
تتصدّر إيران اليوم المشهد الشيعي، ويقدّم نظام الولي الفقيه هناك نفسه كممثل أوحد للمذهب الشيعي في العالم وحاكمًا مطلقًا عليه. هذه الصورة التي عممها النظام الذي أسّسه المرشد الراحل للجمهورية الإسلامية في إيران، روح الله الخميني، وضَع الشيعة حول العالم في سلّة واحدة أمام الآخرين. كما صوّر المذهب الشيعي في مواجهة العالم أجمع. إنما الحقيقة التي قام عليها هذا النظام أنه نشأ على استهداف مراجع هذا المذهب وتهميش أدوارهم إنّ استطاع، لحصر السلطة المطلقة بشخص واحد وإلغاء أحد أهم ميزاتها، ألا وهي التعددية وترْك الحرية للفرد الشيعي باختيار مرجعيته ورجل الدين الذي يتبعه، وهو ما يتيح ديناميكية تضمن حيِّزًا هامشيًّا للانفتاح والتطوّر وعدم الإفساد. أسئلة عدة في هذا الإطار طرحتها «أمم» على العلّامة السيد علي الأمين.
قبل وصول الخميني إلى سدّة الحُكم في إيران بعد الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، كانت المرجعية الشيعية تختلف من حيث الدور والتركيبة، وكانت أبعد عن الشؤون السياسية. انصبّ تركيز المرجعيات الشيعية على الجوانب الفقهية الدينية، وكان أغلب المراجع الشيعة يؤمنون بأن دور الفقيه يقتصر على الشأن الديني ويرفضون الولاية المطلقة. وكان هناك اعتقاد عند الشيعة أنه في عصر الغيبة عليهم انتظار ظهور المهدي الذي سيتولّى الشأن السياسي لدى عودته، وأن لا أحد يملك صلاحيات المنتظَر ويمثله بالمطلق.
مع وصول الخميني إلى السلطة في إيران قدّم نظرية ولاية الفقيه المطلقة، أو الولاية العامّة، والتي تقول بحكم الفقيه في ظلّ غيبة المهدي المنتظَر. هذه الولاية اعتبرت أن هناك الفقيه الأعلم والذي على جميع رجال الدين الشيعة الاعتراف بولايته والاعتراف به مرجعًا عليها حتى. بالتالي أتت لتلغي التنوّع داخل الطائفة الشيعية واستهداف كل تمايز فيها وإقامة دولة تحكم أمور كل الشيعة حول العالم.
يشرح العلامة السيد علي الأمين في حديث لـ«أمم» أن ولاية الفقيه مسألة فقهية كانت تدرّس في علم الفقه كغيرها من المسائل الفقهية التي يبحث العلماء عن وجود الدليل عليها من مصادر الشريعة. ويضيف: إنه «في هذا الإطار العلمي لم يكن لولاية الفقيه تأثير على التعدّدية التي قامت عليها المرجعية الدينية منذ نشأتها. فقد كان الكثير من الفقهاء المشهورين والمتصدّرين لموقع المرجعية من الرافضين لثبوت الولاية العامة للفقيه، وكان القليل منهم يقول بثبوتها، ولم يؤثّر ذلك على التنوّع وتعدّد الآراء في هذه المسألة وغيرها. لأن اهتمام المرجعية الدينية كان بنشر العلوم الدينية والتوجيه والإرشاد بعيداً من الخيارات السياسية لأتباعهم. ولكن الذي حصل بعد وصول الإمام الخميني إلى السلطة في إيران - وهو من القائلين بثبوت الولاية العامة للفقيه - أن ولاية الفقيه نُقلت من مسألة فقهية تُدرّس في بطون الكتب ومعاهد الدراسة الدينية إلى نظرية في الحكم والسلطة يعتمد عليها النظام السياسي القائم في إيران، فغدا الولي الفقيه على رأس النظام، وجعل شرعيته في الحكم مستندة إلى رأيه في ثبوت الولاية العامة للفقيه على مقلّديه وغيرهم، فهو يعتبرها امتدادًا لسلطة الأنبياء والأئمة الأولياء. وبذلك أصبحت مرجعية الولي الفقيه مرجعية في الدِّين والدنيا. ومن هنا بدأ التأثير على مسار التنوّع والتعدّد في المرجعية الدينية عند أتباع المذهب الشيعي من خلال الدعوة إلى قيادته الوحيدة والرافضة لكل من يعارضه من المرجعيات الدينية».
