
بحثٌ، تحقّقٌ، تدقيقٌ، مراجعةٌ، صياغةٌ وإعادة صياغة، غرقٌ في الكتب والأوراق والقصاصات الورقية والأبحاث والرسائل الجامعية والمقابلات الشفهية وغيرها، خليّةٌ ضمّت ما يزيد عن ٢٠ فاعلًا ما بين باحث/ة ومنسّق ومدقّق/ة وقائم/ة بشؤون المقابلات الشفهية ومصمّم منشورات، تلك كانت الحال في «أمم للأبحاث والتوثيق» طيلة الفترة الماضية التي امتدّت على مدى سنتين استطاع خلالها الفريق البحثي أن يُنجز بشكل نهائي شكلًا، مفتوح على النقاش والتطوير مضمونًا، ١٣ كتابًا من أحجام مختلفة تضمّ ما يزيد على ٢٥٠٠ صفحة من القطع المتوسط، تطال الطائفة الشيعية في لبنان من حيث هي تاريخ سياسي وجغرافي وسكاني واجتماعي وتربوي وتعليمي ورياضي وإعلامي... إلخ.
جهّزت «أمم» في سبيل ذلك قاعدة بيانات واسعة من مخطوطات وإعلانات وكتب، وكوّنت في سبيل ذلك مكتبة تضمُّ آلاف الكتب التي تختصّ بتاريخ هذه الطائفة، بالإضافة إلى منصتها المسماة «ديوان الذّاكرة اللّبنانية» المتاحة للعموم، وكذلك المشاريع السابقة على شاكلة مشروع «بحثًا عن الضاحيّة» وغيرها من التراكمات التي كانت مُعينًا للباحثين/ات في رحلتهم البحثية الساعية إلى فهم أعمق لتاريخ هذا المكوّن الأساسي في تاريخ لبنان.
كانت هذه العناصر أعلاه بالإضافة إلى ماقام به الفريق البحثي من مقابلات شفهية، وحوارات مع شهود على حقبات تاريخية مختلفة هي العناصر الأساسية للتغذيّة البحثية.
ولا يُخفى على أحد مكمَن الصعوبة، والطريق المليئة بالأشواك والتحدّيات، التي اعترضت هذا الفريق طيلة رحلة بحثه تلك؛ على المستويين العملي والنظري، فسرديّة الطائفة المنجَزة، والمغلَق عليها بإحكام تجعل من فكِّ شيفرَتها مهمة شاقة قد تكون على هيئة عدم إمكانية الإفلات أحيانًا من أطنان من الأوراق التي تقول الشيء ذاته لأنها أرادت ذلك، ولأنه من المناسب أن تقول هذا الأمر، وقد تكون على هيئة مخاطر شخصيّة تتعلق بالإقفال الاجتماعي على مصادر المعلومات من مقابلات شفهيّة وغيرها.
أما عن الأبحاث ذاتها ومسارات الكتابة فيها، فقد أفردنا مساحة جيّدة لتاريخ العلاقة بين الشيعة ومختلف المكوّنات السياسية وقراءة سرديّتها، وعرضنا لمختلف جوانبها، منذ تأسيسها إلى مسيرتها في التاريخ الزمني اللبناني، وتمعنّا في إنجازاتها وإخفاقاتها، ورؤيتها، وجغرافية وجودها، والتحوّلات التي طالَتها وصولًا إلى تركّزه أفرادها في مكان قيل عنه إنه جوهرهم. كما عالجنا النظريات الفقهية التي تسير السياسة على هَدْيها، فعرضنا لأهم نظريات الفقه السياسي الشيعي في هذا الخصوص. كما تتبّعنا كيفية ممارسة أبناء هذه الطائفة لطقوسهم، وخصوصًا طقس عاشوراء، ووثّقنا قدَر الإمكان أهمّ وجوه الطائفة الثقافية والفنيّة.
لم نغفل التعريج على مسيرة مؤسسات شيعة لبنان القضائية والدينية، كما عالجنا تطوّر الشكل التعليمي لهم منذ ما يزيد على ٨٠٠ عام، بشكله الديني والحوزَوي أولًا ثم انخراطهم في ميادين التعلّم والتعليم المتنوعة وصولًا إلى شكل المدارس التي تديرها الأحزاب التي تتكلّم باسم الشيعة اليوم ومناهجها وعناصر نشاطاتها الصفّيّة وغير الصفّيّة. أمّا في علاقة الشيعة بالاقتصاد العام للبنان فتتبّعنا وجودهم في مختلف الأنشطة وتلكؤهم في بعضها وصولًا إلى تكوّن كيانهم الاقتصادي الموازي. ولم نغفل ذِكر وجودهم في الرياضة، وصولًا إلى وجود نادٍ وجمهور حزبيّين شيعيّين، أو في الإعلام، وصولًا إلى تصدّي الجيوش الإلكترونية لعملية نقل الخطاب الرسمي الذي تتبنّاه قواهم السياسية. كما تتبّعنا حكاية المرأة الشيعية في لبنان، منذ كينونتها المتمثّلة باقتصاد الرّعاية والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد المنزلي وصولًا إلى حالها اليوم الذي طرَق أبواب أغلب الميادين لكنه ظلَّ على هامش صُنع القرار والخطاب السياسيين وإن كان أساسيًّا في حمله ونقله وإعادة تدويره. إضافة إلى أننا خصّصنا حيّزًا واسعًا للعلاقة بين المكوّن اللبنانيّ والفلسطينيّ والمحطات المختلفة التي ميّزتها بدءًا بوحدة الجغرافيا وترابطها الطبيعي، مرورًا بالعلاقات الملتبسة وصولًا إلى الإشكالات المرتبطة بمفهوم وحدة الساحات. ولم نكتفِ بوجود الشيعة، أو أحد مكوّناتهم الأساسية داخل الحدود اللبنانية، فبحَثنا في حالة تمدّد حزب الله إلى خارج الحدود، وركّزنا على عملية السيطرة على القْصير نموذجًا.
اختصارًا، غطّت عناوين أبحاثنا أغلب الجوانب التي يشكّلها الشيعة كمجموعة سكّانية متمايزة، وتقاطعات تاريخهم بمختلف جوانبه مع تاريخ لبنان.
وكنّا في جميع هذه العناويين نصل إلى نتيجة واحدة وإن تنوّعت مصاديقها، وهي أن هذه الطائفة قد صبّت في شكل واحد من أشكال السيطرة على كل تنوّعها، ويمثّله خطاب واحد يقول الشيء ذاته في مختلف الميادين.
وفي ما يلي عرضٌ سريعٌ لمضامين الأبحاث والنتائج التي توصّلنا إليها:
بحث التاريخ قسّمناه إلى جزأين نظرًا لطول المدّة التي حاول تغطيتها والعوامل المؤثّرة فيها والفاعلين الأساسيين في صياغة الحدَث على المستوى المستهدف في بحثنا:

عالجنا في الجزء الأوّل منه تاريخ الشّيعة السياسي في لبنان من البداية حتى مجيء السيّد موسى الصدر. غطّى الفصل الأول تعاريفَ أساسيَّة مرتبطة بعنوان الشّيعة وفِرقهم. وتطرّق الثاني إلى تاريخهم من زمن الفتوحات العربيَّة الإسلاميَّة حتّى العصرِ المملوكي في منتصفِ القرنِ الثالث عشر، عارِضًا لبداياتهم كمذهبٍ فيه مع سرْدِ أحوالِهم خلال الحقبات الزمنيَّة التي تلَت ذلك. وتناول الثالثُ واقَعهم حتّى بدايات السلطنة العثمانيَّة مُركِّزًا على الحملات المملوكيَّة على كسروان ودورِ الشّهيد الأول. بينما تحدَّث الرابع عن واقِعهم وصولاً إلى مرحلةِ القائمقاميّتَين، مسلِّطًا الضوءَ في شكل أساسي على أدوارِ الأُسَر التقليديَّة الشّيعيَّة وعلاقتها بالسلطة والمُلتزمين الآخرين، ومواقفهم من الحكم المصري.
