03・06・2025
من العدد ٢٢
المفاوضات الأميركية - الإيرانية وانعكاسها على لبنان

عُقدت الأسبوع الفائت الجولة الخامسة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ووصَفتها التقارير بأنها من أهم الجولات، نظرًا لأنها تطرقت بشكل جدي إلى مناقشة الملف النووي الإيراني.

وعلى الرغم من التصريحات النارية والسلبية المتبادلة بين القيادة الإيرانية والإدارة الأميركية، فإن الطرفين يسعيان للوصول إلى تسوية مناسبة لهذا الملف المعقّد، ما يشير إلى وجود نيّة حقيقية للحل، خاصة من الجانب الإيراني.

وفي هذا السياق، صرح المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، بأنه «لا يعتقد» أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي ستُفضي إلى نتيجة، واصفًا تصريحات الأميركيين بأنهم «لن يسمحوا لإيران بالتخصيب» بأنها «وقاحة زائدة».

من جهتها، لا تزال الولايات المتحدة مصرَّة على مطلبها بوقف إيران لتخصيب اليورانيوم، الذي تعتبره خطوة محتملة نحو صنع قنابل نووية. ويأتي هذا الإصرار بعد انتهاء الجولة الرابعة من المحادثات، التي عُقدت في سلطنة عُمان خلال الأسبوع الأول من شهر أيار الماضي.

ورغم ذلك، يشير بعض المحللين الإيرانيين إلى أن واشنطن خفّفت من حدَّة مطالبها بخصوص المشروع النووي الإيراني، خصوصًا بعد زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى منطقة الخليج.

الجولة الخامسة: مفتاح التفاوض القادم

المرحلة المقبلة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية ستتركز على التفاصيل الدقيقة المتعلقة بتخصيب اليورانيوم المنضَّب، في خطوة تعتبر حاسمة لمسار الملف النووي الإيراني. وتسعى إيران، بحسب مصادر مطلعة، إلى توسيع دائرة المشاركة الدولية في عملية التخصيب، من خلال إنشاء وكالة نووية مشتركة تضم: الولايات المتحدة، الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، بقيادة مشتركة مع إيران، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجري فيها تخصيب اليورانيوم داخل المفاعلات الإيرانية، لأغراض سلمية، ما يمنح المشروع النووي الإيراني طابعًا من الشرعية والقانونية الدولية.

العلمين الأميركي والإيراني
العلمين الأميركي والإيراني

من خلال هذه الخطوة، تحاول طهران إغلاق ملف التسلّح النووي، الذي لا يزال يشكل مصدَر قلق كبير للولايات المتحدة، ويُثير مخاوف جدّية لدى إسرائيل ودول الخليج العربي.

وفي هذا الإطار، جاءت زيارات وزير الخارجية الإيراني، عباس عرقجي، إلى السعودية والإمارات وقطر، كمحاولة لطرح مبادرات جديدة تهدف إلى طمأنة دول الخليج بشأن الطابع السلمي للمشروع النووي الإيراني، وكذلك لتعزيز دور هذه الدول كوسطاء إيجابيين، نظرًا لعلاقاتهم القوية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

تعقيدات التفاوض وتحديدًا بعد الحرب الأوكرانية

في الوقت نفسه تحاول إيران فتح باب التفاوض مع دول الاتحاد الأوروبي بعد الابتعاد الذي حصل بينهما لإشراكها في عملية الوساطة وخاصة بأن العلاقات بين إيران والاتحاد الأوروبي تعرّضت لتعقيدات عدّة وتحديدًا بعد الحرب الأوكرانية.

فالدول الأوروبية كان لها دورًا مميّزًا في التفاوض السابق بين إيران والولايات المتحدة لأن إيران تريد أن تحافظ على العلاقات مع أوروبا من أجل الحفاظ على مصالحها وكي لا تكون فريسة سهلة بفم الأميركي دون ضمانٍ من الحلفاء الأوروبيين والعرب الذين يضمنون الوساطة ويؤمِّنون لها الحماية. لذلك تنشط الدبلوماسية الإيرانية في أوروبا والشرق الاوسط.

