
في البقعة الشرقية من لبنان، حيث تختلط رائحة التراب الجاف بصوت الرصاص في الأعراس والمآتم، تمتدّ منطقة بعلبك - الهرمل، واحدة من أكثر المناطق تجسيدًا لتعقيدات الهوية الشيعية في البلاد. هي ليست فقط جغرافيا مهمّشة أو ساحة نفوذ لـ«حزب الله»، بل مساحة زاخرة بالتناقضات والانتماءات، بين مَن يرى في المقاومة ملاذًا، ومَن يشعر بأنّ الدولة لم تكن يومًا خيارًا مطروحًا.
هنا، لا تُختبر المواطَنة في صندوق الاقتراع فحسب، بل تُصاغ في الحسينيات، وفي خطاب عاشوراء، وفي المدرسة، وفي انتظار المساعدة الطبية من «الهيئة الصحية الإسلامية». الولاء لا يُولد فقط من الإيمان، بل أحيانًا من الحاجة. وتتشابك في هذه المنطقة سرديّات متداخلة: دولة غائبة، حزب حاضر، وشعب يعيش بين الحنين إلى جمهورية لا يراها، وواقع تحكمه منظومة تتقاطع فيها العقيدة بالخدمة.
في بعلبك - الهرمل، يصبح السؤال عن «الهوية الشيعية» سؤالًا عن الطبابة والتعليم والماء والكهرباء، مثلما هو سؤال عن العقيدة والمقاومة والتاريخ السياسي. هل تعني هذه الهوية شيئًا واحدًا؟ هل الشيعي في الهرمل يُشبه نظيره في الجنوب؟ أم أن الخصوصية المناطقية أنتجت تركيبات داخل الهوية الطائفية الواحدة؟
كيف تتشكّل الهوية الشيعية في بعلبك - الهرمل؟ ما الذي يُبقيها مرتبطة بالمقاومة؟ هل ولاء الناس لـ«حزب الله» هو نتيجة غياب الدولة، أم تجاوز لها؟ ما موقع المعارضة داخل هذا المجتمع؟ وكيف تلعب المدرسة، المسجد والإعلام دورًا في رسم ملامح «الشيعي البعلبكي»؟
أسئلة تُطرح في عمق سوسيولوجيا الانتماء، وسط هشاشة الحضور الرسمي، وفي حقل رمزي واجتماعي جعل من الحزب دولة موازية، ومن الناس رعايا في دولة غائبة لا يسألون عنها، بل باتوا يعتادون غيابها.
في بعلبك - الهرمل، الانتماء السياسي والديني لا يُولد من فراغ، بل هو نتاج تراكم اجتماعي وثقافي يتغذّى على الذاكرة الجماعية، الخطاب الديني، والانخراط المُبكر في منظومة قيَمية تُحاكي «الانتماء» كضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي. يشير أهالي المنطقة إلى أنّهم يتربّون على الولاء منذ الطفولة ليُصبح جزءًا من حياتهم اليومية.
حول هذا الواقع، تقول فاطمة اللقيس، معلمة لغة عربية من بعلبك: «أي حكي ضد الحزب بيخوّف وبيهدّدك. نحنا بحاجة لدولة تحمينا مش حزب سلاحه فوقها». وتشير إلى أنّ الناس في المنطقة «يعيشون بين ضغطَين كبيرَين: غياب الدولة وعدم تقديمها أي حلول، وسيطرة "حزب الله" على كل تفاصيل حياتهم اليومية، حيث لم يحلّ مشاكلهم الاقتصادية أو الاجتماعية، وكثير من الشباب بلا فرص عمل، وحتى التعبير عن الرأي صار ممنوعًا».
وفي السياق نفسه، يؤكد الدكتور مصطفى مظلوم، الناشط السياسي من بريتال، أنّ الولاء في المنطقة ليس قرارًا فرديًّا بقدَر ما هو وراثة ثقيلة تُنقل مثلما تُنقل الأرض والاسم واللغة. يقول مظلوم: «العلاقة بين "حزب الله" والطائفة الشيعية في بعلبك - الهرمل مبنيّة على الولاء الفكري والديني القائم على مبدأ ولاية الفقيه، الذي هو في جوهره مشروع سياسي وفكري إيراني يستهدف تصدير الثورة الإسلامية والنظام الإيراني إلى الخارج. هذا الولاء العقائدي له تداعيات كبيرة على المجتمع المحلي، فهو يجعل من الحزب سلطة بديلة للدولة ويتحكّم في كل مفاصل الحياة اليومية».
