إن فكرة بناء الأضرحة والمقامات ليست جديدة، حيث تمّ بناء أول مقام للملك اليوناني موزول، في عام ٣٣٧ ق.م. في مدينة هليكارناسوس (بودروم حاليًا) وكانت عاصمة لمملكته كاريا التي تقع غرب الأناضول (تركيا حاليًّا)، وذلك تخليدًا لمكانته.
هذه الفكرة انتقلت إلى باقي الديانات السماوية، ولكنها باتت موجودة في الإسلام بكثرة، وخصوصًا لدى الطائفة الشيعية، التي تعرّضت للكثير من التهجير، منذ الدولة الأموية التي سقطت عام ٧٥٠ ميلادية.
في هذا التحقيق سنذهب برحلة إلى محافظة البقاع في لبنان، حيث التواجد الشيعي الكثيف، ووجود أكثر من ١٠٠ مقام للطائفة الشيعية في هذه المحافظة فقط، ونفصّل المقامات إلى رئيسية تُنسب إلى أهل البيت وتُروى على لسان مصادر تاريخية، وفرعية تُنسب للأنبياء عبر أحاديث متناقلة عن أهالي القرى أو ناتجة عن روايات أحلام دون مراجع تاريخية.
لربما نطرح عدة تساؤلات: متى وكيف بُنيت هذه المقامات، وما الهدف منها؟ وهل هي حقيقية؟
النبي نوح

ما إن تمرّ في مدينة زحلة البقاعية، حتى تجد نفسك أمام مقام النبي نوح، المنطقة المعروفة بكرك نوح، حيث دُفن فيها، القبر عبارة عن لحدٍ طويل، وفقًا للرواية التي تصف طول النبي نوح، ويتناقل أبناء المدينة وعامّة الناس رواية تقول إن المقام بناه النبي نوح بعد الطوفان، وتمَّ دفنه فيه. وهو اليوم تحت إشراف المجلس الشيعي الأعلى ووضع اليد عليه.
«يوسف قنبر» مختار بلدة كرك نوح وصَف المزار في عدة مقابلات مع وسائل إعلام تابعة لـ «حزب الله» بأن «القبر كان في الأصل موقع لأعمدة النار في العهد الروماني، بدليل وجود تمثال جوبيتر داخل المقام، ولكن بعد ظهور الإسلام اعتنق أهل البلدة الدين الإسلامي وشيّدوا مزار النبي نوح، كما يوجد إلى جانبه قبر جبلة، ابنة نوح، ويبلغ طول القبر حوالى ٢٥ مترًا، ويشبه السفينة المقلوبة على قفاها، وهناك علماء دُفنوا هنا لكن تمَّ هدم أضرحتهم سنة ١٩٢٠».
هناك الكثير من الشكوك حول ثبوت حقيقة هذا المقام، حيث يوجد مقام آخر له في منطقة الكرك في الأردن، وكذلك في منطقة الكرك في العراق، ولكل قبر وقفية مختلفة. ففي زحلة يستند الأهالي على الوقفية التي سجلها نائب السلطنة المملوكية في دمشق الأمير «سيف الدين تنكز بن عبدالله الحسامي» (ت ٧٤١هـ) بتاريخ العَشر الأخير من شهر ذي القعدة سنة ٧٣١هـ. وهي تنصّ على أن المدفون هو النبي نوح عليه السلام. ثم قام الأمير محمد ابن الأمير ناصر الدين المعروف بالحنش بتسجيل وقفية أخرى على المقام نفسه مؤرّخة في سنة ٩٠٥هـ / ١٤٩٩م وعليها تواقيع شيوخ وقضاة دمشق وبعلبك.
