
يبدو أن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين بدأ يحلم بملامح «عهد جديد» يحمل بشائر التغيير والانضباط، إلا أن هذا الحلم سرعان ما اصطدم بواقع صاخب يعاند كل محاولة لإعادة بناء الدولة، ويصطدم بفكرتها وبكل جديد.
وقد اختير طريق المطار لإعلان ولادة هذا العهد، عبر يافطات كُتب عليها «لبنان عهد جديد».
ليس طريق المطار مجرد طريق، بل هو مرآة لما تبقّى من هيبة الدولة، وهو البوابة التي تطأها أقدام الوافدين، والسطر الأول في الرواية اللبنانية التي تُروى للعالم.
إلا أنه، في الوقت ذاته، ظهر في الآونة الأخيرة مشرَّعًا أمام التعديات على الأملاك العامة والخاصة، ومسرحًا لسلوكيات استعراضية مسلّحة، ومشاهد توحي وكأن السيادة موزعة بين سلطات متوازية.
كلّها مؤشرات على أن «العهد الجديد» لا يزال يتعثّر قبل أن يخطو أولى خطواته.
إن التعديات التي شهدنا أحد فصولها، احراقًا لليافطات، على طريق المطار ليست مجرّد ارتجاليات فردية أو انفلاتات أمنية عابرة. بل هي نتيجة مباشرة لتراكمات طويلة من الصفقات غير المعلنة، والتسويات التي قامت على تحييد بعض المناطق مقابل ضمان الولاءات، أو السكوت عن تجاوزات مقابل تحصيل النفوذ. بهذا المعنى، فإن ما حدث على طريق المطار هو صورة مصغّرة عن فدراليّة النفوذ غير المتوازنة في لبنان، حيث تُجزأ الدولة وتُقسم مناطقياً بين مراكز قوى، لكل منها حقّ الإدارة الذاتية على حساب القانون العام.
أكثر ما يثير القلق هو أن بعض الأجهزة الأمنية – المفترض بها أن تكون خط الدفاع الأول عن النظام العام – إما غائبة عمدًا، أو موجودة بصفة «متفرج عاجز»، أو أسوأ من ذلك، شريكة في ضمان الاستقرار الوهمي عبر التغاضي والتساهل. هذا التواطؤ الصامت يُسقط هيبة الدولة من داخلها، ويحوّل كل شعارات الإصلاح إلى ديكور لفظي لا أكثر.
فطريق المطار أصبح في الآونة الاخيرة خشبة مسرح تُعرض عليه مشاهد الولاء والانتماء والرموز وشعاراتها، وتعبئة الفضاء العام واغراقه بصور زعمائها كما لو أن الأرض مُلك خاص لهم. علم لبنان، إن وُجد، يكون غالباً خلف طبقات من الأعلام الحزبية، مُزاحماً بعيون الزعيم، وبعبارات تعبّر عن «النصر» و«الثبات» و«الحضور الدائم» – لا للدولة، بل للحزب.

هذا الفضاء المتنازَع عليه، أصبح جزء من معركة رمزية على السلطة والهوية. فأن تُمسك بمشهدية المكان يعني أن تسيطر على شعور الناس بالانتماء، أن تقول لكل من يمرّ: «نحن هنا، نحن الأقوى». ولذلك، كانت لحظة إحراق الإعلانات الرسمية التي حملت رمزية العهد الجديد لحظة شديدة الدلالة، لأن من أقدم على ذلك لم يحرق صورةً فحسب، بل وجّه صفعة معنوية لفكرة الدولة، وقال بوقاحة: «لا عهد يعلو فوق عهدنا، ولا نصر يمحو نصر زعيمنا». هذا ليس استهدافا للوحة، بل للإمكانيات التي يطرحها أي مشروع الدولة الجديد وأي توجه قائم على نزع السلاح غير الشرعي والقضاء على كلّ أشكال الهيمنة والترهيب ...
لا يمكن لعهد أن يُولد قويًا في دولة مستباحة. ولا يمكن لأي خطاب إصلاحي أن يُصدّق، إذا كان على طريق المطار – أول نقطة تماس مع لبنان – تُرفع أعلام الولاء الخاص فوق رايات الدولة. إن كنس الفوضى من الشوارع يبدأ بكسر الحماية السياسية عنها، واستعادة هيبة القانون من أيدي المتحكمين به. فالمعركة على طريق المطار ليست فقط معركة أمنية... إنها معركة هوية.





