
تَربطُ الإنسانَ بـ «الرَّمزِ» علاقةٌ مُعقَّدةٌ يبدو أنَّ لها منَ العُمرِ مثلَ ما للإنسانِ منه. يُمكنُ تعريفُ الرَّمز بأنَّه شيءٌ يَدلُّ على معنًى أبعدَ منه. وقد يكونُ هذا الشَّيءُ إشارةً، لغةً، رَسْمًا، صورةً، رايةً، آلةً، إنسانًا أو غيرَ ذلكَ ممَّا يُعدُّ منَ الرُّموزِ التي تُصنَّفُ تصنيفاتٍ مُتعدِّدةً باعتباراتٍ مُختلفةٍ. وإحدى أهمِّ خصائصِ الرَّمزِ ومُقدِّماتِ فهمِ دلالاتِه، هي أنَّه، من حيثُ المبدأ، ليسَ ذا طبيعةٍ شموليَّةٍ عالميَّةٍ، بل هو حالةٌ تَخُصُّ جماعةً مُحدَّدةً ويَرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بثقافةِ هذه الجماعةِ وهويَّاتِها. مِنْ هُنا، يحملُ الرَّمزُ، بطبيعتِه، نزعةً نحو الحصر والاختِزال.
في السِّياسةِ، يُشكِّلُ الرَّمزُ حالةً ضروريَّةً لا بُدَّ منها، بل إنَّه يتحوَّلُ إلى أداةٍ لعلَّها أهمُّ أدواتِ العملِ السِّياسيِّ. وتُعَدُّ الصُّوَرُ إحدى أكثرِ الرُّموزِ انتشارًا في ميدان السِّياسةِ الذي يُؤثِّرُ على سواه من ميادين الحياة. ويَعتبِرُ رولاند بليكر أنَّ «الهيمنة البصرية» للصُّوَرِ هي شأنٌ سياسيٌّ يؤثِّرُ في تفاعُلِ المُتلقِّي له معَ العالَم وفيه. وفي البُلدان التي لم تُنجِزْ هويَّتَها الوطنيَّةَ بعدُ، كلُبنانَ مثلًا، يتحوَّلُ الرَّمزُ إلى وسيلةٍ لتحديد الإقليمِ أو المجال الحيوي لهذه الجماعةِ أو تلك. وتحديدُ الإقليمِ هو سلوكٌ غَرَزِيٌّ تُمارسُه أنواعٌ كثيرةٌ من الحيوانات، والذُّكورِ على وجه الخصوص، عبرَ رسمِ حدودِها بإفرازاتٍ كيميائيَّةٍ كالبَوْلِ أو الفيرومونات (pheromones).
في لُبنان، ذي الهوياتِ المُتصارعة، تنتشرُ الرُّموزُ بأشكالِها المُختلفةِ في مُعظمِ مناطقِه، لكن بِنِسَبٍ تتفاوتُ بين منطقةٍ وأُخرى. ولعلَّ الضَّاحيةَ الجنوبيَّة لبيروت هي أكثرُ مناطقِ لُبنان من حيثُ كثافةِ الرُّموزِ فيها إلى حَدٍّ تصحُّ فيه تسميتُها بـ «قريةِ الرُّموزِ الكُبرى»، وتصلُحُ بالتَّالي لأنْ تؤخذَ نموذجًا لتحليل الرَّموزِ في السِّياسةِ دلاليًّا ووظيفيًّا.
خرجتُ، يومًا، مع صديقٍ لبعضِ الشُّؤونِ خارجَ حدودِ «الضَّاحية»، حيثُ أسكن. عندَ عودتِنا، سَلَكَ صديقي بسيَّارتِه الطَّريقَ التي تُوصِلُ إلى «الضَّاحية» من ناحيةِ الشويفات. ورغمَ ثقتي بمعرفةِ صديقي بطُرُقاتِ «الضَّاحية» وزواريبِها، كنتُ أشعرُ بما يشعُرُ به مَنْ أضاعَ الطَّريق، ولم أتخلَّصْ من شعورِ الضَّياعِ هذا إلَّا حينَ رأيتُ أوَّلَ صورةٍ للأمين العام الأسبق لحزب الله، حسن نصر الله. في تلكَ اللَّحظةِ فقط أدركتُ أنِّي صِرتُ في «الضَّاحية»، أو في مكانٍ لنْ أُضَيِّعَ طريقَ بيتي حينَ يُنزلُني صديقي من سيَّاراتِه فيه.
