تُعتبر الأوقافُ جزءًا مهمًّا من المشهد الاجتماعي والاقتصادي. وهي تلعب دورًا حيويًّا في دعم التعليم والرعاية الصحيَّة والخدمات الاجتماعيَّة الأخرى، وفي توفير الدخل والدعم للأفراد والأسَر المُحتاجة، كما تُمثِّل أسسًا دينيَّةً بحتة في كلِّ مجتمع، وهي تُعبِّر عن الذمَّة الدينيَّة للطوائف الدينيَّة.
والأوقاف الشِّيعيَّة، هي أوقافٌ دينيَّة أنشأها المسلمون الشيعة في لبنان لدعم مختلف القضايا الخيريَّة والدينيَّة المتعلقة بطائفتهم. لهذه الأوقاف تاريخ طويل في لبنان ولعبَتْ دورًا مهمًّا في تنمية المجتمعات الشِّيعيَّة في البلاد واستدامتها.
تنتظم الأوقاف ضمن تنظيم الملكيَّة العقاريَّة، وهي خضعَتْ للعديد من المتغيّرات وفقًا لتَغيُّر الحاكم في لبنان، ويهدف تنظيم الملكيَّة العقاريَّة إلى تحديد مالك الحق العقاري وبيان حدود ملكيته والقيود الواردة عليه وما قد يُثقله من أعباءٍ لصالح الغير، بحيث يتمكّن مَن يريد التعامل بخصوص عقارٍ معيّن من معرفة مالكه ومركزه القانوني، وهذا ما يُوفِّر الاستقرار في التعامل .
خلال الفترة العثمانية، ازدادَ نطاقُ الوقف اتساعًا، وكذلك إقبال السلاطين على وقف المساجد والمدارس والمكتبات والمستشفيات ونحوها من الأوقاف الخيريَّة العامة، وتتابعت القوانينُ الصارمة المنظّمة لهذه الأوقاف والمُحدّدة لأساليب إدارتها والإفادة منها سواء كانت خيريَّةً أو أهليَّة، ولا تزال كثيرٌ من هذه الأنظمة والقوانين معمولً بها إلى يومنا هذا في كثيرٍ من البلدان الإسلاميَّة.
لم يُعامل العثمانيون الوقفَ الشيعي في لبنان بطريقةٍ مختلفة عن الوقف الإسلامي العام، فالفِرق الإسلامية الخارجة عن «السُّنة»، مثل الشيعة والإسماعيليَّة، كانت تخضع للقوانين التي تحكم الإسلامَ السُّني، ولم يكن لها وجود قانوني خاصٌّ بها، وكانت تتبع القوانينَ الشرعيَّة والعُرفيَّة التي تَتفِقُ مع تلك الخاصة بالمذهب الحنَفي السُّني، بينما تمتّعت المجتمعاتُ المسيحيَّة واليهوديَّة بامتيازاتٍ إداريَّة أو قضائيَّة. وكانت محاكمُ الشريعة مسؤولةً عن قضايا الأحوال الشخصيَّة، بما في ذلك الحالة الاجتماعيَّة، والنسَب، والأقليَّة، والوصاية الغائبة، والمنع، والوصيَّة، والوراثة، والوقف. واستعادتِ المجتمعاتُ المتميّزة الحالةَ الزواجيَّة والميراث لمحاكمهم. تميّزتْ مرحلةُ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بحدوث تحوُّلٍ نوعيٍّ في المسيرة التاريخيَّة للوقف، بسبب ظهور التَّقنينات الخاصة بأحكامه الشرعيَّة وبنُظمه الإداريَّة في معظم البلدان العربيَّة والإسلاميَّة، وسارت العمليَّةُ بمعدلاتٍ مختلفة من حيث البطء والسرعة ومن حيث الشمول والتجزئة تماشيًا مع السِّياق العام لعمليات التحديث وبناء الدولة وما رافق هذا وذاك من وفودِ التَّقنينات الغربيَّة الحديثة إلى جانب تَعدُّد نُظم التقاضي ما بين أهلي وشرعي ومختلط وما بين القضاء المُزدوج والمُوحَّد أو بمسمّياتٍ أخرى.

يُمكن القول من الناحية التاريخيَّة أن بوادرَ التحوّل لنظام الوقف من الإطار الفقهي، بحالته التقليديَّة إلى الإطار القانوني بوضعه الحديث في لبنان، قد بدأتْ جزئيًّا في سياق حركة الإصلاحات العثمانيَّة خلال عهد السلطانَين عبد المجيد وعبد العزيز في الفترة المُمتدة من ١٨٣٩ إلى ١٨٨٠ .
