03・07・2025
من العدد ٢٣
تاريخ إحياء عاشوراء في لبنان
من كتاب الشيعة في لبنان طقوسًا ومجتمعًا وثقافة
١) المجالِس العاشُورائيَّة والحُسَيـنِيَّات
واقعة كربلاء وفق لوحة في متحف بروكلين
واقعة كربلاء وفق لوحة في متحف بروكلين


كانت مجالِسُ العزاء أولَ ما ظهرَ من إحياءِ الشَّعائر الدِّينيَّة للشِّيعة، إذ تَـرُدُّ بعضُ الروايات الشَّعيرةَ إلى يوم الحادِثَةِ نفسها بعد وَاقعةِ كَربَلاء، عندما بدأَتها نساءُ آل الحُسَين حُزنًا على الضحايا قبل اقتِـيادِهنَّ إلى دمشق.

تختلفُ الرواياتُ التاريخيَّة، حتى الشِّيعيَّة منها، في شأنِ البداية المُنظَّمة لإحياء عاشُوراء. فهناك مَن يَعتبرُ أنَّ المرحلةَ الأولى لذلك كانت في زمن الأئمة الشِّيعة حتى عام ٩٤٠ م، زمن بداية الغَيْبة الكبرى للإمام الثاني عشر المهدي. أمّا على الصعيد الرسمي، فالسنواتُ التي تَلَتْ ذلك في القرن العاشر والتي تَميَّـزتْ بقيامِ دويلاتٍ شيعيَّة عديدة، حملَت معها إحياءاتٍ رسميَّة عند البويهيِّين في فارس والعراق، الفاطميِّين في مصر والحَمَدانيِّين في حلب. فها هو ابن كَثير يروي أنَّ مُعِزَّ الدولة أحمد ابن بويه  أمرَ في العاشر من محرَّم من عام ٣٥٢ هـ/٩٦٣ م «أنْ تُغلَقَ الأسواق وأنْ يلبسَ الناس المسُوح من الشّعر، وأنْ تخرجَ النساءُ حاسِراتٍ عن وجوههنّ، ناشِرات شُعورهنّ في الأسواق، يَلطُمنَ وجوهَهنَّ، يَنُحنَ على الحُسَين بن علي، ففعل ذلك، ولم يُمكن أهلُ السُّنَّة منع ذلك: لكثرة الشِّيعة، وكَوْن السُّلطان معهم».

ويقامُ العزاءُ في الأيام العشرةِ الأولى من شهر مُحرَّم من كُلِّ عام، و«فيه يُظهِرُ الشِّيعةُ الحزنَ والأسى من خلال استحضارِ المناسبة وأحداثِها الدامية في بطولاتها ومآسيها ومعانيها». وقد تقامُ المجالِس في مناسباتٍ دينيَّة أخرى، وغير دينيَّة أيضًا، وفي أوقاتٍ مختلفة من السَّنَة.

ومن أهم عناصرِ الإحياء العاشورائي:

  • مجالِسُ العزاء والبُكاء وما يتبعُها من لَطْمِيَّاتٍ ‏ومجالِسِ وَعظٍ وإرشاد‎. 
  • الزيارة والدُّعاء والأعمال الخاصة بالأيام والليالي، وتكريم تُربَة كَربَلاء وماء الفرات‎. 
  • تأسيس الحُسَيـنِيَّات والاستفادة من الأماكن العامة.
  • توزيع الأطعمة والشَّراب على حبِّ الحُسَين.

ومن العادات في محرَّم، وخصوصًا في العاشر، لبسُ السَّواد ورفع الرايات السُّود، وتركُ تنظيف البيوت أو غسيل الثياب، والامتناع عن أكلِ النقولات والمُسلِّيات كأنواعِ المكَسّرات والعِلْكة، وترك تقليم الأظافر والحِلاقة. وكثيرٌ من المتروكات لم تَعُدِ الناس تلتـزم بها حديثًا. كذلك يمتنعُ كثيرٌ من الشِّيعة عن الخطوبة والزواج حتى انقضاء يوم الأربعين الذي يصادِفُ في العشرين من شهر صَفَر.

من مراسم «عزاء طويريج»
من مراسم «عزاء طويريج»

وعلى الرغم من الثباتِ النِّسبي في إحياء المراسم العاشورائيَّة، أي الطُّقوس، إلا أنَّها شَهِدَتْ تغيُّـرًا في بعض التفاصيل المرتبطة بالخصوصيَّةِ الثقافيَّة لكُلِّ شعب، والمرحلة الزمنيَّة، وتَبدُّل مكان الإقامة، وأواصر العلاقاتِ بين الشِّيعة والجماعات الأخرى. ففي العراق يقامُ طَقسٌ لا نجِدُه في لبنان هو «عزاء طويريج» ويُشارك فيه الآلافُ مُهَرْولِين حُفاةً ضاربين بأيديهم على رؤوسهم ووجوههم وصُدورهم.

وفي لبنان، اختلفَتْ مظاهرُ الإحياء بين جبل عامل وجبل لبنان والبقاع في مراحلَ زمنيَّة مُحدَّدة، كما بحَسبِ العلاقاتِ والأنظمة الاجتماعيَّة السائدة في تلك المناطق. 

تَنوَّعتْ وتَبدَّلتْ أماكنُ إقامة الشَّعائر الحُسَينيَّة تاريخيًّا، ولكنها استقرَّتْ في القرن الأخير ‏في التَّـكِياتِ والحُسَينيّات، إضافةً إلى البيوت والمساجد والمقامات والمقابر. وحيثما ارتفعَ عددُ المشارِكين، تمَّ اللجوءُ إلى الساحات والطرقات العامة وما شابهَها. وهناك مصطلحاتٌ لمكانِ إقامة هذه المجالِس، كـ«تَكِيَّة»، «إمام باره» و«حُسَينيَّة». وتختلف الوظائفُ ‏الإضافيَّة على قراءة المجلس في «التَّكِيَّة» و«إمام باره»، فهي مُصمَّمة بطريقةٍ تسمحُ بأَداء التمثيليَّة يوم العاشر أو عِرس ‏القاسم، وهي عادةً أكبر من الحُسَينيَّة، كما أنَّها منطلقٌ للمواكب ومَقرٌّ دائم للهيئات والتجهيزات‎.
 

الشيخ عبد الحسين صادق
الشيخ عبد الحسين صادق

وكتبَ السيِّد محسن الأمين في خِطط جبل عامل أنَّ الحُسَينيّات هي بمثابة تَكِيَّات مَنسوبة إلى الإمام الحُسَين لأنَّها تُبنَى لإقامة مراسمِ عزائه فيها، وأنَّ أَصلَها جاء من الإيرانيِّين والهنود الذين بَنوها في بلادهم وفي ‏العراق أيضًا. وأوردَ أنَّ الحُسَينيَّةَ لم تكن معروفةً سابقًا في جبل عامل، وذلك لقِلَّةِ الفائدة منها، فالتَّجمُّعاتُ تُقام في المساجِد، وتلك أفضل من الحُسَينيّات، وأنَّ حُسَينيَّةَ النبطيَّة التحتا التي بناها الشيخ عبد الحسين صادق عام ١٩٠٩ كانت الأولى في جبل عامل، ثمَّ أُنشِئ غيرها في صُور، النبطيَّة الفوقا، كفررمان، بنت جبيل، حاروف، الخيام، الطّيبة وكفرصير، وغيرها.

أمّا الحُسَينيَّة الأولى للنساء في جبل عامل، فقد أقامَتها زوجةُ كامل بك الأسعد، فاطمة بنت ناصيف بن علي بك الأسعد عام ١٩٢٤ في بلدة الطّيبة. 

وفي البقاع، توجدُ أقدَمُ حُسَينيَّة في مدينة الهرمل باسم حُسَينيَّة الوَقْف، وتعود إلى عام ١٩٢٩. وكان السيِّد موسى عثمان حَوَّلَ دارتَه سِرًّا إلى حُسَينيَّة إبَّان الحُكْم العثماني، وبعد وفاتِه وَسَّعها نجلُه لتُصبِحَ عام ١٩٧٩ أولَ حُسَينيَّة فِعليَّة في بعلبك.

في بيروت، ساهَمَتِ الجمعيَّةُ التعاونيَّة الخيريَّة التي تأسَّستْ عام ١٩٥٩ في شراء مدرسة السِّريان القديمة في منطقة الخندق الغميق، وأقامتْ عليها مَسجِدَ الإمام علي وحُسَينيَّـتَه، فكانت أولَ حُسَينيَّةٍ في العاصمة تُبنى لغَرَضِ التَّعزِية. كما تأسَّستْ في بداية الستينيّات من القرن الماضي حُسَينيَّة البرِّ والإرشاد في محلة حيّ اللجا.

أمّا أولُ حُسَينيَّة في جبل لبنان فشُيِّدتْ عام ١٩٥٢ في الغبيري بمُباركةٍ من السيِّد عبد الحسين شرف الدين.  كما عمل الحاج مراد الخنساء على إنشاء حُسَينيَّةِ الزهراء الخاصَّة بالنساء.

