دائمًا، عند أقرب فرصة، تتكرّر جدليّة الالتحاق بالمحاور كمادّة للنقاش. فخَيار الانضمام إليها سياسيٍّا وعسكريًّا ليس شيئًا جديدًا في السياسة والعسكر، بل هو أمر ضارب في جذور التاريخ.
تلجأ القوى للانضمام إلى محاور لأسباب عديدة ومتشابكة تتداخل فيها الضرورات الجيوسياسيّة مع الحسابات الإيديولوجيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، وتسعى بذلك الخَيار إلى تحقيق أهداف وجوديّة، أو توسُّعيّة، أو ردعيّة أحيانًا. لذا يكون هذا الخيار قرارًا مصيريًّا أحيانًا، يجب أن يُقاسَ فيه ميزان الربح والخسارة بدقّة متناهية.
في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، برَز في جبل عامل، الذي كان ضمن نطاق السلطنة العثمانية حينها، زعيم إقطاعيّ زَمنيّ من أسرة آل علي الصغير الوائليّة يُدعى الشيخ ناصيف النصّار. كان النصّار كغيره، وبموجب شكل النظام الإقطاعي وقتها، ملتزمًا يَجبي الضرائب للدولة، ومسؤولًا عن الأمن وتأمين الجُند، وغيرها من المهام.
لَمَع اسم الشيخ ناصيف كقائدٍ عسكريّ وسياسيّ في الجبل الذي كان وقتها مقسّمًا إلى ثلاث أقاليم: بلاد بشارة، إقليم الشومر والتفاح، والشقيف. وبينما كان الإقليم الثاني تحت إمرة آل مُنكر، والثالث تحت إمرة آل صعب، كان ناصيف ملتزمًا للإقليم الأوّل: بلاد بشارة. ولشخصيّته ونفوذه القويّ أُطلقَ عليه لقب «شَيخ مشايخ جبل عامل».
كان الشيخ ناصيف صاحب طموح سياسيّ، ويَسعى إلى نوعٍ من الاستقلاليّة، والى التخفيف من القيود العثمانية على جبل عامل. بعد فترة نفور، تقاطعت المصالح بينه وبين الشيخ ظاهر العُمر الزيداني الذي كان يتولّى أجزاء كبيرة من فلسطين، من ضمنها عكّا وصَفَد وطبريّا، بحدٍّ واسع من الاستقلاليّة بعدما تخلّف عن دفع الضرائب للسلطنة، فباتوا حلفاء. وكان الشيخ ظاهر ذو نفوذ قوي يؤرِّق السلطنة العثمانية، والتي كانت أولويتها في تلك الفترة تنصبّ على مواجهة الإمبراطورية الروسية التي دخلت معها في حروب استنزفتها بشريًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا.
كان ظاهر العُمر على علاقة قويّة بحاكم مصر المملوكي علي بك الكبير، فعقدا معًا تحالفًا عسكريًّا ضدَّ الدّولة العثمانيّة، كان الهدف منه إبعاد مصر وبلاد الشام عن نفوذ السلطنة. وبحكم علاقته بالشيخ ظاهر، دخل الشيخ ناصيف النصار في هذا التحالف في محاولة لإيجاد دور أكبر للعامليين ضمن الواقع السياسي في المنطقة. وهكذا تشكّل هلال مصري - فلسطيني - عامليّ في مواجهة السلطنة العثمانية.
انضمّ العامليون إلى الحملة التي أطلقها علي بك الكبير الى المنطقة بقيادة محمد بك أبو الذهب عام ١٧٧١، واستطاعت هذه الحملة أن تصل الى مدينة دمشق إثر فرار الباشا العثماني منها. لكن ما حصل لاحقًا لم يكن بحِسبان العامليّين والفلسطينيّين. فقد انسحب أبو الذهب راجعًا إلى مصر، مُنقلبًا على سيِّده المملوكي، تاركًا ظاهر العُمر وناصيف النصار ومَن معهما في مواجهة غضب السلطنة العثمانيّة التي كانت تنتظر الفرصة المناسبة لتأديب المتمرّدين.

