03・06・2025
من العدد ٢٢
كرة القدم في الجنوب
تهميش سياسي ومُعاناة مُزمنة فاقمتها الحرب الأخيرة

في الجنوب اللبناني، وعلى امتداد العقود الماضية، لم تتمكّن أي رياضة أو هواية أن تضاهي أو تنافس شعبية كرة القدم، لعبة الفقراء وأبناء الأطراف، اللعبة التي لا تحتاج المواهب فيها للكثير من الأموال لتنمو وتشعّ لاحقًا كما هو الحال في الرياضات الأخرى ككرة السلة وكرة المضرب والسباحة وغيرها والتي تتطّلب تدريبًا وتأهيلًا مُكلِفين بشكل لا يستطيع السواد الأعظم من العائلات تحمّله.

يحوّل الفتية في البلدات والقرى أي مساحة من الأرض إلى ملعب لكرة القدم، سواء كان من العشب أو الإسفلت أو التراب، يلعبون في الأراضي الزراعية أو مواقف السيارات أو مداخل المباني، المرمى قد يُصنَع من الخشب، أو بكل بساطة تكون حدود المرمى عبارة عن حجرين تفصل بينهما مسافة مناسبة، يمكن استخدام أحواض الزراعة أو إطارات سيارات قديمة، يمكن لخيال الفتية أن يجعل من أي مساحة ملعبًا لكرة قدم، يرسمون حدود الملعب بالطبشور أو بالكلس، يصنعون كؤوسًا من العبوات البلاستيكية الفارغة ويلعبون من أجل الفوز بها، يبتكرون ميداليات من بقايا ساعات قديمة في منازلهم، يخلقون كرة قدم موازية، يحاكون فيها كل ما شاهدوه أو عرفوه عن اللعبة الأكثر شعبيةً في العالم.

لستَ في حاجة إذًا إلّا إلى كرة من الجلد المدوّر لتمارس لعبة كرة القدم، يكون ثمنها زهيدًا في الغالب، ويتقاسم اللاعبون/ الفتية ثمنها، يدّخرونه من مصروفهم الخاص، القليل في الغالب.

معظم الأطفال والفتية في الجنوب، شأنهم في ذلك، شأن الفتية في أي مكان في العالم الثالث، يجدون في كرة القدم ملاذََهم شبه الوحيد، يلعبونها ويشاهدون مباراياتها ويشجعون فِرقها، ويرتدون قمصان أندية الفرق التي يحبَونها والتي تكون غالبًا مقلّدة وبأسعار زهيدة، يحدوهم الحلم والأمل بأن يصبحوا يومًا ما نجومًا عالميين.

هي رياضة وهواية بمتناول الجميع إذًا، الفقراء والأغنياء على حدٍّ سواء، يمكنك بسهولة ملاحظة الشغَف الذي يشعر به معظم الأطفال والفتية تجاه هذه الساحرة المستديرة، وشعبيتها تزداد انتشارًا بين الفتيات. أخبرنا أحد الآباء الذين قابلناهم لأجل إعداد هذا التقرير، أن ابنته الصغيرة تعشق كرة القدم وتحب أن تصبح لاعبة محترفة، ولكن الأمر متعذِّر حاليًّا بسبب غياب نشاطات كروية نسوية في الجنوب إلى حدٍّ كبير، ومعظم الأكاديميات تكون للذكور حصرًا.

من كل عشر فتية تصادفهم في الشارع في أي قرية في جنوب لبنان، صيفًا، ستجد على الأقل خمسة أو ستة منهم يرتدون قمصانَ أو أطقم أحد الأندية أو المنتخبات الرياضية العالمية، معظمها مقلّد وثمنه لا يتجاوز الأربعة دولارات أميركية، فـ«ريال مدريد» و«برشلونة» يحظيان بالشعبية الأكبر، فيما تتنوع أسماء اللاعبين المطبوعة على القمصان بين «ميسي» و«رونالدو» و«فينيسيوس» و«مبابي» و«هالاند» وغيرهم.

