03・07・2025
من العدد ٢٣
انتخابات بريتال توافُق بلدي أم تسوية مفروضة؟
انتخابات بعلبك الهرمل، موقع قناة المنار
انتخابات بعلبك الهرمل، موقع قناة المنار


في بعلبك - الهرمل، مشهدٌ سياسيُّ متقلّب يُثير تساؤلات حول جدوى «التفاهمات» وصدقيّة التمثيل المحلّي
شهدت منطقة «بعلبك - الهرمل» في الاستحقاق البلدي الأخير مشهدًا سياسيًّا معقّدًا، حمل في طيّاته الكثير من التناقضات، حيث طُرحت شعارات «التوافق» و«المصلحة العامة» كواجهة لتحالفات غير متجانسة، جمَعت بين بقايا المعارضة الشيعية، بعض العائلات، و«الثنائي الشيعي» – حزب الله وحركة أمل - في إطار بدا، في جوهره، محاولة جديدة لإجهاض أي مسار بديل يُعيد النقاش حول التعددية داخل الطائفة.

فبدلًا من أن تُمنح العائلات والمجتمعات المحلية حقها الطبيعي في اختيار ممثليها بحرية، فُرضت عليها تسويات فوقية انسجمت أكثر مع مصالح قوى إقليمية - وفي مقدَّمها إيران - التي تسعى إلى إعادة ترتيب أدواتها المحلية ضمن مقاربة تفتقر إلى أي مضمون ديموقراطي، وتذكّر بإجراءات ميكانيكية لإصلاح عَطْب في منظومة لم تعترف يومًا بالاختلاف أو التعددية.

 

سيطرة بواجهة "معارضة»

لم يكن المعَوَّل عليه من هذه الانتخابات تمثيلًا حقيقيًّا للناس، بقدر ما كان الهدف هو تجديد أدوات السيطرة داخل البيئة الشيعية، حتى لو كان ذلك عبر معارضين سابقين أو شخصيات مستقلة الشكل تابعة فعليًّا للمشروع نفسه. فمَن يعتقد أن الثنائي الطائفي يقبل شراكة ندّية مع معارضيه، يخطئ في فهم طبيعة النظام الذي بُني على الإقصاء وتكريس الولاء، لا على الحوار والانفتاح.

إن ما يُسوّق له اليوم كتفاهم سياسي محلّي ما هو إلا تقاطع مصالح بين أطراف غير قادرة على الخروج من عباءة المنظومة، تسعى لتأمين موطئ قدَم في السلطة المحلية تحت غطاء «المصلحة العامة»، فيما الواقع يكشف تسويات انتخابية تمّت دون استشارة حقيقية للناس أو حتى احترامًا لمطالبهم.

 

تسوية بريتال: تقاطع هشّ بين «الضدّين»

في هذا السياق، شكّل التفاهم البلدي في بلدة بريتال تطوّرًا لافتًا وغير مسبوق، تمثّل بتحالف انتخابي بلدي بين «الثنائي الشيعي» والشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، المعروف بمعارضته الشديدة للحزب. وقد تمّ الاتفاق على تشكيل لائحة بلدية موحّدة برئاسة عباس زكي إسماعيل، المقرّب من الطفيلي، في محاولة لاحتواء التوترات المحلية قُبيل الاستحقاقات النيابية المقبلة.

غير أن هذه الخطوة قوبلت باعتراضات حادة، لا سيما في صفوف مناصري حزب الله وبعض أهالي الشهداء الذين رأوا في هذه التسوية إساءة لتضحياتهم، وتهميشًا للكادر الحزبي التقليدي، وفرضًا لاتفاق لا يمثل إرادة القواعد الشعبية.

في موازاة ذلك، ظهرت لائحة منافسة باسم «لائحة وفاء وإنماء»، ترفض النهج الفوقي الذي اعتُمد في تشكيل اللائحة التوافقية، وتتّهم الأطراف الراعية لها بتجاهل المشاورات الحقيقية، وفرْض مرشحين بحجّة "تجنّب الصدامات".

 

الحاج عباس زكي إسماعيل: لا «تحالف»... بل «تنسيق انتخابي»

في حديث خاص، أوضح الحاج عباس زكي إسماعيل، رئيس اللائحة التوافقية، ملابسات التفاهم، حيث شدّد على أن ما حصل لا يمكن وصفه بتحالف أو ائتلاف، بل هو «تنسيق انتخابي» بحت، لا يتضمن التزامات سياسية.