قبلَ الحربِ الأخيرةِ، كانتِ «الضَّاحية» تَغِصُّ بالرُّموز المُتعدِّدةِ. كان يكفي أنْ تقفَ في مكانٍ ما وتدورَ فيه دورةً كاملةً حولَ نفسِكَ لتُدركَ أنَّ الرُّموزَ تملأُ كُلَّ المكان، وفي كُلِّ الاتِّجاهاتِ الفيزيائيَّة، لكن في اتِّجاهٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ واحدٍ؛ اتِّجاهِ «الثُّنائي الشِّيعي» أمل-حزب الله. يُمكنُ أنْ نَعُدَّ من هذه الرُّموزِ ما يلي:
على مستوى الصُّوَر: الحصَّةُ الأكبرُ هي لموسى الصَّدر، حسن نصر الله، نبيه برِّي، الخميني والخامنئي. يليهِم صور القيادات العسكريَّة كعماد مغنيَّة، مصطفى بدر الدين، داود داود وغيرهم في حين تحظى الشَّخصيَّات السِّياسيَّة بعددٍ أقل من الصُّورِ التي تزيدُ في فترات الاستحقاقاتِ النِّيابيَّة. وبعدَ مقتَل القياديَّيْن، الإيراني قاسم سليماني والعراقي أبو مهدي المهندس عام ٢٠٢٠، بدأت تُعلَّقُ صورٌ لهما، ولسُليماني بدرجةٍ أكبر، حتَّى أنَّه منْ قِلَّةٍ، إن لم يكن الوحيدَ، الذي حظيَ بإقامةِ تمثالٍ نصفيٍّ له في مُحيط منطقة طريق المطار. وإضافةً إلى صور القيادات، ثمَّةَ صُورُ «الشُّهداء» الموجودة بكميَّة كبيرة لأنَّها تمتدُّ من فترة الحرب الأهليَّة مرورًا بالمعارك ضدَّ «إسرائيل» وصولًا إلى قتلى حزب الله في سوريا.
على مستوى الشِّعارات الأخرى: ثمَّةَ راياتٌ تحملُ طابعًا دينيًّا، أو ما يُعرفُ بـ «الرَّايات الحسينيَّة». وأعلامُ حزب الله، حركة أمل، إيران، سوريا في عهد النِّظام السَّابق، فلسطين بينما قليلًا ما نرى أعلامًا لليمن والعراق. إضافةً إلى يافطات تحملُ صورَ القيادات مع كِتاباتٍ تحتها مثل «حسين العصر»، «يا ويلكم من بعده»، «دامَ رعبُكُم»؛ أو تحملُ اقتباساتٍ لهذه القيادات، مثل: «إسرائيل شرٌّ مُطلق» التي قالها موسى الصدر، و«إسرائيل غدة سرطانية يجب استئصالها» للخميني. إضافةً إلى يافطات تحملُ عبارة «طريق القدس»، أو ما يعادلُها. حتَّى المحال التِّجاريَّة تحملُ في أسمائها أبعادًا رمزيَّةً ثقافيَّةً كما في «فرُّوج الهادي» مثلًا، وأبعادًا سياسيَّةً كـ «مقهى السَّيِّد» الذي دُمِّرَ في الغارة الأولى بعدَ وقف إطلاق النَّار على شارع الجاموس بتاريخ ٢٨ آذار.
لا يوجدُ مكانٌ مُحدَّدٌ تُعلَّقُ هذه الرُّموزُ عليه؛ لا مكانَ مُخصَّصًا لهذا الأمر، إنَّما المكانُ، كُلُّ المكان، يصلُحُ لذلك. الكتابةُ على الجُدران؛ تعليقُ الصُّورِ والأعلام على الأملاكِ العامَّة والخاصَّة: عواميدُ الكهرباء، الجُدران، تحتَ الجسور، أمام المساجد والحسينيَّات، على الشُّرفات، على البنايات، على السَّيَّارات، على قواعد مُخصَّصةً لحملِ الرُّموز توضَعُ عندَ دوَّارٍ ما أو مُفترقِ طُرق، على الفاصلِ بين الطَّريق إنْ وُجدَ الفاصلُ طبعًا. بعبارةٍ مُختَصِرَةٍ؛ كُلُّ مكانٍ يَصلُحُ لأنْ تُعلِّقَ عليه صورةً أو عَلَمًا.