بعد مقتل علي بك الكبير إثر عودته إلى مصر، ومقتل ظاهر العُمر إثر الحملة العثمانية ضده، عُيِّنَ أحمد باشا الجزار واليًا على صيدا. كان الجزار ينتظر الفرصة المناسبة لتأديب العامليين، فكان له ذلك عام ١٧٨١ إثر وقعة يارون الشهيرة فَقُتِل الشيخ ناصيف، وَنُكِّلَ بالعامليين. ثم تلاها عام ١٧٨٤ معركة أخرى في بلدة شحور وجوارها.
كانت هذه المعركة قاصمة للظهر، ولم تقُم لهم قائمة بعدها. دُمِّرت القرى، وأُحرقت المزارع، وصُودرت الكتب وأُحرقت في أفران عكا، وأُسر وأُعدم كثيرون، وَتاه الوجهاء العامليّون في مختلف الاتجاهات. كما تحدّثت بعض المراجع عن سبيٍ للنساء. إثر ذلك كله، فرض الجزار حُكمًا قاسيًا على البلاد استمر حتى عام ١٨٠٤، عام وفاته.
كان خَيار الشيخ ناصيف النصار الانضمام إلى هذا المحور المناوئ للسلطنة العثمانية محفوفًا بالمخاطر. وكانت نتائجه كارثية على جبل عامل في نهاية المطاف. فالشيخ ناصيف لم يضع خطة لاحتمال الفشل، ولم يضع خططًا بديلة لاحتمال انهيار التحالف الذي اختاره، التحالف الذي ربَط مصير الجبل به، والذي كان مركزه الأقوى، مصر، يُعاني من تقلّبات.
كما لم يقرأ الشيخ المعطيات الدولية بشكل جيد. فصحيح أن الدولة العثمانية لم تكن وقتها في أحسن حالاتها، إلّا أنها كانت تلْقى دعمًا من الدول الأوروبية التي كانت تشعر بالقلق من توسُّع الإمبراطورية الروسية، وكانت تجد في استمرار السلطنة، والتي حظيوا فيها بامتيازات متنوّعة، خطّ دفاع طبيعيّ مقابل هذا التوسّع للإمبراطوريّة الروسيّة الناشئة.
ونرى هنا أن الذي فعله العامليون وشيخهم ناصيف النصّار في القرن الـ١٨، كذلك فعله حزب الله بقيادة سيِّده حسن نصر الله، الذي انخرط في محور إقليمي يتجاوز الهويّة الذاتيّة نحو مشروع أوسع. ولئن كان محور الشيخ يمتدُّ من جبل عامل (جنوب لبنان) عبر فلسطين وصولًا إلى المركز، مصر، فإن محور السيّد كان يمتدُّ من جنوب غرب فلسطين (غزة) مرورًا بلبنان عبر سوريا والعراق وصولًا إلى المركز، إيران.
بعد يوم واحد على أحداث ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣ غير المسبوقة، والتي اصطُلح على تسميتها بـ«طوفان الأقصى»، أخذ حزب الله قرارًا بفتح جبهة جبل عامل دعمًا وإسنادًا لغزّة. هذا الجبل الذي بات يُعرَف بعد تأسيس الكيان اللبناني بـ«جنوب لبنان».
إضافة إلى آلاف المدنيين الذين وقعوا بين قتيل وجريح في مختلف المناطق، تكبَّد حزب الله أيضًا خسائر جسيمة في جسمه البشري: آلاف القتلى، وآلاف أكبر من الجرحى بينهم نسبة عالية أصبحوا من المعوَّقين. كذلك نتج عن هذه الحرب تدمير شبه كلّي لعدد كبير من القرى الحدودية تحوّلت إلى قرى أشباح هَجَرها أهلها وتفتقد إلى أدنى مقوِّمات الحياة، وتدمير بنسب مختلفة للقرى الخلفية، ولمناطق متفرّقة في باقي المناطق. كل هذا، عدا عن الخسائر الاقتصادية الجمّة التي لا نملك إلى اليوم إحصاءً علميًّا دقيقًا لها.
بعيدًا عن الإسقاطات التاريخيّة التي تشوّه التاريخ وتُستخدم أحيانًا لتبرير المواقف، يمكننا القيام بمقاربة تهدف لاستخلاص أوجه الشَبَه والاختلاف بين التجربتين، مع احترام خصوصيات السياق والزمن والظروف الموضوعية لكل تجربة.
