.jpg)
تبرز مسألة مطالبة «حزب الله» بتسليم سلاحه في الداخل اللبناني التي تتقاطع مع المطلب الدولي، وتحديدًا الأميركي، حيث باتت مسألة السلاح مطروحة على طاولة المطالبة بتنفيذ القرار الأممي، وليس الحوار حول السلاح ومستقبله القادم، خاصة بعد طرح الرئيس جوزاف عون لمسألة فتح الحوار مح «حزب الله» لجهة جدوَلة تسليمه والاتفاق على استراتيجية دفاعية ضمن حصرية السلاح بيَد الدولة.
في الآونة الأخيرة، تصاعدت وتيرة التوتّر والصراع المباشر بين إيران وإسرائيل ومرَّت المنطقة بجولة من الاستهدافات شديدة التأثير والقوة للعمق الإيراني، ليكشف المشهد الإقليمي عن هشاشة المعادلات التي كانت إيران تعتمد عليها. كانت طهران تعتبر نفسها قوة إقليمية كبرى، تفرض توازن رعب قائمًا على قوتها الصاروخية وأذرعها في المنطقة، كـ«حزب الله» والحشد الشعبي والحوثيين، في مواجهة التهديدات الإسرائيلية.
فقد جاءت هجمات ١٣ حزيران الإسرائيلية ضد إيران لتفضح هذا التوازن الوهمي الذي كانت إيران تتباهى به، وأرغمتها على تسريع جهودها نحو إنتاج القنبلة النووية، محاولة بذلك فرض واقع جديد من توازن رعب نووي في الشرق الأوسط.
غير أن التوافق الدولي على تجريد إيران من قُدراتها الصاروخية والنووية، والدخول الأميركي المباشر بضرب منشآتها النووية الثلاث: ناتنز، بوشهر وفوردو، وضعا طهران وأذرعها في مأزق حقيقي.
هذا التصعيد الدولي أعاد إيران وأذرعها الإقليمية إلى مأزق حقيقي. فقد بات من الصعب على إيران الاحتفاظ بترسانتها الصاروخية والنووية، وسط ضغوط متزايدة لتسليم هذه الأسلحة أو فقدانها نتيجة العمليات الحربية، الإسرائيلية والأميركية المشتركة.
في الوقت الذي يواجه النظام الإيراني هذه الضغوط، يبقى «حزب الله» اللبناني أحد أبرز أذرع إيران التي ترفض التخلّي عن ترسانتها الصاروخية. فقد استمر الحزب في تحدّيه، مهدِّدًا باستخدام السلاح ضد شركاء الوطن، مما يعقِّد المشهد السياسي والأمني في لبنان ويزيد من توتر العلاقات الإقليمية.
على الجانب الآخر، لم تتوقّف إسرائيل عن تنفيذ عمليات استهداف دقيقة لمخازن الصواريخ والمواقع العسكرية لـ«حزب الله» في لبنان وسوريا، ما أدى إلى تآكل قُدرات هذه الجماعات المسلحة تدريجيًّا، وأعاد رسم موازين القوة في المنطقة لصالح إسرائيل.
وبعد الخطاب السياسي لقادة الحزب وخاصة الخطاب الأخير لأمينه العام نعيم قاسم الذي أعلن فيه بأنه لن يقف على الحياد في ظلِّ الهجوم الإسرائيلي على إيران، يحاول التأكيد على أنه غير مسموح النقاش بتسليم هذا السلاح، ورفض النقاش فيه، كونه مقدَّس سلاحًا مقدسًا. فكيف يحاول قادته طرح الكلام المعسول حول الحوار والنقاش بمستقبل سلاح الحزب عبر الإعلام، ورفض تسليم سلاحه واضعًا نفسه في مواجهة الداخل والخارج؟ المعركة باتت بين الدولة و«الدويلة»، فإذا كان الحزب مرتاح لهذه الحالة التي يعيش بها من خلال التصادم مع الجميع في الداخل والخارج يجب أن نقول له «دبِّر راسك».