وأخذ هذا التحوّلُ يترسّخ تدريجيًّا بشكلٍ منهجيٍّ بعد أنِ اقتحمَت التَّقنيناتُ المدنيَّةُ الأوروبيَّة المجالَ التشريعي للدولة العثمانيَّة والولايات التابعة لها، فظهرَتْ خلال هذه الفترة مجلة «الأحكام العدليَّة» التي قَنَّنَتْ أحكامَ الشريعة الإسلاميَّة في شكل مواد يسهل الرجوع إليها عند الحاجة، وإلى جانبها ظهرَتْ بعضُ البوادر الفرديَّة استهدفت الغاية نفسها، أشهرها كتاب «قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلة الأوقاف» الذي ألّفه محمد قدري باشا.
في عام ١٨٤٣ جرى مسحُ أراضي جبل لبنان القديم، إلّا أن هذا المسحَ لم يكن دقيقًا لأن المساحة لم تعيّن بالأمتار المُربّعة، بل بالدرهم والقيراط والحبة.
وبعد مسح الأراضي، صدرَتْ نصوصٌ تشريعيَّة متعدّدة، أهمها: قانون الأراضي العثماني تاريخ ٢١/٠٤/١٨٥٨، نظام الطابو تاريخ ١٨٥٩/٠١/٠٣. وبموجب هذه التشريعات سُمّيت الإدارة المشرفة على السجلات «نظارة الدفترخانة أو سند الطابو» وعُهِدَ إليها وضع النظام العقاري الجديد موضع التنفيذ، وتسليم المالكين سنداتٍ سُمّيَتْ بسندات الطابو وأعطيت هذه السندات قوةً ثبوتيَّة مطلقة، ومُنِعَ سماع الدعاوى بالنسبة للعقارات إذا لم تُسجَّل في سجل الطابو.
بعد سقوط دولة الخلافة العثمانيَّة بعد الحرب العالميَّة الأولى، وسيطرة سلطات الانتداب الفرنسي على لبنان وإعلان دولة لبنان الكبير، أصدرَتْ سلطةُ الانتداب المرسومَ الأول الذي يتعلّق بالأوقاف في سوريا ولبنان، وهو المرسوم رقم ٧٥٣ الصادر بتاريخ في ٢ آذار ١٩٢١. وقد أنشأ المرسوم «الرقابة العامة على الأوقاف الإسلاميَّة» وذلك وفقًا لأحكام القانون التشريعي، وتمّ تصميمُ هذه الرقابة العامة لتشمل جميع أراضي سوريا ولبنان (المادة الأولى)، وتتمتّع بالاستقلال الإداري والمالي، وتُقدِّم تقاريرَها مباشرة إلى المفوض السامي للجمهوريَّة الفرنسيَّة في سوريا ولبنان أو مندوبه الخاص، وتتمتع بالشخصيَّة المعنويَّة (المادة ٢). ويتولّى مجلسُ الأوقاف الأعلى والمفوضيَّة العامة للأوقاف والمراقب العام للأوقاف مسؤوليَّة الرقابة على الأوقاف (المادة ٣). كما أعلن في المادة ٣٠ منه: «سيتمّ بدء التحقق العام من إدارة وإدارة المديرين المحليين من تاريخ ١٨ تشرين الأول ١٩١٨».
خلال فترة الانتداب الفرنسي، سَعَتِ السلطاتُ المُنتدِبة إلى تنظيم السجل العقاري على جميع أراضي لبنان الكبير، لتأمين الاستقرار لناحية ملكيَّة العقارات والحقوق العينيَّة، وقد أنشأت لهذه الغاية نظامًا عقاريًّا جديدًا عُرِفَ بنظام السجل العيني، وقد أصدر المفوضُ السامي بتاريخ ١٥/٠٣/١٩٢٦ القرارات التشريعيَّة رقم ١٨٦ (تحديد وتحرير العقارات وأصول إجراء هذه الأعمال)، ١٨٨ (إنشاء السجل العقاري)، ١٨٩ (تنظيم التفصيلات الإجرائيَّة لأحكام القرار ١٨٨)، كما صدرَتْ بعدها أيضًا قراراتٌ أخرى تُعنى بتَنظيم السجل العقاري والملكيَّة العقاريَّة في لبنان أبرزها: القرار ٢٥٧٦ المتعلق بالتحديد والتحرير الاختياري الصادر بتاريخ ١٩٢٩/٠٥/٢٤ والقرار ٣٣٣٩ الصادر بتاريخ ١٢/١١/١٩٣٠ والمعروف بقانون الملكيَّة العقاريَّة والقرارات ٤٤ – ٤٥ - ٤٦ الصادرة بتاريخ ٢٠/٠٤/١٩٣٢ التي عدّلَت القرارات رقم ١٨٦ - ١٨٨ - ١٨٩ وألغي بموجبها القرار ١٨٧ بعد أن أُدخلت مواده في بقيَّة القرارات.
