03・01・2024
من العدد ٧
النازحون الجنوبيون بين نأي الدولة بنفسها وسلطة الأمر الواقع:
استنسابية وتوجيه

تُقفل سنة ٢٠٢٣ وتطلّ سنة ٢٠٢٤ على استمرار حالة القتال في الجنوب اللبناني، دون أي حلٍّ يلوح في الأفق مع شدِّ الحبال بين القوى الداخلية والخارجية من إقليمية ودولية حول تنفيذ القرار ١٧٠١، وآلية هذا التنفيذ، وقواعد الاشتباك بين حزب الله وإسرائيل. 

وسط هذين التشابك والتجاذب، كان المواطن الجنوبي ضحية لعبة الأمم وتحوّل المواطنون الجنوبيون، لا سيما في المناطق الحدودية، إلى مهجرين ونازحين قاربت تغريبتهم الثلاثة أشهر حتى كتابة هذا التقرير وفاقَ عددهم الخمسة والسبعون ألفًا، حيث قال وزير البيئة اللبناني د. ناصر ياسين، وهو المكلّف من مجلس الوزراء بمتابعة أوضاع النازحين إن نحو ٧٨٠٠٠ شخص نصفهم من النساء نزحوا من منازلهم في المناطق الجنوبية الحدودية إلى أماكن أخرى هربًا من المناوشات العسكرية بين حزب الله والجيش الإسرائيلي،  في حين أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قبل أيام من تصريح د. ياسين، إن عدد النازحين يتجاوز ٧٣٠٠٠ نازح، واقترب عدد ضحايا الاشتباكات من ٢٠٠ شخص بينهم ثلاثة صحافيين لبنانيين.

تشير المصادر إلى أن ٧١ بالماية من النازحين استقروا في منازل تمَّ تأمينها بعلاقات خاصة أو عبر أطراف بلدية أو سياسية، فيما نزح ٢٣ بالماية منهم إلى منازل تمَّ استئجارها في مناطق لبنانية مختلفة، وانتقل ٣ بالماية من النازحين إلى منازل لهم في مناطق أخرى، وانتقل ١ بالماية منهم إلى أبنية غير مكتملة، و٢ بالماية توجهوا إلى مراكز إيواء عامة.

وبلغ عدد النازحين إلى منطقة صور ٢٣٢٢٤ نازحًا، ثم غادر المنطقة ١٢٧٣ شخصًا، وبقي ٢١٩٥١ نازحًا. يمثلون ٥٣٦٠ عائلة.

بلغ عدد المتواجدين في مراكز الإيواء الخمسة في مدينة صور ٧١٤ نازحًا أي ما نسبته نحو ٣ بالماية من عدد النازحين إلى منطقة صور.

وفي محافظة النبطية، بلغ عدد النازحين ١٨١١٩ نازحًا يشكّلون ٤٥٠٤ عائلات، وبلغ عدد المقيمين في مراكز الإيواء السبعة في محافظة النبطية وتحديدًا في قضاء حاصبيا ٢٨٢ نازحًا أي ما نسبته ١.٥ بالماية من عدد النازحين.

ومنذ بدء الاشتباكات، وحتى اللحظة أقفلت ٥٢ مدرسة وبات نحو ٦٠٠٠ تلميذ بدون تعليم، كما أقفلت خمسة مراكز للرعاية الصحية في قضاء بنت جبيل وقضاء مرجعيون. واحترقت ٤٦٠ هكتارًا من الأحراج والأراضي المزروعة بسبب الفوسفور الحارق، وأُتلفت ٢٠ ألف شجرة زيتون يقدّر مدخولها من إنتاج الزيتون والزيت بنحو ٢٠ مليون دولار.

وشهدت الاشتباكات المستمرة أيامًا من هدنةٍ لم تستمر، ولم يعُد إلا عدد قليل من أهالي القرى والبلدات لتفقُّد المنازل والأملاك والمحاصيل الزراعية.

ولكن ما هي الأسباب التي تمنعهم من العودة؟

يشير أحد المتابعين لأوضاع النازحين: «بعد اتفاق الهدنة عاد عدد قليل إلى منازلهم، للاطمئنان على أوضاع المنازل ومحتوياتها، وعاد بعض أرباب العائلات لقطف ما تبقّى من محصول الزيتون وغيره، فيما بقيت عائلاتهم في أماكن النزوح، ومع انتهاء المهلة عاد الجميع إلى مناطق النزوح».

