03・05・2023
من العدد ٠
إمبراطورية الفان الرقم ٤ في الضاحية
ثنائي «النقل الخاص المشترك»

في عام ١٩٦١ ومع توقف «الترامواي»، شهد لبنان انطلاقة «مصلحة النقل المشترك» التي أُوكل إليها إدارة النقل في بيروت وضواحيها، قبل أن تشمل مهامها الأراضي اللبنانية كافة عام ١٩٨٨. تولّت المصلحة تشغيل عشرات الـ «أوتوبيسات» على خطوط مختلفة بينها ضاحية بيروت الجنوبية، وصار «جحش الدولة» ملك الساحة بلا منازع. 

مرت المصلحة بمطبات مختلفة، لعبت فيها السياسة دورًا بارزًا، لكن ذلك لم يمنع ازدهار نشاطها في سنوات ما قبل الحرب، ففي عام ١٩٧١ كان «النقل العام» قد سجّل رقمًا مهمًا على صعيد نقل الركّاب بلغ ١٠١٠٠٠ راكب، وهو مستوى قياسي إذا ما قورن بما سبقه في سنوات ما بعد الحرب وتحديدًا في عام ٢٠٠٤ إذ بلغ عدد الركّاب نحو ٣٧ ألفًا. لكن في السنوات اللاحقة بدأ أداء المصلحة بالتراجع، وغزت الساحة شركات «النقل الخاص» والتي ما لبثت أن تراجعت بدورها أمام زحف «الميني باص» الذي اتخذ شكلاً فرديًا في البداية. ومع حلول عام ٢٠٢٠ شكّل انفجار المرفأ الضربة القاضية بالنسبة إلى «مصلحة النقل المشترك» التي لم يعد لها نصيب يذكر من النقل بعد أن تضرر مبناها والحافلات المركونة في مقرها، فيما كانت حصتها من النقل تقدر بـ ٥% في السنوات الأخيرة.

وفيما كانت المصلحة تكابد من أجل الاستمرار في عملها بما تملكه من إمكانات محدودة، كانت الدولة تتعمد تجاهل القطاع بحرمانه من أي قدرة على النهوض، ومن ذلك تعطيل القرض المقدّر بنحو ٢٩٥ مليون دولار والذي كان قد وافق عليه البنك الدولي للمصلحة في ٢٠١٨، ثم موضوع هبة الباصات الفرنسية في ٢٠٢٢ والتي انتهت إلى الفشل أيضًا.

وفي ظل هذا الواقع، فإن حكاية ضاحية بيروت الجنوبية مع «النقل المشترك» قديمة متجددة، وحالها حال المناطق اللبنانية كافة. فالإهمال المتعمد وغياب السياسات الهادفة إلى إيجاد الحلول الجذرية لمشكلات قطاع «النقل العام» من جانب الدولة، شكلا الدافع لأبناء المنطقة من أجل تشكيل منظومة خاصة للنقل أبطالها من المحظيين من النقابات وأبناء العشائر وذوي الميول السياسية الواضحة، لتشهدَ الضاحية بذلك ولادة عدد من خطوط «النقل الخاص»، كان أهمها الخط الرقم «٤».

من الخط «٥» إلى الرقم «٤»
فان وعليه شارة الرقم 4
فان وعليه شارة الرقم 4

في العام ١٩٩٩، أسست نقابة «سائقي الميني باص العمومي في لبنان» برئاسة عبدالله حمادة، وهي عضو في «اتحاد الولاء للنقل والمواصلات» التابع لحزب الله، الموقف الرقم «٥». كان هذا أوّل موقف منظّم في منطقة التيرو في الشويفات يصلُ الضاحية الجنوبية بطريق المطار وبيروت والدورة، ويعملُ في وجود «الشركة اللبنانية للمواصلات» من خلال حافلات كبيرة، كما كانَ «النقل العام المشترك»، لا يزال حاضرًا عبر ما كان يعرف بـ «جحش الدولة»، يتنقلُ بين موقفي حي السلم الجديد والكولا.