من هذا المقام تحديدًا، وتاريخ تسجيل الوقفية سنة ١٤٩٩م، يمكننا البدء بسرد قصة التشيُّع الصفوي، وسبب تواجد هذه المقامات بكثرة في البقاع، إذ يختلف العلماء والمؤرّخون على تاريخ بدء تواجد الشيعة في البقاع، بعد تهجيرهم من القرى الساحلية وجبل عامل، حيث عانوا من إبادة جماعية وتكفير وقتل على يد المماليك والعثمانيين. مع بزوغ الدولة الصفوية، بعدما كانت هناك حركة صفوية سنّية في بلدة أردبيل في آذربيجان، تحوّلت إلى دولة شيعية على يد إسماعيل الصفوي عام ١٥٠٠ ميلادية. هنا يطرح سؤال: لماذا سجّل نائب السلطان المملوكي سيف الدين تنكز هذه الوقفية في مقام النبي نوح، وبالأصل هل كانت هذه المعالم للشيعة؟
يرى المؤرّخ سعدون حمادة، كما أورد في كتابه«تاريخ الشيعة في لبنان» أنه لم تكن دولة المماليك وسلطانها متحمّسين للصراع بين الدولتين الصفوية والعثمانية في القرن السادس عشر، بل اتّبعوا سياسة المسايرة والانتظار ومراقبة ما سيحدث بين الجارتين الصفوية والعثمانية، بعدما كانت تلك الدولة تسعى جاهدة إلى منع المعتقدات الشيعية وردعهم وإعادتهم إلى السُّنة والجماعة، وملاحقة المتظاهرين بالتشيّع وإراقة دمائهم ونهب أموالهم، فخفّفت من تشدّدها لكسب الشاه إسماعيل إلى جانبها من جهة وللاستفادة من وقوف الشيعة معها في حربها ضد العثمانيين من جهة أخرى.
هذا الصراع الدولي دفع الشيعة في لبنان إلى التوجّه بعواطفهم وعلمائهم نحو الصفويين، وإلى نشر التشيّع الصفوي وبناء المعالم لهم كالمقامات لإثبات وجودهم بعد موجة التهجير، ومنهم العالم الشيعي نور الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، المعروف بالمحقِّق الثاني، وهو المحقّق الكركي، الذي وُلد في منطقة الكرك، حيث مقام النبي نوح في زحلة البقاعية والذي سُمّيت المنطقة على اسمه، وله مكتبة داخل المقام، إذ يُعتبر أول فقيه من جبل عامل يستجيب لدعوة الصفويين. مقابل ذلك رفض الشهيد الثاني دعوة الصفويين له بالذهاب إلى دولتهم.
علي النهري أو الزُهري
باتجاه شرق مدينة زحلة، على نحو ١٦ كيلومترًا، تقع بلدة علي النهري، نسبة إلى الرجل المدفون فيها، علي الزُهري، حيث بُني المقام بالقرب من نهر البلدة، حسب الروايات والمنامات التي يتناقلها أهالي القرية، بأن هناك نور خرج من المقام، واتصل بنور آخر مع مقام النبي أيلا، وتحققت بعدها العديد من أمنيات أهالي القرية، فإذا هو نبيٌّ أو من أهل البيت.
تُشرف على هذا المقام الذي بُني حديثًا، بلدية القرية التابعة لحزب الله وتعود عائداته إلى العائلات التي تقع على عاتقها العناية بالمقام وإلى حزب الله، وتُقام فيه مجالس العزاء وتُعطى الدروس الدينية، إضافة إلى المجالس العاشورائية في كل مناسبة.
يقول سليمان محمود جمعة، عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين، إن «القرية كانت تدعى الأشرفية، والبعض يقول إن اسمه علي الزُهري من بني زُهرة وهم قرَشيون أشراف، وهو جابي خراج غير معروف اسمه ونسَبه الكامل، جاء إلى هذه المنطقة التي كانت وقفًا إسلاميًا، قبل أكثر من ٤٥٠ عامًا من حلب، كجابي خراج، يجمع الميري لصالح آل «المرتضى» التي كانت عائلة إقطاعية آنذاك، وسكن إلى جانب النهر بالقرب من القرية، لتتحوّل تسميتها لاحقًا من الأشرفية إلى علي النهري».
ويضيف «أصل تسمية القرية بالأشرفية، نسبة إلى قناة المياه التي كانت تتفرع من نهر حالا مرورًا بسهل القرية، لأن النهر يمرّ بها، وكانت قناة المياه التي تمرّ بالمنطقة اسمها الأشرفية، وهي تابعةً للأشراف».