على الرغم من الشجب الرسمي اللبناني للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، يحاول الأمين العام لـ«حزب الله» أن يعكس توجّهات الحزب الخاصة، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بولاية الفقيه في إيران، منتظرًا التعليمات التي قد تتناقض مع الموقف الرسمي للدولة اللبنانية.
في المقابل، أكّد الرئيس نبيه بري على موقف الدولة مرارًا، التزام لبنان الحياد، ورفضه الدخول في أي صراع خارجي. وقد جدَّد الرئيس جوزاف عون هذا التأكيد أمام الزوّار والدبلوماسيين الغربيين، مشدِّدًا على أن لبنان ملتزم بالحفاظ على الحياد وعدم الانجرار إلى أزمات خارجية تؤثّر على أمن لبنان واستقراره.
سؤال يطرح نفسه في الداخل اللبناني وعلى المستوى الخارجي. لماذا فشلت كل التسويات في لبنان بتسليم ما تبقّى من سلاح «حزب الله» وتطبيق القرارات الدولية التي تمَّ الاتفاق عليها من خلال الدولة اللبنانية، ممثلة بدولة الرئيس نبيه بري وحكومة نجيب ميقاتي، الموالية لـ«حزب الله» برعاية أميركية؟ هذه التسويات كانت ستساعد لبنان على نزع فتيل الأزمة من أمام إسرائيل وقطع الطريق عليها في الاستمرار باستباحة السيادة والقانون اللبناني من خلال تنفيذها لعمليات عسكرية متعدِّدة ضد عناصر «حزب الله» بحجة عدم الالتزام في تطبيق الاتفاق الدولي.
إذن، حتى هذه اللحظة، لا يزال الجدل في لبنان حول سلاح «حزب الله» وكيفية تطبيق القرارات الدولية التي تمَّ التوافق عليها في تطبيق القرار الأممي الذي يحمل الرقم ١٧٠١ والقاضي بسحب سلاح إلى الحزب وكافة السلاح المتفلّت لدى كل الميليشيات وتسليم زمام الأمور للشرعية اللبنانية التي باتت معنية وحدها بحماية الحدود ونشر الجيش هناك.
في ٢٧ تشرين الثاني من العام ٢٠٢٤ تمَّ التوقيع على توسيع القرار الدولي ١٧٠١ وتفعيله لجهة تطبيقه ومراقبته من خلال لجنة دولية بقيادة جنرال أميركي يشرف إلى جانب الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل على تنفيذ بنود الاتفاق القائم على تسليم السلاح الذي بحوزة «حزب الله» في جنوب الليطاني وتفكيك القواعد العسكرية وشبكات الأنفاق التي لا تزال موجودة في الخدمة للجيش اللبناني ولاحقًا يُنفذ الاتفاق على شمالي الليطاني حيث تشمل الخطة كافة الأراضي اللبنانية لكي يكون لبنان منزوع السلاح من المليشيات كافة بما فيها سلاح «حزب الله» الذي بات غير قادر على الاستمرار وعلى حماية نفسه بعد عام ونيف من حرب الإسناد الذي سقطت من خلاله مقولة السلاح لحماية لبنان والشعب اللبناني. لكن بعد الانهيار السريع لـ«حزب الله» وضرب قادته وأمينه العام وتدمير المناطق الحدودية بات السلاح الذي تبقّى لدى الحزب غير قادر على تفعيل دوره وإحياء نفسه. خاصة وأن الظروف الجيوسياسية الراهنة، ووضع إيران الداخلي المتأزم، والتغيّرات في ميزان القوى الإقليمي والدولي، تجعل من الصعب على «حزب الله» استعادة دوره التقليدي بنفس القوة، في ظلِّ وجود قوات اليونيفيل التي رغم ضعفها، تلعب دوراً أساسيًّا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
كما أن الدخول في مواجهة مع اليونيفيل قد يضع الحزب في مأزق سياسي وعسكري كبير، لأنه لن يؤثّر فقط على الحزب نفسه، بل على اللبنانيين في الجنوب، الذين يعتمدون إلى حد كبير على وجود هذه القوة الدولية لضمان الاستقرار والحماية من تصعيد المواجهات مع إسرائيل. وهذا يضع الطرفين، الحزب والأهالي، أمام تحدٍّ كبير، حيث يمكن أن يتحوّل الصراع لاحقًا إلى اشتباك مفتوح يضرّ الجميع.
