
تختلف الحرب الأخيرة على لبنان في نتائجها عن سابقاتها، إذ جاءت هذه الحرب - التي أطلق عليها «حزب الله» اسم جبهة الإسناد - امتدادًا لفكرة «وحدة الساحات» التي تجمع تحت مظلّتها «حزب الله» في لبنان، و«حماس» في غزة، و«الحوثيين» في اليمن، والكتائب والفصائل العراقية وغيرها.
وقد تميّزت هذه الحرب بأنها لم تقتصر على خسارة الحزب لعدد من قادته البارزين واغتيال أمينه العام السابق حسن نصرالله، بل شملت أيضًا استهدافًا مباشرًا لبُناه المالية وتجفيفًا لمصادر تمويله، من خلال ضرب فروع «مؤسسة القرض الحسن» التي تُعدّ الذراع المصرفية للحزب وبيئته الحاضنة.
وعلى الرغم من استئناف هذه الفروع نشاطها بعد انتهاء الحرب، فإن تلك الضربة شكّلت مؤشرًا واضحًا على بدء الهجمة الإسرائيلية على مصادر تمويل الحزب، والتي تلقت لاحقًا ضربة أكبر بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي كان يؤمّن له ممرًّا بريًّا لنقل الأموال من إيران.
اكتمل المشهد مع اندلاع الحرب الإيرانية - الإسرائيلية، أو ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يومًا» التي بدأت في الساعات الأولى من ١٣ حزيران ٢٠٢٥. وقد زادت هذه الحرب من تعقيد الوضع بالنسبة إلى «حزب الله» و«بيئته الحاضنة»، خصوصًا في ظلّ منع إسرائيل الطائرات الإيرانية المحمّلة بالأموال من الهبوط في مطار بيروت تحت طائلة استهدافها.
وقد انعكست هذه التطورات سلبًا على النازحين الذين خسروا منازلهم، إذ تراجعت أو تعطّلت التعويضات التي كان من المفترض أن يتلقّوها، في ظلّ الأزمة المالية الخانقة التي أصابت الحزب ومصادر تمويله.
في سياق الاتهامات الموجهة للحكومة اللبنانية بالتباطؤ في رفع الأنقاض وإطلاق عملية إعادة الإعمار، نشرت جريدة «الأخبار» في مقال نشر أول آذار ٢٠٢٥ أن مؤسسة «جهاد البناء» باشرت عمليات المسح والكشف في المناطق المتضررة، في جنوب لبنان مع انسحاب القوات الإسرائيلية من معظم القرى والبلدات الحدودية، باستثناء المواقع الخمسة المعلن عنها.
وجاء في المقال أن «جهاد البناء» أنجزت مسحًا شاملًا لأضرار العدوان الإسرائيلي، تضمّن تسجيل ٢٩٢ ألف وحدة سكنية وتجارية متضررة في مختلف المناطق اللبنانية. وحتى الآن، تمّ تحويل ٢٦٥ ألفًا منها إلى مرحلة تسديد التعويضات، أي ما يعادل ٩١% من إجمالي الملفات، مع دفع ٣٢٤ مليون دولار كمساعدات إيواء للعائلات التي فقدت منازلها بالكامل.
ورغم إعلان «جهاد البناء» أنها غطّت ما نسبته ٩١% من إجمالي الملفات، ولا سيما في ما يتعلق بالتعويضات، فإن صرف هذه التعويضات توقّف منذ ٢٣ حزيران الماضي. ويُذكر أن تأجيل الدفعات كان في السابق يتمّ لفترات قصيرة قبل أن يُستأنف الصرف مجدّدًا، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدة التوقف الحالية وإمكان استمرارها.
وقد أعلن رئيس المجلس التنفيذي في «حزب الله» الشيخ علي دعموش أن صرف الجزء الأخير من التعويضات توقّف إلى حين توافر التمويل، مشيرًا إلى أن الحزب دفع حتى الآن نحو ٩٠% من إجمالي التعويضات. كما وجّه دعموش انتقادات للحكومة اللبنانية بسبب غياب دعمها للمتضررين وتقصيرها في إطلاق عملية إعادة الإعمار، وفق ما نقلته جريدة «النهار».
«كان منزلي قد تضرّر جزئيًّا في البداية بفعل القصف الإسرائيلي على القرى الحدودية المحاذية لفلسطين المحتلة»، يقول الدكتور محمد عيسى، ابن قرية ميس الجبل في قضاء مرجعيون جنوبي لبنان، في حديثه إلى «الفان رقم ٤».
ويتابع: «لكن اليوم مُسح المنزل بالكامل، ومعه منازل عدد من أفراد عائلتي، أي ما يعادل حيين كاملين سُوّيا بالأرض. بل إن هناك قرى أُبيدت تمامًا مثل محيبيب وكفركلا وعيتا، التي مُسحت عن الخريطة حرفيًّا».