راية «حزب الله» في ظل العلم الإيراني (موقع بلومبرغ)
راية «حزب الله» في ظل العلم الإيراني (موقع بلومبرغ)
شروط واشنطن المطلوب تنفيذها من طهران

رغم انعقاد خمس جولات سابقة إلّا أن المفاوضات الأميركية – الإيرانية ما تزال تتخذ طابعًا حذرًا، وتُدار في الغالب بطريقة غير مباشرة، في محاولة متبادَلة لوضع أسس تفاهم مستقبَلي، رغم غياب الثقة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تُصر على أن تَجْلِس إيران إلى طاولة المفاوضات تحت وطأة التهديد العسكري، والعقوبات القصوى، واستعراض القوة من خلال الحشود العسكرية واللوجستية المنتشرة في القواعد الأميركية المحيطة بإيران.

هذه الضغوط دفعت المفاوض الإيراني إلى الانخراط في العملية التفاوضية، لكن من منطلق البحث في الشروط الأميركية. وكانت إدارة ترامب قد أعلنت شروطها بشكل صريح، عبر رسالة وُجّهت مباشرة إلى المرشد الأعلى الإيراني، تضمَّنت مهلة زمنية محدّدة لتلبية أربعة مطالب أساسية، تمثل جوهر السياسة الأميركية تجاه إيران في تلك المرحلة. وجاءت على النحو التالي:

١ - تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، نظرًا لاعتباره تهديدًا جديًّا ومتناميًا، خصوصًا في ظل التقارير الاستخبارية التي تشير إلى أن إيران باتت قاب قوسين أو أدنى من استكمال عملية تخصيب اليورانيوم بنسبة عالية. وهو ما اعتبرته الإدارة الأميركية مؤشِّرًا على نوايا تتجاوز الأهداف السلمية المُعلنة.

وطالبت واشنطن بأن تخضع المنشآت النووية الإيرانية لتفتيش مباشر من قبل خبراء أميركيين، وليس فقط عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يعكس عدم الثقة الكاملة في التصريحات الإيرانية بشأن سلمية البرنامج. وأشارت الرسالة الأميركية إلى أنه إذا كانت إيران جادة في تطوير مشروع نووي سلمي، فعليها أولًا تفكيك البرنامج الحالي، ومن ثم يمكن للولايات المتحدة أن تدعم، وبشكل علني، مشروعًا مخصّصًا لإنتاج الطاقة النووية للأغراض المدنية، وتحت رقابة دولية شفافة.

٢ - الصواريخ الباليستية والمسيَّرات التي باتت تشكل خطرًا على الأمن القومي الأوروبي من خلال دعم روسيا بهذا السلاح الذي يقصف فيه مدن في أوكرانيا، وأيضًا بات الخطر أعمق من خلال استخدام هذا السلاح الذي تهدد به ايران إسرائيل من خلال ضرباتها الموجهة نحو هذا الكيان مؤخرا، وكذلك تزويدها للأذرع التي تأتمر بأوامرها وتنفّذ أجندتها الخاصة حيث يمكن أخذ نموذج الحوثيين في استخدام هذا السلاح التي تهدِّد به دول عدة في المنطقة ومنها إإسرائيل.

٣ - البحث في كيفية إنهاء الأذرع الإيرانية المتواجدة في الدول العربية التي تتحرَّك بأوامر طهران وفقًا للمصالح الإيرانية التي تحاول طهران استخدامها بطريقة التصعيد العسكري أثناء التفاوض مع واشنطن، حيث باتت تشكل حالة إزعاج للجميع، مما دفع بالولايات المتحدة إلى مطالبة إيران بإنهاء عمل هذه الأذرع ورفع الغطاء عنها، بما فيها حزب الله الذي كان يُعتبر رأس الحربة للمحور.

٤ - إنهاء حالة التهديد التي تقوم بها إيران ضد الكيان الإسرائيلي طوال الفترة السابقة، وقد باتت حالة التهديد العسكرية حاليًّا ضعيفة بعد الضربات التي تلقَّتها هذه الأذرع في حربها الاخيرة ضد إسرائيل على الجبهات التي كانت تشكِّل تهديدًا لإسرائيل، وإنهاء حالة التهديد ليس العسكري فقط التي تتعرّض له إإسرائيل وإنما التهديد الإعلامي أيضًا.

