03・10・2025
من العدد ٢٦
تحليل شهر أيلول ٢٠٢٥
من خطة حصر السلاح إلى إضاءة صخرة الروشة

شهد شهر أيلول ٢٠٢٥ تحوّلًا نوعيًّا في المشهد اللبناني، حيث ظهر أن النقاشات حول سلاح «حزب الله» انتقلت من الإطار النظري إلى النقاش على مستوى القرار التنفيذي عبر ما طرحه الجيش اللبناني في جلسة مجلس الوزراء المخصّصة لـ«حصر السلاح في يد الدولة»، التي روّج لها «حزب الله» وإعلامه بأنها تراجُع عمّا طُرح سابقًا من قِبل الحكومة في ما خصّ سلاح «حزب الله». 

تزامن ذلك مع تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل وغارات متكرّرة على الجنوب والبقاع، فيما اختار «حزب الله» التركيز على التعبئة الرمزية والإعلامية من خلال إحياء مناسبات دينية وتنظيم أنشطة اجتماعية وثقافية ركزت على «رمزية المقاومة» و«الوفاء للأمين العام الراحل السيد حسن نصر الله».

خطة حصر السلاح

طرح الجيش اللبناني خلال جلسة مجلس الوزراء في ٥ أيلول ٢٠٢٥ خطته الرسمية لحصر السلاح بيد الدولة، وهي أول خطة عسكرية مفصَّلة تُطرح بالنسبة إلى هذا الموضوع.

وقد حاولت وسائل إعلامية مختلفة، وخصوصًا تلك المحسوبة على أطراف معارضة لـ«حزب الله» طرح تفاصيلها كما يلي: متدرِّجة تبدأ من الجنوب (جنوبي الليطاني) وتمتدُّ لاحقًا إلى شماله، البقاع والضاحية الجنوبية. أما إطارها الزمني فيمتدُّ على مدة ١٥ شهرًا، مع تقديم تقارير شهرية إلى مجلس الوزراء. وقد حُدِّدت نهاية السنة كموعد أوّلي للبدء بالمرحلة الأولى.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الوسائل الإعلامية القريبة من «حزب الله» ركزت على فكرة أن الجيش اللبناني أكد على النقص في العتاد والتمويل، وأنه ربطَ التنفيذ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلة (النقاط الخمس والتي صارت لاحقًا سبع).

وقد انسحب وزراء «حزب الله» و«حركة أمل» من تلك الجلسة على غرار الجلسة الماضية. 

رحّب مجلس الوزراء بالخطة وأقرّ إبقاء مضمونها سرّيًّا، مؤكّدًا على أنها تنفيذ لقرارات جلستي ٥ و٧ آب.

ظهرت مواقف «حزب الله» الإعلامية والسياسية من موضوع خطة «حصر السلاح» على الشكل التالي: 

أكّد الحزب في بياناته وتصريحات نوابه ومسؤوليه أن «سلاح المقاومة» ضرورة وأن لبنان يخسر نقاط قوته في حال تخلّى عن «المقاومة».

كما شدَّد الإعلام التابع لـ«حزب الله» والذي يدور في فلكه (قناة المنار، موقع العهد، جريدة الأخبار) على وصف قرارات الحكومة والعمل على مسألة «حصر السلاح» بأنه خطأ سيضع البلد على حافة الفتنة. كما ركّز هذا الإعلام على الإضاءة على تضحيات «الشهداء» في مقابل السعي إلى تجاهلها من قِبل معارضي «حزب الله» والحكومة وذلك خدمة لـ«الضغوط الأميركية»، وربط مساعي الحكومة، مع التركيز على رئيسها نواف سلام بأنه يعمل في سياق يخدم «المشروع الإسرائيلي الأميركي» لمحاصرة «المقاومة». وسعى الإعلام الحزبي إلى تصوير رئيس الحكومة بشكل خاص كمنفّذ لـ«الإملاءات» الأميركية، متغاضيًا عن رئيس الجمهورية وخطاب قَسَمه، وذلك مقابل استحضار مفردات رمزية مثل «الكرامة»، «الوفاء للدماء»، في مواجهة «الخضوع»، «المزاجية»، «الشخصانية» وـ«الكيدية».

رغم الانسحاب من الجلسة، حرص «حزب الله» على تصوير خطواته بأنها محسوبة من أجل تجنّب المواجهة الداخلية، وإن الحراك الشعبي الداعم له في الضاحية يأتي ضمن إطار مسيرات دراجات نارية محدودة. وركّز إعلامه على فكرة أن «المقاومة» لن تُستدرج لصدام داخلي.