بعدَ توقُّفِ الحرب في ٢٧ تشرين الثَّاني ٢٠٢٤، تضاعفَ عددُ صُور «الشُّهداء» أضعافًا كثيرةً طغتْ على ما تبقَّى من الرُّموزِ التي لم تُدمِّرْها الحربُ. ويُمكنُ لمن يسيرُ في شوارعِ «الضَّاحية» أن يشعرَ بحجم الكارثةِ التي نزلَتْ بأهل هذه الطَّائفةِ، فقط من أعدادِ صور «الشُّهداء».

الحالةُ الرَّمزيَّةُ حالةٌ إنسانيَّةٌ، أيْ أنَّ وجودَها وتطوُّرَها يتعلَّقانَ بالنَّفسِ البشريَّةِ والتَّواصُلِ الاجتماعيِّ بينَ النَّاس. وهذا ما أكَّدَه لنا الدُّكتور في علم النَّفس، داود فرج، الذي يُضيفُ أنَّ «الرُّموز تعكسُ الهويَّة الثَّقافيَّة للأفراد، ووجودُها دليلٌ على التَّواصُل. بيدَ أنَّ كثرةَ الرُّموزِ وأحاديَّتَها تُعبِّرانِ عن حالة الهيمنة والسَّطوة؛ هي إعلانٌ لحالةِ السَّيطرة، وتلعبُ دورًا مهمًّا في تحديد المجال الحيوي للجماعة ضمن هذه الجُغرافيا. الضَّاحية تعبِّر عن بيئةٍ اجتماعيَّةٍ لها انتماءٌ مُعيَّنٌ، وهي تضعُ الرُّموزَ على حدودِها لإشهارِ هذا الانتماء، لكنَّ الإكثار من هذه الرُّموزِ هو شكلٌ من أشكال إلغاء الرُّموز الأخرى». من هنا، إنَّ أحاديَّةَ الرُّموزِ في «الضَّاحية» ليست إلَّا انعكاسًا لواقعِ السَّيطرةِ والهيمنةِ، وتحملُ دلالةً على أنَّه لا مكانَ لرمزٍ من خارجِ هذا الانتماء. ويُمكنُ للقارئ أنْ يتخيَّلَ ما قد يحدُثُ لفَرْدٍ يُحاولُ أنْ يضعَ، في «الضَّاحية»، رمزًا من رموزِ «خصوم» الحزبَيْنِ الشِّيعيَّيْنِ. والحالُ عندَ الخصومِ لا يختلفُ في جوهرِه، إذ أنَّ هذا الإقصاءَ هو حالةٌ مُتبادَلةٌ بين الطَّرفَيْن. والنَّاسُ تُدركُ هذا جيِّدًا، وتتصرَّفُ على أساسِه. أذكُرُ، خلالَ الحربِ الأخيرةِ، أنَّ نقاشًا أُثيرَ عن أحدِ «الشِّيعةِ» المُهجَّرينَ إلى إحدى المناطقِ «المسيحيَّةِ» والذي تجوَّلَ بسيَّارتِه في تلكَ المنطقةِ وهو يُشغِّلُ اللَّطميَّاتِ، برمزيَّتِها، بصوتٍ عالٍ نسبيًّا. كانَ رفضُ هذا الفِعلِ موقفَ جميعِ الحاضرينَ، ومن ضمنِهم بعضُ «المُتفرِّغين» في حزب الله، وحُجَّةُ الرَّفضِ كانتْ أنَّه «ليست منطقتَه».