النبي أيلا

في البقاع الأوسط، وعلى بُعد ٧ كلم عن مدينة زحلة يقع مقام «النبي أيلا» الذي يُعتبر ملاذًا المتخاصمين، في أغلب القضايا الاجتماعية من سرقة وطلاق وزواج، فيحكم النبي بينهم بالعدل ويعاقب المذنب. أعيد بناؤه في العهد الفاطمي الذي اتخذ من المساجد والمنابر مطيّة لنشر التشيّع في ذلك الوقت، ولا زالت النقوش الفاطمية موجودة داخل المقام، لكن الشكل المعماري من الخارج يشبه الأديرة ويعود تاريخ إنشائه إلى العهد الكنعاني، بحسب الرواية المتناقلة عن أهل القرية.
وهناك رواية أخرى تقول إنه نبي يهودي، تعود القصة إلى أن النبي أيلا لجأ إلى السلسة الغربية في عام ٨٥٠ قبل الميلاد، في عهد آحاد ملك أرض كنعان، هربًا من الملكة عتاليا زوجة بعل بك التي سُميت باسمه مدينة بعلبك، وحين حاصر جيش الملكة النبي طلب الأخير من الله أن يرفعه إلى السماء فإذا شهاب من نور ينتصب بين الأرض والسماء وعربة صعد عليها النبي. ولا توجد رواية تاريخية أو دينية تؤكد حقيقة هذا المقام سوى ما سيق من روايات أسطورية.
النبي شيث

يقع المقام وسط شرق سهل البقاع في بلدة النبي شيث التي سُمّيت على اسمه. يُروى إنه ابن نبي الله آدم(ع)؛ ولقبه هِبة الله. تقول الروايات إنه بعدما قتل قابيل أخاه هابيل، حزن نبي الله آدم(ع) كثيرًا، وناجى ربه قائلًا: ربّ هِبْ لي ولدًا صالحًا؛ فوهبه الله «شيث» كي تقرَّ عينه وينجلي حزنه، ولكن دون أي دليل تاريخي واضح على صحة هذه الرواية، كما تُسند إلى شيت أنه تزوج من إحدى حوريات الجنة واسمها «نزلة» وكان وصيّ آدم(ع)، وأنزل الله عليه شرعا ً جديدًا ، وهو: تحريم زواج الأخ من أخته غير التوأم.
وحول مكانته الدينية يستند الأهالي ورجال الدين على أحاديث ينسبونها للإمام المهدي في زيارة الناحية المقدسة حين يقول صاحب الزمان(عج) عليه: «السلام على شيث وليّ الله وخيرته»، كما يستندون تاريخيًا على روايات رحّالة زاروه، منهم الفقيه عبد الغني النابلسي، الذي ذكر في كتابه «حلّة الذهب الإبريز في رحلة بعلبك والبقاع العزيز» أنه زار المقام عام ١٦٨٩م.
وهناك وقفية داخل المقام تروي على أن أحد المحسنين، وهو محمد العُصي، جعل قسمًا كبيرًا من أراضيه وقْفًا لمقام النبي شيث(ع) في السادس عشر من ذي القعدة للعام ٥١٨ من الهجرة؛ أي قبل تسعمائة سنة في القرن الثاني عشر الميلادي؛ وقد نُقش على الوقفية النصّ الآتي: «إنما يعمّر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، لمّا كانت سنة اثنتا عشرة بعد الألف من شهر ربيع الأول، شيّدت مقام النبي المبارك، مُحسنة غفَر الله لها ولوالديها»، ليشهد المقام بعد ذلك أعمالَ توسعة وتحسينات عِدّة. ونشير هنا أيضًا إلى وجود مقام منسوب لأبي الفضل العباس في ذات البلدة.
ويبلغ عدد زوّار الضريح قرابة الـ ٤٠ ألف زائر سنويًا يأتون من لبنان والبلاد العربية والإسلامية، خاصة من إيران وباقي الدول الخليجية، كما تعود عائداته المالية للعوائل المعنية بالمقام وهي تابعة لحزب الله مثل عائلة الموسوي وغيرهم، كما تتبع إداريًا إلى المجلس الشيعي الأعلى في الوقت الحالي.