ومن جهة أخرى، فإن أي تعديل بمهام اليونيفيل، بما في ذلك إدخال البند السابع، سيكون بمثابة تصعيد مباشر تجاه «حزب الله»، مما قد يدفع إلى مواجهات جديدة أو على الأقل إلى مزيد من التوترات التي لا تخدم استقرار لبنان أو المنطقة.
هل تفكر قيادة الحزب في أن هناك حلول ممكنة لتخفيف هذه التوترات، أو خطوات عملية يمكن أن تساعد في تحسين الوضع الراهن؟
من هنا فان طرح المواقف المتشدّدة مجدّدًا، بالرغم من كل التصاريح التي تطلع من هنا وهناك بأن الحزب استعاد قُدراته وقوته غير مجد لأن الجانبين، الإسرائيلي والأميركي، أوصلا الإنذار للدولة اللبنانية بأن الحرب لن تقف في حال عدم تطبيق القرارات المتفق عليها.
بعد الزلزال الأخير الذي تعرّض له لبنان بكامله والجنوب، خاصة لجهة التدمير، تمّ التوافق على بدء الحوار بين الحزب وإسرائيل وتنفيذ اتفاق الهدنة بحسب القرار ١٧٠١ الذي ينصّ على انسحاب إسرائيلي كامل من كافة المناطق اللبنانية المحتلة، على أن تبقى المناطق تحت سيطرة إسرائيل لمدة ستين يومًا من بدء العمل بالاتفاق في ٢٧ تشرين الثاني، لكن إسرائيل طلبت تمديد مهلة الانسحاب حتى منتصف شباط لكي تنفّذ الاتفاق، ولكنها احتفظت بخمس تلال استراتيجية لحماية المنطقة العازلة التي فرضتها في قرى ومدن الشريط الحدودي المحاذي للخط الفصل مع مستعمراتها، حيث كان الاتفاق ينصّ على الانسحاب في مقابل تسليم الحزب السلاح في جنوب الليطاني، ونشر الجيش وتعزيز عديده وقُدراته بمشاركة القوى الدولية.
لكن بحسب الوثائق التي لا تزال مجهولة عن الاتفاق المبرم والتي لم تُشر إلى المدة الزمنية التي يتمّ فيها إعادة إعمار المنطقة الفاصلة وإعادة السكان إلى قراهم وتحرير الأسرى.
اتفاق وقف إطلاق النار رقم ١٧٠١ بين «حزب الله» وإسرائيل لا تزال بنوده غامضة ولم تُعلن، حيث بقيت تفاصيل الاتفاقية غير معلنة وغير معروفة. يبقى السؤال الأساسي: ما هي البنود الحقيقية التي تمّ الاتفاق عليها بين الدولة اللبنانية و«حزب الله» من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى؟
هل تشمل هذه البنود السرية كل الضربات العسكرية التي تنفّذها إسرائيل على مواقع «حزب الله»، وشبكات الأنفاق التي يديرها، بالإضافة إلى عمليات الاغتيال التي تمارسها إسرائيل؟ وهل هذا جزء من ترتيبات سرية مُدارة بعد إعلام اللجنة الخماسية المشكّلة من: اليونيفيل، لبنان، إسرائيل، فرنسا، تحت قيادة أميركية والتي تُبرر هذه الضربات بمبدأ الردّ على الخطر الأمني؟
من جهة أخرى، ومع استمرار انتهاك السيادة اللبنانية من قِبل إسرائيل وعدم قدرة «حزب الله» على الرد لأسباب متعدّدة، وأهمها ضعف قُدراته التي لم تعد تسمح له بالدخول في مغامرات جديدة كلفتها ستكون أعلى بكثير مما كانت عليه في أيلول من العام الماضي، فإن التردّد في الرد وحرمان الدولة من بسط سيطرتها على الحدود، كشف عجز الدولة عن تنفيذ مهامها الأمنية.