  • المآكل والمشروبات 

رغم التـزام الشِّيعة عمومًا بالإمساك عن المأكل والمَشرَبِ في يوم عاشُوراء إلى ما بعد ما يُسمّونه «فكّ المصْرَع»، والدعوة ‏ للاقتصار على ما يناسبُ المصيبة، فإنَّ هناك جانبًا شرعيًّا آخر يدعو إلى إعداد المأكولات والمشروبات على حُبِّ الحُسَين. وقد عرفتِ ‏المناطقُ الشِّيعيَّة أنواعًا خاصة من الطعام في هذا الخصوص، إضافةً إلى بعضِ العادات السُّنِّيَّة في هذا اليوم، فيتمُّ توزيع‏ هذه المآكل والمشروبات وتبادُلها طلَبًا للأَجر والبرَكة‎.‎ وهذه العادة لا تقتصرُ على العاشر من محرَّم، بل تشملُ كُلَّ مناسبةٍ تُقام فيها ذكرى الإمام الحُسَين كأيام محرَّم التسعة، ويوم الأربعين‎. عَرفَ لبنان توزيعَ الهريسَة باللحم أو الدجاج، هريسَة الطحينة والسُّكَّر، والبسكوت والرّاحة، ‏إضافة إلى كَعْكِ العبَّاس أو المحَلَّى، ولم تُعرَف ضيافةُ المشروباتِ الحارَّة أو الباردة عدا الماء إلا في المجالِس المُميَّزة، ‏وكذلك عادة تقديم السجائر. أمّا بعد الانهيار الاقتصادي الأخير، فقد دَرجَتْ في لبنان عادةُ الإفراطِ في تقديم الطعام من قِبَل الثنائي الشِّيعي على حواجِزَ مُقامة وعند نقاطٍ ومفارق مُتعدِّدة في مختلف المناطقِ الشِّيعيَّة. 

٢) إحياء شَعيرة عاشُوراء في لبنان

أ- مدخل تاريخي 

تبايَنتْ في لبنان ممارسةُ شَعائرِ عاشُوراء بين ما هو علنيٌّ وما كان سِرِّيًّا باطنيًّا، بحسب الظروف السياسيَّة وتشدُّد القوى التي سيطرَتْ على البلاد على مَرِّ التاريخ. 

فمع العصر الذهبي للتشيُّع في الحقبةِ الفاطميَّة انطلاقًا من القرن العاشر، وبروز حواضِرَ للشِّيعة في طرابلس، منها على سبيل المثال مع إمارة بني عمار في القرن الحادي عشر (استقلَّتْ عن الفاطميِّين عام ١٠٧٠)، قصَدَ الرحَّالةُ ناصر خسرو المدينةَ عام ١٠٤٧ وتحدَّث عن تواجُدِ الشِّيعة فيها. كان من الطبيعي أنْ يُمارِسَ هؤلاء طُقوسهم ويُطوِّروها. فها هو فقيه طرابلس في ذلك الوقت أبو الفتح الكراجكي في كتابه «التعجُّب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة»، ويقصد بهم أهل السُّنَّة، يذكرُ ما اعتبره مُنافراتِ أفعالِهم في عاشُوراء وتبجيلِهم ذُرية مَن نالوا من الإمام الحُسَين، وفي ذلك دلالة على أنَّ شَعيرةَ عاشُوراء وطُقوسها كانت موجودةً حينذاك.

كذلك كانت الحال في جبل عامل الذي تُقدِّمُ لنا شهاداتُ المؤرِّخين والرحَّالة عن أوضاع سُكانه، أنَّ الشِّيعةَ مارسوا شعائرهم دون قيود. وفي رحلة ابن جبير لبلدة تبنين في القرن الثاني عشر إبَّان سيطرة الصليبيِّين ما يُشيرُ إلى الحُريَّة التي كان عليها سكان الجبل والتي من المفترضِ أنْ تنعكسَ على الجانب الدِّيني أيضًا.

ومع سيطرةِ المماليك على لبنان اعتبارًا من منتصفِ القرن الثالث عشر، وتَشدُّدِهم في محاربةِ المذاهب الإسلاميَّة غير السُّنِّـيَّة والتنكيل بأتباعِها، واضطهادِهم الشِّيعة وشَنِّهم الحَملات العسكريَّة وإشهار سلاح الفتوى الدِّينيَّة في مُحاربتِهِم، كانَ الناسُ إذا أرادوا أنْ يَكيدوا لشخصٍ يَتهمونه بالتشيُّع، فتُصادَرُ أملاكُه وتنهالُ عليه العقوبات حتى يُظهِر التوبة. فتوقَّفَ الشِّيعةُ عن ممارسة شعائرِهم خوفًا من الاضطهاد، وكُتُبُ التراث مليئةٌ بالإشارات إلى ذلك الواقع. فالقلقشندي (توفي عام ١٤١٨) يُخبرنا عن منعِ أهل صيدا وبيروت وأعمالِهما من «اعتقادِ الرافضة والشِّيعة» وردعِهم والرجوع إلى السُّنَّة. كذلك يروي صلاح الدين الصفدي (توفي عام ١٣٦٣) في ترجمةِ مُعاصرِه الفقيه الشِّيعي جمال الدين إبراهيم ابن الحُسام،  ابن بلدة مجْدَل سِلِم، كيف أنَّه قد «كُبِسَ بيتُه، وأُخِذت كُتُبه».

واضطُّر الشِّيعةُ إلى اعتمادِ مبدأ التَّـقِـيَّةِ والتظاهُر باعتناقِ المذهب الشافعي طيلةَ القرن الرابع عشر، مع ما عنى ذلك من تأثيرٍ على ممارسةِ الطُّقوس بحريَّة وعلانِيَة؛ فجزِّين التي كانت مركزًا هامًّا للتشيُّع، تَسَتَّر أبناؤها بالشافعيَّة. حاولَ شمس الدين محمد بن مكي الجزّيني المعروف بالشهيد الأول تَغيِـيرَ ذلك الواقع، إلا أنَّه ما لبِثَ أنِ اعتُقِل وأُعدِم عام ١٣٨٤ وفَشِلَتْ حَركتُه. وتجدرُ الإشارة إلى أنَّ شيعةَ السواحل كانوا الأكثر انصرافًا عن التشيُّع، هم الذين وصفهم محمد باقر الخونساري  بـ«الشِّيعة المتخاذلة»، وبذلك باتَ مذهبُ الشِّيعة هو مذهبَ الداخل والجبال.

ب- في العـهد العُثـماني

سيطرَ العثمانيون على بلاد الشام، وفيها لبنان، إثر تَغلُّبِهم على المماليك في معركة مرج دابق ١٥١٦ شمال حلب، وكانوا كسابقيهم المماليك يَعتبرون أنفسَهم حُماة الحِمى عن الدين الإسلامي عمومًا والمذهب السُّنِّي خصوصًا، فتَعصَّبوا له. 

لذلك، لم تَعتَرفِ الدولةُ العثمانيَّة بالمذهب الشِّيعي، كما لم يشمل أبناءَه نظامُ المِلَل.  وحمل العصرُ العثماني لشيعة لبنان أحوالًا مُتقلِّبة، من الاستقرار إلى الصِّدامات، فكان أنْ شَهِدَ أحداثًا مؤلمة كمقتل الشهيد الثاني زين الدين الجبعي والصِّدامات مع الباشوات العثمانيين والأمراء المعنيِّين والشهابيِّين. كلُّ ذلك أدَّى إلى انحسارِ ممارسةِ الطُّقوس العلنيَّة عند شيعة لبنان، ومنها عاشُوراء، واستمرَّ الأمرُ على هذا المنوال حتى أواخر القرن التاسع عشر. فبمُوجِب الإصلاحات التي فَرضَتها الدولُ الغربيَّة على السلطنة العثمانيَّة، وبينها خَط هَمايون عام ١٨٥٦، مُنِحَتِ الحريَّةُ الدينيَّة وإقامة الطُّقوس لمختلف رعايا السَّلطَنة، فبدأتْ مراسمُ إحياء عاشُوراء تدريجيًّا بالظهور بشكلٍ علَني في أماكنَ مُحدَّدة في لبنان، ذلك أنَّ التطبيقَ العَمَلاني لهذا القانون أخذَ وقتًا نتيجة رفضِ الجهات الراديكاليَّة داخل السَّلطَنة له.

  • البدايات: اختـصارٌ وسِـرِّيَّة

أوردَتْ صابرينا ميرفان أنَّ أولى الشهاداتِ المكتوبة بشأنِ مراسمِ عاشُوراء في جبل عامل كتبَها المستشرقُ الفرنسي جون ورتابيه عام ١٨٦٠، واصِفًا في بضعة أَسطُرٍ ما كان يجري من شَعائر في ذلك الحين؛ إذ كتبَ: «يقضي المتاوِلةُ الأيامَ العشرة الأولى من شهر محرَّم في حِداد وبُكاء على ذكرى مقتل الحُسَين ويقرأون في هذه الأيام روايةً طويلةً ومؤثرةً عن العمل ويُسمُّونها الأيام العشرة». كما كانت الشَّعائر ممنوعةً بأوامرَ عثمانيَّة، «فقد كان الجنود يقومون بدورياتٍ لرَصدِ ما يقوم به الشِّيعة منِ احتفالاتٍ دينيَّة، وكان الناس ينشرون أولادًا في الأزِقَّة يُراقبون مرورهم فيُنذِرون المجتمعين، فإذا ما دخلَ الجنود عليهم، وَجَدوهُم يشربون الشاي أو يقرأون القرآن». لذلك كانت إقامةُ الشَّعائر مقتصرةً على مجالِس العَزاء، وما وردَ من رواياتٍ هو أنَّها تُقام سِرًّا في البيوت.

كما نقلتْ ميرفان عن السيِّد محسن الأمين أنَّ المجالِسَ كانت تُعقَدُ في طفولته، أي في نحو العقد الثامن من القرن التاسع عشر، وكان يُقرأ فيها أثناء الليالي العشر الأولى من كتابٍ ضَخمٍ اسمه المجالِس لمؤلِّفٍ بحريني، وفيه عشرة فصول طويلة، كل منها مُخصَّصٌ لمجلس. وذكرَ الأمين نفسه في خِطط جبل عامل «أنَّ الإحياء كان يتمُّ بأنْ يجتمعَ الناسُ لسماع خَبرِ المقتل [...] وإنَّ هذه عاداتهم من قديم الزمان».