إنَّ هذا الإقصاءَ للآخر، عبرَ إقصاءِ رموزِه، ليسَ حالةً سليمةً بِقَدْرِ ما أنَّه أمرٌ طبيعيٌّ ونتيجةٌ منطقيَّةٌ لأمرَيْن؛ الأوَّلُ هو طبيعةُ الرُّموزِ نفسِها، والثَّاني هو الفكرُ الذي يُنتِجُ هذه الرُّموزِ التي تُعبِّرُ، بدورِها، عنه. فالرُّموزُ ترتبطُ بالهويَّةِ الثَّقافيَّةِ للجماعة التي «تُلغي التَّمايزَ الفرديَّ داخلَها وموقفُ الفردِ منها واحدٌ من اثنين: إمَّا أنْ يأخذَها كلَّها وإمَّا أنْ يتركَها كُلَّها»، بحسب ما ذكرَه الدكتور وجيه قانصو في ندوتِه بعُنوانِ «الشيعة بين الهوية والدولة» التي قدَّمها في مكتب موقع «جنوبيَّة» الإلكتروني. وذكرَ قانصو أنَّ الهويَّةَ بطبيعتِها «تُركِّزُ على الذَّاتي [فيها] ولا تستطيعُ أن تقدِّمَ ما يجمعُها مع الآخرين، وبالتَّالي إنَّ علاقتها مع غيرِها هي علاقةُ نَفْيٍ». ويُضيفُ قانصو أنَّ حزب الله عَمِدَ إلى «تجميد الديناميَّة التي كانت موجودة في الحياةِ السِّياسيَّةِ للشِّيعةِ قبل هيمنةِ الحزب عليها». والأمرُ الثَّاني أنَّ الهويَّةَ الشِّيعيَّةَ التي يحملُها جمهورُ الثُّنائي الشِّيعيُّ، وحزب الله على وجه الخصوص، هي هويَّةٌ عقائديَّةٌ وهو ما أشارَ إليه قانصو أيضًا في ندوتِه، إذِ اعتبرَ أنَّ حزبَ الله غيَّرَ طبيعةَ الهويَّة الشِّيعيَّة من هويَّةٍ ثقافيَّةٍ إلى هويَّةٍ دينيَّةٍ. ومن طبيعةِ الهويَّاتِ، التي تُؤسَّسُ على قاعدةٍ عقائديَّةٍ، أنْ تتعاطى مع الآخر ليس من موقعِ الإقصاء وحسب، بل من موقع المُحاكَمَةِ. فهي لا تتصرَّفُ كمُحامٍ وحسب، بل كقاضٍ أيضًا. إضافةً إلى نَزعَةِ تقديسِ «الأنا» وشيطَنةِ «الآخر» التي لا يُمكنُ لأيِّ تنظيمٍ عقائديٍّ إلَّا أنْ يَقَعَ فيها. والواقعُ أنَّ حزبَ الله لم يفرِضْ هويَّتَه على جمهورِه وحسب، بل أيضًا على جمهورِ حركةِ أمل نفسِها، إذْ أنَّ الحركةَ ليستْ تنظيمًا عقائديًّا بالمعنى الذي عليه حزبُ الله، وبالتَّالي لا تستطيعُ أمل أنْ تُشكِّلَ هذه الثُّنائيَّةَ مع حزب الله دونَ أنْ تتعاطى معَ الشِّيعةِ بالأدواتِ نفسِها التي يتعاطى بها حزبُ الله.
يَتِمُّ نَشْرُ الرُّموزِ في «الضَّاحية» دونَ اعتبارٍ لطبيعةِ المكانِ الذي تُنشَرُ عليه. لا معنى لأنْ يكونَ المكانُ مُلكًا عامًّا أو خاصًّا. وليسَ منَ المُبالَغةِ في شيءٍ لو قِيلَ أنَّ تعليقَ صورةٍ مثلًا، أو أيَّ رمزٍ آخرَ، على الأملاكِ العامَّةِ أسهلُ بكثيرٍ مِنْ تعليقِها على أملاكٍ خاصَّةٍ قد يتطلَّبُ ذلكَ إذْنًا منَ المالِكِ. يذكرُ أحدُ أصدقائي أنَّ بعضَ المؤيِّدينَ لحركة أمل أرادوا، مرَّةً، تعليقَ علمَيْنِ للحركةِ على شُرفةِ منزلِه ضمنَ «مشروعٍ» لتعليقِ الأعلام على شُرفاتِ الطَّابقِ الأوَّلِ من الشَّارعِ الذي يسكُنُ فيه. طلبَ هؤلاءِ منه إذْنًا قبلَ أنْ يُعلِّقوا العَلَمَيْن، في حين أنَّ تعليقهما، وتعليقُ غيرِهما، على عمودِ كهرباءٍ، أو غيرِه من الأملاكِ العامَّةِ، يَتِمُّ دونَ الحاجةِ لأيِّ إذنٍ. إنَّ هذه الحالةَ منَ الامِّحاءِ والتَّماهي بينَ العامِّ والخاصِّ لا يعني سوى أنَّ الخاصَّ يُهيمنُ على العامِّ في هذه الجُغرافيا. فالخاصُّ، كعلمِ حزبٍ ما، لا يُمكنُ أنْ يصيرَ عامًّا، والعكسُ صحيح. في حين يعتبرُ الدكتور فرج أنَّه «لا وجودَ للعام في هذه الحالة. فالهيمنةُ تكونُ على الجُغرافيا وعلى كُلِّ ما فيها. والدَّولةُ بالنِّسبةِ لهم عدو. [الضَّاحية] منطقة جُغرافيَّة خاصَّة، ودخولُ الدَّولةِ إليها يُشبِه الاحتلال». من هنا، إنَّ وجودَ الرُّموزِ على الأملاك العامَّةِ هو في ذاتِه رمزٌ يدلُّ على عدمِ استقرارِ مفهومِ الدَّولةِ لدى هذه الجماعة أو تلك.