منذ لحظة الولادة، تبدأ عملية تشكّل الهوية الشيعية في هذه المنطقة عبر أدوات تربوية واجتماعية واضحة: مراسم عاشوراء، قصص الشهادة، صوَر القادة، أناشيد الطفولة، المدارس الحزبية، المساجد والحسينيّات. في مجتمع يترابط فيه البيت بالعشيرة، والعشيرة بالبيئة الدينية، والبيئة بـ«حزب الله»، يُصبح من شبه المستحيل فصل «الانتماء الشيعي» عن سياقه السياسي والاجتماعي.
الانتماء هنا لا يُعلَّم فقط، بل يُمارَس ويُكافأ. الطفل الذي يحفظ خطبة الإمام الحسين في «يوم العاشر» يُشاد به، والمراهق الذي يشارك في نشاطات «كشافة الإمام المهدي» يُمنح مكانة اجتماعية مميّزة. أما الشاب الذي ينضم إلى مؤسسات الحزب - ثقافية أو اجتماعية أو عسكرية - فيُنظر إليه كابن صالح للمجتمع. الولاء، بهذا المعنى، يصبح سلوكًا اجتماعيًّا يضمن القبول والاندماج والحماية، ويغرس شعورًا بالانتماء يصعب الانفكاك عنه حتى لمَن يحمل شكوكًا عميقة حول بعض ممارسات الحزب.
لكن الانتماء هنا ليس فقط فعلًا دينيًّا، بل هو تداخل معقّد بين ما هو عشائري، وما هو طبقي، وما هو مناطقي. فالعشيرة تلعب دورًا مركزيًّا في دعم أو مقاومة الخطاب السياسي السائد، وقد تخلق حالات من الولاء المزدوج بين منطق القوة التقليدية ومنطق الانتماء الحزبي. كما أن الطبقة الاقتصادية تفرز فروقًا في أنماط الولاء: فالفقراء والمهمّشون قد يجدون في الحزب سندًا ومُعيلًا، بينما تتخذ بعض الفئات المتعلّمة أو المستقلة موقفًا أكثر نقدية وإن بقي خجولًا.
الانتماء هنا ليس مجرد شعور، بل نتيجة لتراكم تجارب يومية: مَن يقدّم لك الطبابة؟ مَن يعلّم أبناءك؟ مَن يدفنك بكرامة؟ مَن يحميك من الفوضى الأمنية؟ هذه الأسئلة تُحوّل الولاء من مسألة نظرية إلى ممارسة معيشية يومية، ومن ثم إلى قناعة يصعب الانفكاك عنها. ولعلّ الأهم في هذا السياق هو أن الانتماء لا يُنتج فقط أفرادًا موالين، بل يُنتج نظامًا متكاملًا من القيَم والرموز والطقوس التي تجعل الانتماء يبدو طبيعيًّا، بل «واجبًا» في نظر كُثر. فالهوية الشيعية في بعلبك - الهرمل لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بحرفيّة اجتماعية دقيقة، تبدأ من البيت ولا تنتهي عند ضريح الشهداء.
في بعلبك - الهرمل، لا تُطرح الدولة كمرجعية طبيعية، فهي لم تعد موجودة كخيار واقعي في وعي الناس أو في يومياتهم. منذ عقود، جرى تفريغ الحضور الرسمي تدريجيًّا لصالح سلطة موازية تُمسك بكل المفاصل: من الصحة إلى التعليم، من الأمن إلى الغذاء، من المعونة إلى الدفن. هذه السلطة الموازية ليست خفيّة، بل تُعلن حضورها بصراحة وبنية أيديولوجية واضحة، ممثّلة بـ«حزب الله»، الذي لا يكتفي بإدارة الشأن العام، بل يسعى لصوغ المجتمع نفسه وفق رؤيته العقائدية.
