبذلك تحوّل البيجر من أداة تواصل يومي إلى رمز هشاشة داخليّة كُشف أمام الجميع.
لكن «الحزب» لم يتعامل مع الحادثة كخسارة تقنيّة فحسب، بل أعاد صياغتها بسرعة في إطار سرديّته العقائديّة. فالتفجير، في خطابه، لم يستهدف جهازًا أو مقاتلاً، بل استهدف «الحاضنة الشعبيّة» بأكملها. وهكذا تحوّلت مجزرة «البيجرز» إلى لحظة دمج بين «المظلوميّة» و«القداسة»: دماء الضحايا لم تعد دليلاً على فشل أمني، بل على أنّ السلاح نفسه بات مهددًا لأنه يحمل مشروعًا يتجاوز حدود لبنان.
بهذا المعنى، شكّل أيلول بداية التحول في «حرب الإسناد»، إذ وجد «الحزب» نفسه مضطرًا للانتقال من حالة دفاعيّة إلى خطاب هجومي أوسع: ما دام العدو استهدف أدواته الداخليّة، فلا بدّ من الردّ بفتح جبهة موازية تُربك إسرائيل شمالًا وتربط لبنان مباشرة بمعركة غزّة.
منذ تشرين الأوّل ٢٠٢٣، ومع اندلاع معركة «طوفان الأقصى» في فلسطين، فتح «حزب الله» ما سمّاه «جبهة الإسناد» على الحدود اللبنانيّة ـــ الفلسطينيّة. لم يكن الهدف خوض حرب شاملة على غرار حرب تمّوز ٢٠٠٦، بل تقديم دعم محسوب يربك إسرائيل ويُثبت و«حدة الساحات».
وفقًا للسردية التي عمل «حزب الله» على بثها، فقد شنّ «الحزب» طوال الأشهر التالية، مئات العمليات، شملت قصف مواقع عسكرية إسرائيلية، تدمير أجهزة رصد، إطلاق صواريخ دقيقة وبعيدة المدى، واستهداف مستوطنات في الجليل. ووفق هذا السرد، أدّت هذه العمليات إلى نزوح عشرات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين من بلدات الشمال، وتكبيد الجيش الإسرائيلي كلفة مادية وعسكرية ضخمة.
وفي هذا أعاد «الحزب» صياغة معنى السلاح: لم يعد مقتصرًا على الدفاع عن الجنوب اللبناني، بل امتدّ إلى نصرة غزة والقدس. وفي هذا الإطار، يظهر التحوّل من خطاب «التحرير الوطني» إلى خطاب «الواجب الديني» المرتبط بعقيدة أوسع، إذ أكد «الحزب» أنّ القتال ليس فقط من أجل لبنان، بل من أجل فلسطين واسنادًا لها وعبرت خطابات قادته عن ذلك كجزء من مشروع إلهي عابر للحدود.
مع مرور الوقت، أخذت حرب الإسناد بُعدًا أوسع. لم تعد مناوشة على الحدود، بل تحوّلت إلى حرب استنزاف متواصلة، ربطت مصير لبنان عسكريًا وأمنيًا بمصير غزّة. وهنا برزت إشكاليّة كبرى: هل يملك لبنان كدولة قرار الدخول في هذه الحرب؟ أم أنّ «الحزب» يفرض معادلته الخاصّة تحت عنوان "المقاومة" و«الإسناد»؟
في هذا السياق، جاءت تفجيرات «البيجرز» بعيد منتصف أيلول كرسالة مباشرة: استهداف «الحزب» لم يكن منفصلاً عن حرب الإسناد، بل كان جزءًا من محاولة إضعافه ومنعه من مواصلة دوره في الحرب التي أعلنها لـ«إسناد» غزة. وبذلك دخلت المواجهة مرحلة جديدة، أكثر خطورة وأكثر ارتباطًا بالسلاح العقائدي الذي لا ينفصل عن الإقليم.
في خضمّ هذه المواجهة، شكّل اغتيال الأمين العام حسن نصرالله لحظة فارقة. الرجل الذي ارتبط اسمه وصورته بـ«مشروع المقاومة منذ عام ١٩٩٢»، تحوّل بموته إلى رمز في الوجدان الحزبي والشعبي. فبينما كان نصرالله حيًا يمثّل القائد السياسي والعسكري، صار بعد استشهاده «شهيد العقيدة» الذي يُضفي على السلاح قداسة إضافيّة.
وفقًا لتلك السردية، لم يُقدّم «شهادة نصرالله» على أنه خسارة للقيادة، بل صُوّر كـ «ولادة جديدة للمقاومة». ففي بيانات «الحزب» وإعلامه، رُبطت دماء القائد بميلاد «الحزب» الأولى في الثمانينيات، مؤكّدين أنّ الرسالة كانت واضحة: كما وُلد «الحزب» من رحم الدم والتضحيات مع بداية الاحتلال، فهو اليوم يتجدّد ويستمر باستشهاد قائده، متجذرًا في مشروع المقاومة والتضحيات المستمرة.
