تحضُر الانتخابات في لبنان لا بوصفها استحقاقًا ديموقراطيُّا يُحتكم فيه إلى البرامج والتنافس على تحسين حياة المواطنين، بل كطقس سياسي تُهيمن عليه العصَبيات الطائفية والحزبية، وتُدار فيه العملية الانتخابية وفق توازنات دقيقة تكرّس الواقع القائم بدل تغييره. ويبرز «الثنائي الشيعي» - أي حزب الله وحركة أمل - كأحد أبرز الفاعلين الذين يحوّلون الانتخابات إلى لحظة لإعادة تجديد الولاء الشعبي، وتثبيت السيطرة على البيئة الشيعية أكثر منها فرصة لمساءلة الأداء السياسي أو طرح مشاريع بديلة.
في هذا السياق، يغيب التنافس الحقيقي في معظم الدوائر ذات الغالبية الشيعية، إذ تُنسّق اللوائح بين طرفَي الثنائي مُسبقًا، ويُفرض المرشحون على الناخبين من دون آليات ديموقراطية داخلية شفّافة، فتتحول صناديق الاقتراع إلى تمرين شكْلي لا يهدّد سلطة الزعامة ولا يفتح أفقًا للتغيير. ويترافق ذلك مع خطاب سياسي مشحون بعناصر عاطفية وتعْبوية، يطغى فيه الحديث عن «الوفاء لدماء الشهداء»، و«استكمال الحرب» ضد العدو الصهيوني، ويُضاف إلى ذلك مفهوم التمنّن، أي تقديم الإنجازات العسكرية أو الخدمات الاجتماعية كأفضال يُطلب من الناس ردّها عبر التصويت.
انطلاقًا من ذلك، سوف يتمّ تسليط الضوء على آليات عمل الثنائي في التحضير للانتخابات، وأسلوب تشكيل اللوائح، وكيفية إدارة الحمَلات، مع الخطاب السياسي المستخدَم عند الثنائي الشيعي بالنسبة إلى الانتخابات البلدية؛ بالإضافة الى دور المرأة، والتصويت النسائي، بوصفه مرآة للهيمنة الذكورية، والتمثيل الرمزي أو الفعلي للنساء، والشرط الضروري لفَهم طبيعة العلاقة بين الناس والسلطة في هذه البيئة.
لفَهم دينامية العملية الانتخابية في البيئة الشيعية، لا بدَّ من العودة إلى مفاهيم أساسية ترتبط بالانتخابات كأداة ديموقراطية، وبالخطاب السياسي كوسيلة للتأثير والتعبئة. في السياق النظري، تُعتبر الانتخابات لحظة مفصلية يُفترض أن تُترجم فيها الإرادة الشعبية إلى تمثيل سياسي فعلي، وتُقيَّم فيها الأحزاب وفْق برامجها وأدائها، لا على أساس ولاءات مسبقة أو هويات طائفية.
لكن في لبنان، تُختزل الانتخابات غالبًا بـ«استحقاق» تنظِّمه السلطة السياسية لإعادة إنتاج ذاتها، لا لمساءلتها. ويبرز هذا بوضوح لدى «الثنائي الشيعي»، حيث تنعدم المنافسة الداخلية أو التعددية، ويُستعاض عن النقاش البرنامجي بخطاب تعبوي مُشبع بالرمزية.
الوفاء: يُقدَّم كقيمة أخلاقية عُليا تتجاوز السياسة، يُطلب من الناخبين التعبير عنها تجاه «الدماء الطاهرة» و«القيادة الحكيمة»، ما يُعيد تعريف التصويت لا كاختيار حرّ، بل كواجب أخلاقي.
استكمال الحرب: تُطرَح الانتخابات كامتداد للصراع المستمر، سواء ضد الاحتلال الإسرائيلي أو التدخل الأميركي أو «الخصوم الداخليين»، ما يجعل من التصويت موقفًا دفاعيًّا لا سياسيٍّا.
التمنين: تُستخدم الإنجازات، سواء في مجال المقاومة أو الخدمات، كوسيلة لطلب ردِّّ الجميل، وكأن المواطن مَدين لحزبه، لا صاحب حق في محاسبته.