الناس في المنطقة باتوا يعتمدون على مؤسسات الحزب بدل الدولة، فهم لا يذهبون إلى وزارات الدولة، ولا ينتظرون أحكام القضاء، بل توجيهات «مسؤول المنطقة». هذا الواقع يصفه الدكتور مصطفى مظلوم بقوله: «الحزب أصبح سلطة بديلة، وغياب الدولة يُكرّس وجوده. كلما ضعفت الدولة، زاد نفوذ الحزب، وكلما تراجعت الشرعية الرسمية، تمدّدت شرعية السلاح والمنظومة الممانِعة. الخلفية الفكرية للحزب مستمدَّة من مبدأ ولاية الفقيه الإيراني، الذي يشكّل العمود الفقري لأيديولوجيته، ويحوّل الولاء للحزب من انتماء محلي إلى امتداد لسياسة إقليمية وفكر سياسي مستورَد. هذا يجعل الحزب ليس مجرد قوة سياسية محلية، بل مشروعًا أيديولوجيًّا يمتد عبر المجتمع ويؤثّر في كل تفاصيل الحياة اليومية».
وعليه، فإن الحزب لا يُخفي خلفيته الفكرية المستمدّة من «ولاية الفقيه» الإيرانية، ولا يُنكر ولاءه العقائدي والسياسي للمرشد الأعلى في طهران. هذه الخلفية لم تعد مجرّد مرجعية دينية، بل تحوّلت إلى نموذج سلطوي يُستنسخ في المؤسسات والمجتمع، على حساب النموذج اللبناني المدني التعدُّدي، بحيث تصبح الدولة، بمفهومها الدستوري، هامشًا، بينما الحزب بات المركز، لا كشريك سياسي، بل كحاكم فعلي. يمارس السلطة من خارج مؤسسات الدولة، ويتعامل مع المؤسسات الرسمية كواجهة شكلية لتغطية مشروعه الكبير: تحويل المجتمع إلى امتداد «للدولة الإسلامية»، ولو بشكل ناعم وتدريجي.
وحول اعتماد الناس على الحزب بدل الدولة، تضيف فاطمة اللقيس: «حتى الأشياء البسيطة مثل العلاج أو الحصول على مساعدات، بنلاقي حالنا محتاجين نروح على مؤسسات الحزب، مو على الدولة. صار مفهوم الدولة بالنسبة للناس شيء غائب، والحزب هو اللي يقرر ويحل المشاكل. الشباب عم يتربوا على إنه الولاء للمقاومة أهم من حقوقهم أو القوانين».
الأخطر أن الحزب لا يملأ فراغًا فقط، بل يُنتج غياب الدولة، ويُُكرّسه كشرط لوجوده. فكلما ضعفت الدولة، زاد نفوذ الحزب. وكلما تراجعت الشرعية الرسمية، تمدّدت شرعية «السلاح» و«المنظومة الممانِعة». هذا ليس صدفة، بل جزء من منطق السلطة الذي يتبنّاه الحزب، حيث لا يمكن أن تتعايش دولة حقيقية مع مشروع أيديولوجي يرفض مفهوم السيادة الوطنية كما يُفهم في النظم الديموقراطية.
حتى اللغة تغيّرت. المواطن لم يعد يقول «الدولة قصّرت»، بل يقول «الدولة ما إلها علاقة». صار مفهوم «المقاومة» يغطي على كل فشل خدَماتي، وكل فساد، وكل غياب للمحاسبة. هذه ليست مقاومة، بل مصادرة كاملة للدولة، باسم القضية.
في هذا السياق، لا بدّ من السؤال: ما الفرق اليوم بين الدولة والحزب في بعلبك - الهرمل؟ الجواب الصادم هو: لا فرق. الدولة باتت مجرد ختم رسمي لما يقرره الحزب فعليًّا. مَن يعيّن في البلديات؟ مَن يختار المرشحين للانتخابات؟ مَن يرسم سياسات التعليم؟ مَن يتحكّم بالإعلام المحلي؟ الجواب في كل مرة: «حزب الله».