أحلام كثيرة أُجهضت بسبب قلة الإمكانيات

كان وسام أفضل لاعبي كرة القدم في فصله الدراسي، بل كان الأبرع بين جميع طلاب مدرسته الرسمية في إحدى بلدات قضاء بنت جبيل الحدودي، خلال الفرصة اليومية في المدرسة، كان ينقسم الطلاب بين فريقين، ووسام كانت لديه القدرة على مراوغة جميع اللاعبين والتسجيل، ولا يتمكن أحد أن يأخذ منه الكرة أو يقف في طريقه لإيقافه، فاقتنع الجميع أنه سيكون نجمًا كبيرًا في المستقبل.

عندما كان الفريق يُشارك في بطولات مدرسية في العاصمة كان وسام يفوز دائمًا بجائزة أفضل لاعب ويلفت اهتمام كلُّ من يشاهد المباراة.

يقول وسام لنشرة « الفان رقم ٤ » إن بعض مسؤولي الأندية في العاصمة كانوا يتواصلون مع والده ويطلبون منه أن يقبل بأن يلعب وسام مع الفئات العمرية لأنديتهم، لكن الأمر لم يكن ممكنًا بحسب وسام، إذ يقول: «كنا نسكن في القرية، يعمل أبي هناك كموظف وبالكاد كان المدخول يكفينا، ولم تكن هناك أي فرصة لكي أنتقل إلى العاصمة وأحقّق حلمي بلعب كرة قدم حقيقية على ملعب عشبي وتحت إشراف مدربين، الكرة في لبنان لا تُطعم خبزًا، الرهان على استكمال التعليم والحصول على وظيفة يبقى أمرًا مضمونًا أكثر، أهلنا يفكرون هكذا، ربما تكتشف مع الوقت أن الأهل كانوا على خطأ وكان الأمر يستحق المغامرة».

يعمل اليوم وسام كموظّف في أحد المصارف، لقد انتقل فعلًا إلى بيروت بعد تخرّجه، ولكن ليس لممارسة كرة القدم وتحقيق حلمه بل لأنه وجَد وظيفة مقبولة في العاصمة، قد لا تسنح له مثلها في قريته. وسام هو واحد من مئات وربما آلاف مواهب كرة القدم الجنوبية التي لم تحصل على فرصتها لتحقيق حُلمها واحتراف كرة القدم، بسبب غياب الملاعب والأكاديميات والأندية في الجنوب خلال فترة طفولته وصباه، وبسبب ضعف اهتمام الدولة وعدم إيلاء الأحزاب المسيطرة في الجنوب، أي الثنائي الشيعي أمل وحزب الله، الأهمية اللازمة لكرة القدم، وتركيزها على توجيه الفتية والمراهقين نحو أمور أخرى كالمخيّمات الكشفية والدورات العسكرية وما إلى ذلك.

 

تقصير واضح من الأحزاب الفاعلة على الأرض

صحيح أن عدد الأكاديميات في جنوب لبنان ازداد في السنوات الأخيرة، وبدأت تظهر بعض الأندية الجنوبية والحصول على رخص لمزاولة اللعبة بشكل رسمي، يلعب معظمها في الدرجات الدنيا وفي بطولة المحافظات، إلّا أن العقبات لا تزال كثيرة في وجه كل من يُحب مداعبة الكرة والغوص في عالمها الاحترافي.

يتواجد اليوم في دوري الدرجة الأولى لكرة القدم في لبنان ثلاث فرق من جنوب لبنان فقط، هي «التضامن صور» و«العباسية» وهما من ضمن قضاء صور، وفريق «شباب الغازية» التابع لقضاء صيدا، ولا يوجد أي فريق تأهل إلى مصاف الدرجة الأولى من محافظة النبطية لغاية اليوم.

وبشكل عام، فإن كرة القدم في لبنان مركزية بشكل واضح، كما هو حال معظم الرياضات الأخرى، الفرق التي فازت بلقب الدوري اللبناني لكرة القدم في السنوات الخمسين الأخيرة كانت جميعها فرق مركزها في العاصمة بيروت، كذلك مقارّ تدريباتها، المرة الوحيدة التي حقّق فيها فريق جنوبي لقب الدوري كانت في العام ٢٠٠٠، بعد أن تصدّر نادي «التضامن صور» الجدول عند نهاية الدوري، لكنّ الاتحاد سحب اللقب منه وألغى الدوري بسبب تورّط لاعبين من عدّة أندية من بينها «التضامن صور» نفسه بالتلاعب بنتائج المباريات.