وظلَّ الموقف الرقم ٥ برعايةِ النقابة حتى تركته عام ٢٠٠١، وانتقل حمادة، إلى محلة الكفاءات حيث أسسَ لنفسه موقفًا سماه «الأرزة»، أما الخط فسمي بالرقم «٤»،.وقد اختار ذلك المكان حيث أنَّ «أوتوستراد السيد هادي نصرالله لم يكن بلغَ نهايته بعد، وكان يصلُ إلى تلك النقطة فقط (قبل استكماله إلى محيط الجامعة اللبنانية). هناك استغل حمادة قطعةَ أرضٍ صغيرة لركن الحافلات، وشيَّد لنفسه خيمةً على الرصيف قرب مستديرة الكفاءات جعلها مكتبًا يتابع منها أمور السائقين». 

هذا الموقفُ الوحيد «النقابي» الذي يعترف «اتحاد الولاء لنقابات النقل والمواصلات في لبنان» بانتمائه إليه. وقد انضمَّ إليه عشرات السائقين، قبل أنْ يتقلصَ العدد إلى ما يتراوح بين سبعة إلى ١٥ سائقًا مشتركًا فقط. ومع استكمال الأوتوستراد إلى محاذاة الجامعة اللبنانية، افتتح «اتحاد الولاء» موقف «الملاك» أمام مجمّع الملاك السكني في حي السلّم، فيما أسس «اتحاد النقل البري في لبنان» موقفًا عند مدخل الجامعة سُمي بموقف «الجامعة». وقد حصل مؤسسو «الملاك» على رخصةٍ من بلدية المريجة لركن ستة فانات أمام المجمع، وكذلك فعلَ الموقف الآخر (الجامعة) بالنسبةِ إلى رخصة لوجودِ حافلتين على الطريق أمام مدخل الجامعة. هذه البدايةُ لم تخلُ من وجود خلافاتٍ بين القيميين على الموقفين، وكذلك مع طرف ثالث هو بعض أبناء العشائر الذين كانوا يسيطرون على الأحياء في المنطقة، وكان عددٌ منهم يمتلك حافلات «ميني باص» يعملون عليها أو يقومون بتشغيلها من خلال تأجيرها. وعندما تعاظمت المشاكل إلى درجةِ الاصطدام المسلح في بعض الأحيان، انسحب «اتحاد الولاء» من الموقفَين وتدخل «حزب الله» وحسمَ الأمر بتسليم موقف «الملاك» إلى المدعو حسين فضل الله زعيتر، واحتضنَه بموجب اتفاق بعدم إثارة المشاكل، وقد عهد حسين بإدارة المكان إلى أخيه علي زعيتر، فيما عُهِدَ بموقف الجامعة إلى «حركة أمل» التي كانت ترغبُ في محطة تابعة لها. ويدير هذا الموقف شخصٌ من آل زعيتر أيضًا يلقب بـ «المختار»، ولم تقف حدودُه عند الرصيف ومساحة صغيرة، بل امتدت إلى استغلال قطعة أرض تملكها «مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك» إلى جانب مدخل الجامعة، فشُيّدت عليها ورشة «ميكانيك». ويعمل الموقف تحت اسم «الاتحاد اللبناني لسائقي السيارات العمومية ومصالح النقل في لبنان» الذي يرأسه بسام طليس، مسؤول المهن الحرة في «حركة أمل».

دفع هذا الواقع إلى انتشارِ ظاهرةٍ جديدة في الضاحية يمكن الاصطلاح على تسميتها بـ«صرعة الفان»، وقد امتدت إلى كل منزل في منطقة بعلبك الهرمل تحديدًا، بالإضافة إلى أبناء الضاحية الجنوبية. فكل الشبان العاطلين عن العمل كان حلمُهم امتلاك «فان» و«نمرة حمراء» عمومية، وعلى هذا الأساس بذل هؤلاء الغالي والنفيس في سبيل تحقيق مرادهم، باعوا عقارات واستدانوا من المصارف، و«وضعوا الدولار على الدولار»، لامتلاك «مصلحةِ» تعينهم في تأمين قوتٍ أو مستقبل، خصوصًا أنَّ «النمرة العمومية» الخاصة بالـ«ميني باص» كان يصل ثمنها في سنوات انطلاقة «الصرعة» إلى نحو ٤٠ ألف دولار، وفي بعض الأحيان أكثر، ناهيك عن ثمن «الفان» نفسه.  لذلك لم تتطابق حساباتُ هؤلاء الشبان، كما يفيد بعضهم، مع الواقع، وأدى غياب الدولة عن ممارسة مهماتها إلى ظهور عملية استغلالٍ للسائقين من خلال المواقف «العشائرية» و«السياسية» و«النقابية».