هذه المفاهيم الثلاثة تُشكّل أساس العلاقة بين «الثنائي» وناخبيه، وتُعيد تشكيل الوعي السياسي في بيئته على أسس لا ديموقراطية. وبدل أن تكون الانتخابات لحظة نقد وتفكير، تُحوَّل إلى مناسبة لتجديد الطاعة وتأكيد الانتماء، بما يُضعف من قدرتها على أن تكون أداة تغيير فعّالة.

تتّسم العملية الانتخابية لدى «الثنائي الشيعي» بنموذج مُحكَم في إدارة الترشيحات وتشكيل اللوائح، يعكس التفاهم العميق والتقاسم الصارم للنفوذ بين حزب الله وحركة أمل. فالتحالف بين الطرفين لم يعد ظرفيًّا أو انتخابيًّا بل بات ثابتًا، يهدف إلى احتكار التمثيل الشيعي ومنع أي خرق أو منافسة من داخل الطائفة.
في مرحلة التحضير للانتخابات، تُجرى مفاوضات داخلية بين الحزبين حول توزيع المقاعد في كل دائرة، وفق معايير توازن القوى، الولاءات، الحساسيات المناطقية، وتحديد الأسماء المقبولة من الطرفين. ويُلاحظ أن اختيار المرشحين يتمّ غالبًا وفق معيار الولاء والتاريخ الشخصي داخل الجسم الحزبي، لا بناءً على الكفاءة أو البرنامج السياسي، ما يُفرغ المركز من مضمونه الرقابي، ويحصُره في الوظيفة التمثيلية الشكلية.
المرشحون الذين يُفرَضون على القواعد الشعبية لا يخضعون لأي محاسبة ديموقراطية داخلية، فلا تُجرى انتخابات أولية، ولا تُعرض السَّير الذاتية أو المشاريع على الناس، بل تُقدَّم اللوائح «جاهزة»، على قاعدة أن القيادة تعرف الأصلح. وغالبًا ما يُستخدم الخطاب الديني أو المقاوِم لإضفاء شرعية مُطلقة على هذه الاختيارات، بما يمنع أي نقاش أو اعتراض.
أما على صعيد التحالفات، فيسعى الثنائي إلى توسيع نفوذه عبر التحالف مع قوى محلية في الدوائر المختلَطة، مثل تحالف حزب الله مع التيار الوطني الحر، أو تيارات سنّية ودرزية حيث تدعو الحاجة. هذه التحالفات، وإن كانت براغماتية، إلّا أنها غالبًا ما تُقدَّم على أنها لـ«حماية الاستقرار» أو «مواجهة التحديات الوطنية»، وهي تبريرات تُستخدم لتغطية الصفقات والمحاصصات.
والجديد في الأمر أنّ التحالفات فاقت التوقّعات، حيث اجتمع «الثنائي»، خصوصًا حزب اللّه، مع «القوّات اللبنانيّة» في لائحة واحدة توافقيّة، بالرّغم من كلّ الأحقاد والاتّهامات اللّاأخلاقيّة والاستفزازيّة التي تدور في فضاء هذين الحزبين.
هذا النموذج من التحالفات وتشكيل اللوائح يُفضي إلى غياب كامل للتعدّدية داخل البيئة الشيعية، إذ يُقصى أي مرشح مستقل أو تغييري من قِبل الحزبين. ويُمارَس ضغط اجتماعي وأمني وإعلامي لمنع تشكيل لوائح بديلة، ما يجعل من الانتخابات استفتاءً أكثر منها منافسة.
في المحصلة، يُفرَض على الناخب الشيعي واقع سياسي مُغلق، يُمنع فيه من الاختيار الحقيقي، وتُدار فيه اللعبة الانتخابية من الأعلى، بما يحول دون أي تجديد في الطبقة السياسية، ويكرّس الهيمنة المطلقة للثنائي.
تتميّز الحملات الانتخابية للثنائي الشيعي بطابع تعبوي وتعبّدي أكثر منه سياسي أو برامجي. فهي لا تُدار وفق معايير ديموقراطية أو أدوات تواصل سياسية بالمعنى الحديث، بل تُستخدم فيها أدوات تعبئة جماهيرية مستندة إلى شبكة حزبية متجذِّرة، تستفيد من الإمكانيات التنظيمية والخدماتيّة والإعلامية الضخمة التي يملكها الطرفان.