تهذيب سلوك النظام وليس الإطاحة به

وفقًا لهذه النقاط الأربع تسير المفاوضات التي تحاول إيران، بقدُراتها البراغماتية، إبعاد التهديد الإسرائيلي والالتفاف عليه من خلال الموافقة على نقاط تتطلب مدة زمنية طويلة وصولًا إلى إبرام اتفاق نهائي كما حصل في العرض الإيراني بالعمل على إنجاز اتفاق مؤقت نووي وصولًا الى اتفاق نهائي، وكذلك العرض الإيراني السخي للـ «شيطان الأكبر» باستثمارات ذات مبالغ كبيرة لا تملكها إيران حالية وتحديدًا في الداخل الأميركي والسماح للشركات الأميركية بالاستثمار في داخل إيران مقابل رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المحتجَزة في البنوك العالمية.

تحاول إيران اللعب على تعثُّر الاقتصاد الأميركي، كون ترامب رجل صفقات، فهي تعرض عليه الصفقة الثنائية والتي تحاول من خلالها التوصل الى صفقة تهدّئ العاصفة الأميركية في انتظار تطورات قد تحصل في الداخل الأميركي او الدولي لتعود وتنسحب من المفاوضات.

إن التنازل الإيراني واضح وهي مستعدة لإحناء الرأس أمام العاصفة الأميركية لوشراء الوقت وترتيب المخارج إن كان بالنسبة للداخل، حيث باتت الأمور مكشوفة كونها تجلس مع الشيطان الأكبر مما يتناقض مع شعاراتها المرفوعة سابقًا، ولكنها تحاول أن تبرّر سياستها الحالية أمام شعبها بأنها تفاوض بطريقة غير مباشرة لكي توهمه بأنها تفاوض من موقع القوي.

الغزل الإيراني لإدارة ترامب يقوم على أبعاد الشبح الإسرائيلي عن اللجوء لضربة من خلال إقناع إدارة الرئيس الأميركي بجدوى الضربة الإسرائيلية والتي تشكِّل تهديدًا مباشرًا لإيران ومفاعلها النووي الذي ما يزال قائمًا بفضل حماية الولايات المتحدة التي لا تؤيد ضرب النظام الإيراني بل تقليم أظافره وتهذيب سلوكه.

من هنا فإن الولايات المتحدة تريد فرض شروطها على النظام الإيراني وإنهاء الحالة التي بات يعيشها هذا النظام طوال الفترة السابقة والتي تؤثِّر على الواقع الجيوسياسي والجيو اقتصادي في المنطقة، مما يُتيح للروس والصينيين الاستفادة من طموحات النظام الحالي وتوظيفها في خدمة مصالحهم الخاصة ونفوذهم القادم القائم على التعددية القطبية.

كبْح الطموح الإيراني وإنهاء الدويلات

لم يعد يُخفى على أحد بأن المفاوضات التي ينتظرها الجميع بين الولايات المتحدة وإيران بأنهما الوحيدَين في الواجهة، لكن في الظلِّ هناك روسيا وإسرائيل الذي لم يعد يستطيع أحد إخفاء دورهما الحالي بحسب دور كل طرف منهما في المعادلة الحالية.

١ - روسيا تحاول لعب دورًا مهمًّا في عملية التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران لجهة إقناع إيران بتلبية الشروط والذهاب نحو التفاوض على الحلول السلمية التي من خلالها تستطيع الحفاظ على نظامها وبقاء نظام الملالي حيًّا في ظلِّ الشروط الأميركية وتحصين داخلها المفكَك وإنعاش اقتصادها الذي يعاني من أزمات عديدة نتيجة الحصار الأميركي المُطبق على إيران، وبالتالي فإن روسيا تشجع إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات ومناقشة مشروعها النووي، كون الأخيرة تربطها علاقة جيدة بالنظام القائم، وهي كانت من بين الدول الداعمة لإيران في مشروعها النووي والتي ساعدتها على استكماله بعد سقوط الشاه، وأيضًا كانت من بين الدول الخمسة المساهمة في التوصّل لعقد اتفاقية نووية بين إيران وأميركا في فترة إدارة الرئيس أوباما.