يُلاحظ في هذا الصدد أن معظم الأسماء اللامعة في كرة القدم اللبنانية في آخر عقدين أو ثلاثة، هم من الجنوب أساسًا، أمثال موسى حجيج وجمال الحاج وحسن معتوق وعباس عطوي، كما أن اللاعبَين الاثنين الذين احترفا في دوري الدرجة الأولى في ألمانيا أي رضا عنتر ويوسف محمد كلاهما من الجنوب أيضًا، لكن المشترَك بين كل من ذُكروا هو أنهم نشأوا وترعرعوا إما في بيروت وإما في ضاحيتها الجنوبية أو في بلاد الاغتراب، وهذا يؤكِّد أن البيئة تلعب دورًا كبيرًا في تطوير المواهب.

وبالرغم من انتشار الأندية والأكاديميات في قرى الجنوب، المنتشرة والموزعة مؤخّرًا، كما ذكرنا، فإن معظمها تنقصه الاحترافية والاستمرارية، ويكون الهدف منها تجاريًّا في الدرجة الأولى، ولا تقدّم التدريب اللازم لصَقل المواهب وتطويرها بشكل كبير.

يُدير حسان أكاديمية رياضية في إحدى القرى قرب مدينة النبطية، كان قد افتتحها مع شقيقه قبل ثلاث سنوات تقريبًا، يتضمن برنامج الأكاديمية ثلاثة أيام تدريب أسبوعيًّا، على ملعب مخصص للعبة الـ«ميني فوتبول»، يقوم باستئجاره على حسابه الخاص، بالإضافة إلى تكاليف أخرى عليه دفعها، وبالتالي يجب تأمين عدد محدَّد من المنتسبين لكي يصبح الاستثمار مجديًا. في الصيف تكون الأمور جيدة، لكن المشكلة في الشتاء حيث يمتنع الأهل بمعظمهم عن تسجيل أولادهم لكي لا يؤثّر الأمر على دراستهم، وهذا يشكل أزمة أولًا بالنسبة لقدرة الأكاديمية على الاستمرار ومواجهة الصعوبات المادية، وثانيًا وهو الأهم بالنسبة للمواهب نفسها وعملية صقلها وتطويرها، إذ إن الانقطاع عن التدريب شتاءً والاكتفاء بذلك خلال إجازة الصيف فقط لا يمكن له في الغالب أن يصل إلى النتائج المرجوة.

ويضيف حسان في حديثه إلى «الفان رقم ٤»: «إن اندلاع حرب الإسناد أضرّت بأكاديميته بشكل يصعب وصفه وتخيّله؛ ويُخبر موقعنا أنه في الأسابيع الأولى لحرب الإسناد بدأ المنتسبون إلى الأكاديمية بالانسحاب بشكل تدريجي، خاصة بعد سقوط قذيفة بالقرب من الملعب أثناء إحدى الحصص التدريبية».

يضيف حسان: «توسّعت الحرب بعدها، تهجّرنا إلى الشمال، وبعد شهرين من المعاناة عُدنا إلى قريتنا، لكن الوضع أصبح كارثيًّا، إعادة افتتاح أكاديمية رياضية في هذا الظرف هو أمر سيعتبره الجميع رفاهية لا حاجة لها اليوم».

يمكن القول إذًا إن قطاع الرياضة وكرة القدم في جنوب لبنان، والذي كان أصلًا يُعاني من مشاكل بنيوية ولوجستية حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة، قد تفاقمت مشاكله اليوم بشكل واضح. لا توجد إحصاءات رسمية أو حتى دراسات تقدّر الخسائر التي لحقت بالرياضة اللبنانية والجنوبية بسبب الحرب، ولكن الأضرار الكبيرة لهذه الحرب على هذا القطاع يمكن ملاحظتها بشكل واضح.

بعد أيام من العملية التي عُرفت باسم «طوفان الأقصى» وفتح حزب الله لجبهة الإسناد من جنوب لبنان، وبشكل خاص من الشريط الحدودي، تهجّر عشرات المواطنين من الشريط الحدودي إلى قرى وبلدات خارج الشريط، وتعطّلت الحياة الكروية إلى حدٍّ كبير.

