تُعدّ الأراضي من الموارد الهامة التي تمتلكها الدول، لذلك تعمل الدول المتحضرة والنامية على العناية بها وجعلها الركن الأساسي في أي تخطيط مهما كان نوعه وهدفه.
إن قضية الأراضي في لبنان تعود إلى الواجهة في كل مرة يجري الحديث فيها عن التعديات والتجاوزات التي لحقت ولا تزال تُلحق بأملاك الدولة والبلديات وحتى أملاك الغير. وهذه القضية على درجة عالية من التعقيد خصوصًا في ظلِّ غياب السياسات العامة الواضحة لجهة التعامل مع هذا الملف، وفي ظلِّ النفوذ السياسي لقوى وأحزاب الأمر الواقع التي تُعيق، بشكل متعمّد ومقصود، أي سياسة عامة تنموية في هذا المجال، بحجة أن ذلك سيؤدّي إلى تغييرات ديموغرافية في المدن الكبرى ومنها العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية على وجه التحديد.
إن ما يُطلق عليه حاليًّا ضاحية بيروت الجنوبية، وكان يُطلق عليها سابقًا تسمية «ساحل المتن الجنوبي» مع إعلان دولة لبنان الكبير و«ساحل النصارى» أيام المتصرفية، واحدة من أكثر المناطق اللبنانية كثافة سكانية. وشهدت عبر المراحل التاريخية تغيّرات جغرافية وديموغرافية وإدارية عدّة، ظهرت مع تأسيس أولى البلديات فيها وهي بلدية الشياح في العام ١٨٨٩، ثم كانت المحطات الأبرز الأخرى مع تأسيس البلديات الأخرى في المنطقة فكانت بلديات: حارة حريك في العام ١٩١٨ وبرج البراجنة في العام ١٩٢٠ والغبيري ١٩٥٦ والمريجة وتحويطة الغدير والليلكي سنة ١٩٦٦. وكان من الطبيعي أن يؤدّي هذا التقسيم الجديد إلى بروز بعض التغييرات، من أهمها الخلافات الحدودية بين البلديات المستحدَثة وكذلك ظهور واقع جديد لجهة أراضي هذه البلديات تحديدًا مع «قضايا الرمول» التي فرضت واقعًا جديدًا على هذه البلديات، إذ سُلخت مساحات شاسعة من أراضيها، لتخسر بذلك موردًا هامًّا من مواردها، وقد فتح هذا الأمر المجال أمام ظهور نوع جديد من العقارات عرفت بـ«الشيوع» مع ما تضمّنه من تعدّيات كانت غريبة على أبناء المنطقة، لتزيد بذلك التعقيدات المتعلقة بملف الأراضي في المنطقة.

تُعدّ قضايا الرمول واحدة من أعقد القضايا التي واجهت بلديات الضاحية الجنوبية نظرًا لما انطوت عليه من إجحاف بحق بعض تلك البلديات. وتعود جذور هذه القضية إلى ما قبل العام ١٩٥٣، وهي تتعلق بالمناطق المعروفة حاليًا كجزءٍ من الجناح والسلطان إبراهيم والأوزاعي بالإضافة إلى عدد من العقارات الممتدّة على يمين طريق المطار القديم باتجاه بيروت. وبغضّ النظر عن تحديد الملكية الأساسية للعقارات المذكورة، فقد كان لبلدية برج البراجنة والتحويطة والليلكي مساحات كبيرة من الأراضي المصنّفة على أنها مشاعٌ لأهل البلدة، وذلك بحسب دفاتر المسح القديمة في المنطقة، فقد كان أهالي برج البراجنة يمضون فصل الصيف في مشاع بلدتهم، وقد بنوا في الواجهة البحرية والمنطقة التي تسمّى «الرمول»، «عرازيل» يمضون فيها فصل الصيف للاستجمام، هربًا من الحرّ. وقد دفع هذا الأمر ببلدية برج البراجنة التي كانت مؤلّفة من: الرئيس محمود عمار ونائب الرئيس ميشال متى والأعضاء: يوسف إبراهيم الطويل، أحمد محمد إسماعيل، عبدالهادي حرب، حسن علي رحال، محمد علي منصور، أيوب الحاج