وكون روسيا دولة تملك حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن، وهي لن تمرِّر أي مشروع دولي يُستخدم بوجه إيران عبر الأمم المتحدة، لذلك فإنها لا تحبِّذ شرطين في التعامل الدولي مع إيران الأول: المواجهة الإيرانية، لأنها لا تستطيع مساعدة إيران والوقوف إلى جانبها علنًا ومدَّها بالسلاح والعتاد اللوجستي، كما في الفترات الماضية، لأن روسيا منخرطة في الحرب الأوكرانية ووضعها لا تُحسَد عليه.

أما الشرط الثاني هو أن روسيا لا تريد دخول إسرائيل على خط المواجهة الذي يُحرجها ويمنعها من الوقوف بوجه إسرائيل نتيجة العلاقة الوطيدة التي تربط روسيا وإسرائيل وخوفًا من ردة فعل إسرئيلية بالذهاب نحو المواجهة مع روسيا في دعم أوكرانيا.

إن التواصل الإيراني الذي أجراه وزير الخارجية عباس عرقجي مع روسيا قبل التفاوض مع الولايات المتحدة وبعده يأتي في إطار الدعم الدبلوماسي لطهران وإعطاء نصائح روسية لها بالتريُّث والمساعدة في التفاوض لأن روسيا تعلم جيدًا بأنها في حاجة لمساعدة الولايات المتحدة في الضغط على أوكرانيا وعلى الأوروبيين لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية التي باتت تشكِل ورطة لروسيا بكل معنى الكلمة، وهي تسعى إلى الخروج منها بالحصول على مكاسب لهذه الحرب.

٢ - أما الموقف الإسرائيلي في ظلِّ حكومة نتنياهو فيعتبر بأن التفاوض مع إيران هو مضيعة للوقت ويجب التوجّه سريعًا إلى تنفيذ ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية من أجل شلِّها وإرباك إيران وجلبها إلى طاولة المفاوضات مهزومة، كما حصل مع معمر القذافي والتي تعمل إسرائيل على الترويج لتطبيق السيناريو الليبي.

فإسرائيل ترى أن فرصتها اليوم هي الأكبر في تحقيق أهدافها وإضعاف إيران من خلال تنسيق مباشر مع إدارة ترمب ودفعها نحو المواجهة، خاصة بعد الضربات التي تلقّتها إيران مؤخّرًا من خلال إضعاف أذرعتها (حماس والجهاد وحزب الله والحشد الشعبي والحوثيين والحرس الثوري وسقوط نظام بشار الأسد)، وفي الداخل الإيراني من خلال توجيه ضربات عسكرية محدَّدة إلى قواعد ومنشآت إإيرانية وشخصيات ضالعة بالمشروع تساعد على تحقيق أهدافها العامة.

لكن إدارة ترامب التي تهدِّد بالعصا الإسرائيلية في التفاوض ترفض الانجرار نحو المواجهة العسكرية التي تريدها إسرائيل وتذهب نحو المفاوضات التي تأمل من خلالها الحصول على تنازلات إيرانية حتى لو تمَّ الترويج لها بالانتصارات الإلهية، وشهدنا ذلك أثناء الزيارة التي قام بها نتنياهو إلى واشنطن والتي كانت مُغايرة لأحلامه حتى أنه لم يَعقد مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأميركي كي لا يُقال بأنه ورّط الولايات المتحدة بالحرب، وهذا يساعد إيران على استخدام الموقف الإسرائيلي ضدّها ويُصوّر على أنه هجمة على دولة إسلامية؟

لذلك يمكن الوقوف على راي السياسي المحافظ ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون الذي يقول «بأنه حان الوقت لتدمير البرنامج النووي الإيراني لأن إيران تراوغ وتحاول شراء الوقت وهدفها الفعلي هو الحصول على قنبلة نووية». إذن، بالرغم من إطلاق المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي فإن الأخيرة لن تتخلى عن أهدافها وأفكارها حتى لو قدّمت تنازلات أو جمَّدت المشروع لمدة محدَّدة، وحين تلتقط أنفاسها سوف تعود لإطلاقه من جديد.