ولكن لماذا بقيت أغلبية النازحين في مكان إقامتها الحالية؟

الجواب بسيط، لا مياه للشرب أو الخدمة، لا كهرباء ولا محلات تجارية مفتوحة للتموين، والمنازل بعضها مهدّم وبعضها الآخر مُصاب بأضرار وبحاجة إلى تصليح أو إعادة بناء، وهذا غير متوافر حاليًّا، بالإضافة إلى غياب المدارس والخدمات الصحية، والأهم من كل ذلك غياب الأمن والأمان.

المناطق الجنوبية الحدودية قرى مهجورة وساحة للقتال

المناطق الحدودية عبارة عن قرى مهجورة وساحة قتال لا تحظى بأي مقوّمات للحياة، هي الحالة التي تستخلصها بعد لقائك العديد من النازحين الفارّين من أتون الحرب «الخبيثة» التي تجري جنوبًا من دون أي معايير أو ضوابط.

هذا لا يعني أن الحياة في أماكن النزوح مثالية، ففي صور مثلًا وفي مراكز الإيواء الجماعية، شهد بعضها نزاعات بين الأهالي أنفسهم وخصوصًا إذا كانوا من بلدات مختلفة أو من مشارِب مختلفة، وهذا ما دفع وحدة إدارة الكوارث للتدخل ونقل عدد من العائلات من مدرسة إلى أخرى، وهذا ما دفع وحدة إدارة الكوارث في النبطية أيضًا إلى استقبال عائلات تنتمي إلى نفس الكِنية ومن نفس البلدة للسكن في منازل تتّسع لأكثر من عائلة.

التزود بفرش من مستودعات وحدة إدارة الكوارث، المفكرة القانونية
التزود بفرش من مستودعات وحدة إدارة الكوارث، المفكرة القانونية

من هي الجهات المهتمة بالنازحين؟

مؤسسات الدولة ما زالت في طوْر التحضير، ولكن في بداية الاشتباكات قدّمت وزارة الشؤون الاجتماعية مساعدات رمزية متواضعة في البلدات الحدودية.

وبعد حصول مجلس الجنوب على مبلغ ثلاثة ملايين دولار أميركي من الحكومة اللبنانية، وزّع آلاف من الحصص الغذائية و ٤٠٠ حصة من الفُرش والبطّانيات، في حين أن الهيئة العليا للإغاثة قدّمت مساعدات رمزية لعدد من البلديات الجنوبية.

وكل ما قُدّم ويُقدّم حاليًّا هو من ١٥ منظمة دولية ومحلية. في حين اقتصر عمل البلديات والقوى السياسية في كل بلدة على تنظيم وجود النازحين والعمل على عدم استغلالهم من خلال تأمين منازل للإيواء مجانًا، وفي معظم البلدات يتم تزويد منازل النازحين بالتيار الكهربائي مجانًا، كما أن بعض المتموّلين المحليين قدّم مساعدات إلى النازحين بشكل عام، ولكن يلاحظ في بعض البلدات أن القوى السياسية السلطوية تقدّم خدماتها بشكل رئيس للنازحين والمنتمين إلى القوة السياسية المعنية.

في محافظة النبطية تبرز الحاجة إلى ٢٨٢ فرشة ومعدّات ولُحف، كما هناك حاجة لتزويد من نزح إلى منازل فارغة باحتياجاتها الضرورية. وعلى الرغم من توزيع لوازم النوم على عدد من النازحين في قضاء صور فما زال النازحون بحاجة إلى تجهيزات منزلية، في أماكن الإيواء، وتجدر الإشارة إلى توزيع مئات الفُرش واللحف والألبسة الشتوية في النبطية وصور.

على صعيد التعليم، فإن الوزارة ما زالت تبحث عن حلول وإمكانية استيعاب التلامذة النازحين في مناطق النزوح، وهذا يفترض خطة طوارئ تتعلق بالتجهيزات اللازمة والمعلمين الذين هم أساسًا يعانون من مشكلات جمّة.

