
في ربيع عام ١٩٧٨، اجتاح الجيش الإسرائيلي الجنوب اللبناني للمرة الأولى في عملية عُرفت بـ«الليطاني». كانت قرى كاملة تُقصف ويُهجَّر أهلها، ونساء كثيرات يُتركن وحدَهن ليَحمين بيوتهن. وبعد أربع سنوات فقط، في ١٩٨٢، وقع الاجتياح الإسرائيلي الأوسع، وصولًا إلى بيروت.
في عزّ تلك السنوات، كانت النساء يبتكرن مقاومة خاصة بهن. يخلقن مبادرات تتحدّى الحرب والاحتلال، صنعن رمزًا حقيقيًّا لنساء جبل عامل المقاوِمات، سجّلن تاريخًا جديدًا للنساء وثّقن خلاله أبرز الإنجازات والمحطات.
لم تكن النساء أسماءً عابرة ولا مرتبطة بالنضال المسلّح فقط، بل كانت هناك نساء لم يُسعفهن التاريخ لذكرهن، زوجات الشهداء، والممرضات، والطبيبات، والمزارعات، والمعلمات والحافظات للتراث، والتربويات وغيرها من المهن التي لم تُدرج في الأرشيف التاريخي، لكنها سطّرت بطولات ضمن قُراها لا ينساها التاريخ الشفوي المتداوَل بين أبناء الجنوب وبناته.
فالنساء في الجنوب وُضعن دومًا في الصفوف الأمامية للمواجهة: مرّات كمعيلات حين يغيب الرجال بسبب الحرب أو الهجرة، ومرّات كحاميات للبيوت، أو كأمهات يبحثن عن الأمان لأطفالهن في أرض مليئة بالموت الصامت. لكن في كل مرة تطال الأزمة المجتمع، وُلدت أدوار جديدة للنساء: بعد الاحتلال برَزْن كمزيلات ألغام يُعدن الحياة إلى الحقول؛ بعد حرب تموز العام ٢٠٠٦ ظهَرن كوسيطات ومؤسِّسات مبادرات سلام محلية، ومع الانهيار المالي أطلقن تعاونيات زراعية وغذائية كبديل عن اقتصاد الدولة الغائب. حتى الرياضة طالتها بصماتهن، فكانت ساحات كرة القدم نبراسًا لكسر القيود وفتح آفاق جديدة أمام الفتيات.
هذا المسار يلتقي مع ما تطرحه أجندة المرأة والسلام والأمن (القرار ١٣٢٥/٢٠٠٠)، التي تؤكّد أن النزاعات لا تدمِّر البنى التحتية فقط، بل تفكّك النسيج المجتمعي وتُفاقم معاناة النساء والفتيات بطرق متعدّدة، بدءًا من التعنيف إلى النزوح الجماعي وفقدان مصادر العيش. لكن الأجندة نفسها تُبرز أن إشراك النساء في عمليات السلام ليست مجرّد حق إنساني، بل شرط لاستدامة أي تسوية أو مصالحة.
بهذا المعنى، تحكي قصص النساء الجنوبيات روايات متماهية مع تاريخ الجنوب نفسه: تاريخ الانكسار والقدرة على النهوض، صياغة مقاومة يومية مدنية تُثبت أن التغيير يبدأ من الناس أنفسهم، وأن النساء تحديدًا لا يكتفين بتحمّل آثار النزاعات، بل يخلقن بدائل وأدوارًا جديدة تُبقي الحياة ممكنة.
إحدى الحكايات كانت حكاية زينب مقلد، السيدة التي بدأت بمبادرة في العام ١٩٩٥ في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي المباشر، بدَت تلك المبادرة غريبة آنذاك، إذ قررت فرز النفايات من المصدَر؛ كانت القذائف تسقط في الجوار، لكن تلك النسوة عملن على جمع ما تبقّى من حياة، وقررن أن الأرض تستحق أن تبقى نظيفة وصالحة للعيش. ضحك كثيرون يومها من الفكرة، لكن مع مرور الوقت تحوّلت إلى جمعية «نداء الأرض»، لتصبح من أولى التجارب البيئية في لبنان.
وعندما تحقق التحرير في ٢٥ أيار ٢٠٠٠، خرج الجنوبيون للاحتفال بعودتهم إلى قُراهم؛ غير أن الأرض التي عادوا إليها كانت مثقلة بموت صامت: الألغام. لم يكن التحرير كاملًا، فالمزارعون لا يستطيعون العمل في أراضيهم، والأطفال مهدّدون وعُرضة للوقوع في شَرك العبوات التي تنفجر بهم عند كل خطوة. هنا برزت وجوه نسائية غير مألوفة في ذلك الزمن: هلا نعمة التي انخرطت في فرق نزع الألغام، ثم زينة صالح التي بدأت كموظفة بسيطة مع الأمم المتحدة قبل أن تتقدّم لتصبح مسؤولة عن التدريب والجودة. لم يكن عملهن مجرد وظيفة بل استمرار لمعركة التحرير، ولكن بأدوات جديدة: مِجرفة وكاشفة معادن.
