03・01・2024
من العدد ٧
التخبّط الروحي والفَلتان الأمني في الضاحية الجنوبيَّة
بين الفان رقم 4 وكتيبة الموتوسيكلات

لم يعد سرًّا الحديث عن الأوضاع التي تعيشها الضاحية الجنوبيَّة لجهة الفلَتان الأمني والاجتماعي، الذي يهدّد حياة الآلاف من السكّان بالخطر نتيجة غياب الأمن الرسمي وسيطرة الأمن الحزبي. 

يمكن الوقوف أمام مشهدَين حيّين للأزمة التي تعيشها الضاحية في ظلِّ الفوضى والتي تتجسّد بـ«الفان رقم ٤» وما يمثّله وأشقائه، وكتيبة الموتوسيكلات المتفاقمة.

 

 إنَّ القصّة التي باتت تتحكّم بالفان «رقم ٤» الذي يربط الأحياء الفقيرة في الضاحية الجنوبيَّة لبيروت بالعاصمة، هي أكبر من محاولة الربط والنقل لمساعدة الفقراء في التنقّل والوصول إلى أماكن العمل، بل أضحت ظاهرة «مافياويَّة» «ميليشياويَّة» «أمنيَّة» تسيطر عليها الفوضى وغياب التنظيم، يتمّ استخدامها بطُرق غير قانونيَّة، تظهر فيها نوعية السائقين الموسومون بأنواع الرسوم والوَشَم والدقّ على الأجساد والاعتداد بالقوّة، وتشغيل فانات غير صالحة للخدمة، وغير مجهّزة للنقل بشكل مريح للركاب، والتلاعُب بالأوراق الثبوتيَّة القانونيَّة من خلال استخدام مستندات واحدة وأرقام لوحات موّحدة ومزوّرة لعدد من «الفانات» وغياب التأمين لدى هؤلاء الناس، ففي حال حصول حوادث تؤدّي إلى كوارث، يفرُّ السائق إلى أماكن لا تصل إليها الدولة بأجهزتها الأمنية، وتبقى حياة الناس في مهبّ المجهول. وعند الخوض بهذه الأمور ووضع هذه «الفانات»، يكون الجواب: هذه الفانات الخاصّة وُضِعَت لتأمين النقل لدى أبناء مناطق البؤس ومساعدتهم في التنقّل بظلّ الأوضاع الاقتصاديَّة والمعيشيَّة الصّعبة وتلكؤ الدولة عن القيام بواجباتها. 

هذا كلام حق يُراد به باطل، لأن وضع الدولة أمام مسؤوليّاتها هو التصوّر الصحيح لخدمة أبنائها، أمّا إبعاد الدولة عن مهامها وتحميلِها المسؤوليَّة، فهذا يندرج في نطاق وضع اليد على مناطق محدّدة وإظهارها ككانتونات من أجل السيطرة وفرض الأمن الذاتي الذي يُسهّل للأطراف المعنيَّة ممارسة سُلطتها تحت شعار مساعدة «المحرومين» أو «المستضعَفين» والدفاع عن قضاياهم المعيشية.

بالطبع هي نفسها قصة «كتيبة المُتْسِكْلات» التي باتت تشكِّل حالة شاذَّة في استخدام هذه الوسائل بين المناطق التي أصبحت عبئًأ فعليًّا على المواطن اللبناني نتيجة انتشار هذه الظاهرة المستجدة، التي ترتبط بـ«المشاكل» و«خَلْق التوتّرات» بين الأحياء واستخدام البعض منها في نقل المخدّرات وتوزيعها، عدا عن إعاقة حركة مرور السيارات ووسائل النقل الأخرى وافتعال المشاكل مع الآخرين، بالإضافة إلى ظاهرة الوَشَم والرّسْم على الوجوه والأجساد لأفراد هذه «الكتيبة» التي تعبّر عن ارتباطها بواقع الفوضى وغياب المؤسَّسات الراعية للجميع.

إنَّ استخدام المفردات النابية والصُّراخِ ونشر حالة الفوضى من قِبَل هؤلاء ما هي إلا طريقة يتمّ رعايتها ودعمها من قِبَل «ثنائيَّة السِّلاح» التي تحاول استغلال فَقْر هؤلاء الشباب واستخدامهم وفقًا لمشروعها الخاص ولتنفيذ الأجندة الخارجيَّة. 

