03・05・2023
من العدد ٠
تواريخ متقاطعة، حصة الشيعة منها في لبنان
«أمم» في أبحاثها
تواريخ متقاطعة، حصة الشيعة منها في لبنان (موقع ديوان الذاكرة اللبنانية)
تواريخ متقاطعة، حصة الشيعة منها في لبنان (موقع ديوان الذاكرة اللبنانية)

ضروريّةٌ هي مَهَمّةُ إمعانِ النـظرِ في الماضي بـكُـلّيتِه، وقد يـتأتَّـى ذلك بالخصوصِ في حقِّ جماعةٍ ما، بما لها من تأثير كبيرٍ على الحدثِ التّاريخي اللّبناني، وتفاعلِ هذا الحدث معها، وبما لها كذلك من مساهمةٍ واسعةٍ في تاريخِ الكيانِ اللّبـناني بـجُغرافيـّته الحاليةِ وفي مصائرِ أبـنائِه.

هنا، سيكون السَّفَرُ إلى ماضي الشّيعةِ بمثابةِ عمليةٍ تتبُّع لـحقيقةِ وجودِهم التّاريخي، ورصدِ تـطوّرِ علاقاتِهم بالجماعاتِ الأخرى وتفاعلهم معها، وأيضًا علاقـتِهم بالحُـكمِ وعلاقةِ الحُـكمِ بهم، والنّظرةِ إليهم كحاكمين تارةً أو مَحكومين طورًا.

على أنَّ مَهَمّةَ كـتابةِ الشّيعةِ لتاريخِهم بأنفسهم يعوزه مزيدُ حذرٍ، دون غضِّ الطّرفِ عمّا كتبه الآخرون عنهم، سواء ما دوّنته السّلطة، أو الرعايا، وما كان منهم بإزاء ذلك. وليس بالأمر الهيّن أن يقرأَ الشّيعةُ ما كتـبه أبناءُ مِلّـتهم عنهم، وأبناءُ المِلّة عادةً ما يكتبون بهاجس الانتـماءِ إلى الجماعةِ والإعلاءِ من شأنِها.   

ميدانُ التاريخ هو ميدانُ قراءةٍ وكتابةٍ، ميدانُ صراعٍ على مسوّغاتِ الهويّةِ وتجاذباتِها. ولطالما شكَّـلتِ المروياتُ الشّعبـيةُ والكـتاباتُ المدرسيّةُ والرّواياتُ الرّسميةُ، وحكايا الأجدادِ عناصرَ هذا الصِّـراعِ وسياقَه الاجتـماعي-الطّائفي، حيث تطغى حاكميّةُ الوجدانِ على ما عداها.

لقد كانت المروياتُ بمجملها ترّتبطُ برؤًى تنـظرُ إلى التشيُّعِ في لبنانَ بعينِ الرّيبةِ، أو أنّها تضعُها في سياقِ التّاريخِ الذي لا طائلَ تحـته، أو أنها تنـظرُ إلى الجماعةِ الشّيعيّة نظرةَ تضخيمٍ وتفخيم. أمّا نحن كُـتّابُ هذا السِّفرِ وكاتباتُه، نُدرك جسامَـةَ هذه الرحلةِ والمَهَمّةِ الصعبة والممتعة في آن، التي تصدّينا لها بكلِّ ما ندّعيه من حرصٍ على الموضوعيّةِ المطلوبة.

سِفْرُنا هذا قد قـسَّمناه إلى مجموعةِ أبحاثٍ، مُتـداخلةٍ في اهتـماماتِها وإطاراتِها العامةِ، مع تـمايزٍ في مواضيعها التّفصيليّة، وهي تدورُ حول تاريخِ الشّيعة في لبنان منذ البداياتِ إلى اليوم، علاقتـِهم بالسّلطات والعكس، وكذلك حول جغرافيا الأماكن التي نزلت بها الشّيعةُ في لبنان عبر التاريخ، وصولًا إلى أيامنا هذه. وحول تعدادِ الشّيعة السّكاني، من حيث هم أعدادٌ ومن حيث هم عائلات. فحاولتْ أبحاثُنا قدرَ الإمكانِ، وبما توفّر من معطياتٍ، رصدَ الكُـتلِ السّكانيّة الشّيعية وأعدادِها في القُرى والنّواحي. 

كما عرّجتْ هذه الأبحاثُ على تقاضي الشّيعة استنادًا إلى مذهبهم. فعُرِضَ فيها تعـريفُ القضاءِ الجَعّفري وأصولُه وتفرعاته، كما وعرضتْ لواقعِ هذا القضاء في الفترة التي سبقتْ الاعترافَ الرسّميِّ به، وبعده.

كذلك اهتمّتْ بيومياتِ الشّيعةِ في العصورِ القديمةِ، عاداتِهم وتقاليدِهم، في الملْبَسِ والمأكل وفي الزّواجِ والمناسباتِ السّعيدة والحزينة، وبأعلامِهم ومدارسِهم وحياتِهم الثّقافية والتّربوية. وأفردتْ حيّزًا واسعًا لمسألةِ المرأةِ الشّيعيّة. 

ولا يُخفى على المتابعِ/ة أنّ المواضيع المشارَ إليها قد تبدو مـتداخلةً في بعضِ الأحيان. ويظهرُ انعكاسُ ذلك بين دفّتي السِّفر، وهذا ما يعرّضه لشبهة التّكرار؛ لأن العملَ كان وفق عناوينَ مختلفةٍ ترتبطُ بعنوانِ البحث العام، لكنّ عزاءَنا في هذا المجال يكمنُ في محاولةِ الوصول إلى عرضٍ شاملٍ ومتكاملٍ لواقعِ الشّيعةِ في لبنان. 

لقد حاولنا في أبحاثِنا هذه أن نكونَ عِلمـيِّين وعَمَلـيِّينَ قدْر الإمكانِ، وأن نبتعدَ عن صِيَغ المُبالغةِ والتبجيلِ، وكان المنهجُ التاريخي رُكن العمل الأساسيّ مع الاستعانةِ بمناهجَ أخرى في أبحاثنا المتنوِّعة والمتعدِّدة بقَدر تعدُّد مواضيع البحثِ وتنوّع مصادره. حيث اعتمدنا التحليلَ حين وجدْنا لذلك ضرورةً، وأوَّلْنا عندما كان هناك مجالٌ للتأويل، وسردْنا في مواضعَ، وأجرينا مقارناتٍ في مواضعَ أخرى؛ وقد أشرْنا إلى ذلك في مقدماتِ أبحاثنا. 

أمّا عن صعوباتِ البحثِ، فقد كانت على منوالِ ما تختبره الأبحاثُ التي تتطرّقت إلى تاريخِ الجماعاتِ البشريّة وحاضرها، فمنها ما يتعلّق بالكمِّ لناحية شَحِّ المصادر حينًا، أو غزارتِها مع قلّة مصداقيّتها وموثوقيتّها أحيانًا أخرى. كما صادفَـتنا صعوباتٌ فرضَها الواقعُ المعيشيُ والأمني والسّياسي الاستثنائي الذي نعيشُه.

وختامًا، نتمنى أن تكونَ هذه الأبحاثُ قد استطاعتْ أن تُقدِّم إضافةً ما، إلى مخزون المعرفةِ الإنسانية والبحثِ عن الحقيقة. ومع الشّكر الجزيل لكلِّ من تعاونَ معنا وساهم في إخراج هذا البحث إلى فضاء الوجود.