رأى المُشرّع اللبناني بعد إدخال نظام السِّجل العيني، أن عمليَّةَ تحديد وتحرير العقارات غير المسوحة تستغرق عشرات السنين لتَشمل كافة الأراضي اللبنانيَّة، فقام باستبدال النظام القديم الذي كان يُطبَّق في العهد العثماني على العقارات التي لم تشملها أعمال المسح، بنظامٍ جديد بموجب المرسوم الاشتراعي رقم ١٢ تاريخ ١٩٣٠/٠٢/٢٨ الذي نظّم بموجبه مكاتب الطابو والتسجيل المخصصة للعقارات غير المَمسوحة وأنشأ مكتبًا مركزيًّا للطابو والتسجيل مُلحقًا بأمانة السجل العقاري المركزي في بيروت، إلّا أن هذا المكتبَ ليس سجلًّا عقاريًّا بل هو عبارة عن مكتبٍ لتَسجيل العقود والاتفاقات ولا يشمل إلا العقارات التي تتعلق بها هذه العقود، ولم يُعطِ المُشرع للعقود المسجلة في مكتب الطابو أيَّةَ قوةٍ ثبوتيَّة بل اعتبرها فقط عقودًا رسميَّة كالتي يُصادق عليها الكاتب العدل.
قُسِّمَ الوقف، عملًا بالمادة الأولى من القانون الصادر بتاريخ ١٩٤٧/٠٣/١١، إلى نوعين:
- الوقف الخيري، وهو الذي وُقِفَ على جهات الخير من حين إنشائه، كالوقف على المساجد والمستشفيات والملاجئ والفقراء، وغاية البرّ والتقوى يمكن أن تكون مؤسسةً معينة أو جمعيَّة معينة، كما يمكن أن تكون الفقراء بصورة عامة. على أن الأوقاف الخيريَّة هي أوقافٌ دائمة، خاضعةٌ للقوانين والأنظمة اللبنانيَّة.
- الوقف الذرّي، هو الذي وُقِفَ على الواقف نفسه وذرّيّته أو على مَن أراد نفعهم من الناس ثمَّ جعل مآله إلى جهات الخير.
- الوقف المشترك، نصّتِ المادةُ الثانية من القانون الصادر بتاريخ ١٩٤٧/٠٣/١٠ على هذا النوع، وهو الذي يكون بعضه خيريًّا وبعضه ذرّيًّا كما إذا وقف الواقفُ وقفه على أن يبدأ من ريعه بصرف مبالغ وخيرات عينها ثمَّ يصرف الباقي على المستحقين حسب شرط الواقف .
انطلاقًا من هذه التعاريف يمكن أن نستنتج أن الوقفَ الخيري يختلف عن الوقف الذرّي من ناحية الوقت الذي يُخصَّص فيه الوقف لجهة الخير، ففي الوقف الخيري يكون التخصيصُ منذ إنشاء الوقف، بينما في الوقف الذرّي فلا يصبح خيرًا إلّا بعد انقضاء المُستحقين من الورَثة أو الطبقتَين منهم. واعتبرَتْ محكمةُ التميِيز في إحدى قراراتها «بأن الوقف الأهلي أو الذرّي هو بحسب نصوص الشرع والاجتهاد المستمر الوقف الذي يُخصّص بموجبه رَيع الملك الموقوف إلى أشخاص معينين من الواقف على أن يعود الريع والرقبة بعد انقضائهما إلى مؤسسةٍ خيريَّة معينة». كما أن الغاية النهائيَّة من الوقف الذرّي هي في الأصل غاية خيريَّة تُعيَّن منذ إنشاء الوقف، وهذه الغاية الخيريَّة هي غايةٌ أبديَّة لأن الجهة التي تستفيد منها لا تقبل الزوال.