هناك العديد من المقامات التي يُقال إنها للأنبياء، تنتشر من البقاعين الأوسط والغربي حتى قرى بعلبك.
ويتفق الأهالي حول روايات عن أصل بنائها، منها أنهم شاهدوا نور يخرج من هذه المقامات وتحققت مطالبهم، أو حدوث كرامات، وأخرى تُنسب هذه المقامات إلى رحّالة زاروها دون توثيقها، وإلى روايات تاريخية لا مصادر أو مراجع لها.
ومن هذه المقامات مقام النّبي «سام» بن نوح في بلدة شمسطار البقاعيّة غربي بعلبك، وهو مقام متواضع. كما يحظى بالكثير من الزوّار في مختلف الأوقات وبخاصة في المناسبات الدينية، إذ تعود بلدة شمسطار البقاعية تاريخيًّا إلى العهد السرياني، وكانت تُسمى «شمش طور» بالسرياني أي شمس الجبل، كما تدل على ذلك معالمها الأثرية على السراديب والقبور القديمة، ولا يوجد رواية يتناقلها الأجداد والآباء سوى أن النبي سام ابن نوح مدفون فيها، وله كرامات.
مقام «أليسع» ويعتقد أنه النبي ذو الكفل في جرد بعلبك، وإلى الشرق منه هناك مقام قديم يُنسب إلى النبي صالح في بلدة بريتال. وفي منطقة العين مقام للنبي قاسم. و في رسم الحدث مقام يُنسب إلى النبي يوسف الذي له مقام في بلدة معربون أيضًا.
وكذلك، فهناك مقام للنبي «أسمر» في بلدة بدْنايل يزوره أبناء المنطقة. وفي بلدة يونين مقامان يظنّ الناس أنهما للنبي سليمان والنبي عيسى. وجنوبي بلدة عين بورضاي هناك مقام بين التلال عند مجرى النهر الذي يفصل بلدة الطيبة عن عين بورضاي يدعى مقام النبي «زبدة».
وفي بلدة طاريا سمعنا منامات وروايات متناقضة، في أثناء البحث عن مقامات الشيعة في البقاع، حيث يوجد مقام للنبي إسماعيل و آخر للنبي نجوم. وفي منطقة العين مقام يُنسب إلى النبي قاسم. وفي بلدة «حام» على الحدود مع سوريا مقام منسوب إلى النبي حام ابن النبي نوح. وكذلك هناك في «رسم الحدث» مقام يُنسب إلى النبي يوشع، ويُروى أنه وصيّ النبي موسى وقائد جيشه. وبين بلدتي «ريحا» و«شعث» مقام منسوب للنبي إسماعيل.
وفي بلدة الخريبة وجوارها هناك روايات كثيرة عن أنبياء سكنوا المنطقة، منهم: عطريف، وسريج، وصخير. وفي بلدة مَعْرَبون مقام للنبي يوسف، وفي سباط مقام للنبي سباط.
ومن المقامات المعروفة أيضًا، مقام النبي رشادة في بلدته، ومقام النبي يوسف في كفردان، ومقام أحد الضايع في حدث بعلبك، ومقام السيدة البطحاء في سرعين الفوقا، ومقام الشيخ محمد البابا في نحلة، ومقام حفصة بنت الصحابي معاذ بن جبل في حي الشراونة في بعلبك، ومقام للسيد علوان من آل مرتضى اشتهر بأنه من أصحاب الكرامات، إضافة إلى عشرات المقامات الأخرى.
كذلك يوجد مقام النبي نون في مشغرة بالبقاع الغربي ومقام لـ «الحرّ» الذي استشهد في كربلاء مع الإمام الحسين بعد توبته. كل تلك المقامات تعود عائداتها الوقفية المالية إما إلى وجهاء من البلدة ينتمون لـ«الثنائي الشيعي» أو إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولا يوجد روايات تُثبت صحّتها.
الدليل على صحّتها حسب ما سمعناه واطلعنا عليه
يرى الشيخ حسين الخشن في كتابه «في بناء المقامات»أن السبب الرئيس لبناء هذه المقامات يعود إلى بعض المعطيات الواهية، كرؤية منام أو حدوث كرامة في بعض القبور، وشفاء مريض، وهي كرامة لا تظهر إلّا على الأنبياء فإذا هو نبي.