تطرّق الخامس إلى المدى الزمني من القائمّقاميّتَين والمتصرفيَّة وحتّى إنشاء لبنان الكبير وأظهرَ اختلافَ الظروفِ السياسيَّة والإداريَّة لشيعة جبل عامل وجبل لبنان والبقاع، كما بيَّنَ تبايُنَ الرؤى حول «لبنان الكبير» بين داعميه وأنصارِ المشروع العربي، مع ما رافقَ ذلكَ من أحداثٍ عسكريَّة. وتناول السادس المرحلةَ الزمنيَّة من إنشاءِ لبنان الكبير وحتى الاستقلال والجلاء، والتي شهِدَت الاعترافَ الرسمي بالطائفة الشيعيَّة، وخفوتَ مطالبِ مؤيّدي المشروع العربي بعد المعاهدتَيْن الفرنسيتَيْن مع سوريا ولبنان، وإقرارَ بعضِ النُّخَب الشيعيَّة السياسيَّة والدينيَّة بالكيان اللبناني كأمرٍ واقع، الأمرُ الذي كسرَ الجليدَ بين الشيعة المعارضين للبنان الكبير والانخراط في المؤسسات الرسميَّة. وسلّط السّابع الضوء على المرحلة من الاستقلال والجلاء حتى عام١٩٥٩، والتي شهِدَت بروزَ الشيعة كعمادٍ من أعمدةِ الميثاق الوطني، وظهورَ الأحزاب الشيعيَّة، ودورَ أبناء الطائفة في الأزمات التي عصَفَت بلبنان، وخصوصًا عامَيْ ١٩٥٢ و١٩٥٨ واختُتِمَ هذا الجزء بمجيء موسى الصدر، والعلاقة التي جمعته بالرئيس فؤاد شهاب. وأمّا الفصل الثامن والأخير، فقد قدَّمَ عرضًا لشخصياتٍ شيعيَّة سياسيَّة تعاقبَت على النيابةِ والوزارات ورئاسة المجلس النيابي من الإنتداب إلى مجيء الصدر.

أما الجزء الثاني من كتاب التاريخ فقد تناوَلْنا فيه الفترة التي تغطي تاريخَ الشيعة السياسي من زمن مجيء موسى الصدر وحتى ترسيم الحدود البحريَّة مع إسرائيل عام ٢٠٢٢. غطّى الفصل الأول مجيئَه وحتى بداية الحرب عام ١٩٧٥، وأظْهَرَ واقعَ الشيعة في ظِلال المكتب الثاني، وانقسامهم تجاهَه مواقفَ وتحالفاتٍ، إضافة إلى دَور الصدر التأسيسي الكبير في دخول الطائفة إلى نادي المؤسّسات مع عَمَلِه على استحداث وَضْعٍ مسلّح لأبنائها. تناول الفصل الثاني اختفاء الصدر، وانغماس الشيعة في الحرب الأهليَّة سواءً عبر حركة «أمل» أو «حزب الله» أو الأحزاب اليساريَّة التي انتموا إليها، كما عَرَضَ لاجتياحَي عام ١٩٧٨ و١٩٨٢ والمقاوَمات الشِّيعيَّة لهما، ونشأة «حزب الله» وعلاقَتِه بالواقع الإيراني الجديد بعد انتصار الثورة الإسلاميَّة في طهران، إضافةً إلى مشاركة الشيعة في المؤتمرات الدوليَّة المتعلّقة بواقع الحرب وإنهائها وصولًا إلى اتفاق الطائف.
وسلَّط الفصلُ الثالث الضوء على الحِقبَة مِن نهاية الحرب الأهليَّة حتى الانسحاب السوري مِن لبنان عام ٢٠٠٥. وتناوَلَ التعاطي السياسي لـ«حزب الله» و«حركة أمل» مع الواقعِ الجديدِ في ظلِّ الوصاية السوريَّة، وانعكاس ذلك على الانتخابات النيابيَّة والبلديَّة وعلى مواقفهما من القضايا المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة. كما عَرَضَ للصراع مع إسرائيل وما أنتجَه من مواجهاتٍ وصولًا إلى انسحاب عام ٢٠٠٠، ثم صدور القرار ١٥٥٩، واغتيال الحريري والانسحاب السوري من لبنان على خلفيته.
وعالجَ الفصل الرابع المرحلة التي تلَتِ الانسحاب السوري وصولًا إلى ترسيم الحدود البحريَّة مع إسرائيل عام ٢٠٢٢ وبشكل عام أيضًا، عرضَ لدخول «حزب الله» التدريجي في مفاصل الدولة المتنوّعة، والتحالفات السياسيَّة التي أقامها الثنائي الشيعي والتي كانت تتبدّل باختلاف رؤى أطرافها، والانتخابات النيابيَّة والبلديَّة. كما تناول الوقائع من حرب تموز ٢٠٠٦ مرورًا بأحداث ٧ أيار ٢٠٠٨ وصولًا إلى اتفاق الدوحة، وما ترتّب عليها من تداعياتٍ سياسيَّة. وتطرَّق إلى انخراط «حزب الله» في الحرب السوريَّة وعسكَرَةِ الطائفة الشِّيعيَّة، وصراعات الحزب مع الدول العربيَّة وآثارها على لبنان، وإنشاء المحكمة الدوليَّة الخاصّة بلبنان واتّهامه، عبر قياديّيه، بالجريمة. كذلك سلَّط الضوء على مواقف الشِّيعيَّة السياسيَّة من انتفاضة ١٧ تشرين، وترسيم الحدود البحريَّة مع إسرائيل.
وقدّم الفصل الخامس والأخير سردًا لنماذجَ من الشخصيّات الشِّيعيَّة السياسيَّة التي تعاقَبَت على النيابات والوزارات ورئاسة المجلس النيابي خلال هذه الفترة. وأمّا الخلاصة فتضمّنت عرضًا مختصرًا لأهمّ النقاط المحْوَرِيَّة في الورقة.
لقراءة الجزء الأول كاملًا، أنقر/ي هنا.
لقراءة الجزء الثاني كاملًا، أنقر/ي هنا.

تناول هذا البحث تاريخ الفقه السياسيّ الشِّيعي والنظريات المختلفة فيه انطلاقًا من بداية الغيبة الكبرى للإمام المهدي بحسب العقيدة الشيعيَّة الاثني عشريَّة حتى نهاية القرن العشرين. كما تضمَّن البحث أدوار الفقهاء اللبنانيين الشيعة في هذا المجال، وانعكاس ذلك على الواقع الشيعي عمومًا والشيعي اللبناني خصوصًا.
بالنسبة إلى المرحلة الأولى التي عَرضها الفصل الأول فقد عكَسَ الفيه الطرابلسي الكراجكي صورةَ الفِقهِ السّياسي الأوّلي في التّعاطي مع السُّلطةِ، ذلك الفِقه الذي كان قد نضج على يد أساتذته العراقيين (المفيد، الشريف المرتضى، الطوسي). وكان هذا الفِقه السّياسي الأوّلي يقابلُ التّوجّهَ الأخباري المتوقِّف في هذا الشأن والمنتظِر لظهور الإمام الغائب. فقد تبنّى الكراجكي قول أساتذته بضرورة وجود السلطة ـ التي يعتبرها غير شرعيَّة وغاصبة لحق الإمام الغائب ـ من أجل تسيير مصالح الناس، وبشرعيَّة التقرّب منها لدرء المفاسد وجلْب المنافع لهم، لكن دون إعطائها الشرعيَّة كسلطة. أي أنَّ التشريع لديه كان للتعاطي مع السلطة كضرورة، وليس لشرعنتها.
وبخصوص الشهيد الأول، وهو الذي كان بعيدًا عن موقع السلطة، فقد توسّع في عنوان نيابة الفقيه العامّة للإمام الغائب في غيبته. وكان ذلك من خلال نيابته عنه في صلاة الجمعة ومن خلال التصرّف بحصّته من الخُمس، الأمر الذي عكَسَ تبنّيه لولاية سياسيَّة مرتبطة بالإمام المهدي الغائب. وأمّا المحقّق الكركيّ، فقد تقلّد هذه النيابة العامة للفقيه عن الإمام الغائب بصفة رسميَّة، فبات شريكًا في السلطة يُدير القسم الشرعي منها مع السلطان الزمني، الأمر الذي أعطى هذه السلطة نوعًا من الشرعنة على خلاف ما مرّ مع الكراجكي.
وفي الفصل الثاني الذي غطى المرحلة من بداية القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، فقد عَرَضنا فيه لنظريّتين جديدتين أنتجتا في تلك الحقبة من قِبَل فقهاء غير لبنانيين في الفِقه السّياسي: ولاية الفقيه المطلقة والمشروطة.
فولاية الفقيه المطلقة وسّعت من مجال النيابة العامة للفقيه في عصر الغيبة إلى درجة جعلت للفقيه الولاية في كل ما ثبُت فيه للمعصوم الولاية، إلّا ما أخرجه دليل إجماع أو نص أو غيرهما. وأمّا المشروطة، فقد كانت تبغي الشراكة السّياسيَّة مع السلطان الزمني من خلال وجود الفقهاء في السلطة التشريعيَّة ومن خلال الفصل بين السلطات.
وعَرَضنا في هذا الفصل أيضًا لانعكاسات النظريات المختلفة في الفِقه السّياسي الشيعي عند الفقهاء اللبنانيين، بما فيها نظريَّة المشروطة، لكن من دون التعرّض لنظريَّة ولاية الفقيه المطلَقة والتي لم يُكتب لها الانتشار وقتها حتى في معقلها.