بعد تحويل الملكيَّة الفرديَّة إلى ملكيَّةٍ ذات منفعةٍ جماعيَّة يَفقدُ المانح (مالك العقار) حَقَّه في التصرف وإدارة العقار، وتَنتقل هذه الحقوقُ إلى إدارة الملكيَّة الجماعيَّة التي تدير العقارَ وتتصرَّف به استنادًا إلى النظام الداخلي لإدارة الملكيَّة الجماعيَّة. وتُحدِّد إدارة الملكيَّة الجماعيَّة النظامَ الخاص الذي يحكم هذه الملكيَّة والذي يتضمن الآتي: تَحديد مَن يستفيد من العقار، شروط الاستفادة من العقار، كيفيَّة استجلاب الأموال لاستثمار العقار، نظام ريع الملكيَّة الجماعيَّة (أي الجهة التي يعود ريع العقار لها)، إلى غير ذلك مما يتعلق بالإدارة والتصرف بالعقار. إلّا أن تحويلَ الملكيَّة الفرديَّة إلى ملكيَّةٍ ذات منفعة جماعيَّة تترافق مع مخاطرَ مختلفة، من أبرزها فقدان المالك الأساسي أو المانح حق التصرّف بملكه، لأنه بتَحويل ملكيته إلى ملكيَّةٍ جماعيَّة، تصبح الجمعيَّةُ العموميَّة هي صاحبة القرار في كُلِّ ما يتعلق بالعقار، ولها أن تُمارِس على العقار الحقوقَ كافة مع حريَّة التصرف به. وقد تَستثمر الجمعيَّةُ العموميَّة هذا العقار بشكلٍ مُغاير لإرادة المانح الأساسي، لأنه في حال تغيير الجمعيَّة العموميَّة يُمكنها أن تُغيِّر النظامَ الداخلي، وبالتالي تستعمل العقارَ بما يُخالِف إرادةَ المانح الأساسي. لتَجنُّب هذه المخاطر، يمكن لمانح العقار أن يضيفَ إلى عقد البيع بندًا يُحدِّد فيه وجهة استعمال العقار والغاية التي يجب استعماله فيها. وإذا حوّل عقاره إلى الملكيَّة الجماعيَّة عن طريق الهِبة، يمكنه أن يلجأ إلى الهِبة المشروطة للمحافظة على الغاية التي من أجلها وهَب العقار.
نشأت المحاكمُ الشرعيَّة الجعفريَّة عام ١٩٢٦ بعد الاعتراف بالمذهب الجعفري كطائفة مستقلة في دولة لبنان الكبير، ثمَّ انفصلَتِ الأوقافُ الشِّيعيَّة عن دائرة الأوقاف التابعة لدار الفتوى عام ١٩٢٩.
خضَع الوقفُ الشيعي للمحاكم الجعفريَّة بمُساندةٍ من الإفتاء الجعفري، وكانت الجهتان تعملان تحت مظلّة «المجلس الشرعي الأعلى»، والذي كان يضمّ السُّنةَ والشيعةَ على حَدٍّ سواء. وكان من مهام هذا المجلس بحسب المرسوم الاشتراعي رقم ١٨ الصادر تحت عنوان «الإفتاء والأوقاف الإسلاميَّة» مؤازرة مفتي الجمهوريَّة اللبنانيَّة في بعض المهام المنوطة به.
في القانون الصادر عام ١٩٦٢ القاضي بتَنظيم القضاء الشرعي السُّني والجعفري، والذي هو جزء من تنظيمات الدولة القضائيَّة، كان الوقف وما يرتبط به يدخل في اختصاص المحاكم الشرعيَّة التي كان يقع ضمن اختصاصها صلاحيَّة عزل المتولّي على الوقف ومحاسبة المتولّي على الوقف الذرّي أو الوقف المستثنى والحكم عليه، كما تتولّى تنظيم وتسجيل صَكِّ الوقف. و«في مسائل الإرث والوصيَّة والوقف إذا كان الورَثة أو الموصى لهم أو مستحقّو الوقف من مذهبَين مختلفين، فإن محكمة مذهب المتوفى أو الواقف تكون هي ذات الاختصاص». كما «تقام الدعوى المتعلقة بالوصيَّة والإرث والوقفيَّة لدى محكمة مقام المدعى عليه أو المحكمة التي تقع في نطاقها أعيان التركة أو الوقف العقاريَّة كلها أو القسم الأكبر منها».