- أدوات الحشد:
الحمَلات تُفعّل عبر المساجد، الحسينيات، البلديات، الجمعيات الخيرية والمؤسسات التعليمية والصحية التابعة للحزبَين، فتتحوّل تلك المؤسّسات من منصّات لخدمة المجتمع إلى أدوات لاستغلالها انتخابيًّا.كذلك تلعب الماكينات الانتخابية دورًا لوجستيًّا دقيقًا، حيث تُنقل الناس إلى مراكز الاقتراع، وتُتابَع لوائح الشَّطب شخصيًّا، ويُستخدم «الرصد الانتخابي» لمراقبة الأصوات وتوجيهها.
- الخطاب المستخدم:
الرسائل السياسية تبتعد عن النقاشات البرنامجيّة أو الملفّات الخدماتية، وتتركَّز على رموز المقاومة، استحضار الشهداء، وعدالة المعركة. في كل خطاب يُعيد المرشح أو القيادي إنتاج الصورة البطولية للحزب، وتُقدَّم المشاركة في الانتخابات كتكليف شرعي وفعل «وفاء» لا كحق أو خَيار.
- سَير العملية يوم الانتخاب:
يوم الاقتراع يُدار بمنهجية تعبويّة صارمة، تُستخدم فيها كل وسائل النفوذ والهيمنة الاجتماعية. تُراقَب القرى والأحياء، تُشغَّل المحطات الحزبية لتوجيه الناس، ويُرصد المتخلّفون عن التصويت لاستدعائهم لاحقًا. هذا يُحوّل يوم الانتخاب من لحظة حرية فردية إلى امتحان ولاء جماعي.
- غياب النقاش السياسي:
بسبب هذا النموذج، تغيب تمامًا المساحة العامة للنقاش والاختلاف. لا مناظرات، لا مقابلات ناقدة، لا أسئلة مُحرجة. القواعد الشعبية لا تناقش مرشحيها، بل تستقبلهم كرموز مكرّسة. بذلك، تتلاشى الدينامية الديموقراطية داخل البيئة، وتتحوَّل العملية الانتخابية إلى تكرار محسوم مسبقًا للواقع القائم. وهذا ما يبرّر الهجوم العنيف الذي جوبهت به إحدى القنوات اللبنانيّة بسبب السؤال المحرج الذي وُجّه لأحد نوّاب الحزب في ظلّ الحضور الشعبي.
ما يتوضّح هنا هو نموذج انتخابي مُغلق، تُدار فيه الانتخابات بوصفها «عملية أمنية» و«استراتيجية تعبئة» بدل أن تكون فعلًا ديموقراطيًا حرًّا. وهو ما يكرّس احتكار القرار، ويمنع أي إمكان للتغيير من داخل النظام.
في البيئة الشيعية التي يُهيمن عليها الثنائي، يتحوّل الخطاب الانتخابي إلى وسيلة لتثبيت مفاهيم محدّدة تُعيد صياغة علاقة المواطن بالسياسة. أبرز هذه المفاهيم هي: الوفاء، التمنين واستكمال الحرب، وهي مفاهيم تعبّر عن منظومة رمزية تستبدل المشاركة الديموقراطية بالتعبئة الطائفية والعاطفية.
الوفاء يُطرح بوصفه قيمة مطلقة تتجاوز السياسة، ويُربط غالبًا بـ«دماء الشهداء» و«التضحيات»، ما يجعل من التصويت فعل ولاء شخصي لقائد أو حزب، لا موقفًا سياسيًّا. هذا الاستخدام العاطفي للوفاء يُعيد إنتاج علاقة أفقية بين المواطن والزعيم، حيث يُفترض من الناخب أن يُجدِّد طاعته لا أن يُحاسب.
أما التمنين، فيظهر من خلال الخطاب الذي يُذكّر الناس بما قدّمه لهم الحزب من خدمات، أو بما «حماهم» منه، وكأن الخدمة واجب مقابل الولاء لا حقٌّ أساسي. تُقدَّم المدارس، المستشفيات، التعويضات، وحتى الكهرباء والمحروقات كأفضال لا كاستحقاقات، ويُطلب من الناس ردّ الجميل يوم الاقتراع. في هذا السياق، يَفقد المواطن استقلاليته، ويُحوَّل إلى تابعٍ في علاقة زبائنية قوامها الامتنان لا المواطنة.