وهنا يجب التوقف أمام ما صرّح به عباس عرقجي، المفاوض الإيراني سابقًا، وقبل عشر سنوات، بأن «البرنامج النووي ألحق ضررًا هائلًا بإيران لكن قولوا للشعب بأننا انتصرنا». إذن، إن أي اتفاق مع أميركا، بحسب عرقجي، وهو اليوم على رأس الديبلوماسية الإيرانية سيكون هزيمة فعلية للمشروع النووي وللحُلم والطموح الإيرانيين؟

علم إيراني بين رايات «حزب الله» (موقع القوات اللبنانية)
علم إيراني بين رايات «حزب الله» (موقع القوات اللبنانية)
مصير حزب الله ودوره القادم في لبنان

في ظلِّ تعقيدات الوضع على الساحة الدولية وعدم قدرة إيران على إقناع الولايات المتحدة بدورها في المنطقة ضمن معادلة جديدة، باتت أذرع إيران قيد البحث، حيث أصبح مصير الأذرع متعلق بمصير إيران من خلال التسليم الطوعي أو بالضربة العسكرية التي تجعل من الأذرع وتحديدًا حزب الله في الحالتين في خبر كان.

من هنا نرى الأصوات التي ترتفع في لبنان عن عدم تسليم السلاح، لأن هذا السلاح له دور في حماية الدولة وبيئة المقاومة والمقاومة والتهديد بقطع اليد التي ستقوم بنزعه، ما يضع الدولة في مأزق مع إيران وحزبها ولا بدّ من الالتفات إلى التالي:

١ - لبنان في خدمة الأجندة الإيرانية

تحاول إيران استخدام لبنان والمنطقة كأوراق ضغط تهدّد بها الإدارة الأميركية، وهي باستطاعتها تفجير الوضع في العديد من الدول العربية (سورية واليمن والأردن ولبنان).

إن استخدام الحزب للتصعيد في رفع النبرة بوجه الدولة ما هو إلّا دليل على أن الميليشيا باتت تستخدم التهويل بالسلاح لمصلحة الأجندة الإيرانية لرفع الثمن الذي يجب أن تحصل عليه من خلال الانصياع لتنفيذ الرغبات الدولية المتعلّقة بتسليم السلاح، وخاصة بعد حشر الحزب من خلال موقف رئيس الجمهورية بتنفيذ مطالبه وبالتالي فتح الحوار حول حصرية استعمال السلاح بيد الدولة، في محاولة للتملص من الاتفاق والالتفاف على التوافق الداخلي خوفًا من التوتير الداخلي.

٢ - دور الأذرع في الأجندة الإيرانية

الازدواجية الإيرانية في مخاطبة العالم لجهة الأذرع، فهي تُعلن من جهة بأنها تخلّت عن الحوثيين ودفعت بالفصائل العراقية للانخراط في صفوف الدولة ومؤسّساتها الأمنية وعلى حزب الله الالتزام بالاتفاق الدولي، ثم نراها تدعم حزب الله وتعمل لرفع المظلومية عنه.

إيران تحاول أن تقول للعالم بأن الأذرع لها هامش من حرية التحرُّك، لأنها تملك قرارها الخاص المستقل، ولا تجبرها على تنفيذ قراراتها بالرغم من التنسيق في ما بينها، ثم تعلن من ناحية أخرى بأنها تعمل على تنفيذ الشروط الأميركية وتحاول فرض أجواء إيجابية.

إذن، إيران ترسل رسائل متناقضة إلى الداخل اللبناني والخارج الدولي مما يجعل الجميع في حيرة وحذَر من سلوك إيران المفضوح وعدم الصدق في الحديث عن مخططاتها التضليلية، سوى أنها كانت دائما على استعداد للتضحية بأي طرف من أجل الحفاظ على مصالحها الخاصة والعمل على دفع مشروعها بالرغم من خدمة هذه الأذراع أجندتها الخارجية.