.jpg)
مع إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام ١٩٦٩ وحسب المادة ٤٠ ببنودها السبعة من نظامه الداخلي تقوم «اللجنة العامة للأوقاف» في المجلس بالآتي:
- اقتراح تَعيِين المتوليّن أو اللجان المحليَّة لتَولية الأوقاف الشاغرة من التولية، واقتراح إبدالها بسواها.
- إجراء المحاسبة مع اللجان والمتولّين ومراقبة سير أعمالهم ووضع مناهجَ لنشاطاتهم.
- التحقيق والتدقيق بالشكاوى المتعلقة بأعمال مختلف لجان الأوقاف المحليَّة، والتولية واقتراح التدابير اللازمة بشأنها.
- الموافقة على تأجير الأوقاف أو استثمارها عندما تُجاوز المدة ثلاث سنوات، ويعود هذا الأمر للجان المحليَّة والمتولّين في الأحوال الأخرى.
- اقتراح المشاريع الآيلة إلى تنمية الأوقاف وتعزيز دخلها.
- درس طلبات استبدال العقارات الوقفيَّة وإجراء المعاملات اللازمة لذلك.
- العمل عند اللزوم وبواسطة «الرئيس» على توكيل مُحامٍ في الدعاوى العائدة للأوقاف ولتَمثيل الحصة الخيريَّة في الأوقاف الذرّيَّة المَحضة أو المشتركة.
من خلال قراءة هذه المادة يتضح أن «اللجنة العامة للأوقاف» تَتمتَّع بصلاحياتٍ واسعة لجهة إدارة الأوقاف والتي تتضمن الإشراف على عمل اللجان المناطقيَّة الفرعيَّة، بالإضافة إلى امتلاكها حق المراقبة والمحاسبة، واستثمار أملاك «الوقف» الهادفة إلى تنميتها وتعزيز دخلها وكذلك بيع أو استبدال العقارات الوقفيَّة، وكذلك منحها المُشرِّع حق التدخل في القضايا القانونيَّة المتعلقة بالأوقاف. وبتعبيرٍ أوضح فإن النظامَ الداخلي للمجلس منحَها حريَّة العمل والتصرف بالأوقاف، وكان ذلك بهدف تنظيم أملاك الأوقاف ومنع التفريط بها.
كما تتولّى الهيئةُ التنفيذيَّة للمجلس بحسب المادة ٣٠ البنود السِّتة الأولى:
- تنظيم الأوقاف العائدة للطائفة الشِّيعيَّة، على أن تُستَشار الهيئةُ الشرعيَّة في الأمور التي تعود للمسائل الدينيَّة المتعلقة بالوقف، ولا يجوز اتخاذ أي قرارٍ في المسائل المذكورة وكذلك في المواضيع المُحدَّدة في البندَين (٢) و (٣) التاليَين من دون أخذ رأي الهيئة الشرعيَّة.
إصدار النظُم والتعليمات التي يَقتضيها تنظيم شؤون الطائفة وإدارة أوقافها الخيريَّة على اختلاف أنواعها وغاياتها بما يكفل حفظَ عَينها وحسن استغلالها وتأمين الجهات الخيريَّة الموقوفة عليها.
- الفصل في جميع المسائل الناتجة عن إدارة الأوقاف ورعاية شؤونها كتصديق وتعديل موازناتها ومعاملات الاستبدال.
- الإشراف على مؤسساتِ وجمعيات الطائفة الخيريَّة، وعلى انتخاب هيئاتها الإداريَّة وتصديق نتائجها، والاطلاع على حسابات وموازنات هذه المؤسسات والجمعيات والمصادقة عليها.
- البتّ بقرارٍ مُبرم منها بشأن كلِّ خلاف تعذّرَ على الرئيس تسويته عملاً بالفقرة (٣) من المادة ٢٣ من هذا النظام، ولها التنبيه والإنذار الخطِّي وطلب الاستقالة والإقالة والإحالة على المحاكم ذات الصلاحيَّة.
- فرض المبالغ اللازمة لسَدِّ عجز موازنات المؤسسات والمعاهد العائدة للطائفة من موازنة الأوقاف أو من أموال مؤسسات وجمعيات الطائفة الخيريَّة.