وعند حصول أي إشكالٍ مع أحزاب أو تيارات مناهضة، أو الدعوة إلى تجمّع اعتراضي من قِبل «ثنائيَّة السِّلاح» تُستنفر «كتيبة المُتْسِكْلات» وتُدعى إلى تظاهرات اعتراضيَّة هدفها نشر الفوضى والترويع وخاصّة عندما يعلو الصُّراخ والزعيق بهتافات «شيعة شيعة شيعة»، ولا أحد يعرف لماذا يُستخدم هذا الشعار في التظاهر، هل هو للتعبير عن أنَّ الشيعة مذهبٌ سرّي أو أنَّ الانتماء البيولوجي للشيعة هو في موقع التحدّي والاستقواء أو هو غير مرحّب به أو أنَّ المذهب الشيعي هو مكَوِّن دونيّ بين المكوّنات اللبنانيَّة؟

 بالطبع لا. 

إنَّ هذه الشعارات وافدة علينا حديثًا ولأهداف سياسيَّة، فالشيعة ليسوا بحاجة لإثبات الهويَّة في بيئة لبنانيَّة وعربيَّة، ليست غريبة عنهم، بل إنَّه يدلّ على مركّب نقصٍ لدى هؤلاء الشباب ومَن هم خلفهم، وبهذا الشعار وأمثاله يحاولون تعويض هذا النقص لديهم بهذا الصُّراخ والهتاف غير المبرّرين، ولا أحد يفسر ما هو القصد من وراء الهتاف بهذا الشعار «شيعة شيعة شيعة». 

إنَّ هذه الظاهرة التي تحاول «ثنائيَّة السِّلاح» تعميمها كثقافة جديدة في لبنان بين المكوّنات الاجتماعيَّة للبيئة اللبنانيَّة، ما هي سوى محاولة لنشر الخوف والفوضى في الشوارع من أجل الوصول إلى إخافة الآخرين، ومنع مؤسّسات وأجهزة الدولة من تنفيذ مهامها، وبالتالي إبقاء الأمور على ما هي عليه، أيّ الفوضى ونشر الذُّعر من خلال «العنجهيَّة» والمافيات المحميَّة تحت حجّة أنَّ الشيعة يستخدمون القوّة لأنَّهم «محرومون».

مجموعة من الدراجات النارية، قناة الحدث
مجموعة من الدراجات النارية، قناة الحدث

 هذا التصرّف غير مُقنع وغير مبرَّر، لأنَّ الطائفة الشِّيعيَّة هي مكوّن أساسي بين المكوّنات الأساسيَّة ولها مكانتها الطبيعيَّة في مؤسّسات الدولة منذ قيامها، حيث أعطت للبنان خيرة رجالات السياسة ورجال الأعمال المنتشِرين في كل بقاع العالم ومن خلال رجال العلم والثقافة الذين تركوا بصماتهم على العلم والثقافتين اللبنانيَّة والعربيَّة وكذلك من خلال رجال الدولة الذين يملأون كافّة المؤسَّسات اللبنانيَّة.

