على الرغم من عدم وجود ترخيص قانوني ورسمي لـ«حزب الله» باعتبار أنه لا يجوز، ضمن إطار الأمة والجمهورية الإسلامية، نشوء أحزاب أو جمعيات سياسية، لكونها، من وجهة نظر «شرعية»، بدعة غربية، إلّا أن «الجناح السياسي» التابع لـ«حزب الله» بدأ حتى قبل نهاية الحرب الأهلية بالحصول من وزارة الداخلية اللبنانية، على «علم وخبر» لبعض جمعياته العاملة تحت «المظلة الثقافية» والتي تفلّتت لاحقاً من إطارها إلى خدمة «السياسة» وحشد الجماهير من خلال الاطلاع برعاية المقار الدينية الموزّعة بين المقامات والمزارات والمجمّعات الدينية. وهكذا باتت الجمعيات التابعة للحزب فاعلة في رعاية «الدين»، سياحة وزيارة، وتتعاون مع مؤسسات الدولة اللبنانية من وزارات وإدارات عامة.
وفي هذا الإطار، برزت جمعيات دينية لـ «أمة حزب الله»، كان هدفها الظاهر رعاية المقامات والمزارات والمجمّعات الدينية، والباطن «تبشير» من نوع آخر ولعب على وتَر «الالتزام الديني» من أجل رفد الحزب بطاقات شابة مقاتلة جديدة مشحونة بالانتماء الطائفي ومؤدلجة دينيًّاً. ويمكن هنا ذكر اثنتين من أهم تلك الجمعيات اللتين تمارسان أعمالهما بحريّة مطلقة.

كان «حزب الله»، قبل تأسيس هذه الجمعية بشكل رسمي، قد عمل على بناء عشرات المساجد والحسينيات في مختلف المناطق اللبنانية، وأشرف عبر لجان خاصة، على إدارتها، لكنه في فترة رئيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» الشيخ عبد الأمير قبلان انتقل إلى مرحلة العمل الرسمي في هذا المجال، فأسّس في العام ٢٠٠٥ جمعية «الباقيات الصالحات»، وأوكل إليها إدارة مساجده وحسينياته ومجمّعاته الدينية، وعادة ما يحتوي المجمّع على مسجد وحسينية بالإضافة إلى مرافق أخرى مثل قاعات وسواها، وقد بلغ عدد المساجد والمجمّعات التي تديرها هذه الجمعية، العشرات على امتداد المناطق اللبنانية. وفي الضاحية الجنوبية وحدها تدير الجمعية عددًا من المجمّعات أبرزها: «سيد الشهداء» في برج البراجنة محلة الرويس، «القائم» و«السجاد» في حارة حريك، «السيدة زينب» في بئر العبد، «العسكري» و«المجتبى» في الحدث، «الجواد» في المريجة، «سيد الأوصياء» في برج البراجنة، «الخميني» في تحويطة الغدير، «صاحب العصر والزمان» في الليلكي، «الباقر» في حيّ الجامعة (الحدث)، «الكاظم» في حي ماضي (الشياح)، «أمير المؤمنين» في شارع الحجاج (الغبيري)، «الصادق» في الشويفات؛ وفي بيروت تدير الجمعية مجمّعات: «خاتم الأنبياء» في النويري، «آل البيت» في الجناح، «السيدة خديجة» في حيّ اللجا، بالإضافة إلى «المصطفى» في الجية، و«الرسول الأكرم» في بشامون.
.jpg)
وبالعودة إلى تفاصيل ترخيصها فقد نالت هذه الجمعية ترخيصًا بموجب علم وخبر مؤرّخ في ٣٠ حزيران ٢٠٠٥، وتمّ تحديد عنوان الجمعية في: حارة حريك، حيّ الأبيض، (مجمّع الإمام القائم)، وغايتها، بحسب العلم والخبر، جمعية خيرية اجتماعية تُعنى بشؤون الفكر والعلم عبر إنشاء المراكز التعليمية والإرشادية والاجتماعية الهادفة إلى نشر المثُل العليا والتعاليم الدينية السامية، على أن تطبّق البنود المذكورة أعلاه وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء وبعد موافقة المراجع المختصة. أما المؤسسون فهم السادة: قاسم محمود عليق، السيد فيصل عباس شكر، علي خليل شري، النائب محمد أحمد برجاوي، سلطان خليفة أسعد، الشيخ أكرم أحمد بركات، وممثل الجمعية تجاه الحكومة: السيد علي خليل شري.
