03・09・2025
من العدد ٢٥
التكليف كغاية: بين الولاء العقائدي وانعدام المسؤولية الواقعية
حين يختبر الواقع الأفكار: في جدلية السلوك والنتائج


إنّ العلاقة بين الفكر والسلوك هي علاقة تأثير وتأثّر. فالأفكار التي يحملها الإنسان ويعتقد بها تجاه نفسه والآخرين تنعكس على سلوكه، وفي ردود أفعاله. وفي نفس الوقت، فإنّ السلوك أيضًا يغيّر في الأفكار من خلال التجربة والممارسة وما ينتج عنهما على أرض الواقع. وهكذا فإنّ تغيير الأفكار يمكن أن يؤدّي إلى تغيير في السلوك، والعكس بالعكس أيضًا.
هذه هي العلاقة التفاعليّة بين الفكر والسلوك, وكذلك هو الحال مع الواقع والنتائج المترتّبة عليه نتيجة السلوك والأفكار. هنا أيضًا العلاقة تفاعليّة مع الواقع بحسب النتائج. 
خلافًًا لِمَن يعطي الأصالة لأفكاره وما عداها من اعتقادات وآيديولوجيّات، فإنّ الإنسان الواقعي هو الذي يعطي الأصالة للواقع الذي يُعرَف من خلال آثاره الحقيقية، ويقيّم فكره على هذا الأساس. فلا يُعقََل أن يستمرّ الإنسان في منهجيّته الفكريّة ويسير على هَدْيها إذا كانت النتائج المترتّبة على ذلك، في الواقع، تُفضي إلى ما لا تُحمَد عُقباه. وهذا ما يحصل مع أصحاب التكليف المرتبطين بحبل الغَيب، والذين لا يرون قيمة لغير ما يعتقدون، ولو أثبت الواقع بطلانه. ومِن هؤلاء «حزب الله».

التكليف كأداةٍ للولاء المطلق

من ناحية مبدأ التكليف، وكونه الناظم للسلوك، فقد ارتبط لدى «حزب الله» بالطاعة العمياء للولي الفقيه، حيث يُعَدّ التسليم التام لقراراته مظهرًا من مظاهر الإيمان والولاء. وربطوا هذا «التسليم» بالولاية للأئمّة المعصومين، وهم مَن يعتبرون الولي الفقيه ومَن يمثّله امتدادًا لتلك الولاية المقدّسة. وهكذا بات التكليف مرآةً لإرادة الولي الفقيه، وتنفيذًا لها. ولَطالما روّجوا ذلك للناس في مختلف المناسبات الثقافيّة والاجتماعيّة والدينيّة.
وكلام الأمين العام السابق للحزب السّيد حسن نصر الله يؤكّد ذلك: «أمّا في غيبته الكُبرى فالولي الفقيه الشجاع الكفؤ العارف بالزمان البصير القائد المتصدّي الحاضر في الأمّة هو الذي يحدّد لنا تكليفَنا الإلهي». كما ربط أيضًا بين التكليف والطاعة قائلًا: «التكليف الشرعي يعني المسؤوليّة، والمسؤوليّة تعني الطاعة». لا بل ذهب أكثر من ذلك في إحدى المقابلات، فقال إنّهم في «"حزب الله” لا ينتظرون الولي الفقيه ليطلب منهم شيئًا كي ينفّذوه، بل إنّهم إذا علموا أنّها رغبته في الشيء فإنّهم ينفّذونه. وكذلك لا ينتظرون طلبه ليمتنعوا عن شيء كي يمتنعوا، بل مجرّد  أن يعرفوا أنّه لا يريد ولا يحبّ ذلك فإنهم لا ينفّذونه».
وبذلك فإن التكليف والتسليم، يغيِّب دور العقل النقدي أو التقدير السياسي المرتكز على المصلحة الوطنيّة. فالولي الفقيه هو الذي يحدّد لهم تكليفهم الإلهي. وهم يتبعونه شبرًا بِشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سَلَك جُحر ضَبٍّ لسلكوه.