 لا بدَّ من القول إنَّ الحرمان الذي تتذرّع به «ثنائيَّة السِّلاح» ليس صحيحًا، لأنَّ الحرمان طالَ كل المكوّنات المتواجدة في الأطراف، نتيجة غياب الإنماء المتوازن، وبالتالي الحرمان يعمّ كل طوائف لبنان، وأحزمة البؤس منتشرة في كافّة المدن اللبنانيَّة، ولا يمكن القول بأنَّ الطائفة الشِّيعيَّة هي المحرومة فقط، وهذا ما يصوّره «أصحاب الأيديولوجيَّات» من أجل شدِّ العَصَب الشيعي الفقير وتخويفه بالعودة إلى السّرْدية التي أشاعوها عن مرحلة الأربعينيّات والخمسينيّات والستينيّات وهي أنَّ الشيعة كانوا في تلك الفترة عمالًا و«عتّالين» و«ماسحي أحذية» يعملون في المرفأ والمناطق الصناعيَّة، ويتناسون النزوح من المناطق الجنوبيَّة بفعل الهروب من الأحداث الحربية جنوبًا بين الفلسطينيّين وإسرائيل. لقد نشأت التجمّعات الفقيرة للطائفة الشِّيعيَّة، ولا سيَّما في منطقة حيّ السُّلّم وصحراء الشويفات والأوزاعي وبئر حسن وغيرها من المناطق، ولم تعمل «ثنائيَّة السِّلاح» المهَيمِنة على الطائفة على تطويرها وتنميتها وإظهارها كحال باقي المناطق لأنَّها مستفيدة من شعار «المحرومين»، رغم الإمكانيّات الماديَّة الضخمة لمتموّلي تلك الأحزاب ورجال الأعمال الشيعة. هذه الأقاويل لم يَعُد لها مبرّر حاليًّا، بعد أنْ أصبح أبناء الطائفة الشِّيعيَّة جزءٌ أساسيٌّ من المكوّن الاقتصادي والثقافي والسياسي والعمراني للبنان الدولة، كما أضحوا جزءًا من الانتشار اللبناني الذي هو رُكنٌ أساسيّ من عمليَّة العولمة الاقتصاديَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والتكنولوجيَّة.

حالة نأي الشيعة بأنفسهم عن الانخراط في السُّلطة لها أساسٌ ديني، يرجع إلى التوجّهات الشِّيعيَّة الدينيَّة القديمة، التي كانت ترفض الدخول في مؤسّسات الدولة وإبقاء الطائفة بعيدًا عن التحوّلات والمستجدّات، لأنَّ المفهوم الشيعي الأعمّ كان يحرِّم الانخراط في مؤسّسات الدولة، أي السُّلطة، وهم يعتبرونها طاغية وغير عادلة وغير شرعيَّة، ويتطلّعون إلى دولة المعصوم التي تشكّل السُّلطة السياسيَّة العادلة القادمة للدولة الإسلاميَّة. ومن هنا كان الغياب الفعلي للمساهمة الشيعية الفاعلة في مؤسّسات الدولة، وهذا التوجّه بالأساس كان يحمل توجّهًا دينيًّا مذهبيًّا، ساهمت بعض العمائم في ترسيخه، وليس المكوّنات اللبنانيَّة الأخرى هي التي حرَمَت الطائفة الشِّيعيَّة من ذلك.

في التسعينيّات، بعد بسْط نظام الأسد سيطرته على لبنان، بفعل تلزيمه تنفيذ اتفاق الطائف، أعطى «ثنائيَّة السِّلاح» السيطرة الفعليَّة على حساب القوى الوطنيَّة العلمانيَّة وسمح لها ببسط نفوذها في المناطق الشِّيعيَّة وإدخال أزلامها إلى الدولة بقوّة وكثافة، وهي بطبيعة الحال لم تحاول المساهمة في إصلاحات جوهريَّة للنظام اللبناني الذي يعاني من فجَوات في تطبيق القانون والدستور وإنَّما عملت على السيطرة على الدولة وقيادة المكوّنات الأخرى تحت شعار «الحرمان» من جهة وتعويض النقص الذي فقَدَتْه الطائفة سابقًا، منذ تأسيس لبنان الكبير من جهة أخرى، بحسب زعمها.

كل هذه الأسباب، أظهرت فجوة في العلاقة الفعليَّة بين المكوّنات اللبنانيَّة و«ثنائيَّة السِّلاح»، وجَسّدت صورة مختلفة لطبيعة هذا المكوّن التاريخي، أي «الشيعة»، وأضحت هذه التسمية مرادفًا لكلمة «السِّلاح» الذي أنتج نوعاً من الفلتان في ظلِّ غياب الدولة ومؤسّساتها نتيجة الأمن الذاتي الذي بات غير قادرٍ على ضبط مناطقه، التي تعيش أزمة فعليَّة ويوميَّة من خلال انتشار أوكار التهريب والقمار والدعارة والسرقات والمخدّرات. 