عساف، جليليو الحسيني ومحمد درويش السباعي، إلى عقد اجتماع تغيّب عنه عساف والحسيني والسباعي، للبحث في تنظيم عملية إشغال مشاع القرية، وخلُص الاجتماع إلى النص على أن هناك قسم من المشاع مؤجّر من فريد طراد، بناء على قرار البلدية الرقم ١ في تاريخ ٣/٢/١٩٤٥. وتبيّن لهم أن قسمًا منه بنى عليه الأهالي بيوتًا لتمضية فصل الصيف، فاتخذت البلدية قرارًا بألا تزيد المساحة المؤجّرة لكل مواطن عن ٣٠٠ متر مربع، والاستيفاء من كل مستأجر مبلغ خمسة غروش عن كل متر مربع سنويًّا تُدفع سلفًا، على أن تكون مدة الإيجار عشر سنوات تبدأ عند صدور القرار، وأن يوقّع كل مصطاف اتفاقًا مع المجلس البلدي على هذه الشروط. وقد صدر القرار في ٤/٦/١٩٥٣. كذلك وفي الوقت نفسه، استأجر كل من: المهندس فريد طراد والسيد ميشال زغزغي، كلٌّ على حدة، من بلدية برج البراجنة والتحويطة والليلكي سنة ١٩٤٥ قطعتي أرض من هذا المشاع، الأولى لبناء مركز سباق الخيل والثانية لبناء فندق وكازينو، وقد دفع زغزغي نقدًا مبلغ ١٠ آلاف ليرة لبنانية كقسط أول تنفيذًا لعقد الإيجار. والغريب في الأمر أن طراد وزغزغي أصبحا مالكَين بموجب حكم محكمة الرمول. ووفقًا لتقرير نشرته جريدة "السفير" في العام ١٩٨٣ فإن الرئيس الراحل كميل شمعون كان قد سهّل للزغزغي عملية استئجار شطّ الأوزاعي لمدة ٩٩ عامًا.
وفي ١٦ نيسان ١٩٥٦ اجتمع المجلس البلدي بناء لدعوة من رئيسه وحضر الاجتماع كل من: الرئيس محمود عمار ونائب الرئيس يوسف الطويل، والأعضاء: محمد علي منصور، نعيم العنان، غاليليو الحسيني، حسن علي رحّال وعبد الهادي حرب. وكان موضوع الاجتماع البحث في إحالةٍ من محافظ جبل لبنان تتعلّق بطلب هدم الأبنية التي شيّدت في محلة الأوزاعي، لكن المجلس استند إلى قراراته السابقة وإلى العُرف المعمول به من قِبل مجالس بلديات المنطقة منذ العام ١٩٢٩ والتي كانت ترخّص لأهالي المنطقة تمضية فصل الصيف في المحلة المذكورة، كذلك سمح المجلس بناء على قراره بتاريخ ١٤ تموز ١٩٥٣ بتأجير الأهالي مساحات من الأراضي ليبنوا عليها بيوتًا لتمضية فصل الصيف، لذلك قرر المجلس في النهاية وبالإجماع ردّ طلب الهدم متمسّكًا بتمكين أهالي برج البراجنة والتحويطة والليلكي من استعمال حقهم في مشاعهم.
من خلال هذه النماذج يتضح أن بلدية برج البراجنة وتحويطة الغدير والليلكي (وهذه كانت تسميتها)، عملت لسنوات من أجل الحفاظ على مشاع البلدة والذي كان يشمل محلة الأوزاعي تحديدًا. غير أن الخلافات القانونية بين البلدية وأهالي البرج من ناحية، وبعض المستأجرين والدوائر الرسمية من ناحية أخرى، أدّى إلى إنشاء ما عُرف بـ «محكمة الرمول» وهي محكمة تشكّلت للنظر في نزاعات الملكية العقارية في المنطقة بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم ٥١ تاريخ ١٠ آذار ١٩٥٣ والمشكّلة بموجب المرسوم الرقم ١٣١٣ تاريخ ١٧ آذار ١٩٥٣ من السادة: الرئيس محمود حيدر البقاعي مستشار محكمة التمييز، والعضوين: ألبير فرحات رئيس محكمة الاستئناف في بيروت، وفيكتور فيليبس القاضي المنفرد في بعبدا، والكاتب موريس يزبك، والمهندس المحلّف توفيق شربل. وكان الحكم مؤلّفًا من أربعة أبواب و٥٤٢ صفحة*.