السير على نهج الخميني: أدّ ما عليك ودَع النتائج لله

كان الإمام الخميني يعتقد بفكرة العمل بالتكليف الإلهي بغضّ النظر عن ضرورة تحقيق النتائج المطلوبة من هذا الفعل. فهو كان يقول «إنّنا مأمورون بأداء التكليف والواجب، ولسنا مأمورين بتحقيق النتائج»، و«إنّنا لا نقوم بالعمل من أجل النّتيجة، نحن نقوم بالعمل من أجل أداء التّكليف». هذا هو التكليف الشرعي لديه، والتكليف الشرعي هو التكليف الإلهي، فلا تكليف من عند غير الله.
وعلى خطى الخميني، سار «حزب الله» مسلّمًا. وباتوا يُقدِمون على الخيارات التي يرونها مناسبةً تكليفًا، أتحقّق الهدف أم لم يتحقّق، رغم أنّها في الواقع قد لا ترتدّ فقط عليهم، بل على كلّ شيء في البلاد. والنتائج بنظرهم هي من عند الله وهو المتكفِّل بها، وهم أدّوا ما عليهم. وهذا النهج يمكن استلهامه من خطابات عديدة للسيد نصر الله والشيخ نعيم قاسم. ونجده منتشرًا في مختلف مصاديق الميادين الثقافية الخاصة بالحزب، وعلى لسان المتصدِّين لنشر ثقافة الحزب، كالشيخ أكرم بركات وغيره.
هنا، وبحسب هذا الفكر وهذه العقيدة، لا يجب ولا يُشترط الحصولُ على العلم بحتميّة تحقّق الأهداف التي يرجونها عند الإقدام على ما يجب الإقدام عليه لأسباب دينيّة أو أخلاقيّة، فيمكن أن تتحقّق هذه الأهداف ويُحتمل أن لا تتحقّق. وهذا خلاف سيرةِ الأئمّة عند الشيعة الاثنَي عشريّة، والذين كانوا يراعون ارتدادات الخطواتِ التي سيُقدمون عليها. ولذلك لم يشاركوا ولم يدعوا إلى الثوراتِ على الحكمِ القائم بعد واقعة كربلاء، رغم كثرة ما حصل من ثورات شيعيّة خلال العصرين الأموي والعبّاسي، ومعظمها قيّدَت من داخل البيت العلوي. فعَل الأئمّة ذلك انطلاقًا من قراءتِهم المسبقة للنتائج التي ستترتّب على خطواتِهم تلك.