فلئن كان الشيخ والسيّد قد انطلقا في حركتهما من موقع ديني - اجتماعي يجد نفسه مُستهدفًا من قوى كبرى، إلّا أنه ومن خلال مقاربة تجربتيهما، نستطلع ما يلي من التبايُنات:
- كانت السلطنة العثمانية في عصر الشيخ قد بدأت في الانحدار وبدأت تشهد صعود زعامات محلية مستقلة، بينما عاش السيّد في ظلِّ نظام دولي أحاديّ القطب يشهد هيمنة أميركية وإسرائيلية على المنطقة.
- كان الكيان المحلّي زمن الشيخ، وبسبب طبيعة النظام السياسي وقتها، عبارة عن المجتمع العاملي ذو الهوية الطائفية الواحدة، بينما اليوم الكيان هو دولة لبنان المتداخل والمتناقض في تركيبته سياسيًّا وطائفيًّا ومحوريًّا.
- كان الشيخ يسعى إلى كسب مزيد من الاستقلالية السياسية وتخفيف الأعباء عن كاهل العامليين، بينما كان السيِّد يرفع شعار تحرير القدس والصلاة فيها، وطرد القوة الأقوى عالميًّا، الولايات المتحدة، من كامل المنطقة.
- كان الشيخ شخصية قيادية شيعية عاملية، أي أن قيادته اقتصرت على منطقة جبل عامل. ولم تتعدَّها إلى مناطق شيعية أخرى. بينما كان السيِّد شخصية قيادية أوسع نطاقًا، ارتبطت بشيعة لبنان، بل تجاوزتها إلى مناطق شيعية أخرى أوسع في الخارج.
- كان تحالف الشيخ الشيعي مع محور مركزُه سنّي (مصر)، بينما تحالف السيِّد مع محور مركزه شيعي (إيران).
- كان الشيخ، ولمحدودية إمكاناته، مُلحقًا بالشيخ ظاهر العُمر. بينما كان السيِّد ركيزة المحور أو أقلّه من ركائزه الكبيرة، ويتمتّع بنوع من الاستقلالية في اتخاذ القرارات فيه.
- كان تحالف الشيخ تحالفًا ظرفيًّا في وقته ودام لفترة قصيرة، بينما كان هذا التحالف عند السيد إيديولوجي - جيو سياسي شامل وأطول في الزمن.
- بخصوص وسائل القوة، كانت قوة الشيخ محدودة، إن على صعيد العدد أو العتاد، بينما كان السيِّد يملك شبه جيش منظَّم بأعداد كبيرة، وبترسانة أسلحة متنوِّعة كمًّا وكَيفًا.
- كانت هزيمة الشيخ نتيجة طبيعية بعد هزيمة الطرَفين الأقوى في المحور وقتها، علي بك والشيخ ظاهر، بينما حصلت هزيمة السيِّد على مرأى وتخاذُل الطرف الأقوى في المحور اليوم، وهو إيران.
- خلافا لخيار الشيخ ناصيف الذي كانت نتائجه كارثية على العامليين حصرًا، ولم تصِل تداعياته شيعة بعلبك وجبل لبنان، فقد كانت نتائج خيار حزب الله وأمينه العام السيِّد حسن نصر الله هذه المرة أكثر كارثية على الطائفة الشيعية، كونها طالتهم في مختلف أنحاء لبنان، في جنوبه وبقاعه وجبله، وفي بيروت وضواحيها.

من خلال تَجربتَي الشيخ ناصيف النصار والسيِّد حسن نصر الله، يمكننا أن نستَلهم دروسًا عميقةً حول معنى التحالفات وموازين القوى، وحدود القوّة الذاتيّة، وتكاليف القرارات في زمن صراعات المحاور، خصوصًا وأنّها ستنعكس على المجتمعات المدنيّة قتلًا وجراحًا وتهجيرًا وتدميرًا.
وأخيرًا إنّ الشجاعة تكمُن في الحكمة في إدارة التموضعات بأقلّ كلفةٍ ممكنةٍ.