لقد كثّف الحزب تحركاته الاجتماعية والثقافية والشعبية، من أبرزها:

إضاءة صخرة الروشة

شهدت بيروت حدثًا أثار سجالًا واسعًا، بعد أن طرحت اللجنة المنظمة لإحياء «الذكرى السنوية لاستشهاد الأمينين العامين لـ"حزب الله" سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله والسيد الهاشمي الشهيد السيد هاشم صفي الدين»، نيّتها إضاءة صخرة الروشة بصوَرٍ للأمين العام الراحل لـ«حزب الله» بواسطة أجهزة عرض ضوئية تُنصب على كورنيش المنارة. الخطوة وُصفت من قِبل معارضي «حزب الله» بأنها «استفزاز سياسي» ومحاولة لفرض حضور «حزب الله» في قلب العاصمة، فيما برّرها إعلام الحزب بأنها «مبادرة وفاء رمزية من مواطنين»، نافيًا أن تكون عملًا منظّمًا من قِبل الحزب نفسه.

رئاسة الحكومة وبلدية بيروت طلبتا الحصول على ترخيص مسبق لتلك الفعالية، وتمّ الاتفاق على أن يُقام اعتصام لأعداد محدّدة وعدم تسكير طرقات، تعهّد به الحزب عن طريق مؤسسة فنية تابعة له تُدعى «رسالات». رغم ذلك فإنّ «حزب الله» دعا إلى حشد مناصريه وعمل على بإضاءة الصخرة، متحدّيًا قرار رئيس الوزراء ومحافظ بيروت ناقضًا لما تعهّد به سابقًا. وقد تحوّل هذا الحدث إلى نزال بين فرض شرعية «المقاومة» في المجال العام وبين ضرورة فرض قرار رئيس الحكومة ومحافظ بيروت حول ضرورة منع أي استفزاز في العاصمة، حيث حرص «حزب الله» على إظهار أن ما يقوم به نابع من وجدان شعبي، في حين اعتبره خصومه دليلاً على استمرار تجاوز منطق الدولة لمصلحة السلاح والرمز المقاوم. وقد حرص «حزب الله»، عبر ناشطيه بعد إضاءة الصخرة، وبوجود القيادي في الحزب وفيق صفا، على إظهار ان الحكومة لم تستطع منع إضاءة الصخرة، مع ما يعني ذلك من أنها لن تستطيع تنفيذ شيء من خطتها بالنسبة إلى نزع سلاح «حزب الله». 

مناسبات وأنشطة أخرى

- أقام «حزب الله» فعاليات مركزية هدفها استحضار ذكرى «سيد شهداء الأمة» والمقصود فيه الأمين العام السابق لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله، في عدد من القرى الجنوبية والبقاعية.

- خُصصت الخطب الدينية لاستحضار «وصايا نصرالله» في الصمود والوحدة، وجرى تصويره كرمز للشهادة والوطنية الجامعة.

- إعلام « «حزب الله» » ركّز على الربط بين ذكرى نصرالله و«الوفاء للدماء التي أرست معادلة الردع». 

- أقام الحزب معارض اقتصادية وثقافية في زحلة والهرمل (مثل «معرض خيرات المهدي») للتأكيد على مفهوم «الاكتفاء المقاوم».

- أقام الحزب تشييعًا لعدد من الذين سقطوا في الغارات الإسرائيلية أو الذين توفّوا بظروف طبيعية (مثل رضا زريق، وعلي عباس غزالة، وحسن السبلاني)، وحوّل التشييع إلى تظاهرات تعبئة جماهيرية. وتمّ استخدام المناسبات لتأكيد أن المقاومة «حاضرة في الأرض والوجدان»، وأن «محاولات نزع السلاح» لن تمحو الذاكرة النضالية.

- ألقى رجال دين شيعة مؤيّدين لـ«حزب الله» (أحمد قبلان، علي فضل الله، علي الخطيب) خطب، تمّ فيها الدمج بين البُعد الديني والسياسي مع التركيز على سردية ضرورة الوقوف إلى جانب «المقاومة».

- زارت وفود من «حزب الله» مراجع دينية، مثل السيد علي فضل الله والشيخ أحمد القطان، وأكدت على وحدة الصف الإسلامي.

- زار وفد من مجلس الشورى الإيراني، برئاسة علي لاريجاني، مرقد السيد حسن نصرالله، في خطوة رمزية ذات بُعد إقليمي.

التشديد على الرمزيات

تحوّلت الذكرى الرمزية (نصرالله) إلى مظلةّ أيديولوجية لتثبيت مشروعية السلاح في مواجهة القرار الحكومي.

قدّم «حزب الله» نفسه «الضحية المُستهدفة» من إسرائيل والغرب، و«المُدافع الوحيد» عن الجنوب ومناطق الشيعة في وجه الحكومة من جهة والإملاءات الغربية من جهة أخرى.

في المحصّلة سعى الحزب إلى نقل المعركة إلى الميدان الرمزي والإعلامي، مستخدمًا «ذكرى السيد حسن نصرالله» كرمز جامع لتعزيز «شرعية المقاومة» أمام جمهوره.

وقد ظهر في أحيان كثيرة تمايز خجول بين مواقف «حزب الله» و«حركة أمل» التي لم تتخّذ مواقف حادّة في مواجهة قرارات الحكومة أو خطة الجيش وحرصت على الظهور بموقف الحليف لـ«حزب الله».