الهوية الشيعية في المنطقة لم تعد فقط مذهبًا أو طيفًا اجتماعيًّا، بل مشروع دولة بديلة تنمو داخل دولة عاجزة. والمواطن الشيعي لم يعد يُسأل عن رأيه، بل يُطلب منه أن ينضوي، أن يطيع، وأن يشكر.
في بعلبك - الهرمل، لا يقتصر دور «حزب الله» على كونه قوة مسلحة أو فصيل سياسي فقط، بل يتحوّل إلى المزوِّد الرئيسي للخدمات الاجتماعية والاقتصادية. هذا الواقع تؤكده شهادة الدكتور مصطفى مظلوم: «الحزب لم يكتفِ بالسيطرة العسكرية والسياسية، بل أصبح المزوِّد الأساسي للطبابة والتعليم والدعم الاقتصادي. هذا الدور يخلق تبَعية يومية للناس، تجعل الولاء للحزب ليس مجرد التزام عقائدي، بل ضرورة حياتية لضمان استمرارية الخدمات الأساسية».
الولاء العقائدي الذي يعتمد على إيمان المواطن بمشروع المقاومة وولاية الفقيه يشكّل جزءًا من الهوية، لكن الولاء الوظيفي، المبني على الحاجة والخدمة، هو ما يغذّي استمرارية الحزب في السلطة الاجتماعية والسياسية. فالكثير من الأُسر تعتمد على مستشفيات الحزب، مدارسه ومؤسساته الخيرية، وحتى مشاريع البُنى التحتية التي يُشرف عليها بشكل مباشر. هذا الولاء الوظيفي يصبح سلاح الحزب الأقوى، حيث يخلق تبَعية واسعة عبر حاجات الناس الأساسية.
وحول هذه المعادلة بين العقيدة والحاجة، يصف علي إسماعيل، عامل بناء من بريتال، تجربته قائلًاً: «أنا شاب بسيط أشتغل بالبناء، وما عندي أي انتماء للحزب. بشوف إنو الحزب سرق منا مستقبلنا وشبابنا عم يموتوا هدرًا بحروب ما إلنا فيها، خاصة بسوريا. كمان سمعت إنه في تجارة مخدّرات عم تنتشر بالمنطقة، والحزب مش بس ما عم يوقفها، بل مستفيد منها. المجتمع عم يتدمّر بسبب هاي المشاكل، والناس محبَطة وما عندها صوت».
أما رقية طه، ربّة منزل من الهرمل، فترى أنّ دور الحزب في تقديم بعض الخدمات لا يعفيه من مسؤوليته في قمع الحرية: «حزب الله بيقدّم خدمات طبية واجتماعية أحيانًا، وهذا شي الناس بتقدّره. بس ما في حرية حقيقية، ولا حدا بيقدر يعبر عن رأيه. الولاء لـ”الحزب” صار مثل الدين، الكل مجبور عليه. شبابنا عم يتربّوا على إنه الولاء للمقاومة أهم من وجود دولة وقوانين. لما نحتاج نروح للدولة، بنلاقي كلشي معطل ومهمّش. حياتنا هون صارت بين ضغطين ما نقدر نتحرر منهم».
هذا النظام يُعيد إنتاج دائرة من التبَعية، حيث يُصبح من المستحيل فكّ الارتباط دون فقدان الدعم والخدمات. كثير من العائلات ترفض مواجهة الحزب أو انتقاده خوفًا من فقدان الدعم الطبي، التعليمي، أو الاقتصادي الذي لا توفّره الدولة. وهنا تكمن المعضلة الكبرى: أن الولاء يُصبح أداة ضغط اجتماعي أكثر من كونه خيارًا سياسيًّا حرًّا.