حرب الإسناد مصداقٌ لتكليفٍ قاد إلى النكبة

وهكذا كان الأمر في موضوع حرب تمّوز ٢٠٠٦، حيث كانوا يرون تكليفَهم الشرعي بتحرير الأسرى اللبنانيّين الموجودين في السجون الإسرائيليّة، بغضّ النظر عن النتائج المترتّبة على الأفعال التي قد يُقدمون عليها لهذه الغاية، الأمر الذي أدّى إلى ما أدّى إليه من موتٍ ودمارٍ ونتائجَ سياسيّة، ليس أقلّها القرار ١٧٠١. ونفسُ الأمر حصل في الحرب الأخيرة التي بدأت في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ بحرب إسناد لـ«غزّة»، وانتهت بصلصلةٍ تدور بين «سهام الشمال» و«أولي البأس» انطلاقًا من ٢٣ أيلول ٢٠٢٤ وحتى ٢٧ تشرين الثاني من السنة نفسها. 
انطلاقًا من موضوع التكليف، يمكننا أن نفهمَ تبريرات «حزب الله» لدخول حرب الإسناد لـ«غزّة» بعد يوم واحد فقط من بدئها في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣، وهم مَن قالوا وكرّروا مرارًا أنّهم لم يكونوا على علم بها، وأنّهم فوجِئوا بما حصل. وهم اعتبروا أنّهم أدّوا تكليفَهم الشرعي والأخلاقي في هذا المجال، وليسوا مُطاَلبين بحتميّة تحقيق النتائج المرجوّة مِن هذا التدخل. وكانت النتيجة نكبة شيعيّة تاريخيّة ثانية بعد حوالى ١٠٠ عام على النكبة الأولى التي حصلت بعد غزوة الكولونيل الفرنسي «نيجر» لجبل عامل إثر مؤتمر وادي الحُجَير وما صدَر عنه مِن مقرّرات عام ١٩٢٠؛ نكبةٌ جديدةٌ نتج عنها مقتل آلاف المدنيّين والمقاتلين وجرح أَضعافهم بينهم مَن فقدوا أبصارهم وأطرافهم. ونتج عنها أيضًا إبادة قرى حدوديّة جنوبيّة بأكملها، ودمار كبير في القرى الخلفيّة، والبقاع والضاحية، ونزوح إنساني جماعي، كلّ ذلك إضافةً إلى الخسائر الاقتصاديّة المَهولة.
سلَك «حزب الله» في الحرب الأخيرة هذا الخيار العقائدي، غاضًّا الطرف عن عناوينَ أخرى دينيّة فقه - أصوليّة تسلك منحًى آخر. سلكوا منهج التكليف، متجاهلين لقواعد «تزاحم المصالح» التي هي سيرة فقهاء الشيعة عبر التاريخ، والتي دأبوا هم أنفسهم على توظيفها ولسنوات في مواضيع أقلّ ضررًا كنتائج، كما فعلوا مثلًا في مواجهة مطالب الناس الساعين نحو دولة مواطنة عادلة بعيدة عن الفساد والسرقة وغيرها. ولكن ما باليد حيلة في مواجهة جواب جاهز، مُعلَن أو مُضمَر: نحن مَن يشخّص ويحدّد التكليف وتزاحم المصالح!

التكليف الشرعي مطلوبٌ لذاته

وهكذا بحسب هذا الفهم لديهم، المتجاهِل للآثار الناجمة عنه، يصبح التكليفُ الشرعيّ المقترن بالطاعةِ مطلوبًا لذاته، بمعزلٍ عن النتائج. هنا التكليف لم يعد طريقًا إلى نتائجَ مطلوبة، إلى هدفٍ مبتغى، بل بات هو الغايةَ المرجوّة ومحورَ الأصالة في الفكر والحركة. هذه هي فلسفتهم في موضوع الالتزام الأخلاقي والديني. وهو منهج فيه استخفاف بمنطق الحياة، وتَعامٍ عن قوانين الواقع الحقيقي التي لا تجاملُ أحدًا. والفعل الصادر مِن أيّ كان، خصوصًا مِمّن هو في موقع المسؤوليّة، ودون تصوّرٍ واضح للنتيجة، هو تهوّر. وهو ينمّّ عن انعدامٍ للحكمة والعقلانيّة في الشخصيّة. فالحكيم والعقلاني يَزِن العواقبَ ويقيس الأثر الناتج عن القرار.

نُستشهَد فننتصر: أسطورة الانتصار الدائم

من جهة أخرى، وانطلاقًا من إهمالهم للنتائج الخارجيّة الواقعيّة، فإنّ ثقافة الهزيمة لن يكون لها وجود في قاموس آيديولوجيا «حزب الله». فالنصر مرهون بتأدية التكليف الشرعي وتحمّل المسؤوليّة، بمعزل عن النتائج المترتّبة حتّى ولو كانت كارثيّة، ولو أدّت إلى الموت، أي «الاستشهاد» وفقًا لثقافة الحزب. وأمّا الهزيمة البادية للآخرين بحسب فكرهم هي ظاهرة فقط لمَن يرون الأمور بعينَين مادّيتَين، ولمن لا يملكون تلك البصيرةَ النافذة. فلا عجب إن استمرّت لديهم وفي بيئتهم الثقافة التي تُمجَّد قراراتٍ أدّت إلى خسائرَ فادحةٍ بشريّة وماديّة. فنصر الله هو الذي قال: «نحن لا نُهزَم. عندما ننتصر ننتصر، وعندما نُستشهَد ننتصر». 