لذلك، بات من الضروري أن تتخذ الدولة اللبنانية قرارًا واضحًا وحاسمًا للبدء بتنفيذ الاتفاق الدولي الذي وقّع عليه «حزب الله»، وتجنُّب الدخول في متاهات لا تحقق سوى أهداف خاصة للحزب على حساب مصالح الدولة والشعب اللبناني.
- فمنذ انسحابها في شباط الماضي وإسرائيل تخترق الأجواء اللبنانية وتحتل الثلال الخمس، وبحسب الإعلام اللبناني الذي يشير بأغلبه إلى ان إسرائيل قد نفّذت أكثر من ٣٠٠٠ غارة وقتلت ما يزيد عن ٢٠٠ شخص، وجرحت المئات وأغلبهم من أعضاء «حزب الله». وهنا نؤكّد على كلام الصحافي والكاتب نديم قطيش الذي يقول: «في ظلِّ هذه التطورات يجب أن نتكلم بصراحة عن دور السلاح الذي لم يعد يحمي أو يردع أحد، فأصبح هذا السلاح فاقد لقيمته (المقاومة) وقد تحوّل إلى سلاح ميليشيات ليدافع عن الحزب نفسه كي يحميه».
لذلك نرى أن عدم الاعلان الرسمي عن بنود الاتفاق والتعديلات التي تخللته بشكل واضح أمام البرلمان وأمام الإعلام والشعب ناتج عن محاولة واضحة لإخفاء بنود الاتفاق التي تشير إلى الهزيمة والخسارة أمام العدو والموافقة على شروطه وتعديلاته الجديدة التي نراها يوميًّا في اختراق السيادة اللبنانية. إن عدم الوضوح يسمح بالمناورة وإلقاء اللوم على إسرائيل بأنها لم تنفذ الاتفاق وبالتالي يستطيع الحزب الهروب إلى الأمام في بيئته وأمام مناصريه بأنه يلتزم بالاتفاق المُبرم، وإسرائيل هي التي تخرق والحزب لا يردّ خوفًا على بيئته وعلى لبنان والتزامه المطلق بالقانون الدولي.
طبعًا، بعد حرب الإسناد تمّ التوافق على تنفيذ القرار الأممي القائم على تنفيذ مقررات الأمم المتحدة حيث تمّ التوافق الدولي عليها في العام ٢٠٠٦، وقد استطاع الحزب الالتفاف عليها والتهرب من تنفيذها بموافقة إسرائيلية وأميركية طالما الجبهة كانت تعيش حالة من الهدوء طوال الفترة الماضية. لكن بعد العام ٢٠٢٣ بدأت التغيّرات الفعلية تفرض نفسها على القرار لجهة الخوف الإسرائيلي من الذهاب اللبناني «حزب الله» بمغامرة شبيهة بما حدث في غزة إبّان عملية «طوفان الأقصى»، التي شكلت حالة مفصلية للأمن القومي الإسرائيلي، وخاصة بعد دخول «حزب الله» في «حرب الإسناد» وبعدها فشلت كل المبادرات الدولية من إبعاد شبح الحرب عن لبنان وفصل لبنان عن غزة والساحات الأخرى والخروج باتفاق واسع يرضي الحزب وإسرائيل.
