03・07・2025
من العدد ٢٣
الرثاء الشيعي في جنوب لبنان: من صوت حسيبة إلى خطاب الشهادة

«جار الدهر علينا شتّتنا جميعًا... انكسر ضهري صار حاني،

وين حباب قلبي هنّوني ورجعوا بالسلامي، 

أنا من بعدهم يا طول حزني»

 

 

بهذا الموّال الحزين ترتفع نبرة الحاجة حسيبة هاشم، راثية جبل عامل، فتُلامس ذاكرة الجنوب اللبناني الغارق في الحروب والانتظار والفَقْد. وُلدت الحاجة حسيبة هاشم في النبطية عام ١٩٢٦ زوجها محمد محمود بدير، توفيت عام ١٩٩٢. كانت تُعرف بـ«خنساء النبطية»، وامتاز صوتها بخشونة ناعمة، تثير الدفء وتشدّ المستمع إلى ألَمه الخاص. لم تكن قارئة عادية، بل كانت مؤدّية ومؤرِّخة ومنتجة ثقافية. قرأت في المجالس الحسينية النسائية بلهجتها العامية، ممزوجة بنغَمات العتابا والزجل، مُبتعدة عن الأداء الرسمي التقليدي.

شاركت في أفلام لبنانية مهمة مثل «كفر قاسم» (١٩٧٥) و«كلنا للوطن» (١٩٧٩)، مؤكِّدة دور الراثية الجنوبية ليس فقط في المناسبات الدينية، بل أيضًا في الذاكرة الفنية والسياسية للبلد.

الرثاء عند الشيعة ليس فقط فعل بكاء أو تأبين، بل هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية، وأداة تأريخ شفهي تنقله النساء جيلًا بعد جيل، صوتًا بعد صوت. في هذا المقال، نتتبّع تحوّلات هذا الفن، من الرثاء الشعبي إلى الرثاء المؤدلَج.

راثيات مغيَّبات عن التأريخ

رغم أن النساء الراثيات في الجنوب كنّ عماد المجالس الحسينية لعقود طويلة، إلا أن أسماءهن وتاريخهن غابا عن التوثيق الرسمي. لم يُكتب عنهن في الكتب، ولم تُسجّل أصواتهن إلا نادرًا، وكأن هذا الصوت النسائي الذي حفظ الوجع الجمعي لا يستحق البقاء. ارتبط الرثاء النسائي بالبيوت والارتجال واللهجة العامية، فاعتُبر فعلًا هامشيًّا، لا يَرقى إلى التوثيق الذي حازَه الخطباء الذكور على المنابر. إضافة إلى ذلك أن الراثيات كنّ غالبًا من الطبقات الريفية أو الفقيرة، يُنشدن من الألم أكثر مما يُردن الشهرة. ولم يشأ المجتمع، ولا الدين، ولا حتى الأكاديميا، أن يمنحهُن مكانًا في سجلّ التاريخ. هكذا، صمتت أصوات كثيرة، ليس لأنها لم تُنشد، بل لأن أحدًا لم يكتب الحقيقة.

وكانت الحاجة حسيبة هاشم من النوادر القليلات اللواتي كُتب لهن النجاة من هذا النسيان. فقد حُفظت بعض تسجيلاتها، وظهرت في أفلام لبنانية وثَّقت صوتها الحيّ، وجعلت منه جزءًا من أرشيف الجنوب الثقافي. بموّالاتها الحزينة ولهجتها الجنوبية المجبولة بالبكاء، أصبحت استثناءً حيًّا يُذكِّر بما يمكن أن يُفقد حين لا يُوثّق، وبما يمكن أن يُخلَّد حين نجد من يصغي.

الطابع الشعبي لهذا الرثاء كان يتميّز بالتلقائية، بالتعبير بالعامية، وبحضور جسدي مباشر حيث التفاعل مع الجمهور حيّ ومفتوح. الراثية لم تكن فقط نادبة، بل شاعرة مؤدِّية، تُخاطب وتبكي وتُحرّك.

كيف تغيّر الرثاء؟

مع تغيّر البُنية الاجتماعية والسياسية والثقافية للجنوب اللبناني، تغيّر الرثاء بدوره:

لم يكن تغيُّر الرثاء الجنوبي مجرد تحوّل في الشكل، بل هو انعكاس عميق لتحوّلات اجتماعية وسياسية وثقافية. مع صعود الأحزاب العقائدية، وعلى رأسها «حزب الله»، بدأ الخطاب الرثائي يأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا. لم يعد الغياب يُبكي كونه فقدًا شخصيًّا، بل صار يُمجَّد بوصفه شهادة وانتصارًا، يتماهى مع خطاب «المقاومة». وفي هذا السياق، انتقل الرثاء من فضاء البيوت، حيث كانت العفوية والارتجال يحكمان الأداء، إلى الحسينيات والمؤسسات الدينية، حيث صار خاضعًا لقواعد أدائية محدّدة، ولغة فصيحة تليق بالمقام الرسمي.

هذا الانتقال أثّر بشكل مباشر على حضور النساء في المشهد الرثائي. بعدما كنّ العماد الشعبي لهذا الفن، تراجع دورهن إلى خلفية المجالس، واقتصر أحيانًا على الحضور لا الأداء. ومع انتشار التسجيلات المرئية وأقراص الصوت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الراثي مطالَبًا بأداء مضبوط ومدروس، فقلّ الارتجال، وخفُتَ التفاعل الحي مع المستمعين.