وبخصوصِ المواقفِ من مضامين ما يُتلى في المجالِس الحُسَينيَّة، لاحظَ الأمين أنَّ في كتاب المجالِس البحريني تشويهًا للتاريخ، وأحاديثَ مكذوبة أشبهَ بالأساطير كما عبَّـر. فقد كان المجلسُ الأول فيه يَشرعُ في مقدمةٍ طويلة ثمَّ يَبـتدئ في ذكرِ حديثٍ مَكذوبٍ أشبه بالقصصِ المُختـرَعة في هذا الزمان، أو صحيح، لكن زِيدَ عليه أضعافُه من الأكاذيب في أثنائه وفي آخره.  كما أنَّ هذه المجالِسَ لم تَكُنْ تَخضعُ لنظامٍ احتفالي ولم يكن من شروطِها تركُ التدخين في أثنائها والصمت أحيانًا، بل كانت أشبه بقصص الحكواتِـيِّين التي تُتلى في المقاهي.

أمّا فيما يتعلق بطُقوسِ يوم العاشر من محرَّم، روى الأمين في سيرته أنَّ الأعمالَ كانت تُعطَّل إلى ما بعد الظُّهر، «ثمَّ تُزار زيارة عاشُوراء، ثمَّ يؤتى بالطعام إلى المساجد، وفي الغالب يكون من الهريسَة. فيأتي كُلُّ إنسانٍ بقدرِ استطاعَتِه فيأكُل منه الفقراء ويأكل منه قليلًا الأغنياء للتبـرُّك، ويُوزَّع منه على البيوت [...] أمّا في القرى التي ليس فيها نسخةُ المجالِس فيُقتـصَر على قراءة المَقْتَل يوم العاشر ويُقرأ منه في ليلتَين أو ثلاث قبل ليلة العاشر»، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ الإحياء كان يقتصرُ حينها على هذه الأعمال. 

  • التَّوسُّع: مثال بنت جبيل 

وعن طُقوس بنت جبيل، أوردَ مصطفى بزي أنَّ أهالي البلدة، وأثناء إقامة العَزاء في عاشُوراء، كانوا يَتخفّون هم أيضًا، فيَضعون في مداخل الزواقيق حُراسًا لتَنبيهِهم من رجال العسكر الأتراك الذين كانوا يَمنعون ذلك. وكانت بنت جبيل حافَظتْ على شَعائرِها الدينيَّة، فلم يَغِبْ عنها رجالُ الدين، إذ كان لهم تأثيـرٌ إيجابي في تعميق الشعور الديني في المجتمع الشِّيعي. فكانوا يُقيمون التعزيةَ في البلدة بالرغم من تَضيِيق العثمانيِّين عليهم. 

«لبس الأكفان» في النبطية في صورة تعود إلى عام 1930
«لبس الأكفان» في النبطية في صورة تعود إلى عام 1930

وقد عرفتِ البلدةُ أكثر من قارئِ عزاءٍ يَزورون البيوتَ في أيامٍ وأسابيعَ عديدة وليس في العاشر من محرَّم فقط. وكان أولُ قارئِ عزاءٍ فيها الشيخ حسين زهر الدين، فكان يَتنقَّلُ بين المنازل صيفًا وشتاءً، مُلتـزِمًا بالقيود والمواضيع التي وضَعَها الشيخ موسى أمين شرارة الذي أتى من العراق عام ١٨٨٠ وأصبَح يُقيمُ مجالِسَ أسبوعيَّة مُنظَّمة في بيتِه على مدار السَّنَة. والأهم أنَّه نظَّمَ مجالِسَ العَزاء، فأصبح القارئ يَتلو نصَّ رواية المعركة في كَربَلاء واستشهاد الحُسَين على الحضور، فيَنُوحون ويَبكُون. ووسَّعَ نطاقَ الشَّعائر من ناحية إقامة العَزاء عن أرواحِ الموتى، والمجالِس الأسبوعيَّة مساء الخميس، ومجلسَين صباح الجمعة أو عصرها، ما ساهمَ في دَفْعِ الناس إلى التديُّن والحِفاظ على روح عاشُوراء طوال العام. وكانت مجالِسُ العَزاء التي أَدخلَها شرارة تتميزُ بالتَّمثيـلياتِ المسرحيَّة والمواكِب الحُسَينيَّة على الطريقة الإيرانيَّة، وبتَحريضٍ من الإيرانيين الذين استقروا في جبل عامل أواخر القرن التاسع عشر، ومعظمُهم من التجار الذين كانوا يَتعاطون عمليات الوَساطة التجاريَّة بين مرفأي صيدا وحيفا، ولم يُكوِّنوا تَـيَّارًا من الهِجْرة، بل حالاتٍ من الأُسَرِ المُنفَرِدَة.

  • الإحياء الإيراني: شُيوع التَّـطْـبير

وكان بين هؤلاء الإيرانيِّين السيِّد ميرزا حسين، والد الدكتور بهجت ميرزا، أول مَن درسَ الطِّبَّ من العامليِّين في الجامعة الأميركيَّة في بيروت. وكان للأب والابن دورٌ في إدخال هذه الشَّعائر، فقد تَميَّـز السيِّد ميرزا حسين بانْكِبابِه على تعزيزِ الطَّقسِ الكَربَلائي وتنويعِ مُفرَداتِ مُمارسَتِه، وكان يقومُ بنَفسه في اليوم العاشر من محرَّم بجَرحِ رؤوسِ الشباب من حَليـقِي الرؤوس المُرتَدِين أكفانًا بيض بالموسى حتى يَسيل الدم على الأكفان البيض. فكان وراءَ شيوعِ شَعيرة «التَّطبير» في النبطيَّة، وهي كانت مَحدودة في البداية لكنها اتسعَتْ لاحقًا لتُصْبِحَ تقليدًا شعبيًّا ليس فقط هناك، بل في سائر القرى الشِّيعيَّة أيضًا. وكان التطبير، والذي اختُلِف شيعيًّا في جذوره، بدأ بالرَّواج والاتساع كثيرًا إبان العهد القاجاري في إيران (١٧٧٩-١٩٢٥).

كان لشكلِ الإحياء الجديد الذي أتى به الإيرانيون تَداعياته بين مؤيِّدين ومعارِضين. ومما روى محسن الأمين أنَّه عند محاولة إدخال الشَّعائر الدينيَّة على الشكل الذي أراده الإيرانيون الساكِنون في النبطيَّة، احتجَّ السيِّد حسن بن يوسف الحُسَيني العاملي الحبّوشي [حسن يوسف مكّي]  الذي سكنَ النبطيَّة بعد عودته من العراق و«استعان [...] بقائمقام صيدا، لكن جَرتْ تدخُّلات مع الوالي في بيروت بأنَّ الرعايا الإيرانيِّين في النباطيَّة [النبطيَّة] يُريدون القيامَ ببعض الشَّعائر الدينيَّة وقائمقام صيدا يَمنعُهم، فصدرَ أمرُ الوالي إلى القائمقام بأنْ لا يتعرَّضَ للإيرانيين في عمل الشبيه وجرح الرؤوس بالقامات، فلم يتمكَّن السيِّد حينئذ من معارضتهم، فعملوا ذلك».

عام ١٩٠٦، وبعد وفاة حسن يوسف مكّي، خَلفَه عبد الحسين صادق على «الرياسة» الدينيَّة في النبطيَّة، وقد قَدِمَ إليها من النَّجَف الأشرف بالعراق، فبنى فيها عام ١٩٠٩ أولَ حُسَينيَّة في لبنان وبلاد الشام، وكان أنشأها لإقامة مجالِسِ العَزاء لإحياء مَوقعة كَربَلاء، حيث كانت تضمُّ جموعًا حاشِدَةً خصوصًا في الليالي العشر الأولى من عاشُوراء، وتُقام فيها الاحتفالاتُ الدينيَّة على أنواعها. ثمَّ راح يُشجِّع على إقامة مسرح عاشُوراء وكتابة النصوص المتعلِّقة بذلك، فكان الناس يجتمعون ويُنشِدون المراثي ويقرأون المقاتِلَ ويَبكون ويَنتَحِبون. ثمَّ صارت مجالِسُ العَزاء تُقام بعد ذلك طوال الأيام العشرة الأولى من شهر محرَّم.

ترك عبد الحسين صادق الحرِّيَّة للناس في ممارسة الشَّعائر الجديدة على الطريقة الإيرانيَّة، كما شجَّع على إقامتها وعمِل على إعادةِ تَصميمها، إلا أنَّ موقفَ السيِّد حسن يوسف مكّي الرافض لها كان لا يزال في أذهانِ الناس، فقاوم بعضُهم هذه الشَّعائر الجديدة.