 

فريق كرة القدم الأبرز في الشريط الحدودي كان نادي بنت جبيل، ومقرّه في المدينة ذاتها المحاذية للحدود، كان يشارك في السابق في دوري الدرجة الثانية، وفي الموسم ٢٠٢٢ اقترب من التأهُّل إلى الدرجة الأولى حيث وصل إلى التصفيات، وقد شكّل هذا النادي متنفّسًا لأبناء القضاء إذ كان قريبًا من مناطق سكنهم، وكان يمكن للمواهب أن تتطوّر، ولكن، ويا للأسف، فقد اضطُر النادي لبيع رخصته لفريق جويّا بُعيد انطلاق حرب الإسناد، وتهجير الجزء الأكبر من سكان بنت جبيل ومحيطها إلى بيروت والقرى والبلدات خارج الشريط الحدودي.

أدّت الحرب بين إسرائيل وحزب الله إلى تدمير عدد كبير من المنشآت الرياضية في الجنوب، وتضرّر الملاعب ومراكز التدريب، كذلك تعرّض عدد من اللاعبين للإصابات نتيجة للغارات، فتراجع القطاع الرياضي بمجمله سنوات كثيرة إلى الوراء.

بعد توسّع الحرب، تهجّر معظم اللاعبين الجنوبيين من بلداتهم نحو العاصمة ومناطق أخرى في جبل لبنان والشمال والبقاع، توقّفوا عن التدريب لأسابيع طويلة، وعانوا من آثار التهجير المادية والنفسية، خسر كثير منهم أفرادًا من أُسرهم، وعندما عادوا إلى قراهم، وجد البعض منهم بيوتهم وقد تحولّت إلى ركام.

أندية كرة القدم في الجنوب تعرّضت لمشاكل مادية ولوجستية كثيرة، انتقل بعضها للتدرّب في مناطق كثيرة، مع ما يترتّب على الأمر من ضغوطات مالية على إدارات الأندية وعلى اللاعبين أنفسهم، الأموال التي كان يدفعها بعض المغتربين لدعم الأندية في بلداتهم، باتت تذهب اليوم لأمور أكثر إلحاحًا، كتقديم المعونات المعيشية للأُسر المتضررّة من الحرب، من مأكل وملبس ومساعدات دراسية وغيرها.

يقول عباس وهو اسم مستعار، بناءً على طلبه، إنه كان ينشط في إحدى فرق الدرجة الأولى لكرة القدم قبل سنوات، قبل أن ينتقل إلى نادٍ جنوبي يلعب في الدرجة الثانية، وبالإضافة إلى كرة القدم، يعمل عباس في قطاع البناء لتأمين قوت أُسرته، فكُرة القدم في لبنان لم تخرج يومًا في لبنان من عباءة الهواية باتجاه الاحتراف بحسب تعبيره، وعلى لاعب الكرة أن يعمل في أكثر من مهنة كي يضمن الاستمرار، فالأحزاب الفاعلة والبلديات التابعة لها في الغالب، لا تُولي الاهتمام الكافي بكرة القدم، ولا يوجد في الجنوب الكثير من الملاعب الصالحة لإقامة مباريات كرة قدم بالمستوى الاحترافي، وهو اعتاد خلال مسيرته الكروية أن ينتقل مع الفريق لمسافة طويلة باتجاه مدن مثل طرابلس وجونيه لخوض منافسات الدوري.

يشير عباس إلى أن أرضيات معظم الملاعب في الجنوب مصنوعة من العشب الاصطناعي، وهي غالبًا تتسبّب بإصابات للّاعبين، بعكس العشب الطبيعي الذي يُستخدم في الملاعب العالمية. ويُحدَّثنا أيضًا عن الصعوبات التي تواجهها الأندية في إيجاد ملاعب التدريب، ويُضطّرون أحيانًا للتدرّب على ملاعب «ميني فوتبول» المخصّصة لخمسة أو ستة لاعبين وحارس فقط.

