03・07・2025
من العدد ٢٣
انتخابات بلدية تحت سطوة السلاح والخسائر
سيدة تقترع في بيروت (جريدة الشرق الأوسط)
سيدة تقترع في بيروت (جريدة الشرق الأوسط)

كانت الانتخابات النيابية لعام ٢٠٢٢ قد شهدت فوز «حزب الله» و«حركة أمل» بكامل المقاعد الشيعية في المجلس النيابي، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى امتلاك حزب الله للسلاح وفرض سطوته على الحياة السياسية اللبنانية بمختلف مفاصلها، إضافة إلى تحكّمه بقرار السلطة السياسية، كونه رأس منظومة الفساد الحاكمة في لبنان. كما ساهم المال المستخدَم في كل استحقاق انتخابي، والمعروف مصدره (إيران، تجارة المخدرات العالمية، شبكات تهريب الأموال...)، بشكل فعال في تحقيق هذه النتائج.

وكما حدث في الانتخابات النيابية فإن الانتخابات البلدية الأخيرة تجاوزتها وجعلت منها عملية شكلية في أحسن الأحوال، حيث شهدت مراكز الاقتراع في بعلبك، على سبيل المثال، احتلالًا فعليًّا من عناصر «حزب الله» وتطويقًا من مسلّحين في الأبنية المجاورة، على مرأى من القوى الأمنية. هذا المشهد ساهَم في ترهيب المواطنين ومنعهم من ممارسة حقهم الديموقراطي بحرية وشفافية. ويروي أحد المرشّحين أنه مُنع من دخول أحد مراكز الاقتراع بحجة عدم امتلاكه تصريح دخول، ولم يُسمح له بالدخول إلا بعد تدخّل مسؤول في «حزب الله»، الذي قال ساخرًا: «خلّي يفوت هيدا مرشح». وأضاف المرشح أنه تعرَّض لحملات تخوين وتهديد مباشر وغير مباشر عبر الأوساط ووسائل التواصل الاجتماعي قبل الانتخابات، إضافة إلى اعتداءات متكررة على منزله وتحطيم سيارته منذ بداية انتفاضة ١٧ تشرين.

ما حصل من خروقات في المناطق ذات الغالبية الشيعية يثبت أن «السلاح يحكم»، حيث لم تُمارس العملية الديموقراطية بأي شكل، وتمّ إسقاط أسماء أعضاء المجالس البلدية الشيعة الموالين للثنائي الإيراني بالمظلة، كما حصل في الانتخابات النيابية سابقًا.

بعد الحرب العبثية الأخيرة التي خاضها «حزب الله»، والتي أدّت إلى دمار واسع، وانهيار اقتصادي، وتفكّك اجتماعي، بالإضافة إلى آلاف الضحايا والجرحى، استُنزف الحزب بشكل كبير بعد مقتل معظم قياداته السياسية والعسكرية، وعلى رأسهم أمينه العام، حسن نصرالله، نتيجة الغارات. كل ذلك أجبر الحزب على التعاطي مع الاستحقاقات السياسية من موقع الضعف والانكسار، فتماشى مع الإجماع اللبناني في انتخاب رئيس الجمهورية، جوزاف عون، بعد أن عطّل الاستحقاق لأكثر من عامين، كما منح على مضض الثقة لحكومة الرئيس نواف سلام، رغم اعتباره خصمًا سياسيًّا للمقاومة.

هذا التراجع في الأداء السياسي لـ«حزب الله»، الذي كان يشكل «أمرًا واقعًا»، جعله يرضخ للواقع الجديد، فسعى في الانتخابات البلدية إلى تجنّب معارك قد تكشف ضعف قاعدته الشعبية، واعتمد نهج التوافق في العديد من البلدات. وفوزه الخجول في منطقة الغبيري يؤكد ذلك، كما أنه كان يطمح إلى تزكية لوائحه في المناطق المقفلة لصالحه بسبب ضعف إمكانياته المادية. ورغم محاولاته، فشل في تحقيق التزكية في عدة مناطق، ونجح فقط بالتوافق في بلدات مثل بريتال في بعلبك الهرمل. أما في مدينة بعلبك، فقد اضطُر لخوض معركة شرسة بوجه لائحة مكتملة من العائلات، ورغم فوزه، أثبتت المعارضة الشيعية وقوى المجتمع المدني وجودها من خلال لائحة «بعلبك مدينتي»، التي تلقّت دعمًا من قوى التغيير، وحصدت نحو ٢٥% من أصوات المقترعين، رغم تواضع إمكانياتها.

في بيروت، فاز الثنائي بالمقاعد الشيعية عبر تحالفه مع معظم الأحزاب السياسية في المدينة، نتيجة انكفاء الصوت السنّي بعد مقاطعة تيار المستقبل.

كما شهدت بعض مناطق الجنوب كمدينة صور والنبطية ترشُّح خصوم للثنائي، فخاضت لائحة «صور مدينتي» الانتخابات بدعم من قوى التغيير، وأثبتت حضورًا فعالًا رغم خسارتها. في قضاء بنت جبيل، ذهبت معظم البلديات إلى التزكية، فيما شهدت قرى الشريط الحدودي معارك انتخابية بوجه الثنائي، حيث حصلت لائحة العائلات في حولا على نحو ٢٥% من الأصوات، رغم منافستها لتحالف «أمل - حزب الله» والحزب الشيوعي.

الأهم في الجنوب كان خرق لوائح الثنائي في عدد من البلدات، مثل:

الزرارية (قضاء صيدا - الزهراني): فازت لائحة العائلات بالكامل.

معروب (قضاء صور): فاز مرشحان مستقلان.

كفررمان (قضاء النبطية): فاز مرشحان مستقلان بمقعدين اختياريين.

أما في جزين، فنجح التيار الوطني الحر بتحالفه مع حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي بالفوز على القوات اللبنانية بفارق نحو ٧٠٠ صوت.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・03・2025
بعد عشرين عامًا... سقطت الشيعية السياسية على أعتاب شرق أوسط جديد
محمد عثمان

لم يكن سرًّا ولا مستغربًا أن ثنائي «أمل - حزب الله» قد استأثرا بالحكم لمدة عشرين عامًا، وشكّلا أحادية القرار الصادر من الولي الفقيه في إيران والمنفَّذ في الداخل اللبناني، ضاربين عرض الحائط بكل مفاهيم الشراكة الوطنية التي كرّسها الدستور اللبناني.

03・09・2024
«حزب الله» أو مسار التحوّل إلى المافيا المنظمة (٣)
محمد عثمان
بدأت مرحلة جديدة من مراحل الحزب مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من الشريط الحدودي لجنوب لبنان في أيار من العام ٢٠٠٠، فنشوة النصر الذي يعتبر أنه العامل الرئيسي فيه انعكست على كافة الصعد لا سيما على الداخل اللبناني.
03・08・2024
«حزب الله» أو مسار التحوُّل إلى المافيا المنظَّمة (٢)
محمد عثمان
بدأ عهد حسن نصرالله الذي إذا انغمسنا أكثر في تفاصيل حياته نجد أنه انتقل من البازورية إلى النجف لتلقّي العلوم الدينية في سنٍّ مبكّرة ومن ثم عاد إلى بعلبك برفقة السيد عباس الموسوي.