وأمّا الفصل الثالث، فقد غطى المرحلة الزمنيَّة خلال كامل القرن العشرين. فعرضنا النظريات العديدة المنتَجة فيه، مع التركيز والإسهاب بخصوص النظريات والرؤى التي أنتجها فقهاء لبنانيون كمحمد مهدي شمس الدين ومحمد جواد مغنيَّة، ومحمد حسين فضل الله، إضافة إلى نظريَّة ولاية الفقيه بحلِّتها الخمينيَّة الجديدة كونها تركت آثارها وانعكاساتها في الواقع الشيعي اللبناني. فقد تمكنت ولاية الفقيه، التي أقامت دولة إسلاميَّة خارج لبنان، من القبض على السلطة، ومثّلت النتيجة القصوى لتسَيُّس الفقيه الشيعي.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

سعى هذا البحث إلى إظهار التَحَوّلات السكانية من وإلى المكان الذي حلَّ فيه الشّيعة في لبنان في مختلف العصور بدءًا من تاريخ النشأة الجدليّة لهذه الطائفة فيه وصولًا إلى اليوم. وقد أوْلينا فيه موضوع النشأة اهتمامًا خاصًّا عارضين للنظريات المتبايِنة حولها في كل منطقة من مناطقه وكان ذلك في بداية كل فصل.
غطّى الفصل الأوّل منه واقع الشيعة في شمالي لبنان من بدايات وجودهم فيه والذي تمظهر بشكل كبير خلال فترة إمارة بني عمار وصولًا إلى انحسارهم الكبير هناك وثبات هذا الوجود المتبقي المحدود فيه مع عرض للقرى المتوزّعة على أرضه.
تطرّق الفصل الثاني، وهو الأكبر حجمًا، حيث الفاعليّة السكانية والأهميّة الجيوسياسيّة، إلى الوجود الشيعي في جبل لبنان وبيروت انطلاقًا من البدايات وصولًا إلى اليوم حيث التغيرّات الديموغرافيّة الموجّهة سياسيًّا وطائفيًّا وأمنيًّا مع الإسهاب في سرد المحطات التاريخيّة الأساسيّة فيه كحَمَلات كسروان وما رافقها من تهجير واستحداث لتركّز شيعي في أماكن أخرى كنتيجة طبيعية لذلك، ثم عودة الحضور السّكّانيّ لهم الذي تعزّز في العصر العثماني وتمَّ رصدُه من خلال دفاتر الضرائب. هذا الوجود الذي استمرّ بفعل قانون الالتزام الذي منح الحمّاديين إقطاعات كبيرة، وكان لاحقًا، إضافة إلى أسباب أخرى طبيعية أحد أسباب أفول نجْمهم لمِا كان يترتب عليه من صِدامات وحرقٍ للقرى وتخريب سُبل الحياة فيها. وهذا الأفول أمكن رصدُه إحصائيًّا خلال فترتي المتصرفيّة والقائمقاميتين وصولًا إلى لبنان الكبير عام ١٩٢٠ حيث أوردنا أرقامًا استقيناها من مصادرَ مختلفة حول القرى الشيعية وأعداد السُّكّان فيها.
مع لبنان الكبير عرَضنا للتحوّلات التي طالت مركزه المتمثّل بالعاصمة ومحيطها وما ترتّب على ذلك من موجات نزوح للشيعة من الجبل ومن المناطق الأخرى نحوه، تلك التي، بعد مرحلة تركّز في الضاحية الشمالية، ستصبّ في النهاية بشكلها الأوسع والأكثف في الضاحيّة الجنوبية للعاصمة والتي ستتمدّد في مختلف الاتجاهات، بشكل طبيعي وغير طبيعي، وستصبح مركزًا رمزيًّا للثقل الشيعي الآني. أمّا بيروت العاصمة التي اخترنا أن تكون ضمن هذا الفصل نظرًا لارتباطها بالتحوّلات المذكورة، فقد تتبّعنا واقع الشيعة فيها انطلاقًا من البدايات الخجولة مرورًا بالهجرات إليها وصولًا إلى الصدامات التي كانت تأخذ شكلًا طائفيًّا في مختلف المناسبات والتي تُوّجت بأحداث ٧ أيار ٢٠٠٨.
هذه التحوّلات السكّانية أفضت إلى تركّز قسم كبير من الشيعة في جغرافيا ضيّقة من الجبل والعاصمة بعد أن كانوا أقليّة فيها مع نشأة هذا البلد مطلع القرن العشرين، مع ما ترتّب، ولا يزال يترتّب، على ذلك من تحوّلات على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والاستراتيجيّة والأمنيّة... إلخ.
تناول الفصل الثالث الشيعة في جنوب لبنان، من بدايات نشأتهم فيه وصولًا إلى اليوم، عارضًا لواقعهم في مختلف العصور مُبرزًا ثبات الجغرافيا السكانيّة فيه ومبيّنًا دوره كمركز لموجات النزوح باتجاه بيروت والضاحيّة الجنوبية ولمحطات الهجرة المختلفة إلى خارج البلاد، والتي كان بعضها مرتبطًا بالحروب والاجتياحات الإسرائيلية لأراضيه والتي تُوّجت في مرحلة ما بإنشاء ما سُمّي بالشريط الحدودي.
أمّا الفصل الرابع والأخيّر فقد سلّط الضوء على شيعة البقاع وبُنيتهم الاجتماعيّة عارضًا لبدايات نشأتهم فيه وثبات جغرافيتهم السكانيّة انطلاقًا من العصر العثماني إلى اليوم ودور الحرافشة (آل حرفوش) في ذلك، هؤلاء الذين استطاعوا أن يجعلوا بعلبك ملاذًا آمنًا لشيعة باقي المناطق، ثم تطرّقنا إلى موجات النزوح منه باتجاه بيروت وضواحيها والتي تعاظمت انطلاقًا من خمسينيّات القرن الماضي.
يمكننا القول، ومن خلال النظر إلى كلّ ما مرّ على الشّيعة من أحداث، أن حالهم الجغرافي في لبنان لم يعرف الكثير من التقلّبات إلّا في شماله وجبله وعاصمته، وبما خصّ جبل عامل والبقاع فقد كان وَضعُهم الجغرافي قريبًا إلى الثبات. أما جبل لبنان ومحيطه فقد كان ميدان التحوّل الأبرز على مستوى عديدهم وتمدّدهم، الذي حمل في ما حمل إليه في الآونة الأخيرة طابعًا موجّهًا ومتفجّرًا.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

أظهر هذا البحث دخول الشيعةُ مطلع القرن العشرين مضمارَ الصحافة والإعلام، ورغم عدم ريادتهم لهذا القطاع إلا أنَّهم أبلوا بلاءً حسنًا وكان منهم مَن برع في مختلف مجالاته، وتولى مناصب قياديَّة فيه، ومنهم من تميز أفكارًا وإبداعًا. فتناول في فصله الأوّل سيرة الشيعة مع الإعلام المكتوب من صحافة وأقلام وصحف حزبيّة. أما في فصله الثاني فعالج مسألة الإذاعة وحصّة الشيعة منها، فعرض لنموذج شريف الأخوي ثم انتقل إلى عرض للإذاعات الشيعية الحزبية والدينية. وانتقل في الفصل الثالث إلى معالجة الإعلام المرئي عند الشيعة بدءًا بتجارب بعض الوجوه الشيعية مع الإعلام المرئي وصولًا إلى الإعلام الحربي الذي تميّز به «حزب الله». وانتهت فصول البحث إلى فصل عرض لسيرة الشيعة مع الشبكة العنكبوتية انطلاقًا من المبادرات الأولى وصولًا إلى الجيوش الإلكترونية.
ما يمكن استنتاجه بشكل واضح، أنَّ أكبرَ منظومة إعلاميَّة شيعيَّة قامت في المئة عام الأخيرة، هي منظومة «حزب الله»، وأعطته الأدوات القادرة على توجيه وإدارة الرأي العام الشيعي خاصة، وإدارة الرأي العام اللبناني عامة. وكذلك خلقُ الوعي وبناء المعرفة التي يريد إيصالها إلى البيئة الشيعيَّة (الساعي للسيطرة عليها) والتأثير فيها. كما أنَّ امتلاك الوسائل الإعلاميَّة وإدارتها بشكل مُمنهج ومتميز أولدَ سُلطة كبيرة بيَدِه في مجال الحرب الناعمة والذكيَّة التي يخوضها ضد خصومه في الداخل والخارج. أضِف أنَّه أحسنَ استخدام الصورة لتكذيب عدوه، وبادر إلى تصوير عملياته العسكريَّة ضده، مما شكّل حربًا نفسيَّة قاسية على أعدائه. ولا بد من التعمق في هذه التجربة الإعلاميَّة الممنهجة وتحليلها للتعرف عليها بشكل أعمق وأدقّ وعلى مكامن النجاح فيها، ولا سيما أنَّ الإعلام كان له اليد الطولى في النجاح التجيِيشي والاستقطابي والعسكري وحتى الأمني لهذه الجماعة، وساعد بشكل كبير في إخفاء الناحية الأصوليَّة لها وإظهارها كتَيار معتدل يقوم على مناصرة المظلوم والمستضعِف في وجه «الإستكبار» والغطرسة الغربيَّة وتلزيم مصطلح «المقاومة» لها كماركة مسجلة بشكل حصري باسمها، كما أولـدتْ هذه التجربة مفاهيمَ وأهدافًا جديدة للإعلام بِخاصة في المجالَين الحربي والأمني.