وما قاله السيد الأمين عن أن هناك عدد قليل من المراجع يقول بثبوت الولاية المثبتة تذكُره العديد من المراجع والكتب. وكان معظم أتباع المدرسة النجفية من الرافضين للولاية المطلقة ويؤمنون بدور الفقيه الإرشادي لا السياسي المباشر. وتختلف مدرسة النجف الفكرية والدينية عن المدرسة الإيرانية الخمينية في رؤيتها لدور الفقيه في السياسة. فعلماء النجف لم يرفضوا فكرة الفقيه، لكنهم رفضوا أن تكون له ولاية سياسية مطلقة على الناس كما هو الحال في إيران. وفي لبنان كان المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله من أبرز الشخصيات الرافضة للفكرة. وممّن اعتبروا أنها لم تكن ثابتة في النص الشرعي، رغم أنه كان من مؤسسي «حزب الله». ودعا فضل الله إلى ما يشبه الاستشارة الدينية بدل الحاكمية الدينية.
وفي لبنان أيضًا، سعى «حزب الله» إلى دفْع المرجعيات الشيعية للانضواء تحت عباءة الولي الفقيه. كما مارس التشهير والتحريض والتخوين بحق مرجعيات رفضت التسليم بالولاية المطلقة. حتى أن المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله لم يسلَم من ذلك. ومسألة استهداف المرجعيات أعلن عنها «حزب الله» صراحة في بداياته عبر لسان الشيخ راغب حرب، أحد مؤسّسيه. وإلى اليوم يتمّ تداول قوله في حينه إن «العمامة التي لا تقول نعم للخميني نُسقطها، نحرقها، فأنا عندما أقول للناس "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" بماذا أبرِّر للعالِم أن يموت ميتة جاهلية؟ هذه هي حدود الله فنائب قائدنا الحُجّة عجّل الله تعالى فرَجه الشريف هو الخميني، ومَن لم يبايع هذا الرجل فقد تاهَ عن طريق الهُدى».
وفي إيران حتى، لم تكن ولاية الفقيه المطلقة مرغوبة. وفي إحدى المقابلات التلفزيونية قبل نحو عامين تحدث مجتبى الطالقاني، نجل المرجع الشيعي الراحل آية الله محمود الطالقاني، الذي كان أحد خبراء مجلس الدستور، عن ذلك. وروى أن والده الذي توفّي بعد أشهر من انتصار الثورة كان من المراجع المعارِضة لولاية الفقيه، ويتّهم الطالقاني النظام باغتيال والده لهذا السبب. ويحكي أنه في تاريخ الشيعة كان هناك تيارات مختلفة، وأن تيار ولاية الفقيه المطلقة كان أقلّية. ويلفت إلى أن فقط الملا أحمد نراقي أشار لولاية الفقيه قبل قرنين. والنراقي يُعتبر أول من نظّر بشكل واضح لفكرة ولاية الفقيه العامة. ويُضيف الطالقاني أن تطبيق ولاية الفقيه في إيران تمّ على مراحل، نظرًا لوجود معارضين لها في البداية.
ويذكّر نجل المرجع الراحل بأن الخميني عندما كان في باريس لم يُشر إلى ولاية الفقيه، وهو ما تحدّث عنه أيضًا أول رئيس لإيران بعد الثورة الحسن بني صدر والذي انقلب عليه الخميني. وقال الطالقاني إن الخميني حتى عندما عاد إلى إيران بداية لم يتكلم بولاية الفقيه المطلقة، لكنه بدأ تدريجيًّا بفرض هذا الأمر، وترافق ذلك مع طرح فكرة الحجاب. وذكَر أنه بتاريخ ٥ آذار مارس ١٩٧٩، أي بعد أقلّ من شهر على انتصار الثورة في إيران في ١١ شباط ١٩٧٩، طالب الخميني بأسلَمة المؤسّسات الحكومية ومنع غير المحجبات من الدخول فيها، فقامت الحركة النسائية في ٨ آذار للاعتراض على ذلك، كما تدخّل المرجع الطالقاني حينها رفضاً للإلزام بالحجاب، فاستجاب الخميني قائلًا إنه ليس وقت ذلك حاليًّا. لكن مع مرور الوقت، ورغم الجدل والاحتجاج، اتخذ النظام الإيراني الجديد في حينه خطوات تدريجية لفرض الحجاب الإلزامي رسميًّا، حتى صار إلزاميًّا بشكل كامل عام ١٩٨٣ بقانون يفرض عقوبات على المخالِفات.