إسرائيل اتخذت القرار بعد تعاملها مع غزة بضوء أخضر أميركي ودولي بتصفية حركة حماس حتى لو كان الثمن غاليًا مما دفعها بالنهاية إلى إكمال مشروعها بالتوجه نحو «حزب الله» والآخرين، وتوجيه ضربة قاسية له انتهت بما حدث في أيلول من العام الماضي حتى نهاية تشرين الأول، بتدمير البُنى التحتية العسكرية والقيادية واللوجستية للحزب والذهاب بمفاوضات كانت لصالح إسرائيل حيث فرضت على الحزب شروطها مما دفع بالولايات المتحدة لتفعيل القرارات الأممية التي كانت تقع تحت اتفاق ١٧٠١ بموافقة مجلس الأمن، ولكن بطريقة جديدة تمّ تحديث البنود التي لا تسمح نهائيًّا للالتفاف عليها بموافقة ضمنية من قِبل الحزب وبرعاية أميركية حيث نصّت الاتفاقية على الاستفادة من كل الثغرات التي لم تُطبق في العام ٢٠٠٦ والتي توجّتها بآلية عمل للتنفيذ تُشرف عليها اللجنة الخماسية، حيث تقوم الآلية الجديدة على المراقبة والملاحقة من خلال اللجنة الخماسية التي تم تشكيلها من: لبنان، فرنسا، أميركا، إسرائيل واليونيفيل) والتي تقوم مهمتها الأساسية على ملاحقة التفاصيل وتنفيذ النقاط المتفق عليها والتي تنصّ على تفكيك ترسانة «حزب الله» العسكرية وتسليم القواعد وإعطاء خرائط الأنفاق التي يجب تدميرها.
وبحسب الإعلان فإن اللجنة تنفذ بنود الاتفاق والحزب يسلم مواقعه في جنوب الليطاني. وقد وصل تسليم المواقع حتى الآن إلى ١٩٦ موقعًا من أصل ٢٥٠ في جنوب الليطاني. وفي المجمل بحسب تصريحات الدولة اللبنانية قد تمّ تفكيك أكثر من ٥٠٠ منشأة وموقع ونفَق وتسلمهم الجيش والقوات الدولية وخاصة بعد إعطاء إسرائيل صورًا ومعلومات عن المواقع الذي يُمنع على الحزب البقاء فيها أو الاحتفاظ بها أو العودة إليها. معنى ذلك فإن الجيش اللبناني يمارس مهمته بجدية، لكن استمرار احتلال النقاط الخمس ودخول جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى مناطق محاذية يُعيق الجيش من ممارسة مهمته الأساسية.
إذن، يواصل الجيش اللبناني الانتشار بشكل بطيء في المنطقة الجنوبية لنهر الليطاني بسبب عدم التجاوب السريع والبطيء أيضًا من قِبل الحزب والتمسك بحجج واهية بأن تسليم السلاح مرتبط بالخروج من التلال الخمس التي أعلنت الحكومة اللبنانية، مرارًا، عدم أهميتها الأمنية والعسكرية وخاصة، لجهة التطور التكنولوجي الذي تتمتع به إسرائيل وسيطرتها على الأجواء.
بالإضافة إلى مطالب الحزب الدائمة بأن على إسرائيل إيقاف عملية الاعتداء الدائمة وملاحقة المقاتلين وتنفيذ عملية اغتيال ضدهم، العملية صعبة بسبب عدم الالتزام الإسرائيلي ببنود الاتفاق الذي لا يزال يجهله كل اللبنانيين ويعرفه فقط الرئيس نبيه بري والرئيس ميقاتي.
الحزب لا يزال يحاول الحصول على السلاح، بمختلف الطرق، وتأمين خلايا عسكرية جديدة في المنطقة، وهو يُعلن دائمًا بأنه أعاد تركيبته العسكرية والأمنية، وهذا ما تحاول إسرائيل التصدّي له تحت تنفيذ الضربات الموجهة والخاصة لأشخاص يتمّ الكشف عن هويتهم وعملهم العسكري لاحقًا.
