بالـ«هاشتاغ» و«السكرين شوت» تنطلق الحملات الإلكترونية ضد الإعلاميات في لبنان، تقودها مجموعات ذات توجهات حزبية واجتماعية مؤثّرة، مستهدفةً الأصوات المخالفة لها. شهد لبنان في السنوات الأخيرة تصاعدًا في هذه الحملات الممنهجة، التي طالت إعلاميات عُرفن بآرائهن المعارضة، حيث تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة تستخدمها القوى السياسية والحزبية لقمع الرأي الآخر وترهيب النساء العاملات في المجال الإعلامي.
تبدأ حملات الكراهية باستهداف حسابات إعلاميات بارزات، من خلال متابعة منشوراتهن ورصد أي رأي مخالف للرأي السائد. ما إن يُنشر رأي يخرج عن المألوف حتى يُعاد توزيعه على نطاق واسع، لتبدأ سلسلة من الهجمات التي تتراوح بين النقد القاسي، الاتهامات، والتخوين، بهدف تقويض مصداقية الإعلامية المستهدفة وعزل صوتها. وسرعان ما تتحوّل هذه الحملات إلى نمط متكرّر من الشتم والتحريض، بحيث تصبح الإعلامية مستهدفة بشكل دائم، بغضِّ النظر عن طبيعة منشوراتها، سواء كانت معارضة أم لا.
وفي ظلِّ فائض القوة والهيمنة الذكورية، تتلاشى حقوق النساء وكرامتهن أمام هذا «الغول الإلكتروني» الذي لا يكتفي بالتحريض والتخوين، بل يمتد إلى التهديدات المباشرة، وتشويه السمعة، والتدخل في الحياة الخاصة، وصولًا إلى نشر تفاصيل من الخصوصيات على الملأ، في محاولة لترهيبهن وإسكات أصواتهن.
وفي هذا الفضاء الواسع برزت العديد من الحملات الموثقة بين منصّتي «إكس» و«فايسبوك» تعكس حجم الحملات المنظمة والنمط المستخدَم دائمًا لهذه الحملات.

تعرّضت الإعلامية ديما صادق لحملات ممنهجة بدأت بشكل مكثّف عقب انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠، حيث كانت من أبرز الأصوات الإعلامية التي وجهت انتقادات حادة إلى الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل)، محملةً إياهما مسؤولية الأوضاع المتردّية في البلاد. وقد جاءت هذه الحملات في إطار حملة أوسع استهدفت المعارضين السياسيين والصحفيين المستقلّين الذين شككوا في أداء القوى الحاكمة.
تصعيد الحملات ضد ديما صادق:
مرحلة ما بعد انفجار المرفأ (٢٠٢٠):
تصاعدت الهجمات ضدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شنَّت حسابات محسوبة على «حزب الله» و«حركة أمل» حملات تشهير، متهمةً إياها بالتحريض، العمالة، والعمل وفق أجندات خارجية. كما واجهت حملات تخوين «عميلة» و «مأجورة»، وتمّ تداول صوَرها بشكل مسيء على بعض الصفحات السياسية.
التهديدات التي طالت عائلتها:
لم تقتصر هذه الحملات على التشويه الإعلامي، بل بلغت حدِّ التهديدات المباشرة بحياتها وحياة ابنتها وعائلتها، وهو ما أثار استنكارًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والحقوقية. وقد تحدثت ديما صادق علنًا عن هذه التهديدات، معتبرةً أنها تأتي ضمن محاولات تكميم الأفواه وإرهاب الأصوات المعارضة.
إطلاق برنامج «حكي صادق» (٢٠٢٢) وتزايد الهجوم:
مع إطلاق برنامجها «حكي صادق»، الذي ركز بشكل مباشر على انتقاد حزب الله وحلفائه، ازدادت الهجمات ضدها، حيث اعتُبر البرنامج منصة إعلامية معارضة تتحدى السردية التي يروج لها الثنائي الشيعي. وقد دفعها ذلك إلى تكثيف خطابها السياسي، مما أدى إلى استمرار التهديدات وحملات التحريض ضدها، سواء عبر الإعلام التقليدي أو المنصات الرقمية.
.jpg)
لم تنجُ الكاتبة بادية فحص من حملات التشهير على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تُعرف بمواقفها المعارضة للثنائي الشيعي، ومواقفها الناقدة لبعض الخطابات الدينية والسياسية السائدة في لبنان. خلال الحرب، نشرت على صفحتها منشورًا جاء فيه:
«للي بينتصر بالحرب هو صاحب الطيارة مش صاحب الزمان، الدُّعا ما بيشفي الجريح الدَّوا اللي بيشفيه... بيكفي تخريف هلَكتونا».