ويفنّد الخشن في كتابه عدة شروط أساسية لمصداقية وصحة القبر، منها «الشهرة المستمرة والمتواصلة وكذلك السيرة العلمية المتناقلة يدًا بيد عن الأجيال السابقة وصولًا إلى زمان صاحب القبر التي تمثل طريقًا معتبرًا عند عامة العقلاء، إضافةً إلى الشهادات الموثوقة لا سيما شهادات العلماء، أكانوا من المؤرخين أو الرحالة أو غيرهم ممن عاصروا صاحب المرقد، كما أن الاستناد إلى علماء الآثار والطب من خلال الدراسات الميدانية ودراسة شواهد القبور ومعرفة نوعية الخطوط المكتوبة عليها، يساعد بتقدير الفترة الزمنية التي كتبت فيها الأسماء ونُقشت القبور، ويُعد من أبرز الأدلة».
ويتابع في كتابه «فيما تعتبر المنامات وحصول الكرامات من المصادر غير المعتبرة وليست حجة شرعية، ولا يمكن التعويل أيضًا على الكشف والشهود لبعض العرفاء أو الصوفية لأنه ليس لهم حجة في إثبات المعتقدات والأحكام الشرعية، كما أن بناء المقامات على نيّة حسن الظنّ بالمسلمين السابقين تعتبر منهجية غير موثوقة».
في المقابل، ومن الناحية التاريخية، يشرح الكاتب سليمان محمود جمعة، لـ«الفان رقم ٤» بداية فكرة إنشاء هذه المقامات وسببها فيقول: «في كل ديانة عندما يأتي شعبها ويسكن مكان ما، عادة يحوّل الشعب الجديد أماكن العبادة السابقة إلى أماكن ودور عبادة خاصة به وبعقيدته، كما عمل العرب سابقًا في الكنائس خلال الفتح الإسلامي وحوّلوها إلى جوامع، وكان الرومان أيضًا يحوّلون المعابد الوثنية إلى معابد يونانية، وعندما أتت المسيحية حوّلت المعابد الرومانية إلى كنائس... وهكذا».
ويضيف: «أغلب الأماكن الوثنية تحوّلت إلى معابد لديانات لاحقة، وهناك أيضًا جوامع ملصقة بقلعة بعلبك كجامع الأمين، وقلعة دمشق في سوريا، تجد مقابلها معبد فينوس، وهذا منطقي وتاريخي، إذ تتحوّل الأمكنة من ديانة إلى أخرى حسب الشعب الذي يُسيطر على المكان أو يسكن فيه».
لقد شهد الشيعة عقود من التهجير والحروب وتشريع قتْلهم منذ الدولة الأموية حتى الدولة العثمانية، إذ كانوا يقطنون في القرى الساحلية، ثم لجأوا إلى بعلبك مع بداية انهيار الدولة العثمانية العام ١٩٢٢. يرى جمعة أنه «خلال تلك الفترة اتخذ الشيعة من هياكل بعلبك والأماكن الأثرية القديمة أماكن عبادة ومنها رأس الحسين، وحديثًا بعد انحلال الدولة العثمانية أنشأوا مقام السيدة خولة كي يركّزوا أنفسهم في مدينة بعلبك ويستفيدوا من التجارة الاقتصادية ويجعلوا لأنفسهم أيديولوجية دينية وحضارية.
ويتابع: «كانت كل قرية تحتاج إلى فكرة القداسة كي يجتمع الناس من الطائفة الواحدة حولها، وتنشئ مقامًا تمثيليًّا يثبتها دينيًّا واقتصاديًّا، كمقامي النبي شيث ونوح وغيرهما من الأنبياء الموجودين في أماكن أخرى، كمقام النبي أيلا الموجود في فلسطين، ومن المحتمل أن تلجأ العامة من الناس إلى أن تنقل معها الأنبياء التي كانت تقطن بقربها وتنشئ لها مقامًا حيث تستقرّ مجدّدًا»، معتبِرًا أن «كل طائفة بعد التهجير تكون في حاجة إلى لحمة مقدّسة تجمعها حول شيء مقدّس وهو المقام، وهذا يمكن أن يكون حقيقيًّا لكنه نادر جدًا، ويمكن أن يكون وهميًّا توارد من الخيال والرؤية، وهي مشهورة عند المسيحيين وكافة الديانات الأخرى، فيُبنى المقام على هذه الرؤية من باب سلطة دينية اقتصادية وأيديولوجية، لكن كل هذه المقامات صنمية وتخمينية فقط».