قال إسماعيل إن التنسيق جاء في محاولة لتفادي تكرار سيناريو انتخابات ٢٠١٦، حين سادت أجواء التوتر والشتائم والاتهامات بين أبناء الضيعة، وتمّ تصنيف الناس على خلفيات سياسية وطائفية. وأضاف أن الهدف الأساسي اليوم هو الحفاظ على الأمن الاجتماعي للبلدة ومنع الانقسام، وذلك عبر التفاهم بين العائلات بعيدًا عن الصبغة الحزبية.

وأكد أن انفتاحه على التعاون مع مختلف الأطراف لا يعني خصومة مع أحد، لكنه أوضح في المقابل أن موقفه الثابت يقوم على نقطتين: عدم الانخراط في صدام داخلي، وضمان مجلس بلدي توافقي لا يُحسب على جهة حزبية واحدة.

 

ماكينة «الثنائي»: التوافق «هديّة»...

والمعترضون «مُكابرون»

البيان الصادر عن «دائرة العمل الاجتماعي للماكينة الانتخابية» في بريتال دافَع بدوره عن خيار التوافق، معتبراً أنه مسعى نبيل للحفاظ على السلم الأهلي في بلدة متعددة التناقضات العائلية والسياسية.

وأشار البيان إلى أن التوافق جاء بين حزب الله، حركة أمل، وعائلات بريتال، معتبرًا إيّاه «هدية للناس» لحمايتهم من الانقسام، ومؤكدًا أن مَن يرفض التوافق إنما يفعل ذلك بدافع «العناد والمُكابرة»، لا لخلل في مضمون الاتفاق. كما دعا البيان إلى معالجة أي ثغرات بالحوار، لا عبر المواجهة أو الانقلاب على التفاهم القائم.

 

اللائحة المنافسة تردّ: «التوافق لا يُفرض... والمجتمع لا يُختصر»

في المقابل، جاء الردّ من «اللائحة المنافسة» في بريتال واضحًا وحادا، عبر بيان حمل عنوان: «التوافق لا يُفرض... والمجتمع لا يُختصر». وشدّد البيان على أن المشكلة ليست في مبدأ التوافق، بل في «طريقة فرضه» من دون تشاور، وتحويله من مساحة نقاش اجتماعي إلى صيغة فوقية تخدم قوى حزبية محددة.

ورفض البيان تصوير التفاهم كأنه «مكرُمة من القيادات»، مشدّدًا على أن التوافق الحقيقي لا يُبنى على استبعاد المعارضين أو توزيع الحصص، بل على احترام التعدّد والتمثيل المتوازن. وسأل أصحاب البيان: «أين الشفافية؟ وأين التشاور؟»، مؤكدين أن ما جرى هو تفاهُم انتقائي، وليس توافقًا شعبيًّا حقيقيًّا.

كما عبّر البيان عن رفضه تخوين المعترضين، معتبرًا أن الاعتراض هو تعبير عن رغبة صادقة في الشراكة لا التبعية، ودعا إلى مراجعة جذرية للاتفاق من خلال حوار مفتوح يضمّ كل القوى المجتمعية، لإنتاج صيغة بلدية عادلة وشفافة.

 

خلاصة المشهد

ما يجري في بريتال ليس معركة بلدية عادية، بل هو جزء من معركة أكبر لتصفية التعددية السياسية داخل الطائفة الشيعية، ومحاولة مكشوفة لإعادة إنتاج السيطرة من خلال أدوات جديدة بوجوه قديمة أو «معارضة بالاسم فقط». وفي هذا السياق، فإن كل محاولة لإلباس الهيمنة عباءة «التوافق» لن تُنتِج سوى مزيد من «الإحباط الشعبي» و«التشكيك بالشرعية».

إن بريتال، كما كل بلدة في هذا البلد المُنهك، تستحق تمثيلًا حقيقيًّا قائمًا على الشفافية والشراكة، لا تسويات مفروضة من فوق، ولا خطابًا شعبيًّا يُسوّق لمشاريع تُعيد إنتاج التَبعية تحت شعارَي «الوحدة» و«المصلحة العامة».

ما نحتاجه ليس تفاهمًا هشًّا بل «لحظة صِدق»، تُعيد للناس ثقتهم بأن صوتهم مسموع، وأن التغيير لا يُختزل بمقعد بلدي، بل بمشروع وطني جامع.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...