ولا يمكن إغفال بُعد الفساد الذي يغلِّف عمل الحزب ، خصوصًا في مصادر تمويله التي تُعتبر مشبوهة بشكل واضح. في هذا السياق يشير الدكتور مصطفى مظلوم إلى أبعاد اقتصادية مظلمة: «بحسب تقارير لوكالات عالمية، هناك تأكيدات على تورّط الحزب في تجارة المخدرات ورعاية هذه التجارة في لبنان ودول أخرى. هذه التجارة لا تؤثر فقط على المجتمع المحلي، بل تُستخدم كأداة للضغط السياسي والاقتصادي، وتزيد من هشاشة النسيج الاجتماعي».
وعليه فإن المصادر المالية لـ«الحزب»، والتي تشمل دعمًا إيرانيًّا وموارد أخرى غير شفّافة، إلى جانب استثماره في قطاعات غير شرعية، أبرزها تجارة المخدرات، باتت تهدِّد النسيج الاجتماعي في بعلبك - الهرمل. إذ تُعد المنطقة واحدة من أبرز مناطق زراعة وتجارة الممنوعات في لبنان، «ويُتهم الحزب بتغطية هذه الأنشطة ومنع الدولة من بسط سلطتها لمكافحة هذه الآفة»، كما يقول الدكتور مظلوم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، مضيفًاً: «يُعتقد أن الحزب استثمر تجاريًّا وإقليميًّا في تجارة المخدرات لزيادة دخله المالي، ما أدّى إلى تفكك المجتمع المحلي وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وتحويل بعلبك - الهرمل إلى بيئة مُشبعة بالجريمة والمخدرات، وهو أمر عكس تمامًا الصورة التي يسعى «الحزب» لفرضها كحامٍ للمجتمع».
أما التدخل العسكري في الحرب السورية، فهو أكبر كوارث الحزب في المنطقة. كان دخول «حزب الله» إلى سوريا ليس مجرد خيار استراتيجي، بل قرارًا أيديولوجيًّا مرتبطًا بالخلفية الإيرانية لمشروع «ولاية الفقيه». آلاف الشبان اللبنانيين من بعلبك - الهرمل دفعوا حياتهم ثمنًا لهذه التدخلات في حرب ليست من صلب قضاياهم الوطنية، بل جزء من صراعات إقليمية معقّدة. وحول هذا يقول الدكتور مظلوم:
«تدخُّل حزب الله في الحرب السورية كان كارثيًّا على شباب المنطقة. آلاف الشبان ذهبوا ليقاتلوا في سوريا بعيدًا عن وطنهم، في حرب ليست لهم، ولم تخدم سوى مصالح النظام السوري وإيران. سقوط النظام السوري بشكل جزئي أو تآكُل نفوذه فجّر صراعات جديدة وأزمات لم تتوقف حتى اليوم، وأدّى إلى هجرة قسرية وتدمير لمجتمعات بأكملها في بعلبك – الهرمل».
ويتابع: «حزب الله بنى صورته على فكرة المقاومة والممانعة، لكن على أرض الواقع هو جزء من مشكلة أكبر. ثقافته السياسية المستورَدة من إيران تكرّس نمط دولة دينية قمعية داخل لبنان، وليس دولة مدنية ديموقراطية تحترم التنوّع والحقوق. وهذا الأمر يُحاصر فكر الشباب ويحول دون إطلاق إمكاناتهم في التغيير الحقيقي».
مع سقوط النظام السوري، الذي حاول الحزب دعمه بكل ثقله، تزايدت الصراعات وتعدّدت التدخلات، ما زاد من تعقيد الوضع الإقليمي وأثّر سلبًا على فرص لبنان في الاستقرار والتنمية. هوية بعلبك - الهرمل الشيعية اليوم تبدو سجينة مشروع أيديولوجي وعسكري إقليمي، بعيدًا كل البعد عن بناء دولة مدنية عادلة تخدم مواطنيها.
في المقابل، يبقى السؤال: هل هناك بدائل حقيقية داخل المجتمع الشيعي في بعلبك - الهرمل؟ هل يمكن لتيارات مستقلة أو حركات مدنية أن تنافس في بيئة يُهيمن عليها «حزب الله» بقوة اقتصادية وعسكرية واجتماعية؟
رغم الهيمنة الواضحة لـ«حزب الله» في بعلبك - الهرمل، إلّا أن المنطقة ليست خالية من أصوات معارضة أو تيارات مستقلّة تسعى لطرح رؤى مختلفة عن المسار الذي يفرضه «الحزب». هذه الأصوات، رغم محدودية انتشارها وقوتها، مقارنةً بقدرة «الحزب» على التحكّم في المشهد، تعكس تململًا شعبيًّا متزايدًا من واقع التبَعية السياسية والاجتماعية، ومن حالة الاحتكار التي يفرضها الحزب على القرار والسيطرة.
