
صديقي العزيز الدّكتور محمّد... بعد التّحيّة والسّلام،
أكتبُ إليكَ هذه الرّسالةَ الموجزةَ لأُخبرَكَ بأنّي كنتُ مثلَك مُمانعًا ومُتحمِّسًا دينيًّا في مواجهةِ إسرائيل، لكنْ وبعد تجارِبَ عديدةٍ اكتشفْتُ من خلالها كَذِبَ المُدّعِينَ ونِفاقَهم الّذي يكادُ لا يُفارِقُ ألسنتَهم، فلذلك أنا خائفٌ على نفسي وعلى وطني وأهلي وأقاربي من مغامراتِهم الّتي قد تُودِي بلبنانَ إلى الهاويةِ للمرّةِ الألفِ باسمِ فلسطينَ، (وهذهِ المرّةَ قد يكونُ الوضعُ مختلفًًا عمّا سبَقَه، فقد يتحوّلُ لبنانُ إلى رمَادٍ ويُصبِحُ في خبرِ كانَ)، وصُوَرُ دمَارِ سوريا والعراقِ واليمنِ ولبنانَ «في حربِ تموّز عامَ ٢٠٠٦ ما زالت حاضرةً في أذهاننا».
فهل يُعقَلُ يا دكتور محمّد «طال عمرك» أن لا أخافَ على نفسي وعلى أهلي وأقاربي ووطني من تلك الجماعاتِ المتخلّفَةِ، الّتي حكمت أوطانًا باسمِ الدِّينِ فدمَّرتها تدميرًا، وسَرَقَتْها ونهبَتْها نَهبًَا، وأرعبت أهلَها وفرَّقت بينَهم على أساسٍ مذهبيٍّ وطائفيٍّ، وتحمِلُ شعارَ «تحريرِ فلسطينَ» وهي غيرُ قادرةٍ حتّى على تحريرِ شارعٍ واحدٍ فقط في مناطقِ سَيْطَرَتِها من احتلالِ الزُّعرانِ وعصاباتِ ومافيَاتِ التّشبيحِ واحتكارِ وتهريبِ المازوتِ والبنزين والأدويةِ وحليبِ الأطفالِ و... و... ومن انتشارِ الجرذانِ المُسَبِّبَةِ لأخطرِ أنواعِ الأمراضِ في ظِلِِّّ ارتفاعِ أسعارِ الأدويةِ وفِقدانِها في الصّيدليَّاتِ ومن تراكمِ النّفاياتِ فيها؟؟!!
ِوبماذا يُفيدُني إذا حاولت تلك الجماعاتُ فتحَ حربٍ مع إسرائيل تحت شعارٍ دينيّ فردّت إسرائيلُ بتدميرِ لبنانَ على رؤوسِ أهلِهِ وبتحويلِهِ إلى رمَادٍ؟؟!!
ولو سلّمنا جدلًًا بأنّ تلك الجماعاتِ انتصرت ميدانيًّا على إسرائيلَ بدعمٍ من إيران وتسلّمت حماس مقاليدَ الحُكْمِ في كُلِّ فلسطين، فحَكَمَت فيها (بما أنزلَ اللهُ) وَفقَ مَفهومِها الدّينيّ، فما هي الفائدةُ المَرجُوّةُ بالنّسبةِ إلى لبنان من هذا الحُكمِ، وقطاعُ غزّةَ (الّذي يعاني الويلاتِ والكوارثَ جرّاءَ حُكْمِ حماس الظّالمِ والمُتَخَلِّفِ) خيرُ دليلٍ على جهلِ وغبَاءِ وفشلِ هذه الجماعاتِ الدّينيّةِ المُتخلِّفةِ، طبعًا بعد أن تُحوِّلُ إسرائيلُ لبنانَ وسوريا والعراقَ إلى رمَادٍ، وعندَها لن ينفعَ أحدًا البُكَاءُ على الأطلال؟؟!!