لكن الجيش اللبناني أعلن بأنه لن يذهب لتسلم أي موقع من إسرائيل مباشرة وإنما ينتشر بعد إخلاء المناطق المحتلة ويربط سيادته بسياسة الدولة القائمة على التفاوض والضغط على إسرائيل دوليِّا وإقليميًّا لتطبيق الاتفاق والانسحاب من التلال الخمس وترسيم الحدود وإطلاق سراح الأسرى، وإيقاف الحرب القائمة ضد السيادة اللبنانية.
علينا أن نُدرك جيدًا أن مهمة الجيش اللبناني لا تكمن في استكمال دور «حزب الله» في مواجهة إسرائيل، بل في بسط سلطة الدولة، حماية الحدود، والدفاع عن السيادة الوطنية، خاصة في الجنوب إذا ما حاولت إسرائيل التوغّل في القرى الحدودية.
أما اعتبار الجيش عائقًا أو التشكيك بقدراته وتنفيذ خطط الدولة، فهو شكل من أشكال التهرب من مسؤولية الحرب التي خاضها «حزب الله»، ومحاولة تحميل الدولة نتائجها تحت ذريعة أن السلاح لا يمكن تسليمه ما دامت الدولة غير قادرة على حماية أبناء الشريط الحدودي. وهذا الطرح لا يؤدّي إلا إلى إدامة ازدواجية السلاح، والتهرّب من تبِعات الخسائر التي تكبّدها المدنيون، مع تحميل الدولة وحدها أعباء الإعمار والتعويض، بحجة أنها مسؤولة عن أبنائها، رغم أن القرارات الدولية تُقيّد قدرتها على تلقّي المساعدات، ومنها المساعدات الإيرانية مثلًاً.
إذا كانت الدولة هي الجهة المسؤولة عن حماية أبنائها والدفاع عنهم، فلا بدّ من تمكينها وتعزيز سلطتها واستعادة قرارها السيادي بالكامل، بما يتيح لها ممارسة مهامها دون عرقلة أو تشكيك أو افتعال أزمات تُضعف دورها.
ومن هذا المنطلق، فإن الوقوف إلى جانب الدولة ودعم مؤسساتها هو السبيل الوحيد لضمان الاستقرار، بدلًاً من تحميلها تبِعات قرارات ومواقف لم تكن شريكة فيها منذ البداية، ولا مُنحت حق اتخاذها بحرية واستقلالية.
من الواضح أن السلاح الموجود شمال نهر الليطاني كان يُستخدم من قِبل إيران كأداة لخدمة مشروعها النووي، إذ وُضع ضمن أوراق الضغط على طاولة المفاوضات الدولية. وعلى الرغم من تكرار زيارات المبعوثة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس إلى لبنان، وتأكيدها في كل مرة على ضرورة تحرك الدولة اللبنانية لسحب سلاح «حزب الله» وتفكيك بنيته التحتية الأمنية والعسكرية، إلا أن التطورات الإقليمية الأخيرة فرضت توازنات جديدة في المنطقة، لم تعد في مصلحة إيران ولا الميليشيات التابعة لها.
وقد حذّرت مورغان أورتاغوس من خطورة انجرار لبنان إلى حرب إقليمية غير متكافئة، في ظل تغيّرات جيوسياسية جوهرية على الساحتين الإقليمية والدولية. ومع تعثّر المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وصلت الأمور في ١٣ حزيران إلى مواجهة عسكرية مباشرة، أسفرت عن استهداف البُنية التحتية العسكرية والصاروخية الإيرانية، بما في ذلك ثلاث مفاعلات نووية، وهو ما زاد الموقف تعقيدًا وصعّب على «حزب الله» خياراته الميدانية والسياسية.