إذن العنجهيَّة والصُّراخ والمكابرة لا يمكن أنْ تحلّ مكان الدولة ومؤسّساتها وأخذ دورها لضبط حركة الناس، ولا يمكن الاستمرار في اعتبار عناصر «ثنائيَّة السِّلاح» فوق القانون وأنَّهم شعب الله المختار في بلد تكثُر فيه الطوائف والمذاهب، ولا يمكن أن يُجاز لهؤلاء الناس الضرب بعرض الحائط بالقوانين والضوابط الأخلاقيَّة والأحكام القانونيَّة. إلّا أنَّ هذه القوى، من خلال سيطرتها على السُّلطات المحليَّة الممثَّلة، ترى أنَّ هذا الواقع هو فرصتها للتغيير وفرض شرعيّتها السياسيَّة وقَلْب الموازين من خلال التلاعب بالدستور والإطباق على البلد من طريق شدَّ عصب هذا المكوّن وترسيخ مفاهيمها فيه، بفرض الإجراءات التي ترسّخ عيشها (منع بيع الخمور، منع الاختلاط، فرض اللباس المحتشِم، منع الأغاني، ....)، لكن القانون الفيزيائي يقوم على الفعل وردّة الفعل التي ستكون لجهة المكوّنات الأخرى والتي ستقف في النهاية بوجه هذا الاستفزاز، وتصرخ بشعاراتها المواجهة «سنّيَّة سنّيَّة»، «درزيَّة درزيَّة»، و«مسيحيَّة مسيحيَّة»، ويمكن عرض وتِعداد الكثير من الدلائل على ذلك إضافة إلى الحوادث التي برزت خلال هذه الفترة.

إنَّ الأحداث التي حصلت في الشيّاح بتاريخ ١٤ تموز ٢٠٢٣، والتي اندلعت بين عائلتَين على خلفيَّة إقفال بعض صالات المراهنات، والاشتباكات في اللّيلكي على خلفيَّة تهريب المخدّرات، وحوادث السرقة والابتزاز على مدخل المطار بواسطة «المُتْسِكْلات»، والكثير من الحوادث الأمنيَّة، جعلت الضاحية الجنوبيَّة في حالة فلَتان أمنيّ فعليّ في ظلِّ غياب الأمن الرسمي، ما دعا رئيس بلديَّة الغبيري «معن الخليل» في تعليقه على إثر اشتباكات الشيّاح بتاريخ ١٥ تموز، إلى التصريح بأنَّ «على الدولة أخْذ زمام الأمور والسيطرة والضرب بيدٍ من حديد، فإنَّ إطلاق النار الذي أرعب الأطفال والكبار وأعادنا إلى مشهد الأمن المتفلّت وزعامات الأحياء والزواريب...»، ليحمّل الدولة المسؤوليَّة الكاملة عما يجري والقوى الأمنيَّة التي لم تعمل على نزع مظاهر تلك الآفات الاجتماعيَّة والميلشياويَّة إلخ... فها هو «حزب الله» يُحمّل الدولة المسؤوليَّة التامّة عما يحصل أيضًا ولكن، هل يجهل أنَّ سبب هذا الفلَتان هو تغييب الدولة ودورها، واحتضانه لهذه الجماعات والعصابات العصيَّة على وصول يد الدولة إليها بفعل تغطيته وحمايته لها، كونها مؤيِّدة لمشروعه، الذي بدأ يرتطم في الحائط نتيجة محاولة الدويلة أن تحلّ مكان الدولة؟

طبعًا باتت الأمور تُدار بطريقة صعبة، وتحميل المسؤوليّات للآخرين والتهرّب منها لا يغيّر من الحقيقة ولا يُعفي «حزب الله»، المُعرقِل الرئيسي لانتخاب رئيس الجمهوريَّة أنْ يُفرج عن الموضوع الرئاسي لتبدأ المؤسّسات عملها، وبعدها أنْ يسمح لها بالعمل وتحمّل المسؤوليّات، من خلال رفع الغطاء وعدم حماية «كتيبة المُتْسِكْلات» وتنظيم عمل وقوننة الفان رقم ٤ وأشقائه، فان الضاحية ـ الكولا، فان طريق المطار ـ الدورة، فان الكولا ـ الشويفات وخلدة.

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.