.jpg)
إضافةً إلى الاستهدافات شبه اليومية التي تطال مقاتلي «حزب الله» في جنوب لبنان، والتي يحرص الحزب أساسًا على عدم الإشارة إليها في الإعلام بوصفها ضربات تستهدف عناصره أو مراكزه، برز هذا الشهر النقاش حول سلاح «حزب الله» كموضوع أساسي على الساحة اللبنانية بعامة والشيعية بخاصة.
سبقت جلسات مجلس الوزراء في ٥ و٧ آب نقاشات صاخبة حول ملف «حصر السلاح بيد الدولة»، وبالتالي نزع سلاح الحزب، حيث تمّ تكليف الجيش إعداد خطة زمنية لعرضها مطلع أيلول، قبل أن يُصار إلى تأجيلها إلى جلسة ٥ أيلول. ورغم أن الخطوة اعتُبرت من جانب رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية محطة مفصلية لإعادة الاعتبار لسيادة الدولة وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، إلّا أنها فجّرت خلافات حادة بين القوى السياسية وعمّقت الانقسام الداخلي.
بالنسبة إلى القوى المعارضة لـ«حزب الله»، ولا سيما في الساحة المسيحية، برزت مواقف داعمة لجهود الحكومة والجيش في مجال حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، سواء تعلّق الأمر بالسلاح الفلسطيني أو سلاح الحزب. وقد تصدّت «القوات اللبنانية» و«الكتائب» في الدرجة الأولى لدعم مواقف السلطة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تيارات وأحزاب سنّية ودرزية ومسيحية وأخرى معتبرة أن الخطوة جريئة نحو استعادة هيبة الدولة وحماية المؤسسة العسكرية. في المقابل، انسحب وزراء «حزب الله» وحركة أمل من الجلسات الحكومية، كما وصفت كتلة «الوفاء للمقاومة» القرارات الحكومية بأنها «خدمة لإسرائيل» و«خطيئة كبرى» تهدّد السلم الأهلي، محذّرة من اللجوء إلى الشارع للتعبير عن الرفض. وسيّر مؤيِّدو الحزب مَسيرات بالدراجات النارية في مناطق نفوذه والتي وصل بعضها إلى مناطق طائفية مختلطة، وقد أظهرت بعض التقارير أن «حزب الله» يقف بشكل مباشر وراء هذه المَسيرات.
الإعلام المحسوب على «حزب الله» أو المملوك من قِبله، مثل جريدة «الأخبار» وموقع «العهد» وقناة «المنار»، ركّز على اتهام الحكومة بالانصياع للإملاءات الأميركية والإسرائيلية، واعتبر أن القرارات تهدّد بجرّ البلاد إلى حرب أهلية. كما أبرزت المنصّات الإعلامية التابعة للحزب رواية مفادها أن الحكومة تتجاهل المخاطر الأمنية المُحدقة بالشيعة في الجنوب والبقاع.
وفي السياق عينه، لجأ الأمين العام للحزب في خطاباته إلى مقاربة دينية ـ عقائدية لتأطير المعركة، فوصف أي مواجهة مُقبلة بأنها ستكون «كربلائية». كما سعى الإعلام الحزبي إلى إظهار أن «أغلبية» اللبنانيين تُعارض سحب سلاح الحزب، وأن المصلحة الوطنية العليا تقتضي الإبقاء عليه.
في موازاة ذلك، ساد شعور واسع بعدم الثقة في الرأي العام الشيعي تجاه الإجراءات الحكومية، إذ لم تُترجَم القرارات عمليًّا في مجالات إعادة الإعمار أو تأمين عودة الأهالي إلى القرى الأمامية، فضلًا عن غياب أي ضمانات دولية تُلزم إسرائيل بتنفيذ التزاماتها. وقد غذّى إعلام «حزب الله» هذا الشعور عبر تصوير أي نقاش حول نزع السلاح كفخٍّ يستهدف الشيعة في لبنان. كما تمايَز خطاب مسؤولي الحزب بين المناطق وذلك لتركيز وتغذية الشعور بالخطر المُحدق بالشيعة في لبنان: ففي الجنوب رُكّز على الخطر الإسرائيلي المباشر، فيما سلّط خطاب البقاع الضوء على تهديد الجماعات السورية المسلحة.
وقد دفَع إعلام «الحزب» بسردية تقول إن الجيش اللبناني يتمايز عن قرارات الحكومة ويحرص على تجنّب أي انقسام داخلي أو مواجهة مباشرة مع «بيئة المقاومة»، وفق توصيف هذا الإعلام. وجرى التمهيد لانعقاد جلسة الحكومة في الخامس من أيلول ضمن هذا الموقف.
في المقابل، برزت أصوات شيعية معارضة، مثل «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» و«لقاء اللبنانيين الشيعة»، والتي أكدت على أن السلاح يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة.
في هذا السياق، ارتفع منسوب المخاوف، وخصوصًا داخل البيئة الشيعية، والتي يمكن رصدها على المستوى الشعبي، من أن يؤدّي تعثّر إيجاد حلٍّ أو تجنّب أي تصعيد داخلي إلى فتح الباب أمام حصول ضربة إسرائيلية كبيرة. وقد أوردت وسائل إعلامية عديدة أخبارًا عن نزوح من الضاحية الجنوبية ومناطق نفوذ الحزب، خصوصًا مع تلويح تل أبيب بأن الحكومة اللبنانية تتحمّل مسؤولية أي نشاط عسكري لـ«حزب الله». وبين ضغوط الخارج وانقسام الداخل، يبقى الملف مفتوحًا على احتمالات تتراوح بين التهدئة التدريجية والانزلاق إلى مواجهة تهدّد السلم الأهلي والحدود الجنوبية.