وبالرغم من هذا التحريم، باعتبارِ أنَّ الضَّربَ بالسيوف بِدعةٌ خارجةٌ عن الشرع، فقدِ استمرَّ الشِّيعةُ في الأيام التسعة الأولى من شهر محرَّم يَضربون صُدورَهم العارية بالأيدي، وفي اليوم العاشر يَحلِقون رؤوسَهم ويسيرون في الموكبِ يَضرِبونَها بالسيوف بدلًا من لَطْمِ الصُّدور، كما أوردت مجلّة «العرفان». وقال جعفر الخليلي إنَّه «عندما قامَ السيِّد محسن الأمين بتَحريمِ الضَّربِ بالسيوفِ والسَّلاسِلِ في يوم عاشُوراء، كان الشيخ عبد الحسين صادق في النبطيَّة، والسيِّد عبد الحسين شرف الدين في صُور، ممَّن خالف السيِّد محسن الأمين». كما أكَّد حبيب صادق، نجل الشيخ عبد الحسين صادق، في كتابه حوار الأيام أنَّ والدَه كان من دُعاة الشَّعائر الإيرانيَّة «المتشدِّدين»، و«قدِ اصطَفَّ إلى جانبه عددٌ من العلماء، كان في طليعتهم العلامة السيِّد عبد الحسين شرف الدين وكان، في الجهة المقابلة، العلّامة السيِّد محسن الأمين مع عددٍ آخرَ من العلماء، الذين يرون في هذا العمل [ما يُخالف العقل والدِّين الإسلامي]». وكتبَ الأمينُ رسالةً انتقدَ فيها «بعض الشَّعائر الحُسَينيَّة، وقامت جريدة "العهد الجديد" الصادرة في بيروت بنشر انتقاده هذا آنذاك، مِمَّا آثار حفيظةَ الشيخ عبد الحسين [صادق] فأصدر رسالة "سيماء الصُّلَحاء" ردًّا على أفكار السيِّد الأمين»، مُدافِعًا عمَّا يُرافِق المآتم الحُسَينيَّة من لَطْمٍ على الرؤوس والصدور.

على أن مَنِ اعترضَ على التَّطبير لم يَرفضِ البُكاء الذي كان يُنظَـرُ إليه على أنَّه ذو أهميَّةٍ كبيرة في تعزيز الهويَّة الشِّيعيَّة، وجزءٌ أساسيٌّ من الرموز الدينيَّة للمذهب.

وبَقِـيَ السيِّد محسن الأمين على موقفه حيالَ عرض السيرة الحُسَينيَّة مُجرَّدَةً مِن كثيرٍ مما يَراه شوائبَ وأكاذيب حَفِلَ بها كتابُ المجالِس كما أسْلَفنا، والذي كان مصدرًا أساسيًّا لخُطباء المنابر الحُسَينيَّة. لذا قام بإلزام هؤلاء بمُراعاة خطته في المآتم الحُسَينيَّة تبعًا للعرض الذي قدَّمه للسيرة. فهو لم يَكتفِ برأيٍ سلبيٍّ حيالَ التَّطبير والسَّلاسِل وسواها من الطُّقوس، بل تَعدَّاه إلى تَطهير الشَّعائر الحُسَينيَّة حتى من النصوص التي يراها مُحرَّفة ودخيلة. فوِفقَه أنَّ «كثيرًا من الذاكرين لمُصابِهم قدِ اختلقوا أحاديثَ في المصائب وغيرها لم يَذكُرْها مؤرِّخٌ ولا مؤلِّف، ومَسَخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها، لِما يرونه من تأثير في نفوس المُستمِعين الجاهِلين بصِحَّة الأخبار وسَقَمِها حتى حُفظِت على الألسُن، وأُودِعَت في المجاميع، واشتهرَت بين الناس، ولا رادِعَ، وهي من الأكاذيب [...]».

في جبشيت، دَرجَتِ العادةُ على أنْ تقومَ المجموعاتُ الإيرانيَّة المقيمة بشَعائرها تحت إشراف الشيخ عبد الكريم الزّين، ثمَّ تُنظِّم في اليوم التاسع مسيرةً باتجاه النبطيَّة يتوجَّه الجميعُ بعدها نحو النبطيَّة الفوقا. وكان الإيرانيون يَحتفلون بذكرى عاشُوراء على طريقتهم الخاصَّة، إذ يُقدِّمون تمثيليَّةً يؤدِّيها شخصان باللغة الفارسيَّة تَروي واقعة كَربَلاء. وكانت تلك التظاهرةُ المسموحُ بها للجالية الإيرانيَّة في النبطيَّة باللغة الفارسيَّة فقط، بناءً على الإذن الذي أعطَته وزارةُ الخارجيَّة العثمانيَّة في اسطنبول. ونالَتِ المسيرةُ إعجابَ الأهالي الذين كانوا يَندسُّون في صفوف «اللطِّيمة» الإيرانيِّين، ويُردِّدون معهم بعض الكلمات بالفارسيَّة مع الضرب على صدورهم، وذلك تضليلًا للحُراس العثمانيِّين. 

وعام ١٩١٧، وضعَ الطبيبُ ميرزا أولَ حوارٍ بالعربيَّة لتمثيليَّة عاشُوراء التي لم يَكُنْ يتواجَه فيها إلا مَن يُمثِّلان الحُسَين والشِّمر، وهو قام بتَنسيقِ العَرضِ ليكونَ أولَ مَن أعطاه النَّمَطَ المسرحي الذي عُرف به فيما بعد.

وذهبَ فريديرك معتوق إلى اعتبارِ أنَّ إحياءَ مجالِسِ عاشُوراء والمَسيرات خلال الفترة العثمانيَّة كان فِعلًا اعتراضيًّا على قبضةِ السَّلطَنة. ذلك أنَّه «حتى عام ١٩١٨، كانت تمثيليَّة عاشُوراء في النبطيَّة بمثابةِ تظاهُرةٍ شعبيَّةٍ مناهضةٍ للسُّلطة القائمة ومعادِية للحُكْم العثماني، حيث كانت صامتةً وكان الشِّمر يرتدي ملابِسَ العَسْكر العثماني، كدلالةٍ على رفضِ الحُكْمِ العثماني القائم».

وعام ١٩١٩، ومع انتهاء الحُكْم العثماني، باتَ إحياءُ المراسم مُشترَكًا وعلانيَّة بين الإيرانيِّين وأهالي النبطيَّة، وأخذَ العددُ يتضاعف ودائرة المشاركَة تتوسَّع، وخصوصًا يومَي التاسع والعاشر من محرَّم. وكانت «النَّدبِيَّات» لا تزال تُردَّد بالفارسيَّة على غرار مَثيلتها في إيران. أمّا مَسيراتُ «اللَّطِّيمة» فكانت تجوبُ شوارِعَ البلدة الضيِّقة خلال الليالي التِّسْع الأولى من محرَّم على وقعِ البُكاء على موت الحُسَين.

  • طُـقوس بعلبك وجبل لبنان

في بعلبك، لم تَظهر مراسِمُ إحياء الشَّعيرة الحُسَينيَّة على غرارِ الشكل القوي الذي كانَ في جبل عامل والنبطيَّة، لعدم تَوفُّر المناخات الملائمة خلال الحِقبَة العثمانيَّة، فاقتَصرَ الأمرُ على إبرازِ مظاهرِ الحُزن من خلال أبياتٍ وقصائدَ لعِدَّة شعراء مثل حسين وزين العابدين مرتضى، والتي تُفصِحُ عن مشاعِرِ الانتماء والحُبِّ لآل بيت النبيِّ من خلال التوسُّل والدُّعاء. لم تكن هناك مظاهرُ احتفاليَّة جماعيَّة عامة، ولكن في حال تَوفُّرِ شخصٍ ممَّن سبقَ له تحصيلُ العلم في الكتاتيب، أو تَمكَّن من الاطِّلاع على الأشعار والسِّيرة الحُسَينيَّة من كُتبِ الشِّيعة، فإنَّه يقوم بتِلاوتِها مُداورَةً بين منازلَ عِدَّة بصوتٍ خفيض. 

وثمةَ مظاهرُ طقوسيَّة كانت سائدةً، تقومُ على منظومةٍ من الالتزامات، قوامُها الامتناع عن سلوكياتٍ تتنافى مع الطبيعة المأسويَّة للمناسبة، وأخرى تؤكِّد الارتباطَ بشهيد كَربَلاء. فكان العُزوفُ عن الزواج والأعراس والمظاهر الاحتفاليَّة في أيام عاشُوراء، ووصلَ لدى البعض حدَّ الاستِنكاف عن الاستحمام وارتداء الملابس الجديدة، كما عن صُنع الحلويات وشراء أي جديد.

أمّا في جبل لبنان، فكانَ إحياءُ عاشُوراء إبَّان الحُكمِ العثماني بإقامة المجالِس الحُسَينيَّة في ما يُعرف حاليًّا بالضاحية الجنوبيَّة لبيروت، وتحديدًا في أحدِ منازل منطقة الغبيري. وكانت المجالِسُ لا تقتصرُ على السِّيرة الحُسَينيَّة بل تَتخلَّـلُها خطاباتٌ توجيهيَّة وشِعرٌ من وَحْي المناسبة، وتُقامُ «بالسِّـرِّ خوفًا من الاضطهاد، حيث كانت هذه المجالِسُ تتحوَّل إلى سهرةٍ عاديَّة عند قُدوم الدَّوريات العثمانيَّة». فعلى سبيل المثال، استضافَها سِرًّا منزل الشيخ حسن همدر في حيّ العرب ببرج البراجنة، وفي الغبيري منازِل القضاة من آل الحُسَيني والأعيان من أبناء العائلات الكبيرة.

ج- من بداية الانتداب إلى أواخر الستينيّات: التَّـعريب والتَّوسُّع 

أطلقَ الانتدابُ الفرنسي حُريَّةَ الممارسَة الدينيَّة بعد إصدارِ الدستور في ٢٣ أيار ١٩٢٦، حيث اعتبرَ أنَّ حُرياتِ اللبنانيِّين ومُعتقداتهم وإقامة شعائرِهم الدينيَّة مَصُونة، وتمَّ الاعتراف الرسمي بالطائفة الشِّيعيَّة وإنشاء المحاكِم الجعفريَّة.