تعمَّد المُشرِّع ربطَ «اللجنة العامة للأوقاف» بالهيئة التنفيذيَّة للمجلس، وهي الهيئة التي يتوجّب على اللجنة الرجوع إليها في عرض المسائل الوقفيَّة.
وبالإضافة إلى الدور الكبير الذي أُنيطَ بالهيئة التنفيذيَّة للمجلس في خصوص إدارة الأوقاف ورعاية شؤونها، فإن النظامَ الداخلي منحَ الرئيس دورًا في إدارة «الوقف» وذلك من باب رعاية مصالح أبناء الطائفة الشِّيعيَّة، فنصت المادة ٢٣ من النظام الداخلي في بنودها الأربعة الأولى على تَولِّي الرئيس ما يلي:
- الإشراف على أحوال المسلمين الشيعة ورعاية مصالحهم.
- العمل على تنفيذ القرارات التي تَتخذُها هيئات المجلس وله الحق بطلب إعادة النظر مرةً واحدة بأيِّ قرارٍ منها لأسبابٍ وجيهة تُذكَر في طلب الإعادة.
- التدخل لحَلِّ كلِّ خلافٍ يقع بين القائمين على المؤسسات والجمعيات الخيريَّة العائدة للطائفة.
- تَعيِين متولّي الأوقاف لجانًا محليَّة وأفرادًا واستبدالهم، وذلك بناءً على اقتراح «اللجنة العامة للأوقاف».
أمّا الخلافات مع متولّي الأوقاف فحَدّدته المادة ٥١ حيث تبتُّ به هيئةٌ خاصة تؤلَّف على الوجه الآتي:
- قاضٍ مدني تختاره الهيئة التنفيذيَّة رئيسًا.
- عالم دين تختاره الهيئة الشرعيَّة عضوًا.
- مقرر اللجنة العامة للأوقاف عضوًا.
يُرفَع النزاعُ لدى هذه الهيئة من قِبل الفريق ذي المصلحة أو الصفة باستحضارٍ خطيٍّ بوجه الخصم يُقدَّم إلى العضو مقرر «اللجنة العامة للأوقاف». يُبلّغ الفريق الثاني نسخةً عن الاستحضار وله حق الجواب، وذلك كله وفقًا لأصول المحاكمات المدنيَّة لدى محاكم الدرجة الأولى. تستدعي الهيئةُ الفريقَين لجلسةٍ علنيَّة تَعقدُها للنظر في النزاع، وبعد ختام الجلسة تُصدِر حكمَها بصورةٍ مُبرمة. على أن هذا الحكمَ لا يقبلُ أيَّ طريقٍ من طرق المراجعة سوى اعتراض الغير خلال خمس سنوات من صدوره. تُبلّغ الأحكام وفقًا لأصول المحاكمات المدنيَّة، وتُنفَّذ بواسطة السلطات العامة وذلك بطلبٍ من «الرئيس» .
إذًا، لم يَغفلِ المُشرِّع الذي وضع النظامَ الداخليَّ للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى التفاصيل المُتعلقة بوقف الطائفة الشِّيعيَّة، نظرًا لما يتضمّنه هذا الأمر من أهميَّةٍ تَنمويَّة في رعاية أبناء الطائفة، وبالتالي لم تكن إدارةُ الوقف منوطةً بجهةٍ واحدة وإنما من خلال لجنةٍ مباشرة مرتبطة بالهيئة التنفيذيَّة وبالرئيس، وفي بعض المسائل بالهيئة الشرعيَّة، بما يُحتِّم على اللجنة التصرف بحدودٍ مُعينة لا يجب معها التفريط بحقوق الطائفة.
مقابل ذلك التفصيل والإدارة على مستوى النصوص، يُوجِز الشيخ محمد علي الحاج واقع حال الأوقاف بثلاثِ نقاط: الأولى، عدم ضبط إدارة الأوقاف حيث تديرها الأحزاب المسيطرة في حين أنه من المفترض أن تخضعَ للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؛ والثانية، عدم تسجيل العقارات الوقفيَّة على اسم أوقاف الطائفة، حيث تسيطر قوى سياسيَّة على الكثير من ممتلكات الأوقاف، فيُسجل منها بأسماء أحزاب وجمعيات وأشخاص بدل أن تُسجَّل على اسم الأوقاف الإسلاميَّة الجعفريَّة؛ والأخيرة، عدم استثمار هذه الأوقاف وضَياع منافع كثيرة.