مقامات رئيسية
في مدينة بعلبك، هناك عدة مقامات تُعتبر مركزًا اقتصاديًّا رئيسيًّا للمدينة، نظرًا إلى مكانتها الدينية حيث باتت مقصد السياحة الدينية التي نشطت في بعلبك، كما طغت على مركز السياحة الثقافي والتاريخي، ألا وهو قلعة بعلبك.
ومن بين هذه المقامات مقام السيدة خولة ومقام رأس الحسين ومقام السيدة صفية، إذ طغت أعداد الذين يقصدون مقام السيدة خولة وحدها على أعداد الذين يقصدون قلعة بعلبك، وذلك بحسب ما قاله رئيس بلدية بعلبك هاشم عثمان آنذاك في عام ٢٠١٢ لجريدة «الأخبار» التابعة لـ«حزب الله».
رغم الأهمية الاقتصادية التي تشكّلها هذه المقامات والتي تعود عائداتها إلى البلدة التي تُعتبر خزّان حزب الله البشري، يمكننا التساؤل هنا ما مدى صحة إثباتها؟ هذا السؤال جوابه أثار الجدل مرارًا حول مصداقية ثبوت وجود مقام للسيدة خولة، ومقامي رأس الحسين والسيدة صفية.
السيدة خولة
يتناقل رجال الدين وأهالي مدينة بعلبك رواية تقول إنه «لما سُبي عيال الحسين بعد معركة كربلاء وجيء بهم إلى الشام كانت بعلبك إحدى محطات هذا المسير وبسبب رحلة التعب والآلام التي مرَّ بها هذا الموكب توفيت إحدى البنات الصغيرات واسمها خولة وكان عمرها ٦ سنوات، فدُفنت في بعلبك. وهناك رواية أخرى تقول إنها سُقْط ألقته زوجة الإمام عندما مرّ الموكب من بعلبك باتجاه دمشق.
يُشكك البعض في مصداقية هذه المقامات وصحة وجودها، عبر عدة أسئلة: هل ثمّة بنتٌ للإمام الحسين(ع) باسم خوله؟ وفي حال ثبُت أنّ ثمّة بنتًا باسم خولة، وأنّها كانت مع عيال الإمام الحسين(ع) في سَفره إلى العراق، فهل مرّ موكب العيال (السبايا) في مدينة بَعْلَبَكَّ؟ وفي حال ثبت أنّ هذا الموكب مرَّ في بَعْلَبَكَّ، فهل توفيت إحدى بنات الموكب في تلك المحطة من محطات رحلة الأحزان؟
يقول الشيخ حسين الخشن في كتابه «في بناء المقامات» إنه «ليس هناك دليل بوجود بنت للإمام الحسين اسمها خولة، فالمصادر التاريخية وكتب الحديث والأنساب عن الإمام الحسين وزوجاته وأولاده لم تُشر إلى هذا الاسم في عِداد بناته، بل إن اسم خولة لم يرد في أسماء بنات الحسين بل لم يرد أيضًا في أسماء بنات الإمام علي والإمام الحسن». وأضاف: «وإن كان هناك بنت للإمام الحسين اسمها خولة واصطحبها معه إلى كربلاء، أو كانت جنينًا في بطن أمها، هل مرّ موكب السبايا في بعلبك؟ في رحلته من الكوفة إلى الشام».
وتابع: «وبمراجعة العلماء البلدانيين نجد أن شيخهم «ياقوت الحموي» لم يأتِ على ذكر قبر خولة أو مقامها مع أنه قد وصف بعلبك وتحدث عن قبور بعض الشخصيات فيها مصحّحًا وناقدًا، كما تحدّث عن قبر «مالك الأشتر» نافيًا صحّته على اعتبار أن الأشتر مات في القلزم. وتحدّث عن قبر يُقال إنه لحفصة بنت عمر زوجة النبي ونفى صحته باعتبار أن حفصة توفيت في المدينة المنورة ولكنه لم يأتِ على ذكر قبر منسوب لبنات الحسين أو مشهد على رأسه الشريف».