أما مفهوم استكمال الحرب، فيُستخدم لتأطير كل استحقاق انتخابي كجزء من «المعركة الكبرى»، سواء ضد العدو، أو الحصار الاقتصادي، أو «العملاء»، وتُختزل الانتخابات في معركة وجود، وتُنتَج سردية بأنّ التصويت للوائح الثنائي هو دفاع عن الكرامة وعن الوطن وبالأخصّ عن الدِّين. هذا يجعل من الخصم السياسي خائنًا وعميلًا، ويُشيطَن أي ترشيح انتخابي مستقل.
هذه المفاهيم الثلاثة تُنتج بيئة سياسية مُغلقة تُصادر فيها حرية الناخب باسم «الأمان»، وتُمنع فيها المحاسبة باسم «الوفاء»، ويُحبَط فيها التغيير باسم «الخطر الخارجي»، وهي آليات سيطرة ناعمة لكنها عميقة، تُبقي القاعدة الشعبية تحت احتواء سياسي دائم، وتمنع تشكّل أي وعي نقدي داخلها.
بهذا المعنى، لا يعود التصويت ممارسة سياسيّة حرّة، بل يتحوّل إلى طقس وفاء مفروض، يُعيد إنتاج الولاء في كل دورة انتخابية، ويُفرغ العملية الانتخابية من معناها كممارسة ديموقراطية.
رغم ما تُشير إليه الإحصاءات حول الانتخابات اللبنانية في السنوات الأخيرة من تحولات على مستوى أشكال التصويت، طالت أيضًا أنماط التصويت النسائي، حيث باتت شريحة متزايدة من النساء في بعض البيئات الطائفية لا سيما المسيحية والسنّية، تصوِّت للوائح تغييرية أو مستقلّة وهو ما يؤشِّر إلى تصاعد وعي نقدي لدى النساء تجاه النخبة السياسية التقليدية. لكن هذا الاتجاه لم ينعكس داخل البيئة الشيعية بالقوة نفسها، حيث بقي التصويت النسائي بغالبيته الساحقة يصبُّ في صالح لوائح الثنائي الشيعي.
هذه الظاهرة تُظهر أن النساء في هذه البيئة أكثر خضوعًا للمعايير الذكورية المهيمِنة، وهو ما يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأدوار الاجتماعية والثقافية المُسندة إليهنّ، حيث تُحصر المرأة غالبًا في موقع «الأم المقاومة»، أو «زوجة الشهيد»، أو «المؤمنة الصابرة»، لا كفاعل سياسي مستقلّ.
هذه الظاهرة تطرح تساؤلات أساسية حول موقع المرأة الشيعية في العملية السياسية، وطبيعة الخطاب الموجّه إليها، وحدود حركتها داخل نظام اجتماعي طائفي - ذكوري يضعها غالبًا في موقع التابع.
في خطاب الثنائي، تُستحضر المرأة لا بوصفها فاعلاً سياسيًّا مستقلًّا، بل كرمز للصبر والتضحية. فتُحصر هويتها في أدوار وجدانية ودينية، ولا تُمنح مساحة سياسية فعلية. وحتى في حالات ترشيح نساء على لوائح الثنائي، تكون تلك الترشيحات غالبًا شكلية أو مُحتسبة بعناية لتعزيز صورة الحزب لا لإحداث خرقٍ في تمثيل النساء. حيث تمّ تهميش العنصر النسائي في العمل البلدي والاختياري وذلك يعود لأسباب ثقافية لا تضمن مشاركة عادلة وإلغاء للتمييز الجنسي من قِبل الموروثات والعادات والتقاليد المتراكمة.
المرأة شريكة أساسيّة في التجربة السياسيّة في الجنوب، ولكن ليس على لوائح الحزب، بل على لوائح حركة أمل فقط، فقد أعطَت الأخيرة توجيهاتها في هذه الانتخابات لإشراك المرأة في العمل السياسي في أغلب القرى والبلدات الجنوبيّة مثل تفّاحتا وحومين الفوقا والزرارية وسجد وغيرها.
وبالمقارنة مع نساء الطوائف الأخرى، تُظهِر النساء في البيئة الشيعية نسبة أعلى من الامتثال للتوجُّهات السياسية السائدة في الأسرة أو المجتمع، والذي يُهيمن عليها الذكور. هذا ناتج عن بنية اجتماعية تقليدية تُعيد إنتاج السلطة الذكورية داخل العائلة والمجتمع، حيث يُتوقع من المرأة الانضباط داخل «البيت السياسي» لا الانخراط في خَيارات مستقلة.
