في المشهد الجيوسياسي المعاصر، تتكرّر المواجهات الخطابية والتكتيكية بين إيران والكيان الصهيوني، ويُروَّج لهذا الاشتباك على أنه صراع وجودي، بين مشروع «الممانعة» وكيان الاحتلال. لكن تفكيك الوقائع، وتحليل بُنية الخطابين، يكشف عن سردية زائفة تُدار بعناية، لتخدم مشروعين متوازيين في تقويض المجال العربي الإسلامي، لا تحريره.
فما الذي يجري حقًّا بين طهران وتل أبيب؟ وما موقع الأمة العربية والإسلامية في هذا الاشتباك؟ وهل نحن أمام عدوَّيْن يتصارعان فعلًا، أم أمام تحالف موضوعي على تقاسُم الهيمنة، وتوزيع الأدوار في خنق الوعي العربي؟

إيران بين الخطاب والواقع
منذ الثورة الخمينية، بنَت إيران سرديتها السياسية على قاعدة معاداة الصهيونية، ونُصرة قضايا الأمة، وعلى رأسها فلسطين. غير أن الواقع الإقليمي خلال العقود الأربعة الأخيرة، يكشف عن تناقض صارخ بين الشعارات والممارسات. فقد شاركت إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، في أكبر الكوارث الجيوسياسية التي عصفت بالعالم العربي: من احتلال بغداد إلى تدمير دمشق وصنعاء، مرورًا بتخريب لبنان وتفكيك البُنية المجتمعية في الخليج.
اعتمدت طهران على تصدير الثورة عبر الأذرع الطائفية، واستثمرت في هشاشة الدول، وبنَت مشروعها التوسعي على الولاءات المذهبية لا التحالفات الحضارية. وكانت النتيجة: بيئة طاردة للحلفاء، ومنبوذة شعبيًّا، ومخترَقة أمنيًّا، تُهدّد اليوم من الداخل أكثر مما تهدّد من الخارج.
عندما يفترس الولاء الكفاءة
ورغم ما يُروَّج عن صرامة النظام الإيراني، فإن التقارير الأمنية تكشف عن اختراقات صادمة في مؤسسات الدولة، أبرزها تغلغل الموساد داخل الدوائر الحساسة في الحرس الثوري، ووكالة الطاقة الذرية، بل وحتى المحيط الخاص بالمرشد الأعلى.
السبب؟ دولة بُنِيَت على الولاء لا الكفاءة، حيث تُقاس أهلية المناصب بمدى الانتماء العقائدي لولاية الفقيه، لا بالنزاهة أو القدرة. هذا النفاق المؤسساتي حوّل مؤسسات الأمن والعسكر إلى شبكات مصالح قابلة للاختراق، وهو ما اعترف به مسؤولون سابقون، بينهم أحمدي نجاد نفسه، حين صرّح بأن قائد وحدة مكافحة إسرائيل في الحرس تبيّن أنه عميل للموساد!
هكذا، تحوّل المشروع «الممانع» إلى جدار هشّ، تتسلّل منه القوى المعادية بسهولة، لأن النُظم العقائدية المغلقة تولِّد فسادًا ذاتيًّا لا يمكن ترميمه بشعارات التعبئة.
بين مطرقة الطغيان وسِندان العدوان
بعيدًا عن النظام، يُعاني الشعب الإيراني من قهر مزدوج: داخلي بفعل استبداد الملالي، وخارجي بفعل الحصار والعزلة. لقد كشف الحراك الشعبي في إيران عن رفض واسع لحكم رجال الدين، وعن فرح مكتوم بأي ضربة تُوجَّه لقادة النظام.
لكن هذا لا يبرّر، بأي حال، استهداف المدنيين، أو السكوت على أي عمل انتقامي يطال البُنية التحتية للشعب الإيراني. فالعدالة لا تُبنى على الشماتة، والمقاومة الحقة لا تُمارَس بقتل الأبرياء.
إن استهداف المدنيين لا يخدم سوى النظام ذاته، ويُعيد إليه شرعية مفقودة، لأن الشعوب - في لحظات الخطر الخارجي - تلتفّ غريزيًّا حول الحاكم، ولو كان ظالمًا. فالعقل الأخلاقي يقتضي التمييز بين النظام والشعب، وبين الطغيان والحق في الكرامة.
عقيدة الحرْق عند الزوال
النظام الإيراني لا يقبل السقوط بهدوء، بل يمتلك عقيدة انتحارية قائمة على تصدير الفوضى. وفي حال شعر النظام بأن نهايته تقترب، فلن يتردّد في إشعال المنطقة، لا سيما دول الخليج، عبر الميليشيات والطائفية، لإغراق الجميع في فوضى تمكِّنه من فرض نفسه طرفًا لا غنى عنه في معادلة الإقليم.