  • مركزيَّة النبطيَّة: المَسْرحَة والتَّـطبير

خلال عهد الانتداب، قامتْ مجموعةٌ من الشبابِ اللبناني بتَمثيلِ واقِعَةِ الطّفِّ للمرةِ الأولى في النبطيَّة يوم العاشر من محرَّم عام ١٩٢١، ولم يَكُنِ العملُ المسرحي حينها يستندُ على نصٍّ مكتوبٍ بل على حوارات مُجتـزأة. وشارك عبد الحسين صادق سنةً بعد سنة في تنظيمِ المواكب وتطوير التمثيليَّة، فعُرِّبت الشعاراتُ بعد أنْ كانت بالفارسيَّة، وكتبَ نصَّ مسرحيَّة عاشُوراء «وهي لم تكن معروفةً في المدينة قبل ذلك، وكانت تؤدَّى بصيغةِ مقاطِعَ تمثيليَّة صامتة على شَكلِ مبارزةٍ بين فِرقتين، الأولى تؤدِّي دَوْر الشِّمر والثانية تؤدِّي دَوْر أصحاب الإمام الحُسَين». وعام ١٩٢٦ أُدخِلَ عنصرٌ جديدٌ على طُقوس الإحياء، «فقامت مجموعةٌ من الشباب بإلباسِ أحدهم رداءً مُلطَّخًا بالدماء، ووضعوه داخل تابوت خشبي، وعندما وصلَ قارئ التعزية إلى سردِ قصة موت قاسم بن الحسن، دخَلَ الحُسَينيَّةَ فبدأ الجميع بشكلٍ عفويٍّ بالصُّراخ مردِّدين "الله أكبر" وهكذا تمَّ إدخال أولُّ عنصرٍ درامي في قراءة التعزية ولم يكن مُستَوْحَيًا أبدًا من العَرْض الإيراني».

وبذلك أضحَتْ مدينة النبطيَّة خلال عهد الانتداب مَقْصِدًا يتوافدُ إليه مَن يُريدون المشاركة في إحياء مراسِم عاشُوراء، وشكَّل بيدرُها مكانًا سنويًّا لطُقوس العاشر من محرَّم وحضور تمثيل الواقعة. وكانت شَعائرُ الإحياء انتشرَتْ فيها حينذاك بالشكل الذي يَتضمَّنُ مُمارساتِ الضرب على الرؤوس والظهور بالسَّلاسِل والسيوف، ومنها انتقل إلى مناطقَ أخرى في جبل عامل.

واستمرَّ محسن الأمين في موقفِه المعارض لتلك الطُّقوس، وألَّفَ رسالةً ردَّ فيها «على ما يُجيزُه ويُرَوِّجه بعض العلماء في النبطيَّة أولًا أو جُبع أخيرًا من البِدَع» التي اعتبر أنَّها تجعلُ من الشِّيعة «أضحوكة في عين الأغيار». وقد سمَّاها بـ«رسالة التنـزيه لأعمال الشبيه» وضمَّنها تسعةَ إشكالاتٍ مرتبطة بإقامةِ الشَّعائر الحُسَينيَّة، كالكَذِب بذِكْرِ الأمور المَكذوبةِ المعلوم كَذبها وعدم وجودها في خَبرٍ ولا نَقْلِها في كتاب، التلحين بالغناء الذي قامَ الإجماعُ على تحريمه، إيذاء النفس وإدخال الضَّرَر عليها، استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر والصّنوج النحاسيَّة، تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل، إركاب النساء الهوادجِ مكشَّفات الوجوه وتَشبيههنَّ ببنات رسول الله، صِياح النساء بمسمعٍ من الرجال الأجانب، الصِّياح والزّعيق بالأصواتِ المُنكَرة القبيحة، وكل ما يوجب الهَتك والشُّنعَة مِمَّا لا يدخل تحت الحصر. وأوردتْ مجلةُ «العرفان» الأمورَ الدالَّةَ على تحريمِ الأفعال التي ذكرَها الأمين في الصفحة الثالثة من الرسالة، كإيذاءِ النفس وإدخال الضَّرَر عليها بضرب الرؤوس وجرحِها بالمِدَى والسّيوف حتى تسيل الدماء، وضرب الظهور بسلاسل الحديد، وغيرها.

وفي ما يخصُّ المسرحيَّة في النبطيَّة، فقد أُدخِلَت عام ١٩٣٤ بعض الأمور الجديدة إليها مثل توحيد زيِّ فرقة الشِّمر «الذي هو عبارة عن عباءةٍ بُنِّـيَّة فاتحة وكوفيَّة حمراء، وكذلك ارتدى أعضاء فرقة الحُسَين العباءة السوداء، أمّا الاستِحداث الآخر فهو إدخال الخِيَم حيث سيتمُّ وَضْعُ القشِّ الذي سيَحرقُه الأعداء بعد قتلِ الحُسَين وأسْرِ نساء العائلة وفتياتها». وعام ١٩٣٦ عمَد عبد الحسين صادق إلى صياغة نصٍّ مسرحيٍّ مُتكامِل انطلاقًا من مجموعةٍ من رواياتِ المؤرِّخين الشِّيعة بلُغةٍ فصيحة ومتينة. وفي العام نفسه، اشترى بعضُ سُكانِ النبطيَّة المقيمين في بيروت دِرْعًا حديديًّا وخُوذَة وسيفًا لاستكمال بذلة الشِّمر.

عاشوراء في عهد الانتداب
عاشوراء في عهد الانتداب

استمرَّتِ المدينةُ باستقطاب الحشود إليها، وأوردت صابرينا ميرفان أنَّه في عام ١٩٣٧ كانت الجُموع تتدخَّلُ أحيانًا دفاعًا عن «أبناء علي» وذلك اندماجًا في جوِّ المسرحيَّة، فكانت النساءُ أوَّلَ مَن يَنبَـرِي إلى لَعْنِ مُمثِّل دَوْر الشِّمر ويَعمِدنَ إلى ضَربه بأحذِيَتهنَّ على رأسه؛ وبعد انتهاء الاحتفال يُعثَر على الكثير من المصابين. وبذلك يظهَرُ أنَّ إحياءَ شَعيرة عاشُوراء اكتسبَ في النبطيَّة شكلَه المسرحي والاجتماعي. كما كانت المراسِمُ تَضطلِعُ بدورٍ أساسيٍّ في تَطوُّر المنطقة التجاري، ويُروَى أنَّه إذا صادفَتْ عاشُوراء يوم الاثنين، أي موعِد سوق النبطيَّة، كانت تؤجَّل يومًا حتى لا يُضطر التُّـجار إلى إغلاق مَحالِّهم وخسارة الأرباح في يوم عاشُوراء.

مسيرة عاشورائية في النبطية
مسيرة عاشورائية في النبطية

عاد الشيخ عبد الحسين صادق «عام ١٩٤٢ فأضافَ سلسلةَ أدوارٍ على النصِّ [المسرحيَّة]، وتوسَّع هامشُ رِفاق الحُسَين [...] نظرًا للنجاح الشعبي الذي أحرزَته التمثيليَّة الجديدة». وفي الوقت نفسه، طُوِّرَ الجانبُ الفنيُّ من طريق إنشاء مسرحٍ خشبي وتكوينِ مجموعةٍ من المُمثِّـلين من أبناء المدينة.

وفي شهادةٍ من الأربعينيّات تدلُّ على استمرارِ طقوس التطبير، كتبَ محمد الشامي في رسالة جامعيَّة: «أنَّ من المظاهر التي تُقام في النبطيَّة في تلك الفترة ضَرْبُ الرؤوس بالمِدَى (سكاكين)، وإسالة الدماء [...] وضَرْب السَّلاسِل الحديديَّة، فلقَد شاهدتُّ حلقاتٍ من الشباب المؤتَزِرين بإيزارٍ أبيض وهم حليقو الرؤوس يَضربون رؤوسهم المجرَّحة ضربًا خفيفًا بمِدًى طويلة بأيديهم، يُردِّدون حيدر حيدر».

واستمرَّتِ النبطيَّةُ في جَذْب الحُشود، فقد شَهِدَ يوم عاشُوراء عام ١٩٦١ جمهورًا كبيرًا اشترك فيه عددٌ من المسؤولين ونُواب المنطقة، وقُدِّر العدد بأربعين ألفًا.

  • صُور وبنت جبيل وصولًا إلى بعلبك

أمّا في مدينة صُور والقرى المجاورة لها، فاقتصر الإحياءُ في فتـرة الانتداب وما بعدها على تِلاوة المجالِس الحُسَينيَّة، ولم يكن مُتَّـبعًا فيها ضربُ الرؤوس وجرحُها. لم يُشاطِر عبد الحسين شرف الدين محسن الأمين الرأيَ في ضرورة تحريمِ المُمارَسات القائمة على العنف، وتمثيل الفاجعة؛ ومع اعتراضِه على هذه الشَّعائر، فإنَّه كان يَسمح للمجموعات التي تقومُ بضرب أنفسها حتى النَّـزف بفِعلِ ذلك، وكان يُجيزُ الأناشيد أيضًا.

وعام ١٩٤١ ظَهرَ اسمُ الشيخ محمد نجيب زهر الدين في صُور. وفي رواية جعفر شرف الدين، نَجْل السيِّد عبد الحسين شرف الدين، أنَّ «عَرضَه لثورة الحُسَين [كان] جديدًا على خُطَباء الثورة الحُسَينيَّة لذلك العهد المُعتمِد على سَفائِنَ مخطوطةٍ فيها من المبالغات ما لا مزيد عليه، ومن السَّخف ما لا يقبلُ به الذَّوقُ والعَقل؛ وهذا ما كان يرفضه أبي ويعمل على تغييره». وأضاف أنَّ والدَه وقَعَ على ضالَّته في الشيخ زهر الدين، فاستبقاه عندَه يُطلِعُه على أبحاثِ كبار العلماء والمُحدثين حول ثورة الحُسَين؛ وأنَّ أباه أخذَ المبادرةَ إلى تنظيم نصوصِ الروايات لقراءتها في مجالِس العَزاء وتولَّى أحيانًا مكان المقرئ الحُسَيني نظرًا إلى غياب المُقرئين الكفوئين، وهو لم يتوصَّلْ إلى تنظيم المراسِم قبل بداية العقد الخامس من القرن العشرين.