مع الانطلاقة وصل عدد مشتركي «الملاك» إلى نحو ٦٥ حافلة. ومع الأزمة الأخيرة، التي بدأت أواخر عام ٢٠١٩، بدأ عددها بالتناقص ليصل اليوم إلى نحو ٣٥ «فان». أما «الجامعة» فيبلغ رقم مشتركيه نحو ٦٠، بحسب أحد المسؤولين فيه. ويسترعي الانتباه في الموقفين اعتمادهما في الاستحصال على الرخص بمزاولة المهنة والأوراق الرسمية على «نقابة الميني باص» التي يرأسها حمادة.

بحسب ما يصرّح به مالكو المواقف الثلاثة، فإنَّ مجموع الحافلات العاملة على الخط يتراوح بين ١٥٠ إلى ٢٢٠ «فان» تقريبًا، وهذا الرقم خاضع للزيادة والنقصان، وليست كل الآليات قد تكون مشتركة في أحد المواقف. ويذكر أنَّ العدد قد يرتفعُ في فصل الشتاء مع افتتاحِ الموسم الدراسي في الجامعات.

خطوط موازية وفانات شرعية وغير شرعية

حوّلت الفوضى طرق الضاحية إلى خطوطٍ مشرّعة لعمل «الفانات» الشرعية واللاشرعية. فبالإضافة إلى تلك القانونية والتي يمتلك سائقوها رخصًا خاصة لمزاولة المهنة مِن نقابة «الميني باص»، تقدِّر جهاتٌ نقابية أعدادَ الحافلات اللاشرعية بنحو ألف تعمل على خطوط موازية مختلفة في الضاحية. وهي تتركزُ بين حيّ السلم والمشرفية، فالسفارة الكويتية، وبين طريق المطار والدورة، وأخرى بين جسر السلطان إبراهيم وكنيسة مارمخايل، يُضاف إليها خط الشويفات-الحدث-الدورة. 

تتميز الخطوطُ الموازية بوجود عشرات الحافلات التي تعمل بلا رخص قانونية، إذ أنَّ معظمَها يحمل لوحات بيض طُليَت بالأحمر، وأخرى لا تزال عليها لوحات بيض خصوصية، بالإضافة إلى تلك الحمراء المزورة، وكذلك الحمراء الشرعية وتُستخدم على أكثر من آلية. والأخطر وجودُ بعض الحافلات غير المسجلة (أنقاض)، وهذه خطِرة بحيث أن أيًا منها إذا تسبب بحادث أو تضررَ ركابُها جسديًا، لا يمكن ضبطُها وملاحقة سائقها. ويضاف إلى ما سبق الـ «فانات» التي تعمل على «الديزل» وهي ممنوعة قانونًا من السير على الطرقات، بالإضافة إلى وجود سائقين سوريين ممن لا يحق لهم مزاولة هذه المهنة في لبنان.

ولدى السؤال عن كيفية السماح لمثل هذه الحافلات بالسير على الطرقات ونقل الركّاب، يأتي الرد من مصادر نقابية بأنها تتمتع بحماية «سياسية» تؤمنها الأحزاب المسيطرة في المنطقة، في إشارة إلى الثنائي الشيعي. والأنكى من ذلك أن بعضًا آخر من تلك الفانات يحظى بتغطيةٍ «رسمية» يوفرها ضباط وعناصر في القوى الأمنية!

الاشتراكات وآلية التنظيم
صورة لمجموعة من الفانات
صورة لمجموعة من الفانات

تحت ستارٍ نقابي، وغطاءٍ سياسي، اتفق أصحاب المواقف في ما بينهم على تحديدِ قيمة الاشتراك عن كل «فان»، وذلك لقاء ما اعتبره هؤلاء خدماتٍ «تنظيمية». وتبلغ التعرفة في موقفَي «الملاك» و«الجامعة» حاليًا ١٧٥ ألف عن كل «نقلة». وفي حال كان «الفان» نفسه مشتركًا فيهما معًا في الوقت نفسه، اتفق الجانبان على أن يدفع السائق ١٢٥ ألف ليرة لكل منهما. أمّا موقف «الأرزة» فاشتراكه بين ١٠٠ إلى ١٥٠ ألف ليرة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض السائقين يتحدثون عن مبالغ أكبر بكثير تُدفع لموقفَي «الملاك» و«الجامعة» خصوصًا أنهما يسمحان للسائقين السوريين بالعمل فيهما، ويحصل هؤلاء ليس فقط على تأمين الركّاب، وإنما كذلك على الحماية «العشائرية»، فيما يرفضُ موقف «الأرزة» تشغيل السائقين الأجانب إلى أي جنسية انتموا. 