ألم يَكْفِ لبنانَ ما عاناهُ من حُرُوبٍ وكوارثَ ودمارٍ وخرابٍ على مَدى عَشَرَاتِ السِّنينَ باسمِ ما يُسمّى (القضيَّةَ الفلسطينيَّةَ) دونَ أيِّ فائدةٍ تُذكَرُ سوى عودتِهِ إلى العُصُورِ الحَجَريَّةِ المُتَخَلِّفَةِ واندلاعِ نارِ الفِتَنِ المذهبيَّةِ والطّائفيَّةِ في مُدُنِهِ وقُرَاه، وتَحمُّلِهِ أعباءَ حربٍ قاسيةٍ مدمِّرةٍ كلّفت لبنانَ مئاتِ الآلافِ منَ الضّحايا الأبرياء، وفقَدَ لبنانُ الآلافَ من أبنائِهِ، منهم مَن دُفِنَ في مقابرَ جماعيَّةٍ، ومنهم مَن هو في غياهبِ السّجونِ خارجَ أرضِ الوطنِ، وأربابُ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ من زُعَمَاءِ وأُمَرَاءِ الميليشياتِ ودُعَاةِ المقاومةِ يسكنون الشِّققَ الفخمةَ ويَحتلّونَ المناصبَ الرَّفيعةَ ويُجاهدونَ من خلفِ منابرِهِم (بما تُجِيْدُ قَرَائِحُهم)، بأصواتِهمُ المُرتَفِعَةِ وأصابعِهم المرفوعةِ لتحريرِ فلسطينَ والقُدسِ؟؟!!
عزيزي الدّكتور محمّد...
أُريدُ أن أطرحَ عليك سؤالًا جوهريًّا في معناه، راجيًا منك أن تُجيبَني عنه بكلِّ شفافيةٍ وجرأةٍ دون مُواربةٍ، عسى أن نصلَ إلى رؤيةٍ موحّدةٍ، تُنجينا من شرورِ أفكارِنا، فمسؤُوليّتُنا تُجاهَ أوطانِنا ومجتمعاتِنا كمثقّفينَ كبيرةٌ جدًّا. وأُحِبُّ هنا ومن بابِ كونِكَ مُلتزمًِا دينيًّا أن أُذكِّرُكَ بالآيةِ القرآنيّةِ الّتي تقول: (إنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرضِ فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًَا جَهُوْلًَا).
معَ فائقِ الاحترامِ والتّقديرِ لشخصِك الكريمِ،
دكتور محمّد،
لماذا لا يتمُّ العملُ على بناءِ صُرُوحٍ علميّةٍ للحوارِ والتّحاورِ بين المفكّرينَ والمثقّفينَ العربِ واليهودِ لتحطيمِ وكسْرِ تلك الحواحزِ النّفسيّةِ، الّتي وضَعَتها الجماعاتُ الدّينيّةُ المُتزمِّتَةُ بين العربِ واليهودِ، بقصدِ إبقاءِ الصِّراعِ مفتوحًا، تحت ذريعةِ أنّ اليهودَ كفرَةٌ، وأنّ اللهَ قد غضِبَ عليهم ولَعنَهم بكفرِهم، وأنّهم أعداءُ اللهِ وقتلةُ أنبيائِهِ؟؟!!
فاللقاءُ والجلوسُ على طاولةِ حوارٍ واحدةٍ يساعدُ في كَسْرِ تلك الحواجزِ النّفسِيّةِ، ويُطمئِنُ القلوبَ ويُحَرِّكُ العقلَ ويفتحُ آفاقَ المعرفةِ، بدلَ الخوضِ في صراعاتٍ جهَنّميّةٍ، باسمِ الدّينِ وتحتَ عناوينَ وشعاراتٍ باليَةٍ، لن تعودَ علينا إلّا بالخرابِ والقتلِ والإرهاب.
فالمؤمنُ كما وردَ عنِ النّبيِّ محمّدٍ: (لا يُلدَغُ من جُحْرٍ مَرَّتيْنِ).
وقديمًا قِيْلَ: (رَحِمَ اللهُ امْرَءً عَرَفَ حَدَّهُ فوَقَفَ عندَهُ) وقِيلَ: (هَلَكَ امْرُؤٌ لَاْ يَعرِفُ قَدْرَهُ).