طبعًا، إنَّ الحديثَ هنا عن تعليقِ الرُّموزِ دونَ تراخيص من الجهاتِ الحكوميَّةِ المعنيَّةِ، وهو الحالةُ العامَّةُ في «الضَّاحية». وليسَ إجحافًا إذا قِيلَ أنَّ الفردَ الضَّاحَوِي سيرى في طلبِ التَّرخيصِ نوعًا من الإهانةِ لحزبِه وزعيمِه. فالنَّزعةُ التَّقديسيَّةُ للزَّعيمِ، الذي يختزِلُ الحزبَ وحتَّى الطَّائفةَ بشخصِه، تجعلُ من هذا الزَّعيمِ شيئًا أسمى وأعلى منَ الدَّولةِ، إضافةً إلى كونِه أقوى منها بحُكمِ واقعِ الأمرِ. فنرى على سبيل المِثال، صورةً لزعيمٍ يُكتَبُ تحتَها: «صمَّام أمان الوطن» أو «إمام الوطن»، ولا يخفى أنَّ التَّعاطي مع الزُّعماء لا يكونُ من موقعِهم الرَّسميِّ بقدرِ ما يكونُ من موقعهم الحزبيِّ. فجمهور حركة أمل، مثلًا، يتعاطى مع نبيه برِّي من موقعِ رئاسةِ الحركة أكثرَ من موقعِ رئاسةِ مجلسِ النُّوَّاب. تطرحُ هذه الشِّعاراتِ أسئلةً بُنيويّةً أهمُّها: ما هي حدودُ هذا «الوطن»؟ وكيف يستقيمُ أنْ يكونَ زعيمٌ ما هو «حامي» الوطن وصمَّامَ أمانِه في حين أنَّ الدَّولةَ، بمؤسَّساتِها، هي المعنيَّةُ بهذا الأمر؟
للرُّموزِ السِّياسيَّةِ مجموعةٌ منَ الوظائفِ التي تتجاوزُ وظائفَ الإعلانِ والإعلامِ على حدٍّ سَواءٌ. ولا بُدَّ، كي نفهمَ هذه الوظائف، أنْ نَعْرِضَ إلى الجانبِ النَّفسيِّ الذي يدفعُ الفردَ إلى الانتماءِ إلى حزبٍ أو جماعةٍ ما. يقولُ الدكتور فرج أنَّ المسألةَ ترتبطُ بسيكولوجيا العائلة؛ فالأبُ هو رمزُ السُّلطةِ بالنِّسبةِ للطِّفل. لكن في فترةِ المُراهقةِ ينشأُ نوعٌ منَ الصِّراعِ بينَ المُراهِقِ والأبِ من أجل الاستقلال، فالمُراهقُ «يُريدُ أنْ ينتصِرَ ويقتُلَ الأب، ويقومُ بذلكَ عبرَ استبدال الأب بشخصيَّةٍ بديلةٍ تُصبِحُ هي المرجعيَّة»، بحسب تعبير فرج الذي يُضيفُ أنَّ المرجعيَّةَ البديلةَ تُعبِّرُ عن ثقافةِ الفرد وبنائه النَّفسيِّ وعلاقتِه بأبيه. فاختيارُ الزَّعيمِ الحَيِّ كمرجعيَّةٍ بديلةٍ يدلُّ على مستوًى ثقافيٍّ أدنى من مستوى الذي يختارُ شخصيَّةً تاريخيَّةً وكِلاهُما أدنى من الذي يختارُ منظومةً فكريَّةً كمرجعيَّةٍ بديلة. من هُنا، يخلُصُ فرج إلى اعتبارِ أنَّ عدمَ وجودِ «الزَّعيمِ» بهذا المعنى الأبويِّ يدلُّ على أنَّ «المجتمع ارتقى من مستوى الذَّكاءِ المحسوسِ إلى الذَّكاءِ المُجرَّد». من هُنا، نرى أنَّ استعمال عباراتٍ مثل: «بي الكُل»، «إبن الحركة/الحزب»، أو عباراتٍ تحملُ معنى اليُتْمِ كالتي انتشرتْ بعدَ اغتيالِ الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وانتشرتْ بشكلٍ خاصٍّ عشيَّةَ تشييعِه في ٢٣ شباط الماضي؛ مثلَ «نحنُ أيتامُ الأمين» في لطميَّة «ضاحية» للمُنشد حسن حرب، أو في مرثيَّة «وداعًا أبانا». فهذه المُصطلحات لها أبعادٌ نفسيَّةٌ ناتجةٌ عن اتَّخاذِهم من شخصِ نصر الله مرجعيَّةً بديلةً عن سُلطةِ الأب.