وكما يبدو بوضوح إن ترخيص هذه الجمعية لم يذكر أنه يحقّ لها امتلاك وبناء المساجد ودُور العبادة والمجمّعات الدينية وإدارتها، لكنها تحت الشعار الثقافي عملت على تأسيس مثل هذه المرفقات بحجة المراكز التعليمية.

بعد تحرير الجنوب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي كانت محتلة في العام ٢٠٠٠، عمد «حزب الله» إلى وضع يده على مقامات ومزارات المنطقة وإدارتها، وذلك بعد أن كان سيطر على إدارة المقامات والمزارات في المناطق اللبنانية الأخرى حيث نفوذه القوي، مثل منطقة بعلبك - الهرمل والبقاع الغربي. وفي العام ٢٠١١ بدأت جمعية تابعة لـ«حزب الله» العمل تحت اسم «قبس» على رعاية المقامات والمزارات الشيعية في مختلف المناطق اللبنانية بشكل غير رسمي، إلى أن كان العام ٢٠١٣ الذي عمَد فيه الحزب إلى الاستحصال لجمعية «قبس» على علم وخبر من وزارة الداخلية اللبنانية.
تقدّم الجمعية نفسها على أنها حافظة للتراث الشيعي، وتتعاون مع وزارتي السياحة والثقافة وسائر تشكيلات المجتمع الأهلي والرسمي ذات الاهتمام المشترك، من أجل تعزيز السياحة الدينية في لبنان والتعريف بالأماكن والمقامات الدينية والأنبياء والأوصياء وأعلام الشيعة الإمامية. وفي رصيد الجمعية الكثير من المنشورات المطبوعة والرقَمية حول المقامات الدينية في لبنان، وكان لها الباع الكبير في تعزيز السياحة الدينية، وتمكّنت خلال فترة قياسية من تعزيز العمل مع وزارة السياحة اللبنانية، وكان لها الفضل في إدراج عدد من المقامات الدينية الشيعية في المنشورات الرسمية التابعة للدولة اللبنانية. لكن لدى قراءة الترخيص الذي مُنح لـ «قبس» فقد نصّ على أن غايتها: المحافظة على الآثار العمرانية والتراث التاريخي للأنبياء والأوصياء، وأعلام الشيعة الاثني عشرية في لبنان، وذلك في مختلف الميادين المادية والمعنوية والمعرفية من خلال:
١ - القيام بالأبحاث والتحقيقات التاريخية المتخصصة والفنية حول سيَر حياتهم ومقاماتهم وآثارهم ودعم الدراسات والأبحاث الجامعية في هذه المجالات.
٢ - تشجيع السياحة الدينية والثقافية والترويج لها والتعاون مع وزارتي السياحة والثقافة وسائر تشكيلات المجتمع الأهلي والرسمي ذات الاهتمام المشترك.
٣ - إصدار المنشورات المكتوبة والرقَمية للتعريف بالأماكن والمقامات الدينية والأنبياء والأوصياء وأعلام الشيعة الاثني عشرية في لبنان، بما يعزز الارتباط بين الحاضر والتراث والاستفادة منه ورفد المحفوظات الوطنية والمكتبات العامة بهذه المنشورات.
٤ - التعاون مع الجمعيات والمؤسسات المتشابهة محلياًّ ودوليًّا وتوقيع بروتوكولات التعاون في المجالات المشتركة.
٥ - تنظيم المؤتمرات والمعارض والأنشطة الآيلة إلى الترويج لأهداف الجمعية.
٦ - المساهمة في تأهيل وترميم الآثار والمشاهد الدينية.
وفي العام ٢٠١٨ جرى تعديل بعض بنود الترخيص فبقيت البنود نفسها لكن مع ملاحظة إضافات على بعض المواد، إذ أضيف على المادة الأولى حول القيام بالأبحاث والتحقيقات «تقديم المساعدات المادية للطلاب الجامعيين المتخصصين في هذه المجالات ودعم الدراسات والأبحاث الجامعية ذات الصلة والمساهمة في إنشاء المكتبات العامة». وعلى المادة السادسة: المساهمة في تأهيل وترميم الآثار والمشاهد الدينية تمت إضافة «وتطوير بيئتها الاجتماعية من خلال التعاون مع الوزارات المعنية والإدارات العامة والمؤسسات الرسمية». كذلك أضيفت مادة سابعة نصّت على «إقامة دورات للتدريب المهني المعجّل على مهن يحتاج لها سوق العمل».