وتولّت المحكمة النظر في مجموعة من العقارات التي كانت محلّ خلاف والتي كانت البلدية تطالب ببعضها كمشاع لها بناء على المستندات البلدية التي أوردناها سابقًا، و قد خلصت إلى قراراتها التي باتت معروفة وتمت الإشارة إليها في هذا التقرير. لكن اتضح أن بلدية برج البراجنة خرجت من المحكمة بخفّي حُنين، فقد وجدت المحكمة، ردًا على ادّعاء بلدية ومختار برج البراجنة، أن لا وجود لمشاع يتبع لبلدة برج البراجنة في المناطق المتنازع فيها، فقامت بردّه، رغم كل المطالب التي تقدّمت بها البلدية والمختار والقاضية بملكية جميع العقارات المشار إليها في المرسوم الاشتراعي رقم ٥١.
ومع بدء العمل بمطار بيروت الدولي الحالي، جاورَتْ بعض المساحاتُ التي كانت غير ذات قيمةٍ كبيرة في ذلك الوقت، أهمَّ مرفقٍ حيوي، فتقرّر إنشاء محكمةٍ استثنائيَّة لوقف التعدّيات. وبرغم قرارها في العام ١٩٥٥، استمرَّت الهجماتُ على مشاعات الغبيري وبرج البراجنة البحريَّة، وتحديدًا في منطقتي الجْناح والأوزاعي، فأقيمَتْ منازلُ اسمنتيَّة بَحريَّة اصطِيافيَّة، وتفرَّعت منها لاحقًا بيوت جديدة ومحالٌّ تجاريَّة على الخطِّ العام الوحيد حينذاك، فتمدَّدت المنطقةُ في ثلاثة اتجاهات.
وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ أولَ مَن عَمَّرَ بيتًا وأقام مجلسًا تشاوريًّا في الأوزاعي هو الوجيه علي حسن ناصر، وكان شعاره «مشاعاتُنا حقٌّ لنا». ومثله فعل الوجيه حسين درويش عمّار، والد رئيس البلدية آنذاك، النائب السابق محمود عمار، والمؤيّد لعهد الرئيس كميل شمعون، فراح يُشجّع بعض الوافدين البقاعيِّين على تشييد بيوت على عقار تملكه رينيه حداد، زوجة فؤاد الخوري، شقيق الرئيس بشارة الخوري، كما دعا عمار الأب الجنوبيِّين للمَجيء إلى المنطقة والسكن فيها، وذلك لأنَّ «هذا مشاعُنا ويريدون أخذه منا وأنتم أحقُّ من الدَّولَة به»، كما قال. ويسترعي الانتباه أنَّ عمار اختلفَ مع حليفه الرئيس شمعون في هذا الملف. ونقلت «السفير» في أحد تحقيقاتها عام ١٩٨٣ عن عارفين بخَفاياه أنَّ شمعون «كان يرغب بتَحويل الأوزاعي إلى بلاجات شواطئ شبيهة بالكوت دازير» الفرنسي. وقد حاول حسين درويش عمّار مراجعة الرئيس للالتفاف على قرار المحكمة، إلّا أنه «أقفل الباب بوجه الوفد». لكنَّ بابًا آخر فُتِحَ للمواجهة بين المالكين الجُددِ وأهالي البرج بعد حرمانهم من مَشاعهم. واستمرَّتْ عملياتُ البناء في الأوزاعي بشكلٍ متقطع إلى أنْ حصلت ثورةُ عام ١٩٥٨، حينها صارت المنطقةُ تضمُّ حوالى ٢٠٠ منزل. و«في مطلع الستينات انخفضَتْ نسبة البناء إلّا أنها عادت لتتصاعد لاحقًا أواخر ذاك العقد».
* قضايا الرمول في بلدات برج البراجنة، الشياح، تحويطة الغدير، عمروسيَّة الشويفات، حُكم بتاريخ ١٧ أيلول ١٩٥٥ رقم ٥، صادر عن المحكمة الاستثنائية المؤلفة من الرئيس محمد حيدر بقاعي مستشار محكمة التمييز، ألبير عبد الله فرحات رئيس محكمة الاستئناف في بيروت، فيكتور نسيب فيليب بيدس القاضي المنفرد في بعبدا.