عن التعددية يقول السيد علي الأمين إن «التعدد في المرجعية الفقهية موجود منذ ظهورها، وهي تعبير عن مرجعية العلماء ذوي الاختصاص الذين لا يُحصرون بشخص». ويؤكّد أن المرجعية «لم تؤثّر سلبًا في الماضي على الشيعة في علاقاتهم بأوطانهم واندماجهم في مجتمعاتهم لأن دَور المرجعية، على تعدّدها، كان بعيدًا من الدخول في مسائل السلطة والصراع عليها، وكان يقتصر على الدور الثقافي والفقهي المتضمّن لتوجيه أتباعها بالمحافظة على أوطانهم وترسيخ العلاقة مع محيطهم. ولكن الذي حصل أخيرًا، بعد وصول مرجعية الإمام الخميني في إيران إلى السلطة، هو دخول بعض المرجعيات الدينية في العمل السياسي المباشر ومحاولة سيطرة النظام الجديد في طهران، والأحزاب الدينية والطائفية، على موقع المرجعية لأغراض الدعاية والنفوذ الحزبي خدمة لمشاريعها السلطوية وارتباطاتها الخارجية. ولا شكّ بأن ارتباط المرجعية الدينية بأوضاع السلطة السياسية والحزبيةّ في أماكن تواجدها جعلها في كثير من الأحيان داعمة لسلطة الأحزاب وداعية إليها، ففقَدت بذلك مبدأ الاعتدال وموقع الرعاية للجميع وتخلّت عن دورها الأساسي في التعليم والتوجيه وترَكت هذه المهمة الخطيرة للأحزاب الدينية والطائفية! وهذه كلها من العوامل التي تُعيق مسيرة الإصلاح وتُضعف صوت الإعتدال الذي يحاول، دون مساعدة له، أن يُعيد للمؤسّسة الدينية دَورها الدِّيني والوطني الجامع بعيداً من تأثيرات السلُطات الحزبية وغيرها»، يقول السيد.
وعن الولاية المطلقة وأهمية تعدّد المرجعيات في الأحكام الشرعية يمكن الاستعانة أيضًا بردِّ المرجع الراحل السيد محمد سعيد طبطبائي الحكيم، والذي أجاب عن سؤال عما إذا كان تعدّد المرجعيات يؤدّي إلى التفرِقة بين الشيعة الذي ورد فيه: إنه «بعد غَيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) لم يُفرض على الشيعة نظام يحصر المرجعية في واحد، فإن النظام المذكور لو فُرض لسهّل انحراف المرجع، ولم يستطِع المؤمنون التغيير بعد فرض النظام عليهم، ولذا انحرفت المرجعيات في سائر الطوائف الإسلامية وغيرها. أما إذا لم يُفرض النظام، وأوكِل الأمر إلى قناعات الناس بتمامية الميزان الشرعي، في ما بينهم وبين الله، فإن الناس يبقى لهم القدرة على التغيير عند انحراف المرجع، وبهذا بقيت الدعوة للحقّ وللميزان الشرعي في هذه الطائفة على طول المدة، غاية الأمر أنه يُلزم الاختلاف في الحق، والاختلاف في الحق خير من ضياعه».
هنا يتبادر السؤال عن إمكانية المرجعيات الدِّينية الشيعية الخروج وإخراج المذهب من سطوَة ولاية الفقيه المطلقة الحاكمة في إيران؟
يُعيد المرجع السيّد علي الأمين طرح اقتراح إصلاحي قدّمه منذ عقود. إذ يرى السيّد أن من «يحدّدون المرجع هم أهل الخبرة من العلماء المنتشرين في الحوزات العلمية وغيرها»، ويسأل: «لماذا لا نجعل الضوابط والموازين لأهل الخبرة الذين يحق لهم إبداء الرأي في أعلَمية مرجع وأهليّته؟ ولماذا لا نُنشىء لهم مقرًا يكون بمثابة البرلمان لأهل الخبرة من العلماء والمجتهدين يجتمعون فيه لإصدار القرارات الحاسمة؟ فلا يخرجون قبل ملء الفراغ القيادي ويجتمعون لمواكبة تطوّرات العصر ومتطلّباته»! ويضيف أنه «بهذا يمكن أن تصبح المرجعية الدينية مؤسّسة لها أحكامها وقوانينها ولها نظامها الذي يسدّ الثغرات التي تحصل في حياة المجتمع والأمة».