ويمكنُ القول باختصار، إنَّ بدايات الشيعة مع الإعلام في لبنان كانت تنويريَّة، فكريَّة، قوميَّة، تحرريَّة، فتحولت اليوم إلى استخباراتيَّة حربيَّة.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

تناوَلنا في هذا البحث واقِعَ الشِّيعة في لبنان من خلالِ شعائرِهم وثقافتِهم وتقاليدِهم، فعَرضنا نَشْأتها وتَطوُّرها خلال المراحل الزمنيَّة المُتَعاقِبَة حتى إعداد البحث.
غَطَّى الفصلُ الأول الشَّعائرَ والطُّقوس الشِّيعيَّة العديدة، مع التركيز على عاشُوراء كنموذج، لِما لها من قُوَّةِ عَكْسٍ كبيرة للهويَّة الشِّيعيَّة، فعرضَ تاريخ إحْياءاتِها انطلاقًا من العَصر الذَّهبي للتشيُّع في القرن العاشر الميلادي وُصولًا إلى اليوم، مع دراستِها وتَوْصيفِ واقِعِها خلال كلِّ حِقبة. كما تناول التوظيفاتِ السِّياسيَّة لهذه الشَّعيرة في مختلف الأزمان وُصولًا إلى الهَيْمنَة الحزبيَّة السِّياسيَّة عليها في الفترة الحاليَّة.
قَدَّمَ الفصلُ الثاني للحركة الثقافيَّة والأدبيَّة للشِّيعة مِن خلال نتاجاتِهم في الشِّعر والنَّـثـر واللُّغة والفَنِّ وغير ذلك، وصولًا إلى الزَّمنِ الراهِن حين زادَ توجيه هذه العناوين لخِدْمَة المصالِح الحزبيَّة والسِّياسيَّة والدينيَّة بشكلٍ فاقِع، بحيث باتَت تتمَوضَعُ ضمن مشروعٍ سياسيٍّ ـ دينيٍّ مُتكامِل.
أما الفصلُ الثالث فغطَّى العديدَ من تقاليد الشِّيعة وعاداتِهم مع إطلالةٍ على اللِّباس، مُعَـرِّجًا على التغيّرات التي طرَأتْ عليه لأسبابٍ سياسيَّة، وكذلك أحوال الأفراح والأتراح.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

فصَّلنا في هذا البحث واقـعَ شيعة لبنان الاقـتصادي انطلاقًا من القرن العاشر الميلادي إلى اليوم. تـناول الفصلُ الأول أوضاعَهم، في الزراعة، الصناعة والتجارة، مع التركيز على مدينـتَي صور وطرابلس المُزدهرتَين في ذلك الوقت وصولًا إلى فترة المُتصرفية، حيث باتتِ التجمّعاتُ الشيعيةُ الكبيرة تـتركزُ في البقاع وجبل عامل. فيما عرضَ الثاني لواقعهم الاقـتصادي نهايةَ فترة الحُكم العثماني، مع التطرق إلى بدايات الهِجرة الخارجية وحركة النزوح الداخلية والمَجاعة التي ضَربتِ البلاد، ومناطق التجمعات الشيعية خلال تلك الفـترة. وغطَّى الفصلُ الثالث وضعَهم الاقـتصادي ومَياديـنه في الجنوب، البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت بين نهاية المرحلة العثمانية عام ١٩١٨ حتى بداية الحرب الأهلية عام ١٩٧٥، مُعرِّجًا على ازدياد حالات النزوح الداخلي نحو ضواحي بيروت وبدايات الدخول الشيعي إلى عالم المصارف ومختلف وظائف الدولة. وناقشَ الرابعُ واقعَهم في الحرب الأهلية، مع المرور على تأثير الاجتياحَين الإسرائيـلِـيَّين ودور الاغـتراب الشيعي في رَفْدِ اقـتصاد الطائفة، إضافةً إلى اقـتصاد الحرب الذي اعتمدَه الحزبان الشيعيان، حركة «أمل» و«حزب الله». أما الفصلُ الأخير المُمتَـدُّ زمانـيًّا إلى اليوم، فغطَّى ميادين الزراعة والصناعة والتجارة، والتوسع في مجال المَصارف ومؤسسات الصَّيرَفة، مرورًا بالاقـتصاد المُوازي الذي تَـنامى بقوةٍ بعد الانهيار المالي الذي ضربَ لبـنان عام ٢٠١٩، وما ترتـبَ عليه من آثارٍ محلية وخارجية كان منها العقوبات التي طالتْ أفرادًا وكياناتٍ شيعية.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

ناقشنا في هذا البحث واقعَ المرأة الشيعية عبر التاريخ وصولًا إلى زمنـنا الحاضر في مختلف الميادين، الدينية، السياسية، الاجتماعية والاقـتصادية. تـناولَ الفصلُ الأول حقبةً واسعة شملتْ ما قبل الانـتداب الفرنسي أواخر الحِقـبة العثمانية، والأدوار المجتمعية، مع إيراد أسماء نساء تركنَ آثارًا مهمة في نطاقات مخـتلفة. عرضَ الفصل الثاني أحوالَ الشيعيّات إلى بداية الحرب الأهلية، في ظلِّ ظروفٍ سياسية وثقافية متغيرة تخـلَّـلـتها نشاطات للنساء في الحقول التعليمية والأدبـية، الدينية والاجتماعية، النسائية والنسوية، وحتى السياسية، مع التطرق لموضوع اللـباس. عالجَ الفصلُ الثالث معيشةَ المرأة الشيعية مِن الحرب الأهلية التي انطلقتْ عام ١٩٧٥ إلى اليوم، مع دخول حركة «أمل» و«حزب الله» على المشهد، والمشاركة النسائية في الانـتخابات النيابية والبلدية والاخـتيارية، والحضور في الوظائف العامة والوزارات، إضافةً إلى دور الشيعيات الكبير في انـتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩. أما الفصل الرابعُ والأخير فقد خَصَّصناه للإجحاف المُتـمثِّـل في مختلف مظاهر قوانين الأحوال الشخصية.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

تناول هذ البحث واقع المؤسسات الشيعية في لبنان المعنية بتنظيم شؤونهم الدينية والدنيوية وما وصلت إليه اليوم، مع الإطلالة على واقع تعاطي هذه الطائفة مع مسائلها المرتبطة بهذا الشأن قبل مرحلة الاعتراف والمأسسة. فغطى فصله الأوّل وضع الفقه الجعفري لغة واصطلاحًا وموضوعًا ووظيفة وتسميات وغايته وتقسيماته، إضافة إلى التعريف بالأحوال الشخصية ومسائلها، كما وعرّج على الحوزة العلمية ودورها في هذا المجال. وتطرّق الفصل الثاني إلى كيفية تعاطي شيعة لبنان التاريخي مع مسائل الأحوال الشخصية والشؤون القضائية قبل نشأة لبنان الكبير بحيث كانوا يعامَلون كجماعة ملحقة على هامش المسلمين السُّنة.
أمّا الفصل الثالث فقد تناول واقع المحاكم الجعفرية والإفتاء الجعفري إنطلاقًا من إنشاء لبنان والاعتراف بهم كطائفة مستقلة ونيْلهم حق إنشاء مؤسساتهم التي تدير شؤونهم في مجالات المحاكم الشرعية والأوقاف والإفتاء. فعرَض للجوانب القانونية في هذا المجال، وللعلاقات التي تحكم علاقة المحاكم الشرعية بمجلس القضاء الشرعي الأعلى والقانون المدني.
تحدّث الفصل الرابع عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، تاريخيته ومهامه وتعديلاته ورئاسته، إضافة لعلاقاته القانونية بباقي المؤسسات الدينية في لبنان. كما ألقى في قسمه الأخير الضوء إلى واقعه المترهل الذي وصل إليه، وتقصيره في مهامه التي أنشئ على أساسها ولأجلها.