اليوم هناك أكثر من عشرة فرق كرة قدم في جنوب لبنان، ينشط معظمها في دوري الدرجة الثانية والثالثة والرابعة في بطولة المحافظات، فيما عدد الملاعب قليل جدًا، يقول أحد اللاعبين مع أحد الأندية الجنوبية الناشطة في دوري الدرجة الرابعة، وقد فضَّل أيضًا عدم الكشف عن اسمه، إنهم لا يتقاضون رواتب ثابتة بل حوافز وبدَلات مالية عن كل مباراة يلعبونها، الأمر يغدو كونه هواية أكثر منه مهنة أو احترافًا، ويشير إلى أنهم يُعانون بدورهم حتى يجدوا ملاعب للتدرُّب بسبب قلّتها وكثرة الفرق، فهم أحيانًا يُضطرون للتدرُّب في أوقات غير مناسبة لأن ملعب «الأمام موسى الصدر» في بلدة أنصار الذي يستخدمونه في تدريباتهم بشكل أساسي، يحتضن الكثير من المباريات في مختلف الدرجات، كما يستخدمه الكثير من الأندية الجنوبية للتدريب، وهو بطبيعة الحال ملعب من العشب الاصطناعي، ويتسبّب بالكثير من الإصابات للّاعبين، بسبب الإهمال وغياب التصليحات الدورية له.

ويُشير اللاعب نفسه، عبر التصريح الذي أدلى ونحن في معرض إعداد هذا التقرير، أن مستوى اللاعبين في لبنان لا يختلف بين لاعبي الدرَجات المختلفة، لناحية المهارات والفنِّيات، ولكن لاعبي الدرجة الأولى يمتلكون لياقة بدنية أفضل، لأنهم يحصلون على رواتب أفضل ويمكنهم أن يقضوا أوقاتًا أطول في التدريبات. ويؤكِّد أنه يلمس هذا التقارب في المستوى عندما يواجهون هؤلاء اللاعبين - أي لاعبي أندية النخبة في العاصمة - في دورات «الفوت سال» والمباريات الودية التي تنظّمها البلديات أو الفعاليات في الجنوب.

ويعتقد اللاعب نفسه أن الإهمال والتقصير هما السبب الرئيسي في تراجع مستوى كرة القدم في الجنوب، فالمواهب موجودة وهي الأفضل في لبنان، لكن الأحزاب الفاعلة لا تهتمّ بكرة القدم، ولا تخصّص لها الدعم اللازم كما تهتم لقطاعات أخرى، وقد تفاقمت المشاكل اليوم بعد الحرب بشكل واضح.

 

بالمقارنة مع كرة السلة التي تلْقى الدعم اللازم من الاتحاد ورجال الأعمال والإعلان، والتي تُعدّ استثمارًا ناجحًا ومربحًا مع الوقت، وبات المدرِّبون اللبنانيون يقودون فرق كرة سلة في مختلف الدول العربية، فإن كرة القدم بقيَت أسيرة الإهمال، وأن الاهتمام بها كفيلٌ بتطويرها وخلْق استثمارات من خلالها وعِبرها، لكن هذا الأمر لا يحصل، لذلك لا تتطوّر الكرة لدينا وتبقى العشوائية والارتجال والفردية سماتها الأساسية.

وبالحديث عن الأحزاب الفاعلة بشكل رئيسي في الجنوب، أي حزب الله وحركة أمل اللذان يُسيطران بشكل كبير على الفضاء العام ويتحكّمان بمعظم الأمور ومقدّرات الحياة، ولهما اليد الطولى في تسيير عمل البلديات والجمعيات والمنظمات الفاعلة في المنطقة، فإن إسهاماتهما في دعم الرياضة قليلة وتكاد تكون شبه معدومة، ومع ذلك فإن هذه الأحزاب تحاول الإفادة من شعبية كرة القدم واستغلالها في بناء سرديّتها وخطابها، فتحاولان تجيير أي إنجاز يحصل لصالحهما، كما أنهما يعملان على عكس مواقفهما في الشحن السياسي والطائفي إلى المدرَّجات.

ختاماً

لا تقدِّم الأحزاب في الجنوب الدعم اللازم لكرة القدم، بل هي توجّه الفتية نحو اهتمامات أخرى، ولكنها تريد في الوقت نفسه استغلال ما تحققه هذه اللعبة واستثماره لمصالحها الخاصة.

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.
أيضاً للكاتب/ة
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
03・02・2026
اليونيفيل في جنوب لبنان: دورها وسرديات علاقتها مع المجتمع المحلي
أحمد خواجة
لم تكن قوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان، منذ اليوم الأول لوصولها، مجرد قوة عسكرية هدفها القيام بأعمال المراقبة وتطبيق قرارات الأمم المتحدة، بل تفاعلت باستمرار مع المجتمع الأهلي، ونشأت علاقات بين عناصرها وبين المواطنين.