وتساءل قائلًا: «لو بُني مقام خولة بنت الحسين على أنها كانت سقْطًا ومحسن بن الحسين كان سقطًا فهل أن أمّ السقطين واحدة وكانت تحمل توأمًا، أم أنها أسقَطت واحدًا في بعلبك وآخر في حلب؟».
يشرح الخشن في كتابه الطرق التي كانت تُسلك في ذلك الوقت بأن «هناك طريقان يصلان بين الكوفة ودمشق الأول الطريق «السلطاني» وهو الذي رجّح المتحدّث «النوري» أن يكون الموكب قد سلكه، وهو طريق طويل وكثير المنازل. ويمكن لسالك هذا الطريق أن يمرّ على مدينة بعلبك. أما الطريق الثاني «المستقيم» وهو طريق مختَصر يمكن قطعه في مدة أسبوع وكان عرب عقيل يسلكونه، ولذا أسماه بعضهم بطريق عرب عقيل ولا يمرّ ببعلبك».
ويستطرد: «العلامة الشهيد السيد «القاضي الطبطبائي» يرجّح سلوك الموكب للطريق «المستقيم» مبرّرًا بذلك رأيه بإمكانية رجوع السبايا إلى كربلاء في العشرين من صفر وذلك في ردّه على المحدّث «النوري» الذي يُعدّ من أشدّ المنكرين لمقولة الطبطبائي. وبمراجعة المصادر التاريخية التي أرّخت لأحداث النهضة الحسينية وما جرى ما بعد واقعة كربلاء لا نجدها تطرّقت إلى مرور موكب الأحزان على مدينة بعلبك».
مشهد رأس الحسين

يُعد مشهد رأس الحسين بالنسبة لبعض رجال الدين في بعلبك وغيرها الشاهد الوحيد على مرور موكب السبايا من المدينة، حيث تعتمد الرواية على شاهد لمرور الموكب والطريق، لكن هذا الدليل لوحده لا يكفي.
وبحسب ما أورد الشيخ الخشن في كتابه المذكور، فإن مشهد رأس الحسين لا يوجد له دلالة تاريخية في أي من المصادر أو الكتابات أو الرحّالة والعلماء، إلّا أن صاحب كتاب «تاريخ بعلبك» ميخائيل ألّوف تحدث قبل قرن ونيّف عن مساجد بعلبك ومزاراتها، ومنها مقام السيدة خولة، ومسجد رأس الحسين الذي اشتهر بذلك، لكن هذا الدليل لا يكفي، إذ استند ألّوف في رواية مسيرة الأحزان على كتاب «السائح الهروي» (ت ٦١١هـ) الذي وصف المسجد بشكل دقيق، لكن الهروي هو حلبي لم يأتِ على ذكر أي مشهدٍ في بعلبك، ولو كان موجودًا في زمانه لما أغفله لأن «كتابه الإشارات إلى معرفة الزيارات» وُضع بهدف تعريف المزارات المنتشرة في مصر وبلاد الشام والعراق، لكن ألّوف لم يعتمد على النقل وإنما اعتمد على المعاينة.
وبحسب كتاب الشيخ الخشن: «أما بخصوص الحجر المنقوش الذي عُثر عليه مقابل «لوكندة عربيد» في بعلبك وبعث صورته مطران بعلبك قبل مائة عام إلى الأب «لويس شيخو اليسوعي»، ونشر الأب «رنزفال اليسوعي» الباحث في الكتابات المشرقية تلك الصورة في مجلة «المشرق» فقراءة النقش غير سهل وغير كامل».
إلى هنا تنتهي رحلتنا في توثيق المقامات في البقاع، وفي الجزء الثاني سنتحدّث كيف شكّلت هذه المقامات أيدلوجية مادية ودينية، ومَن يسيطر عليها وكيف تكاثرت وأصبحت تتعدّى الـ٣٠٠ مقام في لبنان.