ولا شك أن ما تتعرّض له إيران سينعكس تلقائيًّا على الحزب، الذي يُعدّ أحد أذرعها الأساسية في المنطقة. وفي هذا السياق، جاءت زيارة المبعوث الأميركي الجديد، توماس برّاك، إلى لبنان، في ظل المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية، حاملًاً رسالة واضحة إلى الدولة اللبنانية مفادها: عدم السماح بانزلاق «حزب الله» إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، لأن الرد سيكون قاسيًا ومؤلمًا. كما شدّد على ضرورة أن تواصل الدولة اللبنانية جهودها لتفكيك ترسانة الحزب، والعمل بجدية على تسريع عملية ترسيم الحدود مع كل من إسرائيل وسوريا.
لذلك بات المشهد اللبناني غير قادر فعليًّا على التكيّف مع المشهد الجديد حيث بات يصعب عمليًّا على الإدارة اللبنانية السياسية اتخاذ القرار بإعلان الانفكاك عن طهران ليس خوفًا على التصعيد الداخلي بل بسبب تهديد شبكة المصالح القائمة بين الفساد السياسي والاقتصادي الذي ارتبط بالحركة السياسية اللبنانية في السابق، ما يجعل عملية التغيير السياسي في لبنان حاليٍّا بطيئة في تفكيك هذا الارتباط الذي نما طوال الفترة السابقة بين الفساد الاقتصادي والسياسي المحمي بسلاح «حزب الله»، بالرغم من أن حرب أيلول الماضية قد خسر فيها الحزب قواعده العسكرية والأمنية واللوجستية وقطعت طُرق الإمداد العسكرية من طهران إلى بيروت بسبب تغيّر الجغرافية السياسية وما طرأ على الوضع السوري تحديدًا.
إذن، يُعاني لبنان من حالة إرباك واضحة لجهة تطبيق الاتفاقيات الأممية التي وافق عليها «حزب الله» والدولة اللبنانية مع إسرائيل بوساطة أميركية، ما يعني أن الهيمنة السياسية على القرار الحكومي لا تزال موجودة وغير قادرة على تنفيذ خطاب القسَم والبيان الوزاري اللذين يُعتبران خارطة طريق فعلية للإصلاح السياسي والإداري في لبنان وبناء المستقبل الجديد للدولة اللبنانية والتخلّص من الهيمنة الإيرانية كليًّا والعودة إلى الحضن العربي.
لذلك نرى بأن المشهد اللبناني هو جزء من الحالة المتكررة التي تعيشها المنطقة العربية ذات التوتّر الفعلي بسبب حالة مرتبطة بالتواجد والهيمنة الإيرانية المرتبطة بمصالح رأس المال المهيمن على القرار بشكل عام وخاصة في لبنان والتي تشكل إيران خلفية مشروعها الإقليمي المرتبط بالتوتّر الدموي.
من هذا المنطلق، تسعى إيران إلى فرض سيطرتها على المشهد الإقليمي وإثارة الفوضى، رغم تعثُّر مشروعها، الذي باتت آفاقه مسدودة في ظلِّ التصعيد الأخير الذي تشهده المنطقة من خلال المواجهات المستمرة. هذا التصعيد يدفع طهران إلى إعادة تفعيل أوراقها في محاولة جديدة لخدمة مسار التفاوض المرتقب، بهدف الحفاظ على نظامها السياسي، وعلى ما تبقّى من مشروعها النووي.
وبات من الواضح أن إيران تعمل على تجميع أوراق قوتها الفاعلة في المنطقة استعدادًا للمفاوضات المرتقبة، والتي تهدف إلى إعادة رسم المشهد الإيراني، مع الإبقاء على مشروعها الاستراتيجي. ويأتي هذا في وقت حدّدت فيه الولايات المتحدة سقفًا صارمًا لهذه المفاوضات، يتضمن شروطًا أساسية، أبرزها تفكيك البُنية العسكرية التابعة لإيران في المنطقة، ووقف البرنامج النووي، وتقييد أنظمة الصواريخ والطائرات المسيّرة، كخطوة تمهيدية لإعادة التفكير في شكل العلاقة مع النظام الإيراني، وهو ما ينسحب أيضًا على «حزب الله».