زرعٌ دون حصاد: وطنٌ في قبضة التكليف

نعم هذه ثقافةُ خطابٍ عامّ لـ«حزب الله» يوجّهُه إلى جمهورِه، ولو أن شراراتِه تطال عامّة الناس الذين لا يسألُهم عمّا يُقدمُ عليه من خطواتٍ مصيريّة تترك آثارها على عامة البلاد. وهو ما لا يوافقه أحدٌ عليه من باقي اللبنانيّين، حتّى من الشيعة غير أتباع خطّه الفكري الولائي. هو خطاب يبيّن فيه سلوكَه السياسي العقائدي المبني على الغَيب المقدّس. هو فكرٌ يجعل باقي اللبنانيّين مِن خارج المتبنّين لعقيدته أسرى خياراته، حاضرًا ومستقبلًا.
هكذا يحدث لنا في لبنان، حين يكون قرارُنا بيَد مَن يزرع لأنّ واجبَه أن يزرع، ولا ينتظر بالضرورة حصادًا. وهكذا يحدث لنا حيث يصبح الفشلُ نجاحًا دائمًا، وحين تُلقى المسؤوليّات على الله، وتكون النتائجُ قَدَرًا ويكون التكليفُ الشرعي عبادةً.

 

مقالات مشابهة
28・04・2026
سوق الشتّامين: ضجيج بلا موقف
علي منصور
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرّد تدهور سياسي أو أمني، بل انحدار واضح في مستوى اللغة نفسها. لم يعد الخلاف يُعبَّر بالأفكار، بل بالشتيمة. فهناك وهْم واسع الانتشار بأن الشتائم يمكن أن تكون موقفًا، وأن رفع الصوت، واستخدام أقسى العبارات وأقذعها، كافٍ لإثبات الجرأة أو صدْق القول. لم يعد النقاش ساحة لتبادل الآراء، بل مساحة مفتوحة للشتّامين.يبرّر البعض هذا السلوك بأنه «ردّ فعل».,,
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
20・04・2026
في مواجهة «الترند» و«غرف الصدى»: لماذا يصبح الكلام في السياسة ضرورة في زمن الحرب؟
نور حطيط
يظلُّ الكلام، حتى على مستوى الأفراد، ضرورةً - ولو في حدّه الأدنى - لمواجهة الرواية المهيمنة وكسر «غُرف الصدى»، تلك التي تحبس الناس في فقاعاتٍ، تتردّد داخلها الرواية نفسها، والسردية ذاتها، والأيديولوجيا عينها. وفي عصر «الترند» والنقر السريع، سرعان ما ترتفع هذه الفقاعات إلى الفضاء الافتراضي، مُشكِّلةً عشائر إلكترونية، تُرسّخ الاعتقاد بأنّ المختلف عدوّ ينبغي إقصاؤه، معنويًّا أو بالعنف...
أيضاً للكاتب/ة
03・02・2026
٨ أوكتوبر.. سرديات التبرير وصياغة شرعية الحرب خارج ميزان الكلفة والمقاصد
بهاء الحسيني العاملي
ذكر علماء الأصول احتمالات على ترجيح أحد المتزاحمَين على الآخر، أحدها من حيث الملاك والمصلحة فعلًا وتركًا هو «تقديم الأهم على المهم» سواء بخصوص النفع أو دفع الضرر.
03・11・2025
الدين كشرعية للاستمرار السياسي... ولاية الفقيه في اختبار البقاء
بهاء الحسيني العاملي
إنّ ولاية الفقيه تواجه اليوم إشكالية مزدوجة. فهي من جهة تسعى إلى الحفاظ على شرعيتها الدِّينية في زمن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية العميقة، ومن جهة أخرى لتثبيت وجودها السياسي كأساس للدولة الضامنة لاستمرار بنيتها العقائدية الولائية...
03・06・2025
من الشيخ إلى السيد
بهاء الحسيني العاملي

دائمًا، عند أقرب فرصة، تتكرّر جدليّة الالتحاق بالمحاور كمادّة للنقاش. فخَيار الانضمام إليها سياسيٍّا وعسكريًّا ليس شيئًا جديدًا في السياسة والعسكر، بل هو أمر ضارب في جذور التاريخ.