تتراوح هذه المعارضة بين أفراد ومنظمات مجتمع مدني تدعو إلى تعزيز دور الدولة وفرض القانون، وبين بعض الأحزاب السياسية التي تحاول تقديم بدائل، برغم صعوبة اختراقها للساحة المحلية التي تسيطر عليها أذرع الحزب الأمنية والاجتماعية، ورغم الطابع الغالب لهيمنة «الثنائي الشيعي» على المشهد السياسي والاجتماعي في بعلبك – الهرمل، برزت في السنوات الأخيرة محاولات مدنية وأهلية للتعبير عن بدائل مستقلة، هذه المبادرات ما زالت محدودة التأثير بفعل القبضة الحزبية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تعبّر عن حاجة محلية إلى خطاب مختلف يقوم على المواطنة والمحاسبة بدل الولاء السياسي، ومن بين هذه الأصوات، ظهرت جمعيات مثل «الجمعية اللبنانية للدراسات والتدريب» التي تنشط في برامج المواطَنة وتمكين المرأة والشباب، وجمعية «USPEAK» التي تعمل على نشر ثقافة الديموقراطية والشفافية وتعزيز المشاركة المدنية في بعلبك، كما خاضت لوائح مدنية محلية كـ«بعلبك مدينتي» و«الهرمل للجميع» الانتخابات البلدية في مواجهة لوائح الثنائي، وإن بموارد محدودة، إلى جانب «اتحاد جمعيات بعلبك – الهرمل» الذي جمع ناشطين من المجتمع المدني وحراك ١٧ تشرين لتقديم بدائل انتخابية. هذه المبادرات، وإن لم تشكّل بعد تيارًا واسعًا قادرًا على قلب التوازنات، تُعتبر مؤشرًا على وجود حراك مدني في المنطقة يسعى لتثبيت ثقافة المواطَنة وكسر الصورة النمطية عن الانسياق الكامل خلف خطاب «حزب الله».
كما يبرز في بعض الحالات شبّان وشابات يرون أن الهوية الشيعية في بعلبك - الهرمل لا يمكن أن تُختزل في إطار المقاومة المسلحة فقط، ويريدون رؤية أوسع تعطي أولوية للتنمية الاقتصادية، الحريات الشخصية والحقوق المدنية.
الناشط السياسي الدكتور مصطفى مظلوم يُعتبر من الأصوات المعارضة في الطائفة الشيعية. في حديثه، يشرح مظلوم كيف أن ارتباط الأهالي بـ«حزب الله» مبني على أساس عقائدي مرتبط بفكر «ولاية الفقيه» الإيراني. لكن هذا الارتباط العقائدي لا يعكس بالضرورة مصالح الناس الحقيقية في بناء دولة وطنية مستقرة، ويوضح:
«المعارضة موجودة، لكنها تواجه تحدّيات كبيرة؛ من التضييق الأمني، الحصار الإعلامي والتهميش الاجتماعي. إن أي محاولة لتقديم بدائل مدنية أو وطنية تُقابل بخوف المجتمعات من وصمهم بالخيانة أو الخروج عن الإجماع الطائفي. هذا يجعل بناء مشروع بديل مهمة صعبة للغاية، لكنها ضرورية لإعادة الاعتبار للدولة المدنية».
ويتابع: «"حزب الله" بنى صورته على فكرة المقاومة والممانعة، لكن على أرض الواقع هو جزء من مشكلة أكبر. ثقافته السياسية المستورَدة من إيران تكرّس نمط دولة دينية قمعية داخل لبنان، وليس دولة مدنية ديموقراطية تحترم التنوّع والحقوق. وهذا الأمر يُحاصر فكر الشباب ويحول دون إطلاق إمكاناتهم في التغيير الحقيقي».