وتتمُ عملية التنظيم من خلال قصاصة الورق أو البون) التي يمنحها كل موقف للسائق ليُثبت انتماءه اليه، لكن هذه الطريقة اختفت أخيرًا ليكتفي أصحاب المواقف باللوحة التي تحمل الرقم ٤ على زجاج «الفان» الامامي» كدليل على انتمائه لأحد المواقف الثلاث. ويحصلُ في المقابل على خدمات تجديد الرخص والسماح له بالانتظار في المكان، وفضَّ الإشكالات بين السائقين، أو بينهم والجهات المعنية. وعندما نقول «المعنية» فإنَّها تشملُ الأجهزة الرسمية التابعة للدولة اللبنانية.

ويبدأ التنظيمُ من الموقف على طول الطريق، إذ ينشرُ كلُّ منها موظفًا لمراقبة خط سير الفانات، وآخر يقف عند إشارة مارمخايل، ومهمتهما منع كل آلية قادمة من الحمرا في اتجاه الضاحية من الالتفاف عند إشارة كنيسة مارمخايل للعودة مِن حيث أتت، وذلك حتى لا يأخذ سائقُها دور زميل له أو يؤثر سلبًا على مسارِ «فان» يكون انطلق من الضاحية باتجاه بيروت. وفي الآونة الأخيرة غاب المراقبون عن إشارة مارمخايل لأسباب أرجعتها مصادرُ المواقف الثلاثة إلى انتفاء الحاجة إليها.

ويدافعُ مالكو المواقف عن تقاضي البدلات المالية من السائقين. فبالنسبة إليهم، «ما المانع من الحصول على المبلغ المعلوم، إذا كنا نساعد السائق على تأمين مبلغ معتبر في كل يوم عمل؟»، مؤكدين أنَّ السائقين يدفعون تلك الأموال برضاهم.

وتدافع مصادر «الاتحاد اللبناني لسائقي السيارات العمومية ومصالح النقل في لبنان» بدورها عن مبدأ الاشتراك المالي للمواقف، مشيرةً إلى وجود تنسيق بين المواقف الثلاثة حول هذا الأمر، وذلك لما تعتبره حفاظًا على مصلحة السائقين والركاب. لكنها تنفي تدخل الاتحاد في الشؤون المالية، بل «نحن نؤمن الرعاية فقط».

لكن مصادرَ «اتحاد الولاء» تتساءل عن السبب في تقاضي الأموال من السائقين، مشيرة إلى أنَّ من يقفون خلف المواقف يقبضون من كل سائق مبلغًا يتراوح بين ١٧٥ ألف ليرة إلى ٢٥٠ ألفًا، وأن هناك مَن يطالب السائقين بإضافات كلما احتاج إلى المال، وأنَّ آخرين يدفعون للموقف حتى ولو لم يعملوا. وهذا ما تراه تلك المصادر «خوّات» تؤخذ من السائقين بغير وجه حق.

وتلك الظاهرة أكثر ما تنتشرُ في أوساط السائقين السوريين، إذ يشكّل هؤلاء «زبائن دسمين» لمالكي الفانات، ويدفع واحدُهم نحو ٤٠٠ ألف ليرة زيادة على أجرة «الفان» اليومية. وقد عزز الأمر لجوء بعض اللبنانيين المتنفذين والمدعومين من الثنائي الشيعي إلى شراء مجموعة من الحافلات لتأجيرها للسوريين حصرًا. وتشير المعلومات إلى أنَّ أحد اللبنانيين يملك بمفرده نحو ٥٠ حافلة يقودها سوريون في مقابل بدلَات تصل إلى مليون ليرة في اليوم، وبالتالي فإنَّ أرباحه هي بحدود ٥٠ مليون ليرة يوميًا. ويشرف الرجل بنفسه على تأمين عمل آلياته على طريق المطار بالتنسيق مع بعض رجال الشرطة.

كذلك فإن أحد اللبنانيين من آل زعيتر يملك مجموعة من «الفانات» يؤجرها لسوريين يعملون على الخط الرقم «٤»، وذلك على الرغم من ادعاء أصحاب المواقف الثلاثة بأنهم يرفضون عمل السائقين السوريين على مواقفهم.