أما الفصل الخامس الأخير، فسلط الضوء على الأوقاف الشيعية وما يرتبط بها من عناوين ووقائع مع إطلالة على تطور النظام العقاري في لبنان ووضعه إبّان الفترة العثمانية فمرحلتَي الانتداب الفرنسي والاستقلال. كما تعرّض أيضًا إلى وضع هذه الأوقاف في ظلّ المحاكم الشرعية والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

سمح السياق التاريخي المعتمَد في هذا البحث لمقاربة موضوع التعليم لدى الشّيعة في لبنان، باستخلاص مجموعة من الملامح التي رافقت وطبعت الحقبات التاريخية المتعاقبة. في عهدِ الدولة العثمانيَّة وسياسَتِها المعدَّة للتعليم، كان التعليم دينيًّا بشكل أساسيّ، وكذلك كانت تعامُلات الدولة المختلفة مع الجماعات الدِّينيَّة من خلال نظام المِلل أو من خارجِه في ما يخصُّ تعليم الشّيعة وإنشاء مدارسهم، مع الإنتداب وقيامِ دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠ وتوسّعت دائرة التعليم الرسمي مع إقرار حقوق الطوائف الدِّينيَّة في إقامة مدارِسِها الخاصّة في إطار حرّيَّة التعليم التي كفلَها دستور الكيان الناشئ. وبعد ذلك قاربنا الموضوع وملامحه، في زمنِ الاستقلال وتنظيم التعليم والتغيُّرات الطارئة على بُنْيَتِه وشمُوله جغرافيًّا التوزُّع السكّاني للشيعة في لبنان، وتسلسُلِ الأحداث اللاحقة التي طَبعَتْ خريطة التعليم في ضوء تأثير المتغيِّرات الاجتماعيَّة وعوامل الصراع، لاسيَّما خلال حقبة الحرب الأهليَّة وما بعدَها، وصولاً إلى الزمن الراهنِ مع بروزِ شبكاتٍ مدرسيَّةٍ كالتي تُديرُها الجمعيات والمؤسّسات التابعة للثنائي الشيعي «حركة أمل» و«حزب الله» وقدّم التوثيق المتوافر إحاطة مفصّلة بالحقبات التاريخية المتعاقبة وإضاءة على المبادرات التي شهدتها ممّا سمح باستكمال الملامح التي طبعت كلّ حقبة. كان ذلك استهلالاً مع ما توافر لنا في البحث الراهن من توثيق حول الحَوْزات العلميَّة، ما كانت أهمّها وأين تركّزت في مناطق انتشار الشّيعة في لبنان، جنوبًا وبقاعًا وجبلًاً. فضلًا عن عرض نماذج عن برامج ودروس وطرائق التعليم السائدة في مدارس الشّيعة الدِّينيَّة، ومنها الكتاتيب التي تصدّرت مشهد التعليم، على الأعمّ الأغلب، لا سيَّما في القرى والبلدات الشيعية.
وتوقف البحث عند إحدى محطات التعليم لدى الشّيعة في ظلِّ نظام المعارف العموميَّة العثماني، حيث جرى تنظيم سنوات التعليم على سلّم بحلقات ومراحل متتالية، منها الابتدائي والرُّشدي والإعدادي. ورافق هذه الجهود الرسمية المنظمة، بروز مدارس الإرساليات الأجنبية وتوسيع رقعة نشاطها في مختلف المناطق، لا سيَّما منها مناطق انتشار الشّيعة، بالتوازي مع استمرار الإقبال على المدارس ذات الطابع الإسلامي فيها التي ظلّ الساكنون يفاضلون بها على ما عداها من مؤسسات تربوية، لأسباب مرتبطة بالقِيَم الدينية التي تتخذها هذه المؤسسات كمرجعية لنظامها التعليمي وما يتضمنه من محتوى فضلًاً عن التقاليد الاجتماعيَّة التي تُغلّب النسَق الثقافي المتمحور حول العامل الديني. في المحصّلة، يمكن هنا القول إنّه بخلاف تجربة إمارة بني عمّار في طرابلس التي كانت تُعيرُ رعايةً خاصةً لطلاّب العِلْم تَشْجيعًا للجانب الثقافي، بدأ التعليمُ لدى الشّيعة بصبغة دينيَّة، وكان للشيعة مدارسَ فِقهيَّة أو حَوْزات كانت لها المكانة المتقدّمة في مجتمعهم. ومع صدور نظام المعارف العموميَّة العثماني (١٨٦٩) أقْبَلَ الشّيعة إلى حدٍّ ما على التعليم وبدأوا بشكْلٍ خَجُول في تأسيس مدارسَ خاصّة لهم، وكانت نظْرَتُهم سلبيَّة إلى الإرساليّات الأجنبيَّة ودورها السياسي والاجتماعي.
وبعد تبنّي الشّيعة للبنان الكبير في مقابلِ اعترافِ سلطة الانتداب الفرنسي بالوجود السياسي والدِّيني والثقافي لطائفتهم، توسّعت دائرة انتشار المدارس الرسميَّة لتَشْمُل مناطِقَهم، جنوبًا وجبلاً وبقاعًا. لكن غالبيَّة العوائل الشّيعيَّة استَنْكَفَت عن إرسال أولادها إليها مع تفضيل الكتاتيب والمدارس ذات التعليم الدِّيني التي كان لها فَوْرَةٌ ظرفيَّةٌ رديفة للتعليم الرسمي. ثمّ حلّت، منذ ثلاثينيّات القرن الماضي، فكرةُ نُشوء الجمعيّات محلّ المبادرات الفرديَّة لإنشاء المدارس، كما عام ١٩٣٨ مع الجمعيَّة الخيريَّة الإسلاميَّة العامليَّة التي ما لبثت أنْ افتَتَحت مدارس لتعليمِ شباب جبل عامل النازحين من الجنوب. وكانت مساهمات المغتربين الشّيعة أساسيَّة في تشجيع هذه المبادرات. وما لبث أن خفُت نجم الحَوْزات الدينية آذنًا بالأفول مع تنامي المساعي الرسمية، لا سيَّما في عهد الانتداب وعهد الاستقلال، من أجل اضطلاع السلطات بدور اجتماعي يكفل في أحد جوانبه الاهتمام بالتعليم والإشراف عليه والانتقال به من الفوضى إلى التنظيم. شهدت هذه المرحلة بالذات، بروز المدارس الشّيعيَّة الحديثة، فكانت محطة مفصلية للحاق بِرَكْب التعليم المعاصر. ومن هذه المرحلة، يتوقف البحث عند المدرسة الجعفريَّة في صُور ومدارس العامليَّة التي انتقلت من بيروت إلى مناطق أخرى فشهدت على ازدهار كبير ومدارس الهُدى لحبيب آل إبراهيم.
على إثر هذه المرحلة الهامة، قدّم البحث بعض المؤشرات المرتبطة بنواتج نظام التعليم: ففي المِنح الرسميَّة للمدارس، تبيّن أن للشيعة حِصّة وفي تتبّع نسب الأميَّة، تبيّن أن عند الشّيعة تحديدًا انخفاضًا ملحوظًا نتيجة توسّع رقعة المدارس على اختلاف فئاتها وتزايد الإقبال عليها في المناطق المختلفة ومن الطبقات الاجتماعيَّة كافة. بعد أنْ كانت نسبة الأميَّة لدى الشّيعة ٨٣ في المئة، وفق إحصاء ١٩٣٢، انخفضت بشكل ملحوظ عام ١٩٤٨ نتيجة التِحَاقِهم بالمدارس التي زادَ عددُها جرّاء السياسة التربويَّة للانتداب. وبعد عقْدَيْن على الاستقلال، بلغت النِّسَب المتعلّقة بتعليم الشّيعة حوالى ٢٧ في المئة من تلاميذ المرحلة الابتدائيَّة و ١٨ في المئة من طلاّب المدارس الثانويَّة. وهذه الأرقام تدحضُ السرْدِيَّةَ الشائعة حول عدم توافر الظروف والموارد لتعليم الشّيعة قبل بروز الأحزاب الشّيعيَّة التي بَنَتْ مشروعيّتَها على مظلوميَّة أبناء الطائفة وظُلْم النظام السياسي والاجتماعي والتربوي اللبناني لهم. كما شهدت المدارس الرسمية توسّعًا أفقيًّا، لا سيَّما في عهد الاستقلال، بحيث تمّ رفد المناطق المختلفة، لا سيَّما مناطق سكن الشّيعة جنوبًا وبقاعًا وجبلاً بالمدارس الإبتدائية على وجه الخصوص. إن انخراطُ الشّيعة بنِسَبٍ عالية في التعليم الرسمي يعني أنَّهم تبنّوا القِيَم التي يتضمّنُها النظام التربوي اللبناني، لا سيَّما المواطنيَّة ومبادِئها في منهاج ١٩٤٦، وبعد تعديله في منهاج ١٩٧١، حيث الانتماء للهويَّة الوطنيَّة وقِيَم التنوُّع وثقافة الحريّات والعيش معًا. ومن جهة ثانية، شهدت المدارس الخاصّة طَفرة شيعيَّة متمايزة مع تعدّد المبادرات الفردية في هذا المجال واستمرار دَعْم المُغتربين للأهلين ولجهودهم المعقودة في هذا الإتجاه. ويتوقف البحث عند رسم معالم خريطة التعليم لدى الشّيعة حيث يبرز التقاطع مع التعليم الرسمي وتتفاوت نوعية التعليم بحسب المدارس الخاصة المتوافرة في ضوء ما شهدته مناهج التعليم الرسمي من تعديل على إثر الاستقلال ثم بداية السبعينيّات نتيجة ظروف سياسية وعوامل تركت أثرًا على القرار التربوي. وصولاً إلى مرحلة الحرب الأهلية التي شهدت في خضمّها منعطفات طالت الشّيعة وخياراتهم على المستويات السياسيَّة والاجتماعيَّة والتربويَّة منها، فنشأت المدارس الحزبيَّة وبرزت في هذا المجال المدارس التي أنشأها «حزب الله» والسّيد محمد حسين فضل الله و«حركة أمل». كما عادت ونمَت الحَوْزات الدينية، ومنها الحَوْزات النسائيَّة، ذات الحاضنات السياسيَّة خلال الحرب الأهلية، بل شكّلت مع الوقت مواقع نفوذ ازدهرت بتمويل مباشر من الجمهورية الإسلامية في إيران حيث برزت التبعيَّة السياسيَّة والعقائديَّة لمشروع تصدير الثورة الإسلاميَّة في إيران، وقدّمت إسهامًا أساسيًّا في عمليَّةِ الأدْلَجَة وسَعَت، عبر التربية وأشكال التنشئة العقائديَّة، إلى طغيان الهويَّة الطائفيَّة في أعلى مراتبها.
وبعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها، نمت المؤسسات الحزبية لدى الشّيعة نموًّا مطّردًا وتوسّعت رقعتها ومساهمة التربية والتعليم فيها. ومن هذه المؤسسات، يتوقف البحث توصيفًا وتحقيقًا بالتوالي عند المؤسّسة الإسلاميَّة للتربية والتعليم وما يقع تحت مظلّتها من المدارس والمؤسّسات التابعة لها وما تنتهجه في مجال إعداد المعلمين وتوظيفهم من ضمن رؤيتها وتوجّهاته التي تمليها الأجندة السياسيَّة والاجتماعيَّة والتربويَّة وارتباطاتها؛ وجمعيَّة التعليم الدِّيني الإسلامي التي بدورها أنشأت المدارس والمؤسّسات التابعة لها واندفعت لتقديم الرؤية الدِّينيَّة لعملها في مجال التربية والتعليم. وفي تحليل عناصر المشروع التربوي لـِ«حزب الله» تتبيّن سِمة اللّاعقلانيَّة وقِيم التبعيَّة في مضمون المحتوى الذي يجري التسويق له في الدوريات والمنشورات والخطب المخصّصة للتطرّق للمجال التربوي. ولدى المقارنة بين المنهج الرسمي ومناهج «حركة أمل» و«حزب الله» يتّضح مدى تغييب البُعد الإندماجي للتربية ومكوّنات الثقافة المواطنية في مقابل تغليب الانتماء للجماعة الطائفية ومكوّنات الثقافة الدينية الخاصة بها. ومن خارج المناهج أيضًا، أي في الإطار اللانظامي للتربية، تظهر جهود تغييب الهوية الوطنية اللبنانية من خلال الجمعيات المحسوبة على «حزب الله» على وجه الخصوص، عبر تبديل الولاء لدى الناشئة مِن السلام الوطني إلى سلام فرْمَنْدَه. إنَّ ما تفعله مدارس المؤسَّسَة الإسلاميَّة للتربية والتعليم وجمعيَّة التعليم الدِّيني الإسلامي ومؤسسات «أمل» التربويَّة هو من خارجِ حدود الحريّات التي يَضْمَنُها الدستور، بل هو خارجٌ عن القِيَم التي تتضمَّنها مناهج التعليم العام. ولدى مطابقة العناصر التي تروّج لها تلك المدارس مع تلك القِيَم، يظهَرُ التناقض مع المعارف القاعديَّة لتشكّل الهويَّة الوطنيَّة والقِيَم الجماعيَّة التي تهدف التربية إلى إرسائها. وتؤدّي هذه الجمعيّات والمؤسَّسَات أدوارًا موازية لوزارة التربية وللمركز التربوي للبحوث والإنماء في الإعداد والتدريب الموجَّه للمعلِّمين في سبيل تعبئتهم عقائديًّا، فيُصبح الولاء للزعيم السياسي أو الدِّيني متقدّمًا على الانتماء للهويَّة الوطنيَّة، والعَيْش المشترَك مفقودًا يُوازيه الإغراق في إظهار الثقافة الطائفيَّة في أعلى مراتبها، الطاغية على كافة مظاهِر الحياة الفرديَّة والعامّة ومن منظورٍ مِعياريّ مُتَمَحْوِر حول العقيدة.
لقرءاة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

اعتنى هذا البحث بواقع الشيعة في لبنان مع الرياضة، من خلال نموذج كرة القدم، انطلاقًا من نشأة هذه الرياضة الشعبية الأولى وصولًا إلى اليوم، مع ما يعكسه من خصوصيات الوضع اللبناني العام على الأصعدة الطائفية والحزبية والمناطقية والتي لا تنفكّ تفرض نفسها في كل ميدان.
تناول الفصل الأول لمحة عامة عن دخول الرياضة المنظمة إلى لبنان، إضافة إلى الدخول الرسمي للشيعة في مختلف أقسامه، مع تركيزهم على كرة القدم خصوصًا. وعرض الفصل الثاني لتاريخية الإتحاد اللبناني لكرة القدم من تأسيسه مرورًا بحقباته وغياب الشيعة عن الدور الفعال فيه وصولا إلى السيطرة عليه في موقع الإدارة مع التضخم الشيعي في عالمه أندية وجماهير. بخصوص الفصل الثالث فتحدث عن الأندية الشيعية في مختلف المناطق وانتقالها من أندية شعبية محلية إلى أندية رسمية ممثلة في الإتحاد، عارضًا لأهمها في مختلف المناطق، في الجنوب حيث الريادة، في جبل لبنان حيث الثبات، في البقاع حيث الوضع الأضعف، وفي بيروت حيث الإنجاز بتحقيق نادي العهد اللقب الوحيد للبنان آسيويًا على صعيد أنديته. أما الفصل الرابع والأخير، فسلط الضوء على الجماهير الشيعية وخلفياتها الطائفية والحزبية والمناطقية، وعلى إنعكاس ذلك على ولاءاتها الرياضية للأندية، تلك الجماهير التي لا تنكفىء عن إظهار الشعارات العاكسة لتلك الخلفيات على المدرجات. كما عرج هذا الفصل أيضًا على حالتين جماهيريتين متباينتين، أولى تمثل جمهور نادي العهد المرتبط بـ «حزب الله» ذو الإلتزام الحزبي والطائفي المتين، وثانية متمايزة متمثلة بجمهور نادي النجمة، الجمهور الأكبر في لبنان، المتجاوز للعناوين الطائفية والمناطقية والحزبية الخاصة بالجهات الراعية للنادي.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

بدأ هذا البحث برصد الحِقَب التاريخية التي سَبَقَتْ إعلانَ لُبنانَ الكبير، حيث شكّل جبلُ عامِل وشمالي فلسطين منطَقةً إداريَّةً واحدة في معظم الأحيان، وارتبَطَ السُّكّانُ هنا وهناك بعَلاقاتٍ يوميَّةٍ، وبخاصّة على المسْتَويَين الاقتصادي والاجتماعي، سواءً عَبْرَ التبادُل التجاري أو الهِجْرة من جبل عامل إلى فلسطين، والعَكْس، بهَدَفِ العملِ أو الاستقرار، ونشأ عن ذلك «مُصاهَراتٍ» ما بين العامليّين والفلسطينيّين عُمومًا، وسكّان الشمال الفلسطيني على وَجْه الخصوص. وهذا ما يُبرِّرُ عَدَمَ تأثيرِ إعْلان لبنانَ الكبير وإقامَةِ الحُدود والاتّفاقيّات التجاريَّة بين لبنان وفلسطين على عَلاقةِ العامليّين بالفلسطينيّين. ثم انتقل البحث إلى عام ١٩٤٨ وتقسيم فلسطين، ومع إنشاء «دولة إسرائيل» كان الشّيعة في قَلْبِ الصِّراع، إذا جازَ التعْبِير، لعِدّة أسبابٍ أوّلُها العامِل الجُغرافي الذي جعلَ الجنوب اللبناني إحدى الجَبَهات العَربيَّة الأساسيَّة ضدّ إسرائيل. ورُغْمَ أنَّ عام ١٩٦٩ يُمثّلُ الانطلاقة الحقيقيَّة للتعبئةِ والنشاط السّياسي المتَزايِد لمنظّمة التحرير الفلسطينيَّة في لبنان، إلّا أنَّ الواقعَ العسكري لم يضَعِ الجنوبَ في قلب الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، والإسرائيلي ـ العربي، إلّا بَيْنَ عامَي ١٩٧١ و١٩٧٣، أيّ بَعْدَ انتقال الفصائل الفلسطينيَّة من الأردن إلى لبنان، وبعد إغلاقِ الجَبْهَتَيْن السوريَّة والمصريَّة بعد حرب تشرين الأول ١٩٧٣. وترافَقَت انطلاقةُ المقاومة الفلسطينيَّة في لبنان عام ١٩٦٩ مع حركة الإمام موسى الصدر الاحتِجاجيَّة التي بَلَغَت ذُرْوَتها بتأسيس حركة المحرومين بين عامَي ١٩٧٣ و١٩٧٤، ولاحقًا بتأسيس «أمل» عام ١٩٧٥.