ويعكس هذا التصريح حجم الدمار الذي لحق بالجنوب اللبناني، حيث لم تقتصر الأضرار على المباني فقط، بل طالت حياة الناس واستقرارهم، لتكشف عن مأساة إنسانية ما زالت فصولها مستمرة.
يعيش اليوم أبناء المناطق التي تعرّضت للقصف، بعد خسارة منازلهم، حالة انتظار مفتوحة المدى، وسط فقدان شبه تام للأمل بالحصول على أي تعويض.
يقول الدكتور عيسى في حديثه إلى «الفان رقم ٤»:
«برأيي، "حزب الله" اليوم غير قادر على إعادة إعمار القرى المدمَّرة في الجنوب، لكنه يقدّم تعويضات محدودة تقتصر على الترميم ودفع بدلات إيجار لمدة سنة واحدة فقط، تُقدَّر بنحو ٤٠٠٠ دولار. ونحن الآن على مشارف انتهاء هذه السنة، ولا يُعرف ما إذا كانت هناك بدلات إيجار للسنة المقبلة. أضِف إلى ذلك أنّه في حال قرّر الحزب المضيّ في إعادة الإعمار، فالأمر يحتاج إلى سنوات، وهو في كل الأحوال مرهون بقرار سياسي».
يمكن عطف كلام الدكتور عيسى على البيانات التي تصدر بين الفينة والأخرى عن «مؤسسة القرض الحسن»، إذ تعكس بدورها الصعوبات المالية والتنظيمية التي تواجهها المؤسسات التابعة لـ«حزب الله» في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، أصدرت المؤسسة في كانون الثاني الماضي بيانًا جاء فيه: «لأسباب فنية، تمّ تأجيل دفع فواتير التعويضات حتى أقصاه ١٠ شباط ٢٠٢٥، وتستمر بقية أعمال المؤسسة كالمعتاد، بما في ذلك صرف القروض والسحوبات والإيداعات في الحسابات، وغيرها من الأعمال».
ليست معاناة الجنوبيين وحدها في دوّامة الانتظار هذه، بل هي حال أبناء البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت أيضًا.
ها هو أبو أحمد حيدر، الذي خسر منزله المؤلَّف من خمسة طوابق في القصف الإسرائيلي الأخير على البقاع. يعمل أبو أحمد سائق باص على «خط بيروت»، ويروي لـ«الفان رقم ٤» قائلًا: «اليوم خسرت جنى عمري بالكامل في حرب لم أخترها. مبنى كامل كان بالنسبة إليّ ولأولادي فرحة العمر، وكنت أعتقد أنني أمنت لهم مستقبلهم، لكننا اليوم عدنا إلى الإيجار... للأسف».
ويضيف: «اليوم يعوّضنا الحزب بدل إيجار يتراوح بين ٤٠٠٠ و٨٠٠٠ دولار سنويًّا لأربع عائلات هجّرت، ورغم أن المبلغ زهيد، لا نعلم ما إذا كان سيُصرف تعويض للسنة المقبلة أم لا. نحن اليوم على مشارف انتهاء هذه السنة، ولست الوحيد في هذه الحال».
وقد ازدادت أعباء التعويضات بشكل كبير مع تكشّف حجم الدمار الذي فاق كلّ التوقّعات. فبحسب الإحصاءات، نحو ٤٢ ألف وحدة سكنية دُمّرت بالكامل، فيما تضرّرت حوالى ١٤٥ ألف وحدة سكنية وتجارية وتربوية بدرجات متفاوتة.
وجاء في تقريرٍ صدر عن البنك الدولي في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٤، أنّ تكلفة الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية الناتجة عن الصراع الأخير في لبنان بلغت نحو ٨.٥ مليارات دولار أميركي.
وأوضح التقرير أنّ الأضرار المادية وحدها قُدّرت بنحو ٣.٤ مليارات دولار، في حين بلغت الخسائر الاقتصادية نحو ٥.١ مليارات دولار.
وعلى صعيد النمو الاقتصادي، أشار التقرير إلى أنّ الصراع أدّى إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان بنسبة ٦.٦٪ على الأقل خلال عام ٢٠٢٤، ما فاقم حالة الانكماش الاقتصادي الحاد المستمرة منذ خمس سنوات، والتي تجاوزت نسبتها ٣٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.
كما لفت التقرير إلى وجود أكثر من ٨٧٥ ألف نازح داخليًّا، معظمهم من الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك النساء والأطفال والمسنون والأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة واللاجئون، الذين يواجهون أعلى مستويات المخاطر.
وأشار أيضًا إلى أنّ نحو ١٦٦ ألف شخص فقدوا وظائفهم نتيجة الصراع، ما أدّى إلى انخفاضٍ في المداخيل يُقدّر بحوالى ١٦٨ مليون دولار أميركي.
في المقابل، ذكر تقريرٌ لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في لبنان (UN-Habitat)، أُعدّ بالتعاون مع جامعة البلمند ومركز البحث البيئي - المساحة المتوسّطية الشرقية في جامعة القديس يوسف، أنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان خلّفت دمارًا واسعًا في محافظتَي الجنوب والنبطية.