ومع الوقت، ازدادتْ أعدادُ المشاركين، فشَهِدَتْ صُور عام ١٩٦١ تجَمُّعَ حشودٍ كبيرة في عاشُوراء بلغتْ حوالى عشرة آلاف شخص.

«عاشوراء» في الكلية العاملية
«عاشوراء» في الكلية العاملية

في بنت جبيل أقام السيِّد علي الحكيم، نَجْل السيِّد هاشم الحكيم، المجالِسَ في البيوت، وقد بدأها في السابعة عشرة من عمره، بتَشجيعٍ من كبار السِّن في البلدة الذين التـزموا معه بمجالِسَ تُقام في منازلِهم ليلًا. فكان مجلس العَزاء الأول له عام ١٩٤٤ عندَ الحاج محمود الحاج جواد بزّي، وحضَرَه العديد من الأهالي. وتوالتْ مجالِسُ السيِّد علي الحكيم في ليالي عاشُوراء في بيت عبد الأمير علي صالح بزّي، وكان كاتب بلديَّة بنت جبيل وصديقًا للقائمقام جورج يزبك الذي كان يحضُر المجلسَ ويُبدي إعجابَه بصوت الحكيم والمواضيع التي كان يَطرحُها. وبعدما ذاعَ صِيتُه بقراءة المجالِس أصبح يُكلَّف بها خارج المنطقة وصولًا إلى الكُـلِّـيَّة العامليَّة في بيروت. 

واشتهرتْ بلدةُ مَجْدَل سِلِم بتَمثيل واقعة كَربَلاء بمسرحيَّةٍ سنويَّة في العاشر من محرَّم، وقُسِّم الممثِّلون إلى مُعسكَرَي الأمويِّين والحُسَين، وشارَكَ فيها رجال مُشاةٍ وفُرسان ورُماة نِبال، إلى النساء والأطفال. لكنَّ تمثيلَ المسرحيَّة أُوقِفَ في أوائل الخمسينيّات من القرن الماضي بسبب إشكالٍ مع قريةٍ مجاوِرة. وفي بلدة القصَيْبة، ظهرتْ عام ١٩٥٨ مسرحيَّةُ عاشُوراء حيث كان الشُّبان يَقومون بعملٍ تَطوُّعي لتهيئة المسرح، كما نُصِبَتْ عليه الخِيَمُ الصغيرة نسبة إلى مخيم الحُسَين، كذلك وُزِّعَتْ أشجار النخيل على المسرح بما يُحاكي كَربَلاء وَقتها. وشَهِدَتْ قُرًى أخرى قيام مسرح عاشُوراء كـكفررمان والزراريَّة في قضاء الزهراني. 

منذ عشرينيّات القرن العشرين، دأبَتِ الزعاماتُ السياسيَّة العائليَّة على إقامة مراسِم عاشُوراء والمشاركة فيها. فكان كامل الأسعد يستضيفُ في دارته مجالِس، وكذلك فعلَ محمد يوسف بيضون في الجمعيَّة الإسلاميَّة الخيريَّة العامليَّة. 

ومع مجيء الشيخ حبيب آل إبراهيم من منطقة جبل عامل إلى بعلبك عام ١٩٣٣، عَمدَ إلى قراءة السِّيرة الحُسَينيَّة في مسجد النهر، وكان يؤدِّيها بصوتٍ حزين ثمَّ يدور بين المُصلِّين مُلوِّحًا بمنديلٍ أبيض كإشارةٍ دالَّةٍ على الحِداد. وكان الحضور يقتصرُ على المُعمَّرين، وفئة الشباب غائبة بشكلٍ كبير. وفي الهرمل لم يَكُنِ الأمر مختلِفًا، فقد كان أبناء الشيخ حسين زغيب يُقيمون مجالِس عَزاء في قرية يونين.

  • عاشُوراء بيروت عابِـرَةٌ للطوائف

يعود إحياءُ عاشُوراء في بيروت إلى رشيد بيضون الذي كان أولَ مَن نَصَبَ خَيمَةً عاشُورائيَّة عام ١٩٢٩. واستمرَّ في الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن الماضي في إقامة المجالِس في «الجمعيَّة الخيريَّة الإسلاميَّة العامليَّة» ومنتدى الكُـليَّة العامليَّة في منطقة رأس النبع. وكانت المجالِسُ تَشْهَدُ حضورَ عددٍ كبيرٍ من الوُجَهاء وكبار موظفي الدولة. ويَتضمَّن برنامجُ الاحتفال عادةً تِلاوةَ آياتٍ قرآنيَّة والسِّيرة الحُسَينيَّة، بالإضافة إلى كلمةٍ لرشيد بيضون، يَليه كبارُ قضاة الطائفة الشِّيعيَّة في لبنان، كمحمد جواد مغنيَّة ومُثقَّفين من مختلف الطوائف، كما كان الشيخ عبد الله العلايلي خطيبًا. واستمرَّ الأمرُ في الستينيّات، دائمًا بحضور عددٍ كبير من رجال الدين والنواب والقُضاة والوُجَهاء والشباب، ويبدأ الاحتفالُ صباحًا بتِلاوة القرآن، ثمَّ يتحدَّثُ قارئ العَزاء عنِ استشهاد الحُسَين، تليه كلماتٌ لرشيد بيضون، وأخرى عن مغزى عاشُوراء للشيخ عبد الله العلايلي. 

واستمرَّتِ المناسبةُ في استقطابِ الشخصيات الثقافيَّة من مختلف الطوائف، كالأستاذ جبران الخوري مسعود الذي ألقى في احتفالٍ عام ١٩٦٧ كلمةً عن معنى الذكرى وأثرِها، والدكتور هشام نشّابه الذي مَجَّدَ استشهاد الحُسَين. وتخلَّلتِ المراسمُ عام ١٩٦٩ كلمةً للشيخ صبحي الصالح جاء فيها: «الجمعيَّة الخيريَّة الإسلاميَّة العامليَّة في بيروت، لا تحتفلُ بعاشُوراء كذكرى خاصَّةٍ مُغْلَقة، بل كمناسبةٍ إنسانيَّة منفتحة لجميع المواطنين [...]».

ولم يَقتصِرْ إحياءُ عاشُوراء في بيروت على منازِلِ السِّياسيِّين ومؤسَّساتهم، إذ كانت تُقام احتفالاتٌ برعاية دار الفتوى، كما في جامعة بيروت العربيَّة في نيسان ١٩٦٩.

واللافتُ أنَّ شيعةَ بيروت لم يعرفوا المظاهرَ التي انتشرتْ في أماكنَ أخرى، وخصوصًا في النبطيَّة، كاللَّطْمِ والضَّرْب بالجنازير وشَجِّ الرؤوس وغيرها؛ فالتديُّن لديهم كان عاديًّا وتقليديًّا.

الحضور في ذكرى عاشوراء في الكلية العاملية
الحضور في ذكرى عاشوراء في الكلية العاملية

د- من أواخر الستينيّات إلى بداية الثمانينيّات: بين الشَّعيرة والتَّسْيِـيس

  • عهد الصَّدر: إسقاطاتٌ سياسيَّة وعُطـلَة رسميَّة

مع خروج المجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى إلى الوجود عام ١٩٦٩، أصبحتِ المجالِسُ الحُسَينيَّة تُقام تحت غطاءٍ رسمي، كَون المجلسِ هو الجهة الرسميَّة المُمثِّلة للطائفة الشِّيعيَّة. أَوْلى رئيسُه السيِّد موسى الصَّدر اهتمامًا كبيرًا بشَعيرة عاشُوراء، وعملَ على التوسُّع في إحيائها. فكان هناك فريقٌ من الخُطَباء وُزِّعَ على المساجد والحُسَينيّات لإلقاء كلماتٍ قبل تلاوة القُـراء للسِّيرة الحُسَينيَّة، وكانوا يَربطون بين الأمور الحياتيَّة والسياسيَّة في تلك الفترة ومواقف الصَّدر، والاستشهاد والشجاعة والنُبْلِ التي سَجَّلَها الإمام الحُسَين ورفاقه يوم العاشر من محرَّم، ويدعون إلى الاقتداء به واستِلْهام الدروس في التضامن واللُّحمة. كما استفاد الصَّدرُ من رجال الدين الذين انخرَطوا في المجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى، فبات هؤلاء، وخصوصًا الذين كانوا يتبوأون مواقعَ قياديَّة داخل «حركة أمل»، يُعطون الدروس والمحاضرات الدينيَّة والسياسيَّة لشُبان الحركة وشابَّاتها.

واستحدَث الصَّدرُ لعاشُوراء قراءةً جديدة، فهو جعلَها مفتوحةَ الخيارات على سياستِه، وقد تجلَّى ذلك في التركيز على ضرورة إحياء الشَّعائر الخاصة بالطائفة، ورَبْطِها بعمليَّة التَّسْيِـيس، بحيث باتت الخُطَب في المناسبة تطالُ مسائلَ سياسيَّة وتُعبِّر عن مشروعٍ سياسيٍّ بشكلٍ مباشر. فمثلًا في عاشُوراء عام ١٩٧٥ في صُور أطلقَ الصَّدرُ مواقفَ أكَّدَ فيها الدفاعَ عن الأرض لأنَّ الاستِسلام خيانة.