سرعان ما أشعل هذا المنشور موجة واسعة من الهجوم عليها، حيث انهالت عليها الشتائم والاتهامات بالتخوين والعمالة. لم تقتصر الحملة على انتقاد آرائها السياسية والفكرية، بل تحولت إلى هجوم شخصي شرس، شمل تحريضًا ضدّها، والتشهير بحياتها الخاصة وألفاظ كـ«حقيرة»، «صهيونية»، «عميلة لدى السفارة السعودية»، استخدم البعض حادثة حرمانها من ابنها بحكم المحكمة الجعفرية كوسيلة للسخرية منها، واعتبروا ذلك «عقابًا مستحقًا» لمواقفها، في محاولة للنَّيل من سمعتها والتقليل من شأنها.

تعرّضت الصحافية اللبنانية ديانا مقلّد لعدة حملات انتقادية من قِبل «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) ومؤيّديهما، نتيجة لمواقفها الجريئة وانتقاداتها العلنية لهما.
حملة ٢٠١٧ بعد انتقادها لوقف نشاط ثقافي للمثليين:
في مايو ٢٠١٧، انتقدت مقلّد قرار السلطات اللبنانية بوقف نشاط ثقافي للمثليين عبر منشور على «فيسبوك»، حيث قارنت بين قبول المجتمع لممارسات مثل تعدّد الزوجات وزواج القاصرات والعنف الأُسري، ورفضه لحقوق المثليين. أدّى ذلك إلى حملة هجوم إلكتروني ضدها، شملت تحريضًا ومطالبات بطردها من «تلفزيون المستقبل» الذي عملت فيه لأكثر من عقدين. كما تمَّ تقديم بلاغات إلى «فيسبوك» أدّت إلى حذف منشورها. في المقابل، تلقّت دعمًا من ناشطين ومدافعين عن حرية التعبير. وأكّدت في تصريحاتها تمسّكها بحقها في النقاش وطرح القضايا الجدلية، مع احترامها لمكان عملها.
حملة التخوين بسبب دفاعها عن اللاجئين:
في يناير ٢٠٢٠، تعرّضت مقلّد لحملة تحريض وتخوين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اتُهمت بتلقّي تمويل خارجي لدعم اللاجئين وخلق الفوضى. نُشر فيديو تحريضي ضدها، واتهامها بالعمالة زاعمًا أنها تتلقّى تمويلاً من سوروس للترويج لقضايا تتعلق باللاجئين السوريين. ردّت مقلّد على هذه الاتهامات، مؤكّدةً فخرها بالدفاع عن حقوق الأفراد المهمّشين وموضحةً أن موقع «درج» الذي تعمل فيه يتمتع بشفافية عالية في ما يتعلق بالتمويل.
انتقاداتها لمواقف «الثنائي الشيعي» السياسية:
عام ٢٠٢١، بعد اغتيال الناشط لقمان سليم، لاحظت مقلّد أن نجل أمين عام حزب الله، جواد نصرالله، أبدى شماتة بالحادثة، مما أثار جدلاً واسعًا. هذا الموقف جعلها هدفًا لانتقادات من مؤيّدي «الثنائي الشيعي».
انتقادات بعد نشر «وثائق باندورا»:
في تشرين الأول ٢٠٢١، نشرت مقلّد تحقيقًا في موقع «درج» بعنوان «وثائق باندورا: نافذة على رجال أعمال محسوبين على حزب الله»، حيث تناولت فيه العلاقة بين بعض رجال الأعمال اللبنانيين وحزب الله. أثار هذا التحقيق ردود فعل غاضبة من مؤيّدي الحزب، الذين اعتبروا أن مقلّد تستهدف الحزب وتشوّه صورته.

على مدار سنوات، تعرّضت نوال بري لهجمات متكرّرة خلال تغطياتها الميدانية، غالبًا بصفتها وجهًا إعلاميًّا محسوبًا على بيئة سياسية معيّنة. تكرّرت الاعتداءات اللفظية عليها في أكثر من مناسبة، من بيروت إلى الجنوب، حيث واجهت اعتراضات قاسية على وجودها كمراسلة، بما في ذلك الإساءات الشخصية والمطالِبة بإقصائها من أماكن التغطية. هذه الحملات لم تكن مجرد خلافات سياسية، بل تداخلت فيها السردية الذكورية التي تواجهها النساء في المجال الإعلامي، حيث يُختزل حضورهن في معايير الولاء والطاعة، بدلًا من مهنيّتهن الصحافية.