وتحاول المنظمات الدولية تأمين تمويل خاص في هذا المضمار والتخوف من أن تكون أطراف السلطات المحلية تستفيد من أي تمويل لمدارس محسوبة عليها دون غيرها.

في مواجهة الأزمة الغذائية، بادرت منظمات دولية لتأمين المواد الغذائية الأولية والتي يتمّ تجهيزها في إحدى المؤسسات الخاصة في صور، وقامت بتوزيع وجبات ساخنة في مراكز الإيواء الخمسة، وخلال الفترة السابقة تمّ تأمين نحو ٩٠ ألف وجبة فطور، غداء وعشاء للنازحين، كما تمّ توزيع ٥٠٥ وحدات غذائية على عائلات مقيمة في منازل عادية.

كما تمّ توزيع نحو ١٦٠٠ وحدة غذائية على النازحين في مناطق مختلفة من لبنان.

أما المشكلة التي يواجهها النازحون فهي غياب أي سياسة غذائية وطنية عامة.

على الصعيد الصحي فإن معظم مراكز الرعاية الصحية قد أقفلت أبوابها، أما المستشفيات العامة وعلى  رغم حصولها على مساعدات قليلة، فإن أبوابها شبه مقفلة وتشهَد نقصًا في الأجهزة الطبية والتمريضية، ومَن يتابع الوضع ميدانيًّا، يلاحظ أن الجرحى كانوا يُنقلون إلى مستشفى صلاح غندور ومَن كان في حاجة إلى علاج كبير يُنقل إلى مستشفى راغب حرب وكلاهما لحزب الله، أما النازحون وخصوصًا في منطقة صور فإن المستوصف النقّال لفرسان مالطا فهو يفي بالغرض ويجول على مراكز الإيواء وعلى بعض البلدات الجنوبية. ويُعاني النازحون من نقص بالأدوية والتي لم تستطع المستوصفات الموجودة تأمينها، ويُذكر أن النائبة عناية عز الدين أصدرت بيانًا أشارت فيه إلى نقص بحليب الأطفال والحفّاضات، وهو ما كان نائب رئيس اتحاد بلديات صور حسن حمود قد أشار إلى نفس المشكلة في تصريح سابق.

لقد أدّت الاشتباكات الأخيرة إلى نقص في مياه الخدمة ما انعكس على الجانب الوقائي وعلى الحاجة إلى مياه الشرب، وهذا ما دفع بعض المنظمات الدولية إلى تامين ٨٦٢٤ وحدة نظافة ونحو ١١٣ ألف ليتر من قناني مياه الشرب بالإضافة إلى تأمين مياه للخدمة في مراكز الإيواء.

وحتى اللحظة لا يبدو أن السلطات الرسمية المعنية في وارد تأمين موازنة لمقتضيات المساعدات والإغاثة.

كما أن المنظمات الدولية والمحلية باتت في موقع ضعيف في مجال تأمين الاحتياجات بسبب من أن موازناتها صارت في مراحلها النهائية مع نهاية العام. ومما تقدّم يظهر أن السلطة بجميع أجهزتها لم تستطع أن تؤمّن احتياجات نازحين اضطروا للخروج من منازلهم بسبب أعمال حربية لا علاقة لهم بها، وكان الأجدى بمن يخوضونها أن يؤمّنوا للسكان شروط حياة ممكنة وكريمة لكي لا ينتهي بهم الأمر للاستجداء من منظمات دولية كانوا يصفونها بأسوأ النعوت قبل حين.

أقرّ مجلس الوزراء مؤخّرًا مبلغ ١٠ ملايين دولار أميركي لإعادة تأهيل المنازل المتضررة من الاشتباكات، لكن حزب الله رفض السماح لأي جهة إجراء كشف على الأبنية المتضررة، وجرى إعلام المسؤولين في الدولة اللبنانية من أعلى الهرم حتى أسفله أن جمعية «جهاد البناء» التابعة لحزب الله هي الوحيدة التي يحق لها الكشف على الأبنية وأن تأهيلها وترميمها يجب أن تكلّف به جهاد البناء وأن تتقاضى هي تكاليف إعادة البناء.

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.