وقد أبقى الاحتفالَ الرسميَّ العاشُورائي في العاصمة بيروت في الكُـليَّة العامليَّة، وتابَعه على ذلك لاحقًا الشيخان محمد مهدي شمس الدين وعبد الأمير قبلان. وبقيت الاحتفالاتُ في «العامليَّة» تَحظى بمشاركةِ شخصياتٍ غير شيعيَّة، ففي عاشُوراء عام ١٩٧٠ الموافِقة في آذار، شارَكَ الدكتور ميشال سليمان والعلامة الشيخ عبد الله العلايلي. وأضحى حضور المسؤولين اللبنانيِّين تقليدًا رسميًّا، فقُبَيل اندلاع الحرب الأهليَّة عام ١٩٧٥، جرى الاحتفال بعاشُوراء في كانون الثاني بحضور رئيس الحكومة حينذاك رشيد الصلح، رئيس المجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى، وعددٍ من مُمثِّلي الدول الإسلاميَّة والهيئات والجمعيات الخيريَّة والثقافيَّة، ونُوّاب بينهم محمد يوسف بيضون رئيس الجمعيَّة الخيريَّة العامليَّة.

إلى حدود عام ١٩٧٧، لم يكن يومُ العاشر من محرَّم عطلةً رسميَّة، إلا أنَّه كانت تَصدرُ تعاميمُ بالتعطيل فيه بتواريخَ سابقة، حتى صدَرَ المرسومُ الذي يقضي بتعديل الأعياد الرسميَّة ليتضمَّن يوم عاشُوراء.

الصدر خطيبًا في ذكرى عاشوراء في نادي الإمام الصادق في النبطية
الصدر خطيبًا في ذكرى عاشوراء في نادي الإمام الصادق في النبطية

وفي الإجمال، استمرَّ الشِّيعةُ في لبنان خلال تلك الفترة بمُمارسة الطُّقوس الاعتياديَّة لعاشُوراء. وممَّا روى محمد الشامي عن مراسِم النبطيَّة عام ١٩٧١، والتي كانت تشترك فيه القرى المجاوِرَة، أنَّ «الجماهير» تَجوب شوارعَ المدينة مُشكِّـلَةً مَوكِبًا ضَخْمًا، «يتألف من جماعاتٍ مُختلِفَة الأدوار، فواحدة يَتقدَّمُها جَمَلٌ عليه هَوْدَج بسيط وفيه بناتٌ صغيرات يَتَّشِحْنَ بالسَّواد، يُمثِّـلن السَّبايا، يَندُبْن ويُعَوِّلْن، وجماعة أخرى تَضمُّ شُبَّانًا عُراة، يَضربون بقَبضاتِ أيديهم على أجسامِهم ضَرْبًا عنيفًا يُرى أثرُه على أجسامِهم المُحْمَرة وهم يُردِّدون "كَربَلاء يا كَربَلاء هي مصيبة كَربَلاء..."، ويَتْلوها جماعةٌ ثالثة أمامها فَرَسٌ عليها ستارٌ أبيض ثُبِّـتَتْ فيه بعضُ النِّبال (مُمثِّلة فَرَسَ الحُسَين) وخَلْف الفَرَس ثلاثة شُبَّان يَقرأون مَرثِيَّةً حامِيَة يُردِّدُها الجميع، وجماعة رابعة تشترك فيها نِسْوَة يَلْبَسنَ الثياب السوداء الطويلة، وتَقرأ أمامهنَّ فتاةٌ ذات صوتٍ شَجِيٍّ شِعرًا مؤثِّرًا يُردِّدْنَه خَلْفَها... إلى آخر ما هنالك من مواكب تحُفُّ بها على الجانبين صفوف المتفرِّجين».

كما شَهِدَتِ النبطيَّةُ عام ١٩٧٤ ما اعتبرته مجلّة «العرفان» حينها أضخَم تجمُّعٍ لجماهير المدينة والقرى المجاورة، فبعضهم احتشدوا في المقاهي، وآخرون ساروا في الشارع الرئيسي ينتظرون وصول «النادِبين» «وهم مجموعة من حوالى مايتي شابٍّ عارية في نِصف جسمها الأعلى، وهؤلاء ما لَبثوا أنِ انتصَبوا شامخين...»، حيث كانوا «يصيحون ويضربون بقَبضتَيهم على صُدورهم، وبعضهم كان يضربُ ظَهرَه بمجموعةٍ من السَّلاسِل الحديديَّة حتى يَنـزف، ومن ثمَّ يُعاوِد مَوكبُ الشباب هذا سَيرَه يَتقدَّمُه هَوْدَجٌ فيه فتيات مُتشحات بالسَّواد يُمثِّلن السَّبايا على خيول صَبغَتها الدماء». كانوا «عشرات من الشباب يُحدِثون جروحًا في رقعةٍ حليقةِ الشعر من رؤوسهم ويطوفون شوارع النبطيَّة وهم يضربون على الجروح براحة أيديهم ويُردِّدون: (حيدر ـ حيدر ـ حيدر)»، فتمتلئ الشوارع بالدَّم ويغيب الكثيرون عن الوعي.

وبرُغمِ اندلاع الحرب الأهليَّة، استمرَّ إحياء مراسِم عاشُوراء، فكانت تُرفَع الأعلامُ المجلَّلة بالسَّواد فوق شُرفات الأبنية والساحات، وتُقام المهرجانات في النوادي الحُسَينيَّة، ويتحدَّثُ فيها أحيانًا مُمثِّلون عن المنظمات الفلسطينيَّة ورجالُ دينٍ من طوائفَ مختلفة. ومُجدَّدًا اتَّخذَتْ عاشُوراء خلال تلك الفترة معانٍ سياسيَّة، ففي احتفالٍ أُقيم في صُور وغابَ عنه السيِّد موسى الصَّدر لدواعٍ أمنيَّة، قامت مَسيراتٌ رُفِعَتْ فيها لافتاتٌ كتب فيها: «مع الإمام الصَّدر حتى الموت، سنُتابع خطى الحُسَين بقيادة الإمام الصَّدر».

عاشوراء «عطلة رسمية»  في الجريدة الرسمية
عاشوراء «عطلة رسمية» في الجريدة الرسمية
  • الثورة الإيرانيَّة واختِـفاء الصَّدر 

مع دخول إيران في مرحلة الاضطِرابات الداخليَّة، ثُم اختفاء الصَّدر عام ١٩٧٨، ازداد اتِّخاذُ عاشُوراء في لبنان منحًى يربطُ بين الذكرى والمعاني السياسيَّة المطروحة حينذاك. ففي أوَّلِ عاشُوراء بعد تَغيِيب الصَّدر، تَحوَّلتِ المناسبةُ في كانون الأول ١٩٧٨ إلى يومِ تأييدٍ للشعب الإيراني في ثورته على الشاه محمد رضا بهلوي، ورُفِعَتْ فيها صُوَر الإمام روح الله الخميني وموسى الصَّدر. وفي بعلبك، نظَّمتْ «حركة أمل» احتفالًا دينيًّا ومَسيرةً تَقدَّمتها لافتةٌ سوداء كُتب فيها: «الإمام الصَّدر أعاد عاشُوراء إلى حُسَينِها، بعدما كادت تَغرَق بالدموع». أمّا في جامعة بيروت العربيَّة، وبرعاية مُنظمة التحرير الفلسطينيَّة، شارك ١٥ ألف مواطنٍ «ورفعوا لافتات منها: كَربَلاء ـ طهران، القلوب والسيوف مع الخميني، يوم الوفاء للحُسَين بالتضامن مع الشعب الإيراني [...] لنقف مع الثورة في إيران». وفي النبطيَّة ردَّد الحضورُ حِداءً فيه: «شَعَّ في إيران من نور الحُسَين مَن يَكُن بالحق ـ يحمي الحَرمَين الخميني صاحَ بين المشْرِقَين فعلى الظلام ثوروا يا كِرام». وفي احتفال صُور تحدَّثَ ممثلٌ لـ«حركة أمل» اعتبر أنَّ الجنوبَ يتلقَّى عن صَدْر العرب والعروبة قنابل العدو وطائراته..كما أقامت جمعيَّةُ النادي الحُسَيني في صيدا احتفالًا دينيًّا حضَرَه الرئيس عادل عسيران وشخصيات سياسيَّة ودينيَّة، وتحدَّث الشيخ نجيب سويدان باسم المجلس الإسلامي الشِّيعي عن ذكرى الحُسَين وأوضاع الجنوب وموجِّهًا نداءً إلى المتعامِلين مع إسرائيل، ولم يتطرَّق إلى وَضْع الثورة في إيران.

إحتفال بذكرى عاشوراء بعد إختفاء السيد موسى الصدر
إحتفال بذكرى عاشوراء بعد إختفاء السيد موسى الصدر

واستمرَّتِ الجمعيَّةُ الخيريَّة العامليَّة بالاحتفال بذكرى العاشر من محرَّم، فأقامت كعادتها إحياءً لها في الثانويَّة العامليَّة عام ١٩٧٩. وكذلك كانت الحال في مدينة الزهراء في خلدة التي أسَّسها السيِّد موسى الصَّدر، إذ شاركتْ تجمعاتٌ لـ«عشرات الألوف» الذين جاؤوا من مختلف المناطق في تظاهراتٍ سَيَّارةٍ لم تَخلُ من المظاهر المُسلَّحة، وردَّد فيها المتظاهرون هتافاتِ التأييد للصدر والمقاومة الفلسطينيَّة والعَداء للسياسة «الأميركيَّة والصهيونيَّة والرجعيَّة العربيَّة»، مع كلماتٍ مرتبطة بالذكرى لرباب، شقيقة الصَّدر، ورئيس مجلس النواب حسين الحسيني والشيخ محمد مهدي شمس الدين. كذلك أقيمَت في حُسَيْنيتَـيِ الرّمل ببرج البراجنة والغبيري، ومقرِّ الحُسَينيَّة ومركز «حركة أمل» في البقاع، ونادي الإمام الصادق في صُور، احتفالات عاشُورائيَّة تميزتْ بخطاباتٍ ركَّزتْ على تَغيِيب الصَّدر. وفي النادي الحُسَيني في صيدا تميَّـزتِ الذكرى بمشاركةٍ من مختلَف الطوائف تَقدَّمها عادل عسيران ونائب المدينة نزيه البزري وغيرهما.

