يبدو أن مخيّم برج البراجنة فقدَ خصوصيته الفلسطينية كمكان ضمَّ لاجئين قدِموا إليه من شمالي فلسطين عام ١٩٤٨، وتحوّل إلى مساحة جغرافية تضمّ آلافًا من الناس المحكومة من عصابات ومجموعات تتحكّم بالمقدرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمقيمين فيها ووفق سياسة أطراف لبنانية تسعى لاستخدام المخيّم كورقة في نزاعاتها الداخلية.
أنشىء المخيّم المذكور عام ١٩٤٨ من قبل عصبة جمعيات الصليب الأحمر لإسكان اللاجئين من قرى وبلدات الجليل الفلسطيني، ويقع في الضواحي الجنوبية لمدينة بيروت وبالقرب من مطار رفيق الحريري الدولي، وتتوزّع جغرافيا المخيّم تبعًا لأسبقية اللجوء من فلسطين، فقد سكن أهالي ترشيحا، وهم أول الوافدين، على خط يمتد من شمال المخيّم إلى جنوبه بمحاذاة الشارع العام الذي يفصل المخيّم عن منطقة برج البراجنة. وتبَعهُم أهالي كل بلدة وقرية ليسكن كل منهم في مساحة خاصة بهم. أهم البلدات التي قدِم اللاجئون منها هي: ترشيحا، كابري، كويكات، سعسع، الشيخ داود، شعب وعكا.
تشير الاحصاءات الخاصة بوكالة الأونروا إلى أن عدد اللاجئين يصل إلى نحو ٢٠ ألف لاجئ فلسطيني.
لكن أحد الناشطين أشار حديثًا إلى وجود نحو عشرة آلاف فلسطيني إلى جانب نحو ١٥ ألف لاجىء سوري قدِموا خلال الأحداث السورية، وأن أكثر من خمسة آلاف فلسطيني هاجروا إلى الدول الاسكندنافية بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ وحرب المخيّمات عام ١٩٨٥، كما نزَح نحو خمسة آلاف آخرين إلى الأماكن السكنية المحاذية للمخيّم.
ترَك اللجوء السوري آثارًا سلبية على المخيّم، فقد لجأ عدد من الفلسطينيين إلى بناء منازل وطوابق جديدة لإسكان السوريين عبر الايجار، ما أثّر على البُنى التحتية التي كانت في الأساس تعاني من ضغطٍ مزمن، كما أثّر ذلك على شبكة مياه الشرب وخطوط التيار الكهربائي، مع العلم أن إدخال مواد البناء ممنوع إلّا بإذن خاص من الأجهزة اللبنانية، وهو ما حصل عليه أصحاب الحظوة في علاقاتهم مع السلطة اللبنانية ومع أطراف لبنانية نافذة في المنطقة.
في أواسط نيسان ٢٠٢٤ حصلت اشتباكات مسلحة بين مافيات المولّدات الكهربائية والتي يحظى كل منها على دعمٍ من قوى فلسطينية ولبنانية، وإلى جانب ذلك ما زال تجار المخدّرات يستخدمون المخيّم ساحة للتوزيع وتمرير المخدّرات إليه عبر ما يُعرف بحي البعلبكية وحيّ الجورة، وهؤلاء التجار يحتمون بقوى من «الثنائي الشيعي» المتحكّم بأمور الضاحية الجنوبية.
إن الأحداث الأخيرة وخصوصًا بعد اللجوء السوري واستغلاله من قِبَل قوى لبنانية جعل هذه العصابات أقوى من الفصائل الفلسطينية التاريخية، مع أن بعض مسؤولي هذه الفصائل تؤمّن الحماية لموزّعي المخدّرات وأصحاب المولّدات الكهربائية.
واستنادًا إلى الانقسام الفلسطيني التاريخي، ففي مخيّم برج البراجنة لجنتان شعبيتان، الأولى تتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية والثانية تتبع للتحالف الفلسطيني الممسوك من النظام السوري وحلفائه.
تهتمّ اللجنة الأولى بتسجيل المساكن والإشراف على بيعها أو إيجارها، والثانية تشرف على تجارة توزيع المياه والكهرباء. وعلى الرغم من توزيع الأدوار، فإن «الثنائي الشيعي» يمارس سلطته ونفوذه على اللجنتين ويعزو سكان المخيّم الأمر إلى أنهم لا يريدون النزاع مع الأطراف اللبنانية.
ويقول أحد الناشطين: «إن عدداً من الفلسطينيين الذين لم تُعرف مصادر أموالهم صاروا يجنّدون مسلحين يأتمرون بأمرهم وينفّذون ما يُطلب منهم خارج إطار القوى السياسية التقليدية».
وتصرّح بعض الأطراف الفلسطينية بأنه من الضروري التنسيق مع المحيط اللبناني، لذلك يمكن القول إن أحد المسؤولين الأساسيين في اللجنة التابعة لمنظمة التحريرالمدعو ن. أ. يتولّى التنسيق مع حزب الله وتنفيذ المطلوب منه في المخيّم.
أما اللجنة التابعة للتحالف، فقد أضيف إليها أ. ع. أ.، وهو لا يمثل أي طرف فلسطيني، بل هو على علاقة مع الحرس الثوري الإيراني ويسعى من خلال نشاطه لبناء مجموعات وهيئات مدنية مرتبطة بالخَيار الإيراني من خلال تنظيم حملات ورحلات ذات طابع ديني شيعي لبعض أهالي المخيّم والمشاركة في احتفالات دينية في العراق، بالإضافة إلى توزيع مساعدات غذائية دورية، وتأمين أدوية للمرضى وتنظيم أيام صحية بدعم إيراني واضح.
ويشير ناشط فلسطيني آخر إلى أن الفلسطينيين مع خَيار المقاومة ضد إسرائيل، ولكن «ما نشهده حاليًّا يشير إلى أن هذا الخَيار لم يُترجم مشاركة عسكرية واضحة في الجنوب، وأن معظم المشاركين كان من فلسطينيي سورية، واذا كانت «حماس» تسعى إلى الإمساك بالمخيّم من خلال النزاع مع «فتح» فإن تنفيذها لأي خطوة لها علاقة بالنزاع في الجنوب اللبناني يرتبط بموافقة «حزب الله» وما يتناسب مع سياسته.
إن تجربة الفلسطينيين مع الاجتياح الإسرائيلي ثم مع حرب المخيّمات دفعت العديد منهم إلى استخدام التقيّة دفاعًا عن وجودهم.
ناشطة نسويّة أصرّت أن تضيف أمرًا آخر يتعلق بالوضع الاجتماعي وتأثير الثنائي الشيعي عليه، إذ قالت: «على الرغم من الخلاف والانقسام الفلسطيني بين «فتح» و«حماس» وداعمي كل منهما، لكنهما يقفان صفًّا واحدًا ضد حقوق المرأة الفلسطينية، وهي التي لعبت دورًا مميزًا خلال تاريخ الوجود الفلسطيني في لبنان، ونرى الجميع وبدعم من القوى اللبنانية الموجودة في المنطقة يمنعان أي نشاط نسوي ويحرضان مجموعات متطرّفة ضد حقوق المرأة».
مخيّم برج البراجنة، أو ما تبقّى منه، تحوّل إلى مساحة جغرافية للاستخدام الأمني والسياسي للثنائي الشيعي.