وهكذا وفي ظرف سنوات قليلة، غيّرت الجمعية طبيعة عملها لتضمّن نشاطها جانبًا تمويليًا وهذا متأتٍ، بطبيعة الحال، من إدارتها لأموال المقامات. لكنوفي كل الأحوال،ر فإن النصّ الأساسي مع تعديلاته لم يُشر إلى أنه يحقّ للجمعية أن تدير بشكل مباشر، ولا حتى إشرافاً، كل هذه المقامات والمزارات الإسلامية أو الشيعية الدينية، وكذلك لم يعطِها الحق في ترميمها أو توسعتها منفردة، بل إن النص أشار إلى أن من مهامها المساهمة في ذلك وليس التفرّد. وفي المحصلة فإن الجمعية انتزعت من «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» جزءاً بالغ الأهمية من الوقف خصوصًا أن لهذا الوقف مردود مالي كبير، فبخلاف الأراضي التابعة للمقامات والتي يجري استثمارها من قِبل جمعية واحدة، هناك الأموال التي يتبرّع بها أثرياء الشيعة لتلك المقامات والمزارات وكذلك أموال النذورات والصدَقات اليومية التي يتمّ بذلها في الصناديق المتواجدة في تلك المعالم الدينية وغيرها. وعلى الرغم من كل ذلك فإن «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» لم يحرّك ساكنًا من أجل استرجاع إشرافه على تلك المعالم. وللعلم فإن التبرير الوحيد الذي تسوّق له الجمعية خلال ممارستها لنشاطها هو أن المجلس الشيعي أهمل تلك المقامات وبالتالي كان طبيعيًا أن ننبري للمحافظة على هذا التراث. والمستغرب أيضًا هو أن الجمعية باتت ممثّلاً حصريًّا لهذا النوع من المقامات لدى الجهات الرسمية اللبنانية وبات لها باعٌ طويل في هذا الأمر.
وبأدائها وترخيصها تمكّنت الجمعية من إدارة مجموعة كبيرة من المقامات والمزارات المنتشرة في كافة المناطق اللبنانية، والتي يقدّر عددها بنحو ١٥٠ مقامًا ومزارًا، نذكر هنا بعضها:
مقامات أنبياء: يونس في الجية؛ وفي جنوب لبنان: الخضر في الصرفند والنجّارية (مقامان)؛ ساري في عدلون؛ عمران في القليلة؛ شمعون الصفا في شمع؛ يحيى في حارة صيدا وحنّاويه (مقامان)؛ يوشع في الريحان؛ سجد في سجد؛ صاليم في عربصاليم؛ شيت في جبشيت؛ يعقوب في الكفور - النبطية؛ هارون في الخرطوم؛ ياثر في ياطر...
ومن مزارات الأولياء في الجنوب أيضًا: بنيامين في محيبيب؛ أبا ذر الغفاري في الصرفند؛ الأنصاري في انصارية؛ القاسم في القاسمية؛ المعشوق في البرج الشمالي؛ المنصوري في المنصوري؛ الصدّيق في صدّيقين؛ آثا في حداثا؛ شمعون الصدّيق في تبنين؛ محمد شاه الخراساني في النبطية الفوقا...
وفي منطقة البقاع وبعلبك هناك عدد من المقامات أهمها للأنبياء: نوح في كرك نوح؛ شيث في النبي شيث؛ صالح واسباط في بريتال؛ حام في حام؛ أيلا في النبي أيلا؛ الخضر في كفردبش؛ سام في شمسطار؛ إسماعيل في طاريّا؛ رشادة في النبي رشادة؛ يوسف في كفردان؛ سليمان وعيسى في يونين؛ يوسف ويوشع في شعث؛ عثمان في النبي عثمان؛ يوسف في الهرمل؛ موسى في التل؛ أنس في طليا...
ومن مزارات الأولياء الصالحين في البقاع وبعلبك - الهرمل: السيدة خولة في بعلبك؛ الإمام الحسين في راس العين؛ صفيّة بنت الحسين في حوش تل صفية؛ جبريل في الهرمل؛ علي الزهري في كرك نوح؛ قاسم في العين؛ محمد القاسم في تمنين الفوقا؛ صادق وعوسجة بنت مسلم وعطاف في بوداي؛ نجوم في طاريا؛ العجمي في كفردبش.