يشير مظلوم إلى أن الأزمة الحقيقية في بعلبك - الهرمل ليست فقط سيطرة «حزب الله» بالسلاح، بل بالهيمنة على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية:
«هناك حرمان ممنهَج، وتهميش من الدولة، وغياب للمؤسسات التي من المفترض أن توفّر فرص العمل والخدمات. في ظلّ هذا الفراغ، يتغلغل الفساد وتتوسّع تجارة المخدرات التي يغطي عليها الحزب ويستخدمها كأداة ضغط سياسي واقتصادي. وهذا جعل من بعلبك - الهرمل مجتمعًا مُنهكًا، يعاني من مشاكل عميقة في التعليم، الصحة والأمن».
أما علي إسماعيل فيضيف من زاويته الواقعية: «أنا شخصيًّا بشوف إنه لو في حركات مستقلة، ممكن تكون فرصة للشباب يعبّروا عن أفكارهم. بس الواقع صعب جدًا، لأن الحزب متحكّم بكل شيء؛ من العمل، للمدرسة، وحتى المساعدات. أي شخص بيحاول يرفع صوته ضد الحزب بيواجه صعوبات كبيرة».
هذه الأصوات، رغم كل القيود والمحاصَرة، تؤكّد أن الانقسام داخل المجتمع الشيعي في بعلبك - الهرمل ليس فقط بين الحزب والدولة، بل داخل النسيج نفسه، بين مَن يختار المقاومة المسلحة كهوية مركزية، ومَن يرغب في رؤية أوسع تركز على التنمية الاقتصادية، الحريات الشخصية والحقوق المدنية.
إن مستقبل المنطقة، وخصوصًا هوية طائفتها الشيعية، لن يتحدَّد إلّا عبر مناقشات داخلية عميقة تراعي حقوق المواطنين في حياة كريمة، تحترم التعدّدية، وتفتح الباب أمام حركات مدنية ووطنية قادرة على فرض نفسها على الساحة السياسية والاجتماعية بعيدًا من هيمنة السلاح والتبَعية.
الهوية الشيعية في بعلبك - الهرمل ليست مجرد لون طائفي يُرسم على الخارطة السياسية، بل هي نتاج عملية مركّبة تبدأ منذ الصغر، عبر المؤسسات التعليمية، الإعلام والخطاب الديني والسياسي الذي يُبثّ يوميًّا. في هذه المنطقة، التعليم لا يُعتبر وسيلة لنقل المعرفة فقط، بل أداة لتشكيل وعي متكامل يتماهى مع مشروع سياسي وديني محدّد، يغذي الولاء للحزب ويحدد الإطار الذي يتحرك ضمنه الشباب.
مدارس «حزب الله» ومؤسساته التعليمية تركّز على ترسيخ مفاهيم الولاء لـ«المقاومة» و«ولاية الفقيه»، مع إبراز دور الحزب كحامٍ وحيد للمجتمع من التهديدات الداخلية والخارجية. هذا التعليم غالبًا ما يهمّش الفكر النقدي ويضع سقفًا ضيِّقًا للتعبير، محوِّلًا التعليم إلى أداة لزرع الإيديولوجيا بدلًا من توسيع آفاق الشباب.
وحول البُعد التربوي لهذا الدور، يوضح الدكتور مصطفى مظلوم: «العملية التعليمية هنا ليست بريئة، فهي صمِّمت لتزرع الولاء المبكر لدى الأطفال والمراهقين، وتخلق اعتمادهم الفكري على خطاب الحزب، بدل تشجيعهم على التفكير المستقل. هذا يجعل كثيرين يربطون مستقبلهم الشخصي والاجتماعي مباشرة بالانتماء له، وليس بالقدرة على بناء مستقبلهم بحرية».
ومن خلال تجربتها اليومية في الصفوف الدراسية، تضيف فاطمة اللقيس: «أنا معلمة وألاحظ كيف يتأثر الطلاب بالخطاب اليومي، سواء في المدرسة أو في الحسينيات أو حتى بالبيت. الكثير من الشباب يعتقدون أن الولاء للحزب هو الطريق الوحيد للنجاح والأمان، وهذا الشيء يؤثر على كيفية تفكيرهم وخياراتهم المستقبلية».