في كانون الثاني ٢٠٢٥، أثناء تغطيتها لعودة الأهالي إلى بلدة مارون الراس الجنوبية، تعرّضت نوال بري لهجوم لفظي قاسٍ من بعض المواطنين الذين اعترضوا على وجودها، مستخدمين عبارات مثل «انقلعي من هون» و«ما بدنا ياكي هون». اضطرت إلى الانسحاب تحت ضغط الاعتراضات المتصاعدة، وسط أجواء مشحونة لم تقتصر على رفضها كصحافية، بل حملت أبعادًا طائفية وسياسية أيضًا. فقد واجهت بري اتهامات مبطّنة بأنها «شيعية تعمل في وسيلة إعلامية معادية»، وهو خطاب متكرّر يُستخدم ضد إعلاميين ينتمون إلى بيئات معيّنة لكنهم يعملون خارج الاصطفافات التقليدية. في المقابل، لم يكن استهدافها منفصلًا عن السردية الذكورية التي تواجهها الصحفيات عمومًا، حيث تُختزل أدوارهن في قوالب الطاعة والولاء بدلًا من التركيز على مهنيّتهن. استمرت الحملة ضدها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعزّزت الاتهامات الموجّهة إليها، في محاولة لتقويض حضورها الإعلامي والتشكيك في شرعية وجودها في الفضاء العام.
تتبع هذه الجهات نمطًا محدّدًا في استهداف الإعلاميات عبر منصّات التواصل، حيث يتمّ رصد منشوراتهن وتحريفها لبدء حملات تحريض واسعة. تُستخدم مجموعات ضغط مرتبطة بجماعات سياسية لنشر الأكاذيب والشائعات وتعزيز الهجوم عبر «هاشتاغات» مسيئة. تتصاعد الحملة عبر تشويه السمعة بنشر صور محرِجة أو تلفيق قصص شخصية، وأحيانًا تصل إلى التخوين واتهام الإعلامية بالعمالة، مترافقة مع تهديدات مباشرة لها أو لعائلتها. في مراحل متقدّمة، يتمّ الضغط على وسائل الإعلام لاتخاذ موقف ضدها، مما قد يؤدّي إلى إقصائها أو فرض اعتذار علني، فيما تستغل بعض الجهات هذه الحملات لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية.
ولكن لماذا تكون الإعلامية الشيعية أكثر استهدافًا؟ أهمها الارتباط بطبيعة الدور المرسوم للنساء داخل البيئة، والذي لا يقتصر دورها على التربية التقليدية، بل تُعتبر المرأة حاضنة فكرية وتربوية تُسهم في تنشئة جيل عقائدي مؤمن بعقيدتها. يتمّ تقديم الأم كنموذج للأم المجاهدة، التي تزرع في أطفالها قيَم الصبر، التضحية، الجهاد، و«أم الشهيد»، التي تُصوَّر كأيقونة للصبر والفخر. مما يجعل الأم ليس فقط مربية داخل المنزل، بل ناشطة في محيطها لنشر أفكارهم وعقيدتهم... لهذا فإن ارتباط النساء بالمنظومة الحزبية والعقائدية هو ارتباط مباشر، ويُنظر إلى الإعلامية الشيعية المعارِضة على أنها تهديد مزدوج؛ فهي لا تخرج فقط عن الدور التقليدي المرسوم للمرأة، بل تستخدم الإعلام، وهو أداة مؤثِّرة داخل الطائفة، لكسر الصورة النمطية المفروضة. لذلك، تصبح هدفًا مباشرًا لحملات التخوين، التحريض، والتشهير. مما يجعل دور هذه الحملات منصبًّا على تحويل الإعلاميات المعارضات إلى «عبرة»، مما قد يدفعها إلى الانسحاب من الساحة العامة أو تقليص نشاطها الإعلامي خوفًا من المزيد من الهجمات، أو اتخاذ قرار الاستمرار في المواجهة دون تراجع، وتحمّل كل الحملات المضادة لها كما هو حاصل مع ديما صادق ونوال بري وديانا مقلد وبادية فحص وغيرهن من الاعلاميات.
لم تقتصر هذه الحملات على التشويه الإعلامي، بل بلغت حد التهديدات المباشرة بحياتها وحياة ابنتها وعائلتها، وهو ما أثار استنكارًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والحقوقية. وقد تحدثت ديما صادق علنًا عن هذه التهديدات، معتبرةً أنها تأتي ضمن محاولات تكميم الأفواه وإرهاب الأصوات المعارضة.