حتى مضمون الرثاء تبدّل. لم يعد الحزن مفردته الأساسية، بل حلّ محله تمجيد الشهيد، وتسويق صورة البطل الذي ارتقى. بهذا، تقدّم خطاب المجد والانتصار على خطاب الفقْد والمفجوع، فصار الرثاء أكثر احتفاءً وأقلّ وَجعًا. تغيّرت اللغة، تغيّر الإيقاع، وتبدّلت العاطفة.

من تكريم الهيئات النسائية في حزب الله لقارئات مجالس العزاء (الوكالة الوطنية للإعلام)
من تكريم الهيئات النسائية في حزب الله لقارئات مجالس العزاء (الوكالة الوطنية للإعلام)

بفعل هذا التحوّل، خسر الرثاء الشيعي طابعه الشفهي الحميمي، الذي كانت تمثِّله حسيبة هاشم ونساء مثلها. غابَت الأصوات التي كانت تدمج الشخصي بالجمعي، وتُقدّم الحزن كفعل مشترك ومقاوم. ما بقي اليوم هو أداء مؤسسيّ، فصيح، مضبوط، لكنه يفتقر أحيانًا إلى حرارة التجربة.

الرثاء الشيعي الجنوبي هو أكثر من طقس ديني. إنه مرآة لثقافة كاملة، تتأرجح بين الفقْد والنجاة، بين الماضي والراهن. وبينما يكتسب الرثاء المعاصر طابعًا مؤسسيًّا، تبقى تسجيلات حسيبة هاشم وذاكرة النساء الجنوبيات أرشيفًا حيًّا، يُذكّر بأن صوت الحزن قد يكون أكثر صدقًا حين يأتي من امرأة تبكي الحبيب، لا الشهيد المجيد فقط.

لم تعُد المرأة الراثية صاحبة صوت حر، مجروح، عفوي، وغاضب أحيانًا، بل صارت صوتًا مضبوطًا، «مؤدِّبة للحزن»، تحمل نصًّا جاهزًا وتؤدّيه دون أن تخرق إيقاعه أو منطِقه. الصوت الأُنثوي الذي كان يملأ المجالس بالحياة، صار يُنتظر منه أن يُعيد إنتاج الانضباط بدل أن يثير الألم. لم تعد الراثية حسيبة، أو تلك التي تصرخ من أعماق قلبها: «يا ويل قلبي من بعدكن يا حبايب»، بل صارت «الفُلانة» التي تقرأ من دفتر، أو تكرّر قصة السيدة زينب ببكاء محسوب.

في السابق، قراءة العزاء النسائية لم تكن معزولة بالكامل عن المجال العام كما هي اليوم، بل كانت تتمتّع بهامش أوسع من التعبير والمشاركة، خاصة في المجتمعات القروية في جنوب لبنان، حيث لم تكن الحواجز بين «المجلس النسائي» و«المجلس الرجالي» صارمة كما أصبحت لاحقًا.

يوثق أحد الفيديوهات الحضور العام لمجلس عزاء تقرأه حسيبة هاشم في العام ١٩٩١ في ساحة النبطية في آخر ظهور لها قبل وفاتها.

كانت النُّسوَة تُنشدن الرثاء في الساحات، وأمام عتَبات البيوت، وأحيانًا حتى في الجنازات العامة، خصوصًا إذا كانت الراثية معروفة في قريتها أو محيطها، مثل الحاجة حسيبة هاشم أو سواها. وكان يُسمع صوتها من بعيد، ويصل للرجال كما النساء، من دون أن يشكّل ذلك انتهاكًا للعُرف. الرثاء كان فعلًا جَماعيًا، يتقاطع فيه الحزن، والصوت، والمكان، من دون هذه التقسيمات الحديثة التي فرضها التديُّن المؤسسي.

في المجالس القديمة، لم تكن المرأة الراثية تكتفي بسرد سيرة الحسين، بل كانت تربطها بالحزن المحلي، وتدمجها بمأساة فقْد قريبها أو ابن جارتها أو شهيد قريتها. لم يكن هناك حاجز يمنع الرجال من الاستماع أو التفاعل مع صوتها، بل كانت تُحترم كصوت يحمل الحزن الجماعي. حتى في الزوايا، كان الرجال يُنصِتون لها، ليس بوصفها امرأة، بل بوصفها صوتًا ناقلًا للحزن الجنوبي.

مع الوقت، وتحت ضغط التديُّن الحزبي، والرقابة الأخلاقية، والانفصال الحاد بين الجنسين في الفضاءات الدينية، انحصر صوت المرأة خلف الأبواب، وأصبحت المجالس النسائية مُغلقة، وتُمنع النساء من القراءة أمام الرجال، حتى لو كانت بصوت دون صورة.

ما تطرحه تجربة الرثاء الجنوبي ليس فقط سؤالًا عن الفن أو الصوت، بل عمَّن يملك حق التعبير عن الحزن، ومَن يضبط إيقاع الذاكرة الجمعية. لا يكفي أن نرثي مَن مات، بل أن نسأل كيف نرثي، ولماذا، وبأي صوت. وهل نترك للوجع أن يأخذ شكله، أم نفرض عليه قالبًا يناسب «الصورة» لا الحقيقة؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة، يكمن الرهان على استعادة الحزن كفعل إنساني لا كأداء سياسي.