وبالإجمال، أبقى رئيسُ مجلس النواب كامل الأسعد خلال الحرب الأهليَّة على عادَتِه بإحياء المراسِم في منزله في الحازميَّة بمشاركة وزراء ونواب ورسميِّين.

وحافظتِ النبطيَّةُ على ريادَتِها في إحياء المراسِم، إذ شَهِدَتْ عام ١٩٨١ حَشْدًا تجاوزَ الخمسين ألف مواطنٍ لحضور احتفالٍ تُليَتْ فيه سيرة الحُسَين، تَلتْها فصولُ مسرحيَّة استشهاده، قبل أنْ يَتجمَّع لابِسو الأكفان البِيض في النادي الحُسَيني ويجرحوا رؤوسَهم بالحِراب ويسيروا في الشوارع والدماء تسيلُ على وجوههم. وفي الوقت نفسه أقامت «حركة أمل» في صُور احتفالًا تَخلَّـلَته كلماتٌ سياسيَّة. 

عاشوراء في أيامنا
عاشوراء في أيامنا

 

  • قُـراءٌ عِراقيون

خلال هذه الفترة، ظهرَ قُراءُ عَزاءٍ عِراقيون مِمَّن يُجيدون تلاوةَ السِّيرةِ الحُسَينيَّة بنبرةٍ حزينة في بعلبك، وقيل إنَّ «حركة أمل» ساهمتْ في الإتيان بهم نظرًا إلى النَّقصِ في المُقرئين اللبنانيِّين، إذ كان هؤلاء يُتقِنون تفسير خلفيات السِّيرة ودوافعِها، ويُجيدون رَبطَها بالقضايا السياسيَّة الراهنة، وذلك على مدى الأيام العشرة الأولى من محرَّم في النادي الحُسَيني ومسجد الوَقْف في الهرمل، بالإضافة إلى عددٍ من المساجد في القرى. وأدَّى هذا الإجراءُ إلى إخراج عاشُوراء إلى مدًى أوسَع، إذ لم يكن بالمقدور قبل تلك الفترة استِقْدام هؤلاء القُراء، فكان يَقتصِرُ الإحياءُ على عددٍ مُحدَّد من المساجد، ويتمُّ سماعُ الأشرطة المُسجَّلة وخصوصًا تلك العائدة للمُقرئ العراقي الشهير الشيخ عبد الوهاب الكاشي. تزامُنًا ظهرَ في البقاع خلال إحياء عاشُوراء منحًى داعمٌ للجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة في حربها مع العراق، وكان من طليعة هذا التيار صبحي الطفيلي  في بعلبك وعباس الموسوي  في بريتال، وقد شدَّدتْ خطاباتُهما على هذا الأمر.

هـ- من الثـمانيـنيّات إلى اليوم

مع ظهور «حزب الله» دخلَ إلى ساحة المَراسِم العاشورائيَّة طرفٌ جديد، إضافةً إلى وجود «حركة أمل» القويِّ والمجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى. فقد حملَ معه برنامجَه الخاص لتلك الإحياءات، مع الترويجِ لخَطِّه السياسي والعقائدي الديني المرتبط بولاية الفقيه وما يحملُه ذاك المشروع من رسائلَ تجاه الآخرين في لبنان والمنطقة، وكانت مُلفِتَةً مشاركةُ السفارة الإيرانيَّة والحرس الثوري الإيراني في المراسِم. 

استمرَّتْ إقامةُ المجالِس الحُسَينيَّة خلال فترة الثمانينيّات إلى اليوم، مع ما حَملَتْ من معاركَ أهليَّةٍ واجتياحاتٍ إسرائيليَّة وسيطرةٍ سوريَّة وأحداثٍ داخليَّة واضطراباتٍ بين الجماعات اللبنانيَّة أثَّرتْ في طريقة الإحياء وتَطوُّرها، مع الحفاظ على الشكل الأساسي القائم على قراءة مجلس العَزاء والمَسيرة والمسرح العاشُورائي وطُقوس أخرى. وكان للاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ ثمَّ الانسحاب الجزئي عام ١٩٨٥ وما تَبِعَ ذلك من أحداثٍ إلى الراهن، آثاره التي ظهرتْ على المجالِس، بحيث كانت تتمُّ الاستفادةُ من الواقع السياسي لتَوظيفه، ولم تَخْلُ حتى حروب الشِّيعة فيما بينهم منها. فإبانَ معارك «حركة أمل» و«حزب الله»، حشَد كُلٌّ منهما الطاقات للاستفادة من واقِعة عاشُوراء في خدمةِ خطّه . وتبايَنتْ مواقفُ المجلس الإسلامي والشيخ عبد الأمير قبلان والسيِّد محمد حسين فضل الله في هذا الخصوص.

مع نهاية الحرب الأهليَّة والتَّفـرُّد النِّسبي لـ«حزب الله» في مواجهة إسرائيل، ثمَّ انْهِماكه بعد انسحابها عام ٢٠٠٠ في الصراعات المحليَّة ثمَّ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري  عام ٢٠٠٥ الذي أعقبَه الانسحاب السوري من لبنان، وحرب تموز ٦٠٠٢ التي انتهت بالقرار ١٧٠١. استمرَّتِ الإحياءاتُ عند الحزب تَتمظهَر سياسيًّا في مختلف الاتجاهات. فبحسب ثقافته: «كل يومٍ عاشُوراء وكل أرضٍ كَربَلاء»، ولكن وفق المُحقِّق الشيخ حيدر حبّ الله فإنَّ «الروايات والأحاديث الواردة في النصُوص المُسنَدة المعتبَرة تُعارِض هذا المفهوم مُعارضةً واضحة». 

مسيرة عاشورائية
مسيرة عاشورائية

بعيدًا من التنظيمات الرسميَّة للمجلس الإسلامي الشِّيعي الأعلى والشخصيات السياسيَّة العائليَّة، وبنظرةٍ شاملة على شكلِ المراسِم عند كلٍّ من «حركة أمل» و«حزب الله»، ظهرَ أنَّ إحياءها لديهما اتَّجهَ نحو أشكالٍ تنظيميَّة أكثر من ذي قَبل، وبأعدادٍ مُتصاعِدَة، وميزانياتٍ مَرصودة بشكلٍ أكبر. وأمّا بالنسبة إلى الإحياءات المُستقلة، فقد كانت بوتيرةٍ أخفَّ مع هَيمَنةِ الثُّـنائي الشِّيعي على بيئتِه ورِيبَـتِه تجاه أيِّ نشاطٍ خارج إطاره، وهي رِيبَةٌ وصَلَتْ أحيانًا إلى اتهاماتٍ بالتخوين والتضليل الديني. 

لم تَتوقَّف الإحياءاتُ حتى في ظلِّ الظروف الأمنيَّة والسياسيَّة الصعبة، ففي ظلِّ التفجيرات التي تَعرَّضتْ لها المناطقُ الشِّيعيَّة عام ٢٠١٣ إبَّانَ الحرب في سوريا، رفَضَ «حزب الله» و«حركة أمل» التخلِّي عن مراسِم ذكرى العاشر من محرَّم، فاستمرَّا في إحيائها في ظلِّ إجراءاتٍ أمنيَّة مُشدَّدة بالتعاون مع الجيش اللبناني، مع توحيدٍ للمجالِس في بعض المناطق، وإلغائها في أخرى منعًا للاحتكاكات. كما ظهرَتْ عند الثُّـنائي الشِّيعي في الأعوام الأخيرة فكرةٌ جديدة مرتبطة بالمناسبة من خلال إطلاق شعاراتٍ سنويَّة على كُلِّ إحياء، كـ«صَبـرٌ ونَصْر» و «نفوسٌ أبِـيَّة».

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.
أيضاً للكاتب/ة
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
04・03・2026
حين تتحوّل «المقاومة» إلى عبء: تشيّع مخطوف وجنوب مُدمَّر
رنا شمص
لم تعُد «المقاومة» في لبنان عنوان حماية ولا أفق خلاص، بل تحوّلت، بفعل مشروع الولاية، إلى عبء ثقيل على الطائفة الشيعيّة وعلى الجنوب تحديدًا. ما قُدِّم لسنوات كخيار وجودي وقدَر لا يُناقَش، انكشف اليوم كمسار صادرَ التشيّع، دمّر الدولة وحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للخراب.
03・01・2026
كيف حاول «حزب الله» مصادرة الزيارة البابوية وتحويل القداسة إلى استعراض قوة؟
رنا شمص
لنقُل الأمور كما هي، بلا مواربة لغوية ولا تجميل سياسي: ما جرى على طريق مطار بيروت في بداية الشهر الماضي لم يكن «استقبالًا شعبيًّا» لرأس الكنيسة الكاثوليكية، بل محاولة مصادرة سياسية متعمّدة لحدَث ديني عالمي.