هو تعهدهم بدفع كل قيمة المخالفات التي قد يتعرضون لها، وتحمل نفقات تخليص «الفان» إذا حُجز مِن قبل شرطة السير. وعلى تلك الخلفية يقوم مالكو الفانات اللبنانيون بحماية السائقين السوريين وتسهيل نشاطهم للحفاظ على أرباحهم.

بالأرقام.. الرابحون والخاسرون

وفي مقابل ما يصرِّح به أصحاب المواقف وبعض الجهات النقابية، فإنَّ للسائقين رأيهم في ما يجري، إذ أنَّ الكثيرين منهم ينفون بشكل مبطن الكلام حول الحصول على «مبلغ معلوم» كان يقدّر أنه بحدود  ١٠٠ دولار يوميًا قبل الأزمة، موضحين أنه في أحيان كثيرة لم يصل إلى حدود ٤٠ ألف ليرة يوميًا، وكانت تعادل ٢٦ دولارًا تقريبًا.

أما اليوم، فإنَّ «اليومية» تبلغ كمعدل وسطي نحو ٣٠ دولارًا، ذلك أن بعض السائقين يعملون على فانات مستأجرة يتراوح بدَلُها اليومي بين ٥٠٠ إلى ٦٠٠ ألف ليرة في اليوم، وبالتالي يتعين عليه أن يقل على الأقل بين ١٠ إلى ١٢  راكبًا لتحصيلِ إيجار الحافلة، ناهيك عن مصاريفها من بنزين وخلافه. وفي ظل المزاحمة والمنافسة، فإنَّ تحصيل النفقات اليومية قد لا يتحقق، خصوصًا بالنسبة لهذا النوع من السائقين الذين يقودون آليات مستأجرة، وفي الوقت نفسه يشتركون في موقفين معًا، وفي بعض الأحيان بالمواقف الثلاثة.

أما بالنسبة إلى تعرفة الراكب، فتم الاتفاق على تحديدها بـ ٥٠ ألف ليرة، وهي تتبدّل بحسب سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية. وإذا اعتبرنا أنَّ كل «فان» يمكنه أن يقل ٦٠ راكبًا يوميًا كمعدل وسطي، تصبح يوميته بحدود ثلاثة ملايين ليرة، وتاليًا فإن المدخول اليومي لـ «الفانات» مجتمعة ٦٦٠ مليون ليرة يوميًا أي ٦٦٠٠ دولار بحسب سعر صرف الدولار على ١٠٠ ألف ليرة، وهذه تقاس على ٢٥ هي عدد أيام العمل الشهرية، فيصبح العائد نحو ١٦٥ ألف دولار.

وعليه فإن هذه الدورةَ تفيدُ، إضافة إلى السائقين، أصحاب المواقف الذين تقدَّر يوميتُهم من خلال الفانات بما بين ١٥٠ دولارًا إلى ٢٠٠ دولار، ومن يقومون بتأمين الغطاء الأمني والسياسي لعمل الفانات اللاشرعية تحديدًا، ثم مالكو الفانات الذين يؤجرنها وكذلك أصحاب محطات المحروقات وتجار الزيوت وشركات التأمين. وفي موازاة هؤلاء جميعهم فإن «الفان الرقم ٤» يوفر على الراكب مبلغًا يصل في حده الأدنى إلى ١٢٠ ألف ليرة يوميًا.

وبالنسبة إلى الخاسرين، فهُم الدولة اللبنانية التي لا تنالُ من تلك الدورة سوى رسوم تسجيل الفانات والميكانيك، وكذلك النقابات التي لا تستفيدُ إلا من رسوم بطاقات العضوية. أما العمل تحت رعايتها فلا يؤمن لها أي مدخول.