بهذا المعنى، تحوّل السلاح إلى ما يشبه «وصيّة» تركها نصرالله للأجيال القادمة. لم يعد النقاش عن بقاء السلاح أو زواله مطروحًا داخل «الحزب»، لأن موت القائد وضع حدًا لأي احتمال لمراجعة داخلية. «الشهادة»، في الخطاب العقائدي، يعني أن السلاح لم يعد ملكًا لقرار بشري أو وطني، بل صار جزءًا من مشروع إلهي لا يخضع للتفاوض.
فاستثمر «الحزب» ذكرى نصرالله لإعادة شحن قاعدته الشعبيّة. المهرجانات والمسيرات التي أقيمت في أيلول تحوّلت إلى طقس جماعي يربط الناس بالسلاح عبر دم القائد. هذه الرمزيّة صنعت ما يمكن تسميته بـ «قداسة مضاعفة»: قداسة السلاح كرمز للمقاومة، وقداسة دم نصرالله كضمانة لاستمراره.
لم يكن أيلول ٢٠٢٥ مجرّد شهر عابر في مسار الصراع، بل تحوّل إلى ذاكرة مركّبة تختزن عناصر ولادة «الحزب» وتجديده. في هذا الشهر اجتمعت ثلاث محطات أساسية: تفجيرات البيجرز، حرب الإسناد، «شهادة» نصرالله. هذه الأحداث لم تكن منفصلة، بل صاغت معًا سرديّة جديدة تربط السلاح بالذاكرة والقداسة.
فالبيجرز أعادت إلى الواجهة صورة المحرومين (البيئة الحاضنة) الذين شكّلوا الأساس الاجتماعي للحزب منذ الثمانينات. تفجير أجهزتهم لم يُقدَّم كعمليّة عسكريّة فقط، بل كهجوم على الفقراء والمستضعفين الذين يحتضنون المقاومة. وهكذا تحوّل الحدث إلى تكثيف رمزي لفكرة أنّ السلاح يحمي هؤلاء ويُمثّلهم.
أما «حرب الإسناد»، فقد أظهرت أنّ أيلول لم يعد مجرد تاريخ داخلي لبناني، بل صار لحظة إقليمية. فلبنان الجنوبي لم يُنظر إليه كأرض دفاعية فحسب، بل كبوّابة لدعم غزّة والقدس. ومع «شهادة نصرالله»، تكرّست هذه الرمزيّة أكثر: الجنوب ليس ساحة جغرافية، بل جزء من خريطة عقائدية تمتد من طهران إلى فلسطين.
في خطابات «الحزب» ومراسيمه، صار أيلول يُقدَّم كـ «شهر المقاومة المتجددة». فيه تُستعاد الولادة الأولى للحزب، ويُحتفى بولادة ثانية عبر دم نصرالله. وبهذا المعنى، تحوّل أيلول إلى تقويم خاص بـ«الحزب»، تقويم يربط الزمن بالتضحية والسلاح، ويُعلّي العقيدة فوق كل اعتبار وطني أو دستوري.
إن مراجعة مسار حزب الله من نشأته حتى أيلول ٢٠٢٥ تُظهر بوضوح أنّ السلاح لم يعد مجرّد أداة وطنية لتحرير الأرض، بل صار كيانًا عقائديًا يستمد شرعيته من الدم والرمز والذاكرة. ففي البداية كان السلاح محصورًا بغاية محددة: طرد الاحتلال من الجنوب. لكن بعد التحرير عام ٢٠٠٠، بدأ «الحزب» في إعادة صياغة فلسفته، ليربط السلاح بولاية الفقيه وبمشروع إقليمي أوسع.
تفجيرات «البيجرز» في أيلول مثّلت أول اختبار علني لصلابة هذا السلاح، لكنّها أيضًا وفّرت للحزب فرصة لتثبيت روايته العقائديّة. «حرب الإسناد» بدورها ربطت لبنان مباشرة بفلسطين، وحوّلت الجنوب إلى جبهة إقليميّة. وأخيرًا، جاءت «شهادة نصرالله» لتمنح السلاح قداسة إضافية، وليحوّله من خيار سياسي إلى وصية دينيّة.
أمام هذا المشهد، يقف لبنان أمام معضلة مستمرّة: هل يمكن لدولة حديثة أن تستوعب سلاحًا يتجاوزها، ويعتبر نفسه «أمانة إلهيّة» لا تخضع للنقاش؟ هل يمكن لمجتمع متعدّد أن يعيش تحت سقف سلاح يُعرّف نفسه كعقيدة لا كأداة وطنيّة؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، لكن المؤكّد أنّ أيلول ٢٠٢٥ وضع «الحزب» وسلاحه في موقع جديد، موقع يعلو على الوطن والدستور، ويضع لبنان أمام تحدٍّ وجوديّ بين منطق الدولة ومنطق العقيدة.