ومن هنا، تظهر المحاولات الإيرانية المستمرة لتعطيل الأجواء السياسية وعرقلة أي اتفاقات محتملة، وذلك من خلال خطابات تصعيدية تهديدية تصدر عن قيادة «حزب الله»، في محاولة للهروب من استحقاقات الاتفاق وتطبيقاته، رغم الخسائر اليومية التي يتكبّدها الحزب، خاصة منذ الانسحاب الإسرائيلي، من مناطق باتت تشكِّل حزامًا آمنًا لإسرائيل ومستوطنيها الشمالية.، في محاولة للهروب من استحقاقات الاتفاق وتطبيقاته، رغم الخسائر اليومية التي يتكبّدها الحزب، خاصة منذ الانسحاب الإسرائيلي، من مناطق باتت تشكِّل حزامًا آمنًا لإسرائيل ومستوطنيها الشمالية.
في تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام الأخيرة أمام الإعلام قال بأنه سيكون على جدول أعمال الحكومة قضية سحب السلاح من الميليشيات وبسط سيطرة الدولة على كافة أراضيها، فالحزب سيكون هنا أمام واقع حقيقي يقوم فقط على تسليم سلاحه بالرغم من الأصوات التي تعلو من داخل الحزب بأنها ترفض تسليم السلاح ولا أحد يمكن المسّ بهذا السلاح، على خلاف الأصوات التي تقول بأنها مستعدة لمناقشة القضية والبحث في تفاصيلها، مما يعني بأننا أمام موقفين متعارضَين داخل الحزب، أحدهما متشدّد والآخر محافظ ويمكن التعامل مع كل القضية المطروحة في الدولة بما فيها السلاح، لكن لا بد من القول بأن الطرفين أو التوجّهَين يصبّان في إطار واحد، وهو رفع الصوت في متابعة ما يجري في إيران وأيضًا للحصول على ثمن أعلى من قِبل الدولة لأن السلاح بات غير مفيد للحزب نفسه في ظلِّ الضغط الدولي والخارجي على الدولة لممارسة دورها وتفعيل القرارات الدولية التي ستساعد لبنان على الإعمار والخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة حيث بات الحزب مجبرًا على السير بهذه الخطوات للحفاظ على بيئته التي تعاني من أزمة خانقة.
لا شك أن المبعوثة الأميركية السابقة إلى لبنان، مورغان أورتاغوس، كانت صريحة وواضحة كوضوح الشمس في تصريحاتها وتعاملها مع السياسيين اللبنانيين. فقد أكدت على ضرورة التزام الدولة اللبنانية بتنفيذ القرار الدولي لإنهاء هذا الملف، تحاشيًا لدخول لبنان في دائرة العقوبات والحصار. كما أبدت الولايات المتحدة رفضها السماح لإسرائيل بشن حرب جديدة تهدف إلى نزع سلاح «حزب الله»، على غرار ما حدث في غزة خلال الجولة الثانية من الحرب. وقد جاءت زيارة أورتاغوس الأخيرة لتحمل ضغوطًا مكثفة على الدولة والحزب معًا، حيث وضعت هذا الملف قيد المباحثات الداخلية والخارجية، مما يؤشر على بداية صراع واضح بين الدولة والدويلة. هذا التوجه أكد عليه أيضًا المبعوث الأميركي الجديد توماس براك، الذي يواصل نفس السياسة الأميركية دون اعتبار للشخص المكلّف بهذه المهمة، مما يعكس استمرارية الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.






عُقدت الأسبوع الفائت الجولة الخامسة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ووصَفتها التقارير بأنها من أهم الجولات، نظرًا لأنها تطرقت بشكل جدي إلى مناقشة الملف النووي الإيراني.