ويؤكّد السيد علي الأمين أنه «من أهم الأمور التي لا بد من معالجتها هو تنظيم السلك الدِّيني لأنه لا يجوز أن يبقى الأمر كما هو عليه من دون ضوابط ولا معايير. فإننا نرى أن الخطاب الدِّيني قد يختلف من شخص إلى آخر وقد يتصدّى غير المؤهّل علميًّا لقضايا حياتية خطيرة فيكون إفساده أكثر من إصلاحه وضرره أكثر من نفعه. ولا توجد جهة تُحاسب رجل الدِّين أو طالب العلم إذا أخطأ، وليس عليه طاعَتها إذا أمَرَته، وليس لها مراقبته أو ليس لها شروط انتماء للسلك الدِّيني، وغير ذلك مما يجعل العشوائية هي المنتشرة في أخطر الأجهزة ذات العلاقة المباشرة بحياة الناس ومعتقداتهم! ولذلك قد دعَوْت إلى حركة إصلاح ديني لدى الشيعة في العالم تشمل علماءها ومثقفيها وجمهورها، وهذا أمر لا بدّ منه للنهوض والخروج من الوضع الراهن الذي لا نُحسد عليه».
إذًا يدعو المرجع الشيعي السيد الأمين إلى «أن نصل إلى درجة عالية من التنظيم للجهاز الدَّيني على غرار الفاتيكان». ويعتقد «أن أول مراحل العمل هي أن نُدرك المشكلة التي نعاني منها كطائفة شيعية للانطلاق إلى خطوات أخرى حتى نصل إلى ما نطمح إليه من إصلاحات من خلالها لتتحوّل المرجعية الدِّينية الكبرى من مرجعية الفرد إلى مرجعية المؤسّسة المعترَف بها دوليًّا والتي تحكمها القوانين والأنظمة»
كما يدعو السيد علي الأمين لأن يحصل ذلك في المؤسّسات الدِّينية المحلّية للشيعة بحيث يتمّ العمل على اختيار قياداتها من أهل الخبرة في الجسم الدِّيني، بعد إصلاحه وتنظيمه، بعيداً من السياسة والسياسيين وأحزابهم، وبذلك تتخلّص المرجعيات الدِّينية ومؤسّساتها من استغلالها في المشاريع السياسية والحزبية التي تسعى للهيمنة والتسلّط على الشيعة وربطهم بالمشاريع الخارجية.
ويرى بأن «خروج المرجعيات الدِّينية عن سطوَة ولاية الفقيه يتمّ بنْشر الوعي والالتفاف من قِبل المثقفين الشيعة حول مَن يحمل خطاب الاعتدال فيها وإنشاء المعاهد الدينية التي تقوم بتخريج الطلاب والمشايخ البعيدين عن الارتباطات الحزبية. ولذلك لا بد من السعي الجادّ لإصلاح السلك الدِّيني وتنظيم أموره وإعداد برامجه التعليمية ووضع الضوابط القانونية والشرعية لإنشاء الحَوزات الدِّينية وللمنتسبين إليها والمشرفين عليها بالشكل الذي يعزّز الولاء للوطن ويرسّخ الوحدة والتآخي بين المواطنين بعيدًا من تدخّلات السياسيين وأحزابهم. وإذا لم تتمكّن المؤسّسة الدينية من القيام بهذه المسؤولية الدِّينية ذات البُعد الوطني فإننا نجدّد اقتراحنا إنشاء وزارة للشؤون الدِّينية ترعى هذه الأمور المهمة في هذا الحقل التربوي والتوجيهي المؤثّر في حياة الناس حفاظاً على سلامة أفكارهم ومعتقداتهم الدٍّينية وعلاقاتهم الوطنية ومنعًا لاستغلال هذا السلك في قضايا السياسة والدعايات الحزبية وإثارة النّعَرات الطائفية».