يُضيفُ فرج أنَّ الفردَ في تعامُلِه مع الزَّعيم، أو الحزب، الذي يكونَ ذا بَطْشٍ وقوَّةٍ، ماديَّةٍ أو معنويَّةٍ، يعتمِدُ آليَّةً من ثلاثِ آلياتٍ؛ الأولى هي التَّمرُّدُ إذا كانَ الفردُ مُتمرِّدًا ضدَّ أبيه؛ الثَّانيةُ تُعرفُ بآليةِ التَّماهي مع المُعتدي، بحيثُ يتماهى الفردُ مع الزَّعيم الباطش ليتَّقي شرَّه من جهة وليأخذَ قوَّتَه من جهةٍ ثانية؛ أمَّا الآليَّةُ الثَّالثةُ هي التَّسليم، فلا هو يتمرَّدُ ولا هو يتماهى. وكُلُّ هذه الآلياتِ ترتبطُ ارتباطًا وثيقًا بسيكولوجيا العائلة.
تؤدِّي الرُّموز وظيفةً مهمَّةً على مستوى العلاقاتِ بين أفرادِ الجماعة، إذْ أنَّ أهميَّةَ هذه الرُّموزِ تكمُنُ في المعنى الذي توصِلُه للمُتلقِّي. الوظيفةُ الأولى، ولعلَّها الأكثرَ أهميَّةً، يشرحُها الدكتور فرج بقوله: «إنَّ علاقةَ البيئة بعضها ببعض تتمُّ عبرَ هذه الرُّموز»، وقد تحدَّثَ الدكتور مصطفى حجازي في كتابِه «التخلُّف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور» عن العلاقات التبادلية بين أفراد الجماعة عبر شخصية القائد التي تربط الجماعة ببعضها». ويُشبِّه فرج الأمرَ بمُجتمع النَّملِ؛ فكما أنَّ النَّملَ يتواصَلُ مع بعضه عبر الملكة، يقومُ أفرادُ الجماعةِ بالتَّواصلِ بين بعضهم عبر شخصيَّة القائد العُظامية التي تُعبِّرُ عنها الرُّموز. وممَّا يؤكِّدُ هذا الأمرَ أنَّ صورَ القياداتِ هي الأكثرُ انتشارًا في الضَّاحية إذا قُورِنَتْ بغيرِها من الرُّموز، كالأعلامِ مثلًا. ويُضيفُ فرج أنَّ الأمرَ يتمُّ بشكلٍ لاواعٍ، حيثُ يعمَدُ الفردُ إلى «إظهار الانتماء من أجل تحصيل المقبولية لدى الجماعة، ممَّا يؤدِّي إلى تقوية العلاقات الاجتماعيَّة بين هؤلاء الأفراد». بالتَّالي، إنَّ عبارة «تقدمة فُلان»، أو حتَّى «تقدِمة آل فلان»، التي نجدُها مكتوبةً تحت الصُّورِ والشِّعارات المُعلَّقةِ تأتي في سياق إشهار الانتماء الذي يؤدِّي، بحسب فرج، «إلى إشباع حاجات غَرَزِيَّة كالأمان؛ فأنا أنتمي إلى هذه الجماعة يعني أنَّني آمِنٌ أمام الجماعاتِ الأُخرى»، وإشباعُ هذه الحاجات يُبقيه «مِطواعًا بيد الجماعةِ» ومنظوماتِها الاجتماعية والفكرية.