أما في الإعلام، فيتجلّى تأثير الحزب عبر التحكُّم الكامل في الخطاب العام، حيث تفرض وسائل الإعلام التابعة له رواياتها وتغيِّب أي صوت مُعارض أو بديل. الإعلام هنا لا ينقل الأخبار فقط، بل يصنع واقعًا منمّقًا، يُغلف الأزمة ويبرّر التدخّلات السياسية والعسكرية، ويشوّه مَن يحاول نقد هذه الهيمنة. ونتيجة لذلك، تُصبح الهوية الشيعية في بعلبك – الهرمل صورة طبق الأصل عن خطاب «حزب الله»، مع تراجع المساحات الحرة للحوار والنقاش.
هذا الواقع يصنع جيلًا متشبّعًا بخطاب «المقاومة»، لكنه يفتقر إلى أدوات التفكير المستقل والقدرة على طرح بدائل. جيل يعاني من التبعية الفكرية والسياسية، ما يُفقده فرصة تشكيل هوية وطنية جامعة، ويُبقيه محاصَرًا داخل حلقة مفرغة من الولاءات المتنازعة.
في نهاية المطاف، رسم الهوية الشيعية الهرملية اليوم ليس فقط صراعًا على النفوذ السياسي أو السيطرة الاجتماعية، بل هو معركة ثقافية وفكرية تهدِّد مستقبل المنطقة بأكملها، حيث يختلط الدِّين بالسياسة، ويُفرض الولاء بدلًا من أن يُبنى على الحرية والاختيار.
إذن، يتبين جليًّا أن «الهوية الشيعية» في منطقة بعلبك - الهرمل ليست مجرد انتماء ديني أو سياسي سطحي، بل هي نسيج مركَّب يتشكَّل في قلب صراعات إقليمية ومحلية، تتداخل فيه عوامل «العقيدة»، «الولاء»، التهميش الاقتصادي والاجتماعي وأزمات الدولة اللبنانية العميقة. «حزب الله»، كفاعل سياسي وعسكري، يسيطر على جزء كبير من هذه «الهوية الشيعية»، حيث يقدِّم نفسه كحامٍ وموزِّع خدمات، لكنه في الوقت نفسه يمارس دوراً يثير جدلًا واسعًا بسبب تدخُّله في الحروب الإقليمية وارتباطه بمصادر مالية مشبوهة أثّرت سلبًا على المجتمع المحلي، خاصة من خلال تغطيته لتجارة المخدّرات التي تفتك بالجيل الشاب وتزيد من معاناة المنطقة.
التحدّي الأكبر يكمن في قدرة أهل بعلبك - الهرمل على تجاوز هذه الثنائية بين «حضن المقاومة» و«ظلّ الدولة»، وإعادة بناء وعي مجتمعي جديد يؤمن بأن المستقبل الحقيقي يكمن في دولة مستقلة تضمن العدالة والتنمية لكل مواطنيها بغضّ النظر عن الانتماءات الطائفية والسياسية. لا بد من الانطلاق من أرض الواقع، من خلال دعم التعليم، تنمية القطاعات الاقتصادية، تعزيز مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام الأصوات المستقلة التي تطالب بالتغيير الحقيقي بعيدًا من الاحتكار السياسي والحزبي.
في النهاية، يظلّ السؤال المحوري مطروحًا: هل ستنجح بعلبك - الهرمل في تحطيم القيود المفروضة عليها وإعادة صياغة «الهوية الشيعية» ضمن إطار الدولة المدنية، أم ستظل حبيسة صراعات المحاور الخارجية وسيطرة الميليشيات؟ الإجابة عليه ليست سهلة، لكنها تبدأ بالاعتراف بالواقع المُوجع والعمل الجماعي والجاد لبناء غدٍ أفضل، يُعيد للبعلبكي والهرملي كرامته ويضمن له حياة كريمة ومستقرة.