غياب رسمي وهيمنة عشائرية وحزبية

ترتفع في موقف «الجامعة» صورة لرئيس المجلس النيابي نبيه بري ذيلت بعبارة «ما يهزك ريح»؛ صورة تختزل المشهد...والانتماء. ولا ينفي القيمون على موقف «الملاك» التنسيق مع «حزب الله» الذي يتمُّ بأشكال مختلفة، فهو إما مباشر في حال حدوث إشكالات أمنية، ولا مباشر، عبر «اتحاد الولاء»، في خصوص تنسيق عمل السائقين. أمّا الدولةُ، فهي الحاضر الغائب غير الفاعل، والتي لم تتقدّم خطوة على طريق تطبيق الخطة الشاملة لتنظيم النقل في كل لبنان والتي تشمل مختلف المدن ومنها مناطق الضاحية الجنوبية، وكانت قدمتها اتحادات النقل البري عام ٢٠٠٩. وذلك مع العلم أنه كان يمكنُ لها أن تؤمن للدولة عائداتٍ ليست في الحسبان. وهي تتضمن إصلاح قطاع النقل العام للركاب وتطوير إدارته وإقرار سياسة النقل البري وإعادة هيكلة المجلس الأعلى للنقل وتنظيم أماكن وقوف السيارات الخاصة ضمن المناطق في المدن وإنشاء محطات تسفير عند مداخل المدن الرئيسية وتشغيلها عند مداخل بيروت وتنظيم إدارتها، وإعادة هيكلة النقل البري. لكنها منذ ذلك نائمةٌ في أدراج وزارة الأشغال العامة والنقل.

ويضاف إلى ما تقدَّم تعاملُ الدولة مع الوضع القائم وكأنه واقعٌ لا يمكن تغييره، إذ تجاهلت الوزارات المعنية، الأشغال العامة والنقل، والداخلية والبلديات، كل الدعوات التي وجهتها اتحادات النقل البري لمنع التجاوزات على الخطوط وتوقيف المخالفين. 

إذا من هو المستفيد الأكبر من هذه الفوضى؟ ولمصلحة مَن يعرقِل المعنيون تنظيم هذا القطاع، وإذا كان الجميعُ يدعون الدولة إلى ممارسة صلاحياتها التنظيمية ويتعهدون تأمين كل السبل اللازمة لذلك؟ فما العائق أمام التغيير؟

تجيبٌ مصادر مطلعة على عمل قطاع «النقل الخاص» في ضاحية بيروت الجنوبية، بأنَّ هناك شراكة بين «حزب الله» و«أمل» في تغطية مالكي المواقف، وتستدلُ على ذلك بالمحاولات التي يبذلها الثنائي الشيعي عند حدوث أي إشكالات في القطاع والعمل على ردم هوة الخلافات بين المتخاصمين بينهم. 

ويترافق ذلك مع تسليم «حزب الله» بوجود المواقف باعتبارها حاجة ضرورية في تأمين حلول للنقل وخدمة قاعدته الجماهيرية، وذلك بصرفِ النظر عن شرعيتها من عدمها، وهو يمارس في هذا السياق نوعًا من «التقية» السياسية والأمنية بحيث يُظهِرُ خلاف ما يبطن، مع اعتماد نهجِ غض الطرف عن التجاوزات التي قد تقع على الخط الرقم ٤. فهو عندما يتدخل يأخذ في الحسبان مجموعةً من المعطيات، أهمها الحفاظ على علاقة مستقرة مع «أمل»، وفي الوقت نفسه مراقبة القطاع من أعلى عبر عينِه «اتحاد الولاء»، فما يعنيه بالدرجة الأولى هو عدم وجود اختراقات أمنية خطيرة في القطاع تؤثر سلبًا عليه، أما ما هو دون ذلك فمباحٌ بضرورات الأمر الواقع.

وطالما أنَّ الأمور تسير في سياقها، حتى لو لم يكن طبيعيًا، فإن الحزبَ تمنّع عن الضبط المباشر لتفلّت الخط بحجة عدم قدرته على مواجهة أبناء العشائر تارة، وطورًا بأن تلك العملية هي من مسؤولية أجهزة الدولة اللبنانية المعنية. وذلك مع العلم أنَّ تلك الأجهزة لا يمكنها التحرك بحرية في ضاحية بيروت الجنوبية بسبب القيود التي يفرضُها على عملها، إذ تحتاج إلى إذن ومواكبة إذا أرادت توقيف أحد المخلين بالأمن في المناطق الخاضعة لسيطرة الحزب. وعلى هذا الأساس أزاح مالكو المواقف التابعة للرقم ٤ الأجهزة الرسمية وحلّوا مكانها فيما جعلوا مرجعيتهم الثنائي الشيعي بشقيه «أمل» و«حزب الله»، والأخير استفاد من قطاع أمّن غاياته وأهدافه بأقل الأكلاف الممكنة!

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.