أمَّا الوظيفةُ الثَّانيةُ للرُّموز فهي تحديدُ الخطابِ اليوميِّ أو السَّرديَّةِ اليوميَّةِ لهذه «البيئة». فالرُّموزُ تُفْهِمُ النَّاسَ أنَّ التَّواصُلَ بعضهم مع بعضٍ من جهة، ومع «الآخر» من جهةٍ أُخرى، يكونُ بالمنطقِ الذي تُعبِّرُ عنه الرُّموز. وهذا ما يؤكِّدُه فرج ويربطُ بينه وبين «الهيمنة في فرضِ الأمر الواقع. حينَ يتحدَّثُ الجميعُ لغةً واحدةً، فإنَّ الفردَ يخافُ من الحديثِ بلُغةٍ مُختلفةٍ، إذْ يكونُ بذلكَ خارجًا عن الجماعة التي ستقومُ بدورِها بمُواجهتِه. ومواجهةُ البيئة للخارجين عنها لا تحتاجُ، بالضَّرورةِ، لقرارٍ حزبيٍّ. هي وحدَها قد تُبادرُ لذلك، لأنَّ المسألةَ بالنسبة للأفرادِ تُعتَبَرُ مسألةً شخصيَّة. المنظومة الاجتماعية التي تتغذَّى على بعضِها عبر الرُّموز، التي تُعبِّرُ عن المرجعيَّة البديلة التي اختارَها الأفراد، تُنتِجُ حالةً مُتماسكةً»، إذْ أنَّ انهيارَ المنظومة التي تُشبِعُ حاجات الفرد الغَرَزِيَّة يعني انهيار الفرد نفسِه، لذلك هو يتمسَّكُ بها لتحميه شخصيًّا.
كما أنَّ للرُّموز دورٌ في عمليَّة التَّواصُلِ بين أفراد هذه البيئة، وبينهم وبين قيادتهم. فالرَّمزُ يحملُ كُلَّ الدَّلالات للدَّاخل والخارج، وجمهور حزب الله كانَ، بحسب فرج، «يعرفُ جيِّدًا إذا كان نصر الله يتحدَّثُ عنهم أو عن غيرهم. وهم يستعملون في مجالسِهم رموزًا خاصَّةً بهم؛ لغة خاصة. علاقاتهم التبادلية تقوم على رموزٍ خاصَّةٍ بهم. من هُنا، هم يستطيعون أن يفهموا بعضهم حتَّى لو كانوا لا يعرفون بعضهم مُسبقًا».
الأمرُ الآخرُ الذي يُعدُّ رمزًا في ذاتِه هو الكلماتُ التي تُكتَبُ على صوَرِ القيادات. فنجدُ عباراتٍ مثل: «دامَ رُعبُكم»، «يا ويلنا من بعدك»، «يا ويلكم إذا نفذ صبره»، «سنخوض البحر معك» وغيرِها من عبارات القوَّة والجبروتِ التي يحملُ بعضُها خلفيَّةً دينيَّةً. فعبارةُ «سنخوضُ البحر معك» هي إسقاطٌ لقصَّةِ موسى وبني إسرائيل مع فرعون. والجديرُ بالذِّكرِ أنَّ هذه العباراتِ ليستْ وليدةَ مخيِّلَةِ البيئة وحسب، بل هي من إلهامات الأغاني السِّياسيَّة لحزب الله وحركة أمل. وغالبًا ما تُوضَعُ هذه العباراتِ مع صورٍ تحملُ تقاسيمُ وجه الزَّعيم فيها معاني الهيبة والقوَّة؛ كتقطيب الحاجبَيْن مثلًا، أو رفع الإصبع التي اشتُهِرَ بها نصر الله وغير ذلكَ من الصُّوَر.