وأوضح التقرير أنّ التقييم أُجري عبر تحليل صوَر الأقمار الاصطناعية بين تشرين الأوّل/ أكتوبر ٢٠٢٣ وتشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٤، مشيرًا إلى تدمير كلّي أو جزئي لما يقارب ١٥.٦٣٣ مبنى، أي ما يعادل نحو ٦.٦% من إجمالي المباني في هاتين المحافظتين.
وبحسب التقرير «تتركز الأضرار بشكل رئيسي في أقضية مرجعيون، بنت جبيل وصور، حيث تقع القرى المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة. يُقدّر عدد الوحدات السكنية المتضررة بنحو ٣٣.٤٤٨ وحدةً. يُلاحظ أنّ قضاء مرجعيون شهد النسبة الأعلى من التدمير، حيث تأثّر نحو ٢٧.٥% من مبانيه، يليه قضاء بنت جبيل بنسبة ١٣.٥%، ثم صور بنسبة ٦.٣%».
يرى الصحافي الاقتصادي منير يونس، والمعروف بكشفه قضايا فساد مالية، أنه حتى اليوم من غير الواضح أن «حزب الله» أبدى قدرة لدفع تعويضات الإعمار، بل اكتفى بتعويضات للإيواء، هذه التعويضات أتت بالنسبة لكثيرين دون التوقعات وحتى تاريخه لم يظهر أي مؤشر على أن «الحزب» مستعد لإعادة بناء ما تهدّم وهذا له عدة أسباب، أولًا حالة عدم اليقين عن القدرة المالية المتبقية للحزب، أما السبب الثاني فهو استمرار العمليات العسكرية خصوصًا في الجنوب، وهنا لا يمكنك الحديث عن الإعمار ونحن بحالة الأعمال العدائية، بل يبقى مشروع إعادة الإعمار غير واضح. بالمقابل هناك مطالبات للحكومة بتنفيذ برنامج إعمار، ومطالبات للحزب بتسليم سلاحه مقابل برنامج إعادة إعمار، نحن بهذا المشهد تقريبًا.
ويقول في حديثه لـ«الفان رقم ٤»: «ما تبقى لـ"حزب الله" من أموال لا يمكن معرفته، لكن ما هو معروف أن برنامج الإيواء كلفهم ما يقارب بين ٨٠٠ مليون - مليار دولار بحسب بعض الإحصاءات التي سُربت من قبل الحزب وسينتهي البرنامج أو جزء منه في تشرين الثاني ٢٠٢٥. وهناك أناس حصلت على تعويضات إيواء، تنتهي بعد سنة من تاريخ إعطائها وسوف يطلب من الحزب تجديدها، والحزب هنا أمام هذا الواقع».
ويضيف: «هناك تمويل كان يمر عبر سوريا يمكننا التوقع بأنه أصبح غير موجود، وهناك تمويل يمكن أن يمر عبر طرق أخرى ولكنه تحت الرصد الأميركي - الإسرائيلي، حتى أنه تحت رصد المكلفين بالمعابر الأمنية من قبل الأجهزة الأمنية بمنع دخول الأموال غير المشروعة بنظرهم. وبالتالى إمكانية دخول الأموال قائمة بدليل أن توم برّاك قال إن الحزب يحظى بتمويل ٦٠ مليون دولار شهريًّا وهذا الرقم من المؤكد أنه مبني على معلومات الخزانة الأميركية. حضر وفد أميركي منذ فترة قصيرة إلى لبنان ليبحث كيف يموّل «حزب الله» نفسه بعد الحرب الأخيرة».
بالرغم من وجود كل هذه الأموال لدى الحزب، هناك سؤال يطرح: لماذا لا يدفع الحزب تعويضات إعادة الإعمار لدى المتضررين؟ يقول يونس: «إن الحزب لديه أجندة منها إحراج الحكومة لتظهر بمظهر المقصّرة أمام جمهوره. ويرى أن بيئة الحزب هي اثنتين، هناك بيئة لصيقة، أشك إنها تنقلب عليه: المنتسبون إلى الحزب ومنهم أصحاب المصالح. وهناك البيئة الشيعية الأوسع وهو يستفيد اليوم من الضغط على البيئة الأوسع من عدة جهات حتى يوهمها بأن المقصود هم الشيعة وليس "حزب الله" وبدوره يستفيد منها في فترة الانتخابات النيابية القادمة. وأعتقد أن إسرائيل لن تقبل بعودة كثيفة للأهالي إلى الجنوب قبل أن تحقق أهدافها، إما بمزيد من تقليل قُدرات الحزب، أو السعي للتفاوض مع لبنان ثم يتمّ التفكير بعودة الجنوبيين وإن هناك ورقة يخفيها الإسرائيلي، وهو رسم شريط عازل في القرى الحدودية».