وإذا أردْتَ أن تُحدِّثَني عن الخيانةِ، مُتمَسِّكًا بحقِّكَ في الرّدّ، ولو بلغةٍ صَاغَها أعداءُ الإنسَانِ واللغةِ والتّأريخِ والجغرافيَا فأُجيبُكَ بكُلِّ راحةٍ ضمير ومُسؤوليَّةٍ:
الخيانةُ هي أن تكونَ في موقعِ مُسؤوليّةٍ فتسمعَ وترى وطنًا يستغيثُ دونَ أن تُحرِّكَ ساكنًًا لإنقاذِهِ، بلْ وتُمعِنَ أكثرَ في بلطجيّتِكَ المقدّسَةِ والمُضحِكةِ في آنٍ، فتَنهَبَه وتَسرِقَه وتَخنُقَه بكلِّ ما أُوتيْتَ من دهاءٍ ومَكرٍ وخداع، (لتُؤثِرَ طاعةَ اللئامِ على طاعةِ الكرام). وهنا أستشهد بما رُويَ عن السّيّدةِ زينب قولُها ليزيدَ بن معاوية: (وهل رأيُكَ إلّا فَنَد، وأيّامُكَ إلّا عدَد، وجمعُكَ إلّا بَدَد).
الخيانةُ هي أن تحمِلَ شعارَ الموتِ لأميركا وإسرائيل، فتُدمِّرَ وطنَكَ وتقتُلَ شعبَك مقابلَ تعيينِكَ أميرًا وقائدًا على النِّعاج.
الخيانةُ هي أن تبقى أكثرَ من ثلاثينَ سنةً بعد انتهاءِ الحربِ في لبنان (مكانَك راوِحْ، وإلى الوراء دُرْ) لتخونَ أشرفَ النّاسِ وأصدقَ النّاسِ وأصبرَ النّاسِ على ظلمِكَ وبطشِكَ وإرهابِكَ، فتمنَعَ بناءَ دولةٍ قويّةٍ وعادلةٍ في هذا الوطنٍ الّذي تَحمَّلَ عَشَراتِ السّنين (ظلمًا وعُدوانًا) أعباءَ ما تسمّى: (القضيّةَ الفلسطينيّةَ)، ولِيُصدَمَ هذا الشّعبُ بكَ في نهايةِ المطاف حينَ عَلِمَ بأنّ القدسَ الّذي جاهدتَ لأجلِهِ سنينَ طويلةً، فدمّرتَ لبنانَ عشراتِ المرّاتِ وعلى مدى عشراتِ السّنينَ وقتلتَ شعبَه، وكذلك دمّرتَ سوريا والعراق واليمن هو غيرُ القدسِ الّذي نعرِفُه على مرمى حجرٍ معَ لبنان، وبأنّ القدسَ الّذي تقصِدُ والّذي يمرُّ في القصير والقلمون والزّبداني ودرعا والمَوصل وصنعاءَ ربّما موجودٌ على الحدودِ بينَ الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّة والمِكسِيك، أو مرصودٌ بطلاسمِ إمامِكَ المهديّ في مثلّثِ بَرَمودا.
الخيانةُ هيَ أنْ ترفع شعارَ «الجيشِ والشّعبِ والمقاومة» في الوقتِ الّذي تنشغلُ فيه مقاومتُكَ في القتالِ خارجَ حدودِ الوطن، وتجتهدُ أنتَ في حمايةِ الفاسدينَ منَ الأقربينَ والأبعَدين، والدّفاعِ عنهم مقابلَ دفاعِهم عن سلاحِكَ المقدّسِ والمُكدَّسِ في مخازنَ وسْطَ بيوتِ الآمنينَ، وفي الوقتِ الّذي يسقطُ فيه النّاسُ شهداءَ وجرحى، وتُدَمّرُ بيوتُهم ومحلّاتُهم على وقْعِ تفجيرِ مخازنِ أسلحتِكَ المملوكةِ حصرًا للإمامِ المهديّ المنتظَرِ كما تزعُم.
ويبقى الجيشُ اللبنانيُّ في معادلتِكَ المفروضةِ على اللبنانيّينَ بقوّةِ سلاحِكَ «خَرطوشة فَردك» كلّما دعتِ الحاجة.
فالجوعُ كافرٌ، والشّعبُ الّذي هو أحدُ مكوِّناتِ معادلتِكَ المفروضةِ رغمًا عن أنفِ الدّستورِ، وأحدُ ثالوثِكَ المخادِع قالَ وبالفمِ المَلآن، وفي كلِّ السّاحات والمناسبات: «كِلُّن يعني كِلُّن ونصر الله واحدْ منّهُن».