ناصَرَ اللبنانيون، والشيعة بأغلبيّتهم، الفلسطينيين بشكلٍ واسع سواءً بالانخراط الكبير للشباب الشيعي في الفصائل الفلسطينية المختلفة وفي الأحزاب اليسارية المتحالفة معها، أو بالانخراط في ما بعد بحركة موسى الصدر التي ربطَتها بالفصائل الفلسطينية علاقةٌ معقّدة ومتشابِكة تتنوّع بتنوّع هذه الفصائل، ثم مالَت إلى التبايُن مع تحالُف الصّدر مع السوريين، وتمظهَرت بعد اندلاع الحرب الأهلية من خلال اشتباكاتٍ عسكرية محدودة في بعض مناطق بيروت والجنوب، لعل أبرزها حصار النّبعة وسقوطها بيَد الميليشيات المسيحية، وما أعقب ذلك من تبادُلٍ للاتّهامات بين «حركة أمل» وموسى الصّدر تحديدًا، وبين بعض الفصائل الفلسطينية اليسارية وأطرافٍ لبنانية أخرى، إضافةً إلى اجتياح ١٩٧٨ الذي كان، بصورةٍ أو بأُخرى، دليلًا بيِّنًا على المآل الذي صارَت إليه العلاقة الشيعية الفلسطينية في لبنان.
شكّل العامان ١٩٧٨ و١٩٧٩ نقطتين مفصليّتين في تاريخ العلاقة الشيعية الفلسطينية، حيث شهِدَ العام ١٩٧٨ إخفاء الصّدر في ليبيا وتفاعُل الفلسطينيين، وياسر عرفات تحديدًا، مع القضية، وما حُكي عن دورٍ فلسطيني لبعض الجماعات، مثل جماعة صبري البنّا (أبو نضال)، في إخفاء الصّدر أو حتى اغتيالِه. بينما شهِد العام ١٩٧٩ وصول الخميني إلى السّلطة في إيران وانفتاحِه على الفلسطينيين بقيادة ياسر عرفات وزعمِه دعم القضية الفلسطينية، وظهر هذا التحالف مع قضية المتطوِّعين الإيرانيين الذين قرّرت إيران إرسالُهم مطلع العام ١٩٨٠ إلى جنوب لبنان، كمفرَزة متقدِّمة للحرس الثوري الإيراني، والتي حظِيَت بتأييدٍ واحتضان فلسطينيّين ومعارضةٍ رسمية شيعيةٍ، فيما الحرب العراقية ـ الإيرانية كانت نقطة حرَج بين عرفات والخميني، فتصدّرت «حركة أمل» المدعومة إيرانيًّا المواجهة مع الفصائل الفلسطينية الموالية للعراق، كجبهة التحرير العربية، والتي تطوَّرت إلى اشتباكاتٍ محدودةٍ في بعض المناطق اللبنانية وعمليات اغتيال، وسط إرباك وموازنة من عرفات الذي بدأ يُظهر في حركته النزعة الخمينية مع تقلُّب حال «الكتيبة الطلابية»، وظهور بعض التأثُّر الدّيني في كوادر الحركة، العسكريين والأمنيين.
لعلَّ احدَ أكثر الصفحات دمويّة في تاريخ العلاقة الشيعية ـ الفلسطينية هي الفترة التي وقعت فيها حرب المخيّمات بين سنتي ١٩٨٥ و١٩٨٨، حيث أدَّى الصراع الذي كان قائمًا بين حافظ الأسد وياسر عرفات للإمساك بالساحة اللبنانية وبالقرار الفلسطيني إلى تزكية الصراع بين «أمل» ومنظمة التحرير الفلسطينية وتحويله إلى حربٍ داميةٍ بدأت في بيروت وما لبثت أن انتقلت إلى كل المخيّمات الواقعة في محيطٍ شيعيٍّ أو ذي غالبية شيعية، وأدّت في ما أدّت إلى وقوع ألوف الجرحى والقتلى من الجانبين.
ومع تطوُّر وقائع حرب المخيّمات كانت مواقف الشَّخصيات الشيعية، غير المنتمية لـ «حركة أمل»، تُجمعُ تقريبًا على رفْض الحرب وضرورة وقْف القتال، باستثناء «حزب الله» الذي عارَضَ بدايةً حرب المخيَّمات لكنَّه شارَكَ عمليًّا في بعض المعارك إلى جانب الفصائل الفلسطينية الإسلامية بمواجهة «أمل»، كما حصل في مخيَّم الرشيديَّة على سبيل المثال. وعلى سجيّة حرب المخيمات، انقسم الفلسطينيون في حرب «أمل» و«حزب الله» وخاصة في إقليم التفاح في جنوب لبنان بين تدخُّلٍ لصالحِ طرفٍ دون آخر وبين التوسُّط بين الطرفين المتقاتلين، كما فعَلت «حركة فتح» في آخر المعارك عام ١٩٩٠. ولم يكن مستغربًا هذا الوضع، بفعل تشرذُم الفصائل الفلسطينية بين جماعات تتبَع للسوريين وأخرى تستظلُّ بمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.
ومع انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، شهِدت العلاقةُ الشيعية الفلسطينية تطوُّراتٍ كثيرةٍ بدءًا بتوقيع اتفاق أوسلو سنة ١٩٩٣ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل برعاية أميركية، حيث نشأ على خلفيته تحالُف لبناني فلسطيني سُمّي «تحالف القوى الوطنية والتقدمية والفصائل الفلسطينية» كان عمادُه «حزب الله» بشكل أساسي و«حركة أمل» والأحزاب اللبنانية الدائرة في الفلك السوري والفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا وإيران، لمواجهة «منظمة التحرير» و«حركة فتح» في خياراتها، وتظهَّر التحالُف الإسلامي الفلسطيني مع «حزب الله» من خلال بروز حركَتي «الجهاد الإسلامي» و«حماس»، وكانت إيران الراعية المباشرة لهذا التحالُف. وبدأ «حزب الله» يضع أياديَ له في المخيّمات الفلسطينية، فيما التزمت «أمل» التعاون والتواصُل مع الفصائل في المخيّمات التي في مناطق سيطرتها ولا سيما مخيّمات صور.
بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام ٢٠٠٠، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري عام ٢٠٠٥، أيّد الثنائي المهَيْمن على الواقع الشيعي، «حزب الله» و«حركة أمل»، في مؤتمر الحوار الوطني في آذار ٢٠٠٦ قرار سحب السلاح الفلسطيني من خارج المخيّمات والتحاور حول نزعه داخلها، دون إجراء أي تنفيذ عملي لهذه القرارات. كما شهِدَ العام ٢٠٠٧ أحداث مخيّم نهر البارد الذي عارَضَ «حزب الله» انهاءَه عسكريًّا ودعا إلى حلّه سياسيًّا مُعتَبرًا أنّ المخيّم هو «خط أحمر». وخلال تلك الفترة بدأت تبرز العلاقة بين السّلَفية الجهادية الفلسطينية و«حزب الله» والتنسيق القائم بين الطرَفين، كـ «عُصبة الأنصار» و«جُند الشام» وغيرهما حيث ظهرت نقاط الالتقاء والتوظيف في الكثير من المحطات.
مع اندلاع الثورة السورية تبايَنت الآراء بين «حزب الله» المؤيِّد للنظام السوري والمقاتِل إلى جانبه، و«حركة حماس» التي عارضَت بدايةً النَّظام السوري وحلفائه فأضحى هناك نفور في المخيمات، لا سيما في مخيّم عين الحلوة، بين أهاليها والحزب...، فقاموا بإحراق المساعدات التي أمدَّ فيها الحزب اللاجئين الذين هجَّرهم من مخيّم اليرموك في سوريا، ولم تلبَث العلاقة، في ما بعد، أن عادت إلى سابق عهْدِها بين الحزب و«حماس» وإيران والنظام السوري.
في السنوات الأخيرة أضحى رئيس مجلس النواب ورئيس «حركة أمل» نبيه بري و«حزب الله» يقومان بمبادرات لإجراء مصالحةٍ بين حرّكتي «فتح» و«حماس» ويلعب بري دور الراعي الرسمي، كما أن الحزب أنشأ وحدة للعلاقات مع الفلسطينيين، هدفها متابعة الشؤون بين الحزب والقوى الفلسطينية. ويشغل منصب مسؤوليتها في الحزب النائب السابق حسن حب الله. وبالتالي تحوّلت العلاقات بين شيعة لبنان والفلسطينيين من تشارُك في التاريخ والجغرافيا إلى استثمار واستئثار لـ«حزب الله» بقضية الفلسطينيين وتدخّل في علاقاتهم ومخيّماتهم.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.

