تعدَّد الطوائفُ في لبنان، وكذلك القوانين التي تحكمُها. ففي مقابل القوانين المدَنية والجزائية والإدارية المُوحَّدة، تختلف قوانينُ الأحوال الشخصية تبعًا لتَنوّع الحقوق الشرعية. على أنَّ لكُلِّ طائفةٍ تشريعاتها الخاصة التي تُطبّقها. هكذا تستقلُّ كلُّ طائفةٍ بالأحوال الشخصية الخاصة بمُنتَميها الدينيِّين من حيث الحقوق والواجبات والتقاضي حين اللزوم. فلكُلٍّ منها محاكمها وقُضاتها المذهبيون الخاصُّون الذين يَحكمون في مسائل الأحوال الشخصية الخاصة بمُنتميهم، بحسب القضاء الطائفي الخاص.
فللدور الكبير الذي يَضطلعُ به القضاء الجعفري في تنظيم شؤون الطائفة الشيعية عبر المحاكم الشرعية، وللواقع المُترهِّل الذي وصلَ إليه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وللإطلالة على علاقاته بباقي المؤسسات الرسمية، ولوضع الوقف الشيعي الذي وصل إليه اليوم قانونيًّا، كان بحثنا هذا، الذي سيمرُّ في عدة محطاتٍ منه على عرضٍ تاريخي عامٍّ مرتبط بالعناوين المُتناوَلة.
لناحية بُنية البحث ومكوّناته، فهو يقوم على مقدمةٍ وخمسة فصولٍ وخاتمة، على النحو التالي: الفصل الأول يُسهِب في التعريف بالفِقه الجعفري وما يرتبط به من عناوينَ، مع التعرّض لموقع القضاء فيه. ويعرضُ الفصل الثاني للتعاطي مع مسائل القضاء الجعفري والأحوال الشخصية قبل مَأسستها الرسمية مع إنشاء دولة لبنان الكبير. ويتناول الفصلُ الثالث الإفتاءَ الجعفري وواقعَ المحاكم الجعفرية وهيكليتها ووضعها القانوني الداخلي وعلاقتها بالمؤسسات الأخرى. أما الفصل الرابع فيتناول المجلسَ الإسلاميَّ الشيعي الأعلى تأسيسًا ورئاسةً، مع الإطلالة على واقعه البنيويِّ الحالي وعلاقاته بباقي المؤسسات. بينما يُناقش الفصلُ الخامس وضعَ النظام العقاري والأوقاف الشيعية تاريخًا وأنواعًا، إضافة إلى وضعه القانوني في ظلِّ المؤسسات الأخرى. أما مصادر البحث، فهي مراجعُ مختصةٌ في الأحوال الشخصية والقوانين والتشريعات، وفي الفقه وتاريخه وأصوله، وفي اللغة والقرآن والحديث والتاريخ، وفي التراجم وعلم الرجال، إضافةً إلى الصُّحف والمجلات والمواقع الإلكترونية والمقابلات الشخصية.
تكمن أهمية هذا العمل، بإطلالته على واقع التعاطي الشيعي مع مسائل الأحوال الشخصية قبل مأسَسَةِ القضاء الجعفري، فالمعلومات والكتابات في هذا المجال قليلة. وأيضًا بتَطرّقه إلى واقع المؤسسات القانونية الشيعية وعلاقاتها ببعضها البعض. بخصوص المنهج البحثي المُتّبع، فإنه يَمزجُ بين المنهج التاريخي الذي يعرض البيانات التاريخية والقانونية في ظِلِّ حدودٍ زمانية ومكانية مُعينة، والمنهج التحليلي الذي يدرس الموضوع من خلال العرض والتحليل ودراسة الجزئيات للوصول إلى تفسيراتٍ منطقية تضع أُطُرًا مُحدَّدة له، إضافةً إلى المنهج المقارن الذي يعرض القضايا المختلفة عاموديًّا (عبر الزمن) وأفقيًّا (خلال نفس الفترة). أما في خصوص الإطار الزماني للبحث، فهو يُغطِّي الفترةَ من نشأة الشيعة في لبنان وصولًا إلى يومنا الحاضر. أما إطاره المكاني، فيشمل الجغرافيا اللبنانية عمومًا.
لقد غطَّى الفصلُ الأول من البحث وضعَ الفِقه الجعفري، لغةً واصطلاحًا وموضوعًا ووظيفةً وتسميةً، وغايته وتَقسيماته، إضافةً إلى التعريف بالأحوال الشخصية ومسائلها، كما وعرَّجَ على الحوْزة العلمية ودورها في هذا المجال.
وتطرقَ الفصلُ الثاني إلى كيفية تعاطي شيعة لبنان التاريخي مع مسائل الأحوال الشخصية والشؤون القضائية قبل نشأة لبنان الكبير، حيث كانوا يُعامَلون كجماعةٍ مُلحَقة على هامش المسلمين السُّنة.
وتناولَ الفصلُ الثالث واقعَ المحاكم الجعفرية والإفتاء الجعفري، انطلاقًا من إنشاء لبنان والاعتراف بالشيعة كطائفةٍ مستقلة ونَيلهم حق إنشاء مؤسساتهم التي تُدير شؤونهم في مجالات المحاكم الشرعية والأوقاف والإفتاء، فعرضَ للجوانب القانونية في هذا المجال، وللأسس التي تحكُم علاقةَ المحاكم الشرعية بمجلس القضاء الشرعي الأعلى والقانون المدني.
وتحدثَ الفصلُ الرابع عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، تاريخه ومهامه وتعديلاته ورئاسته، إضافةً إلى علاقاته القانونية بباقي المؤسسات الدينية في لبنان. كما أشار في قسمه الأخير إلى واقعه المُترهِّل الذي وصل إليه، وتقصيره في مهامه التي أُنشِئ على أساسها ولأجلها.
أما الفصل الخامس والأخير، فسلّطَ الضوءَ على الأوقاف الشيعية وما يرتبط بها من عناوينَ ووقائع، مع إطلالةٍ على تطوّر النظام العقاري في لبنان ووضعه إبّان الفترة العثمانية مرورًا بمرحلتَي الانتِداب الفرنسي والاستقلال. كما تعرضَ أيضًا إلى وضع هذه الأوقاف في ظلِّ المحاكم الشرعية والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. وكان من الطبيعي أن نُواجِه في هذا البحث بعض الصعوبات بخصوص المراحل التاريخية الشيعية الأولى وكيفية تعاطي الشيعة مع مسائلهم الشرعية المرتبطة بالأحوال الشخصية والوقف وغيرهما، لنُدرة المعلومات، ولاعتماد معظم ما وُجِدَ منها على التحليلات والافتراضات.
لقراءة الكتاب كاملًا، أنقر/ي هنا.