ثم جاء تموز ٢٠٠٦، الحرب الإسرائيلية على لبنان التي استمرت ٣٣ يومًا وعاد الجنوب تحت حمم النار الإسرائيلية. في ١٤ آب، توقفت المدافع بناء على قرار مجلس الأمن ١٧٠١. عندها بدأت فاتن شلهوب، من صور، تفكّر بطريقة أخرى: كيف يمكن للنساء أن يصنعن سلامًا حيث فشلت السياسة؟ أسّست «جمعية التنمية الفكرية»، ودرّبت نساء وفتيات على الوساطة المجتمعية. في قاعات صغيرة أعيد ترميمها بعد الحرب، جلست الأمهات والبنات يتعلّمن كيفية حلّ النزاعات القديمة بين العائلات، وكيف يداوين الجراح بالكلمات بدل السلاح.
غير أن معركة النساء لم تكن فقط مع الاحتلال أو مع الحرب، بل مع القوانين التي تتحكّم بحياتهن. في ٢٠١٢، وقفت زينة إبراهيم في مواجهة المحكمة الجعفرية مطالبة بحق حضانة ابنها. قصتها الشخصية تحولت إلى شرارة لحملة رفعت شعار «رفع سنّ الحضانة»، التقت فيها مع أمهات كثيرات، منهن آلاء حميد والراحلة نادين جوني. منذ ذلك التاريخ، صار صوت النساء مسموعًا داخل الطائفة، يُطالبن علنًا بما كان يُعتبر من المحرّمات: إصلاح قوانين الأحوال الشخصية.
ومع اقتراب نهاية العقد الثاني من الألفية، انقلبت حياة اللبنانيين رأسًا على عقب. ففي ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، انطلقت الثورة الشعبية، مترافقة مع بداية الانهيار المالي. الليرة فقدَت قيمتها، المصارف حجبَت أموال الناس، والبطالة ضربت الجميع. وفي العام التالي ٢٠٢٠، اجتاحت جائحة كورونا البلاد، لتضاعف العزلة والفقر. في هذه الأجواء، لم تنتظر النساء وعود الدولة، بل أسّسن تعاونيات غذائية وزراعية، وأيضًا عبر مشاريع «Neswa» و"Visionaris». كل مبادرة كانت ردًّا في مواجهة الجوع والخوف. نساء يحفظن بقاء القُرى عبر إنتاج المونة، الخبز والأجبان والألبان، ويعملن على تسويقها، حتى عبر الإنترنت. وفي ٢٠٢٤، جاء مشروع «عEBDA»، ليُعطي دفعة جديدة لعشرات المشاريع النسائية التي تحوّلت إلى عصَب اقتصادي في قرى الجنوب.
لكن نضال النساء لم يتوقف عند المونة والزراعة. ففي ٢٠١٨، تأسّس نادي Southern Stars في طير دبّا، كأول فريق نسائي جنوبي يشارك في الدوري اللبناني لكرة القدم. وبعده بعام واحد، في ٢٠١٩، وُلدت أكاديمية Super Girls FC في صور؛ على ملاعب ترابية، بدأت فتيات الجنوب يمارسن لعبة كرة القدم، كاسرات الصورة النمطية للرياضة! كان هذا أيضًا شكلًا من المقاومة، الرياضة تساوي الحياة.
واليوم، حين ننظر إلى خريطة الجنوب من ١٩٩٥ إلى ٢٠٢٤، نقرأ سيرة جماعية كتبتها النساء:
- زينب مقلد تنشر الوعي البيئي في زمن الاحتلال.
- هلا نعمة وزينة صالح تنظّفن حقول الألغام بعد التحرير.
- فاتن شلهوب تُصلح ما أفسدته حرب ٢٠٠٦.
- زينة إبراهيم تفتح باب مواجهة المحاكم الدينية.
- التعاونيات تحمي العائلات في زمن الانهيار.
- الفتيات يركضن على أرض ملاعب كرة القدم ليكتبن حكاية جديدة.
إنها ليست قصص نجاح فردية، بل سردية مختلفة لتاريخ الجنوب؛ تاريخ لا يقتصر على العدوان الاسرائيلي في ١٩٧٨ و١٩٨٢، بل الحياة رغم الحروب والاحتلال الإسرائيلي والحرب الأخيرة على لبنان. إنه تاريخ النساء اللواتي واجهن الموت والفقر والقوانين الظالمة، وصنعن مقاومة أخرى: مقاومة بالحياة نفسها.