أما عن هذا البحث فقد تحدّث عن حالة التمدّد خارج الحدود لفصيل يعلن التحدث باسم شيعة لبنان، فكان نموذج تدخل «حزب الله» في مدينة القصير السوريّة التي شارك «حزبُ الله» فِعليًّا فيها في وقتٍ مُبكر من الحرب السوريَّة، وتحديدًا في خريف عام ٢٠١١؛ مُتـذرعًا بالهجمات المتطرفة على الشِّيعة السوريّين، واتخذَ تدخلُه أشكالًا مختلفة من الدعم التقني والعسكري والبشري. في الواقع، كان هذا التدخلُ مُنسجِمًا مع الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة في سوريا من جهة، والارتباط الوجودي بين مصير الحزب والنظام السوري من جهة. غير أن التدخلَ العسكري المباشر كان في ربيع ٢٠١٣ لحَسمِ معركة القْصير لصالح النظام السوري، مدفوعًا بجملة من الأسباب الاستراتيجيَّة: الأولى، تتعلق في المقاربة التي تَندرِجُ ضمن الاستراتيجيَّة الكبرى للمحور الإيراني في تثبيت النظام السوري، وبما تتمتع به القْصير من أهميَّةٍ عسكريَّة لحَسمِ معركة حمص. والثانية، ترتبط مباشرةً بمصالح «حزب الله» وأمنه القومي، وتأمين الحدود الغربيَّة لريف دمشق وحمص. واستخدمَ «حزب الله» الروابطَ العشائريَّة العميقة التي تُوحِّد الشِّيعة على جانبي الحدود بين البلدَين، لحَشدِ حاضنته الشعبيَّة نحو خوضِ حربٍ طويلةِ الأمد ولـتَبرير حجم الخسائر الكبيرة التي ستترتبُ فيما بعد على تورطه في الصِّراع المسلح على طول خط الأزمة السوريَّة.
تحولت القْصير بعد السيطرة الكاملة لـ«حزب الله» إلى معبرٍ حدوديٍّ مفتوحٍ لعمليات التهريب المختلفة ومصدرٍ ربحيٍّ لكُلٍّ من الحزب والنظام السوري. وقد شملَتْ عملياتُ التهريب فيها كل شيء، ابتداءً بأنواع الأسلحة المختلفة، والمحروقات من مادتي البنزين والمازوت والغاز المنزلي، إلى الخضار والفواكه وأثاث المنازل، وانتهاءً بالمخدرات والدخان. وباتت القْصير بابًا مفتوحًا على مصراعَيه، ولكن تحت تنظيم عالٍ وكبير. فلم يعد التهريبُ التقليدي موجودًا وبات الحزب بالتنسيق مع «الفرقة الرابعة» يدخل ويخرج بأرتالٍ كبيرة. كما حَوَّلَ «حزب الله» و«الفرقة الرابعة» القْصير، لا سِيَّما مناطق غرب العاصي، إلى مقاطعةٍ خاصة به لإنتاج وتهريب الحشيشة، التي يتمّ شحنُها لاحقًا إلى لبنان لمعالجتها، من ثمَّ العمل على تصديرها نحو بلدانٍ متفرقة، فضلًا عن إغراق السوق السوريَّة بها وبالمخدرات على حَدٍّ سواء. وعليه، نجد أن مدينةَ القْصير تُشكِّل حلقةَ وصلٍ لطُرق تهريب الحشيش والمخدرات في سوريا، من القْصير شمالًا نحو الموانئ السوريَّة، ومن القْصير جنوبًا نحو المنطقة الجنوبيَّة فالأردن والسعوديَّة.
ونظرًا لأهميَّة منطقة القْصير العسكريَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة بالنسبة لـ«حزب الله»، والأهميَّة الاستراتيجيَّة في تأمين خطوط الإمداد ضمن طريقٍ استراتيجيٍّ يربطُ بين الحدود العراقيَّة واللبنانيَّة، والتي تسعى إيران لتأمينه بالتعاون مع «حزب الله»، استخدمَ هذا الأخيرُ سياساتٍ مُمنهَجة للتغيير الديموغرافي تضمنُ إحكامَ قبضته على منطقة القْصير، تَجلَّتْ في عمليّات التهجير المَدروسة من قِبل «حزب الله» بحَقِّ الأهالي والتي بدأَتْ ملامحُها بالظهور بعد فترةٍ وجيزة من سيطرته في القرى ذات الخليط الشيعي ـ السُّني، ومنع عودة اللاجئين السوريّين واستغلال غياب أهالي القْصير عن مدينتهم، والظروف الصعبة التي يعيشونها بسبب نزوحهم ولجوئهم، للاستيلاء على أراضيهم ومحاولة شرائها. فضلًا عن التغلغل الاجتماعي في المنطقة لإحداث تَغيـيرٍ ديموغرافي فيها.
وعمل التمويلُ والجهدُ الدعويُّ الكبير والإغراءاتُ الماديَّة والمعنويَّة على تشييع أهالي القْصير من كافة الشرائح والفئات وبشكلٍ خاصٍّ السُّنة، وكان لـ«حزب الله» دورٌ مهمٌّ في هذه السياسات؛ إلا أنها كانت ضمن الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة للتغلغل الاجتماعي في سوريا، التي تصاعدت مع تَولِّي بشار الأسد للسلطة، عبر حملات تَشيُّعٍ منظمة، قادتها آنذاك السفارة الإيرانيَّة في دمشق ومُلحقِـيتها الثقافيَّة في حلب.
استغلَّتْ إيران ووكلاؤها في سوريا الأزمةَ الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة الحادَّة في ٢٠١١، لتَرسيخ مكانتها عبر التغلغل الاجتماعي وزيادة عدد الشِّيعة في سوريا، بما يُحقِّق أمرَين: الأول، بحيث يكون التشيع بمثابة طليعة الفكر الإيراني في سوريا. والثاني، وجود عددٍ كبير من الشِّيعة في سوريا سيُوفِّر لإيران ذريعةً مستمرة للتدخل. إن محاولةَ إيران لزيادة عدد الشِّيعة تنبعُ من أن النسبةَ المئويَّة للطائفة الشِّيعيَّة في سوريا هي حوالى ١% (ليس كحال الطائفة في كُلٍّ من العراق واليمن ولبنان) وهذه النسبة من غير المُمكن أن تؤثر في التغيير الديموغرافي.
عمل «حزبُ الله»، ومنذ عام ٢٠١٣ بعد أن أصبحتْ له الكلمةُ العليا في القْصير، على تطبيق سياسات التغيير الديموغرافي. وصار بـدُخول بعض العائلات في القصير في المذهب الشيعي وتَغيير اسم عائلاتهم، بسبب رغبتهم في الحُصول على التسهيلات التي تَمنحُها لهم البطاقات الحزبيَّة، إنْ على سبيل الحصول على المساعدات أو البطاقات التموينيَّة والحسومات على المشتريات، أو على سبيل إمكانيَّة الذهاب إلى القْصير والعودة من دون قيود.
إن عمليَّةَ التغيير الديموغرافي ضمن منطقة القْصير بدأت فِعليًّا بعد ٢٠١٣، وهي وإن كانت تأتي مُنسجمةً مع الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة في سوريا للهيمنة على القرار السوري وتثبيت وجودها على المدى البعيد فيها، وبصرف النظر عن التغيرات السياسيَّة عبر ترسيخ وجودها الاجتماعي والاقتصادي والعسكري، إلّا أنها تأتي ضمن استراتيجيَّةٍ خاصة يعملُ عليها الحزبُ لضمان أمنه القومي، والذي يأتي في مخططٍ استراتيجيٍّ للسيطرة العسكريَّة والأمنيَّة على المناطق الغربيَّة في ريف دمشق وحمص والمتداخلة مع معاقله في لبنان، بما يُوفِّر له خطوط الإمداد والسيطرة على المعابر واقتصاد التهريب لتَمويل نشاطه، وتأمين وجوده بعيدًا عن أيِّ متغيراتٍ إقليميَّة.
وبالتالي، فإن القْصير تتمتعُ بأهميَّةٍ خاصةٍ في هذا المشروع بحُكم موقعها الجغرافي وتركيبتها الديموغرافيَّة وقدرة «حزب الله» على التغلغل الاجتماعي فيها بحُكم سيطرته على المنطقة، بخلاف الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة الأشمل التي تُركِّز على التغيير الديموغرافي في مراكز المدن الكبرى بما تُشكِّله من ثِقلٍ ديموغرافي على المستوى البعيد، لا سيما دمشق وحلب ودير الزور. إن هذه العملياتُ ورغم التغيرات الكبيرة التي يتم الحديثُ عنها في التوزّع الطائفي، ما زالت تندرجُ تحت نطاقِ التشيّع السياسي، الذي تلعب الأوضاعُ الاقتصاديَّة والأمنيَّة دورًا في سرعة انتشاره، والذي يحتاج إلى استمرار الظروف الحاليَّة لفتراتٍ طويلة لترسيخه على المستوى العقائدي.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.