تعكسُ هذه العباراتُ حالةً نفسيَّةً يشرحُها الدكتور فرج بأنَّ «الأب القاسي على أبنائه يخلقُ لديهم شعورًا بالحماية. فهو قاسٍ أي أنَّه قويٌّ، وبالتَّالي فهو يستطيعُ حمايتي. فاختبارُ القوَّةِ يتمُّ من خلال تأكيد السَّطوة»، وبالتَّالي إنَّ هذا التَّأكيدَ على معاني السَّطوةِ والقوَّةِ يهدفُ إلى التَّأكيدِ على قوَّةِ الجماعةِ التي تُختزَلُ بشخصِ الزَّعيم. فعبارةٌ كـ «يا ويلنا من بعدَك» تعبِّرُ تعبيرًا صادقًا عن حالةِ الفرد، وحتَّى الجماعة، بعدَ غيابِ هذا الزَّعيم، وتُعبِّرُ تحديدًا عن الخوفِ من فقدان الزَّعيم الذي اختزلَ الجماعةَ بحزبِه واختزلَ حزبَه بشخصِه، والأخطرُ أنَّه اختزلَ شخصَه بحالةٍ واحدةٍ هي حالةُ القُوَّة التي لا تُقهَر. من هُنا، تُعدُّ الرُّموزُ الخطوةَ الأخيرةَ والضَّروريَّةَ في آنٍ معًا لتثبيتِ الصُّورةِ النَّمطيَّةِ للجماعةِ، ويكونُ تأثيرُ هذه الرُّموزِ أكبرَ وأعمقَ على الأطفالِ الذي يُشاهدونَ الرُّموزَ في كُلِّ مكانٍ؛ البيت، المدرسة، المسجد، الكشَّافة، الشَّوارع. وهذا يجعلُ الطِّفلَ في احتكاكٍ لا ينقطعُ تقريبًا مع الرُّموزِ التي يتعاطى معها من مُنطلقاتِ الصُّورةِ النَّمطيَّةِ الموجودةِ في ذهنه.
والرُّموزُ بالنِّسبةِ لمن ينمو تحتَ ظِلِّها هي النُّموُّ الطَّبيعيُّ، بحسب ما يرى فرج الذي يُضيفُ أنَّ الحدودَ التي ترسمُها الرُّموز «هي الحياة، وكُلُّ ما هو خارجُها فهو خارج الحياة. فالفردُ ينمو في بيئةٍ واسعةٍ وفيها مُغرياتٍ تُشبِعُ لجيه حاجاتٍ غَرَزِيَّةٍ مُتعدِّدةٍ، لذلك هو يجدُ حياتَه ومُستقبلَه في هذه الحدود. الضَّاحية هي العالَم بالنِّسبة له وحدودُها هي حدودُ العالَم. وكُلَّما كبرَ هذا الفردُ فإنَّه يجدُ الصُّورةَ تكبُرُ ويتَّسِعُ امتدادُها، وهذا ما ولَّدَ لديهم شعورًا بالعظمةِ وبأنَّهم لا يُقهرون، لأنَّهم يظنُّون أن بيئتهم هي حدود العالَم، وبالتَّالي قوانينُ هذه البيئة هي قوانينُ العالَم. وهم صادقون وحقيقيُّون مع أنفسهم؛ لا خيارات أمامَهم، هذا الموجود! والتَّعاطي مع العالَم خارج حدود بيئتهم يتمُّ عبرَ التَّخيُّل»، أي من خلال الصُّورةِ المُـخيَّلَةِ لهذا الخارج. وقد رأينا هذا في الحربِ الأخيرةِ، إذْ تبيَّنَ أنَّهم لا يعرفونَ «إسرائيل» الحقيقيَّةَ، وإنَّما يعرفونَ صورةً مُتخيَّلَةً عنها. هذه الصُّورةُ هي نِتاجُ ما تعكِسُه هذه الرُّموزُ من جهة، ونتاجُ علاقةِ البيئة بالشِّيعةِ المُعارضين للثُّنائي الشِّيعيِّ الذين يتمُّ قمعُهم بـ «السَّحسوح» الذي صارَ ثقافةً في هذه البيئة.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ قرارَ إزالة الرُّموزِ الحزبيَّةِ الموجودة على الأماكن العامَّة دون ترخيصٍ هو مظهرٌ طبيعيٌّ من مظاهرِ وجودِ الدَّولة. إلَّا أنَّ إزالةَ رموزِ فئةٍ دونَ أُخرى، أو منطقةٍ دونَ أُخرى، سيدفعُ إلى تنميةِ شعورٍ بالاستهداف المُباشر لهذه الفئة أو تلك المنطقة. فإذا أخذنا بعَيْن الاعتبارِ أنَّ جمهورَ حزب الله، وحركة أمل بدرجةٍ ثانيةٍ، يرتبطون بهذه الرُّموزِ بالطَّريقةِ التي شُرِحَتْ أعلاه؛ وإذا كانَ التَّصويبُ على إزالةِ رموز حزب الله وأمل دونَ غيرِهما، فإنَّ ردَّةَ الفعلِ الطبيعيَّةِ لجمهورِهما أنْ يعتبروا ذلكَ نتيجةً للضَّربةِ الكبيرةِ التي تعرضوا لها في هذه الحرب، وبالتَّالي استكمالًا لها!