إن رفض السفير الإيراني الحضور إلى الخارجية اللبنانية بعد استعائه نظرًا لتصريحاته المثيرة المتعلّقة بإعلان موقف إيران الواضح من سلاح الحزب في لبنان، وحتى لو تمَّ التبرير لاحقًا، فهي عندما تقول بأن على الحزب الاحتفاظ بسلاحه وعدم تسليمه ، يُعطي إشارة واضحة بأنها تعمل على تعكير الأجواء العامة في لبنان خدمة لملفها النووي.

٣ - فشل المشروع الإيراني في لبنان

بالرغم من الضرَبات التي تعرَض لها المشروع الإيراني في لبنان والمنطقة، نراها لا تزال مستمرة في خلق نوع من التوتُّر في لبنان وفي الداخل وعلى الجبهة الشرقية المحاذية لسورية التي تحاول فتح طرق وممرّات لتهريب السلاح إلى لبنان وتهريب الأموال لدعم الحزب والالتفاف على القرارات والاتفاقيات الدولية والتلاعب بالبيئة الحاضنة له.

المحاولة الإيرانية في إعادة هيكلة الحزب، عبر تهريب صواريخ ومعدات لوجستية نحو الجنوب اللبناني عبر شبكات عسكرية جديدة للحزب، تحاول من خلالها الإيحاء بأنها تعمل على بناء بُنى تحتية جديدة في المنطقة بالرغم من الضربات العسكرية التي تعرَّض لها الحزب خاصة في فترة أيلول - تشرين الثاني الفائتين والتي أفقدت الحزب الكثير من العناصر والسلاح والمخازن. لكن الواضح أن الضربات التي لما زال العدو يسدِّدها إلى عناصر ومواقع الحزب تشير إلى محاولة جديدة للحزب للترميم. وأصبحت محاولات الاغتيال شبه اليومية لعناصر الحزب هي الطريق الوحيد للضغط عليه وعلى البيئة متوازيًا مع الضغط الكبير الذي يتعرَض له الحزب داخليًّا وخارجيًّا لتسليم مواقعه وسلاحه للجيش اللبناني؟

الخاتمة

لا تزال إيران تحاول استخدام الحزب مجدَّدًا كورقة ضغط من أجل خدمة مشروعها، فهل يمكن للبنان إضاعة الوقت والانتظار أكثر في ظلِّ الضغط الأميركي على الدولة والمطالبة بجدولة انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني وشماله؟ هل تأمَل إيران بتنازلات أميركية، أم أنها تحاول أن تُقنع الولايات المتحدة بإعادة لعب دورها الذي فقَدته بعد عملية «طوفان الاقصى» والذي أدّى إلى إنهيار المحور وفشل المشروع الإيراني في المنطقة وعلى رأسه تصدير الثورة.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・09・2025
إيران والضغط على الحكومة بالتهديد لقلب الطاولة وعدم تسليم السلاح...
خالد العزي
على خلفية القرار الصادر عن مجلس الوزراء اللبناني في ٥ و٧ آب المنصرم والذي ينصّ على حصرية السلاح غير الشرعي بيَد الدولة، شُنّت حملة منظَّمة ضد نواف سلام...
03・08・2025
السلاح في لبنان لخدمة الأجندة الإيرانية !
خالد العزي
ما يزال لبنان يواجه أصعب مرحلة في تاريخه، وذلك بسبب تعنّت «حزب الله» في التجاوب مع اتفاق الهدنة الأخير الذي وقَّع عليه، مما يعكس استمرارية تمسّكه بسلاحه. يشتري «الحزب» الوقت....
03・07・2025
فشل لبنان الدولة في تطبيق القرار ١٧٠١
خالد العزي
تبرز مسألة مطالبة «حزب الله» بتسليم سلاحه في الداخل اللبناني التي تتقاطع مع المطلب الدولي، وتحديدًا الأميركي، حيث باتت مسألة السلاح مطروحة على طاولة المطالبة بتنفيذ القرار الأممي، وليس الحوار حول السلاح ومستقبله القادم، خاصة بعد طرح الرئيس جوزاف عون لمسألة فتح الحوار مح «حزب الله»...