وهذا ما يستدعي يقظة خليجية واستعدادًا استباقيًّا، لأن صراع الأنظمة العقائدية لا يتوقف عند حدودها، بل يتمدّد إلى الجوار، باعتباره مجالًا حيويًّا لشرعية البقاء.
في سياق إعادة تشكيل الذاكرة والرموز، غيّرت بلدية طهران اسم شارع خالد الإسلامبولي إلى «الشهيد حسن نصرالله»، في إشارة إلى توجيه البوصلة الرمزية من رموز التحرر العربي إلى رموز المشروع الطائفي.
إنها محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الوعي المقاوم، وتحويله من مشروع تحرر شعبي إلى وظيفة مذهبية تخدم محورًا سياسيًّا بعينه، وتُقصي كل مَن لا يخضع لمنطق ولاية الفقيه. وهنا تتجلّى إحدى أخطر آليات الاستبداد العقائدي: التحكّم في الذاكرة لتبرير الهيمنة.
توازن الردع أم استثمار التوتر؟
رغم التصعيد العسكري المتكرر، إلا أن الحرب بين إيران وإسرائيل لم تتّجه يومًا إلى الحسم، بل بقيت ضمن حدود مدروسة. والسبب أن كلا الطرفين يستثمر في التوتر، ويوظّفه داخليًّا.
فإيران توظّف المواجهة في إعادة تعبئة الشارع المُنهك، بينما تعيد إسرائيل تذكير الغرب بضرورتها الأمنية، وتُبرِّر بذلك دعمها النووي والعسكري. أما الشعوب، فهي وحدها التي تدفع ثمن هذا الاشتباك الوظيفي، الذي لا يتحوّل إلى تحرير، ولا ينتهي إلى استقرار.
تستند إسرائيل في ردعها إلى ركيزتين:
- سلاح الجو عالي الدقة.
- السلاح النووي، كسردية ردعية تحت شعار «الهولوكوست الجديد».
لكن هذه المعادلة بدأت تتآكل، بفعل الضربات غير التقليدية، لا سيما من غزة، وبفعل التهديدات السيبرانية التي أربكت البُنية التحتية. كما بدأ الداخل الصهيوني يُظهر مؤشرات تفكّك، تجلّت في الهجرة العكسية، وأزمات الشرعية السياسية.
الصورة الذهنية لإسرائيل ككيان لا يُقهَر، لم تعد صالحة، وهذا بحد ذاته تحوُّل استراتيجي، يُعيد رسم خريطة الردع في المنطقة.
إدارة التوازن لا إنهاء الصراع
الولايات المتحدة ليست في وارد إسقاط النظام الإيراني، بل تسعى إلى ضبطه ضمن حدود وظيفته. فهي تريد لإيران أن تبقى «عدوًّا مضبوط الإيقاع»، تُستخدم فزّاعة في الخليج، وتُوظَّف كعنصر توازن مع تركيا والعالم السنّي.
ولهذا، تتجنّب واشنطن التورّط العسكري المباشر، وتُفضّل الضرَبات الموضعية والحروب بالوكالة. فالصراع - بالنسبة إليها - ليس أخلاقيًّا ولا وجوديًّا، بل أداة لإدارة المصالح.
في ظلِّ كل هذا، يعيش العرب في انقسام قاتل: بين مَن طبّع واستسلم، ومَن ادّعى الممانعة وهو غارق في دماء الشعوب، ومَن صمت عن الحق خوفًا أو طمعًا.
هذا الغياب العربي عن معادلة الردع، أتاح لإسرائيل وإيران إدارة المنطقة كما يحلو لهما. فلا مشروع مقاومة حقيقيًّا في الأفق، ولا موقف عربي موحَّد يُعيد الاعتبار للكرامة والحقوق.
الصراع الإيراني - الإسرائيلي ليس معركة تحرر، بل تنافس على الهيمنة ضمن شبكة تواطؤ دولية وإقليمية. ولعل أخطر ما فيه هو انخداع الشعوب بسرديات زائفة، واختزال الحق في كراهية عدو، دون التبصّر في خفايا التحالفات.
إن المقاومة الحقيقية لا تقف مع أنظمة طائفية وقمعية، ولا تُبرّر الاحتلال تحت أي مسمى. بل تُبنى على وعي حرّ، يستمد أخلاقيته من كرامة الشعوب، لا من صُراخ الطغاة.
وما نحتاجه اليوم هو استعادة البوصلة: لا نُصفّي حساباتنا بالوكالة، ولا نقايض الاستبداد بعِداء مزيّف، بل نُعيد الاعتبار للموقف الأخلاقي الذي يرفض الظلم من أي جهة أتى.
ذلك هو التحدي الحقيقي، وتلك هي معركة الوعي القادمة.






المقاومة هي ردة فعل مجتمعية واعية، ضد واقع مرفوض، أو غير مشروع، أو لمواجهة استبداد، أو استعباد أو ظلم أو تمييز أو احتلال...