وتفتقر البيئة الشيعية إلى خطاب نسَوي تغييري فعّال قادر على طرح قضايا النساء كجزء من النقاش العام، ليس فقط لأن الثنائي يقمع هذه المساحات، بل لأن الثقافة السياسية السائدة لا ترى في المرأة ناخبة ذات رأي سياسي مستقل، بل «رافعة للتعبئة»، يتمُّ استدعاؤها لحضور المهرجانات وتوزيع الورود والتصفيق للقادة، دون تمكينها من التعبير عن مواقفها أو مساءلة ممثليها.
المفارقة أن التعبئة التي تستهدف النساء لا تؤدِّي بالضرورة إلى تسييسهن، بل غالبًا إلى تكبيلهن، عبر خطاب أخلاقي وديني يُحمِّلهن مسؤولية الحفاظ على «الخط»، والوقوف خلف «المقاومة»، ما يمنع كثيرات من التعبير عن رأي مخالف ولو في السرّ.
من هنا، يبرز الدور الحاسم لتحليل نسَوي للعملية الانتخابية، لا بوصفه دفاعًا عن حقوق النساء فحسب، بل كأداة لفهم كيف تُعاد إنتاج الهيمنة السياسية من خلال الجندر. فحرمان النساء من حرّيتهن في التصويت والترشّح المستقلّ ليس فقط مسألة مساواة، بل مؤشِّر على عطب ديموقراطي أعمق في النظام السياسي والاجتماعي.
فمن الواضح أنّ النضال السياسي في العمل السياسي طويل، ويتطلّب القيام بإجراءات كثيرة وذلك لضمان مشاركة المرأة في صنع القرار. فلا بدّ من إقرار القوانين التي تدعم وتشجّع دور المرأة في التمثيل السياسي وخاصة تطبيق الكوتا النسائيّة في المجالس البلدية والاختيارية بالإضافة الى حصّتها في المجلس النيابي.
حضور رمزي أم تمثيل فعلي؟
رغم الحديث المستمر عن العدالة والمساواة، أثبتت الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان لعام ٢٠٢٥ أن التمثيل النسائي لا يزال قضية مؤجَّلة في بيئات سياسية يُهيمن عليها الطابع الذكوري، لا سيما عند «الثنائي الشيعي».
تمثيل مغيَّب... أو شبه مُغيّب
خاض الثنائي الانتخابات ضمن لوائح موحَّدة تحت شعار «التنمية والوفاء»، في معظم القرى والبلدات ذات الغالبية الشيعية. وكما في الاستحقاقات السابقة، لم تُسجّل مشاركة نسائية تُذكر على لوائح حزب الله، فيما بدا أن حضور النساء على لوائح حركة أمل كان خجولًا، وإن شهد بعض الخروقات المحدودة.

«حزب الله»: لا نساء في اللوائح... ولا في الخطاب
لم تُدرج قيادة حزب الله أي نساء مرشّحات في مواقع متقدّمة على لوائحها. بل إن مشاركة النساء اقتصرت على التجييش والتعبئة الانتخابية، في حين بقيت مواقع القرار محصورة بالرجال. هذا الواقع لا يُعدُّ مستغرَبًا في ظلِّ بنية تنظيمية مُغلقة على الذكور، وخطاب ديني محافظ لا يمنح النساء دورًا سياسيًّا مباشرًا.

«حركة أمل»: مرشَّحات وفائزات... ولكن
في المقابل، أدرجت حركة أمل عددًا من المرشَّحات على لوائحها، وفازت بعضهن في قرى جنوبية أبرزها: طير حرفا وشحور التي شهدت مشاركة نسائية ضمن اللوائح، وإن بنسب محدودة، فازت ثلاث سيّدات فيها بعضويّة المجلس البلدي بالإضافة الى سيّدة في المجلس الاختياري.
لكن هذا الحضور بقي مرتبطًا بالحسابات العائلية أو التوازنات المحلّية، لا بنتيجة إيمان حزبي فعلي بضرورة التمثيل الجندري العادل.
رغم أن النساء يُشكِّلن أكثر من نصف الجسم الانتخابي في العديد من القرى، إلّا أن حضورهن على لوائح الثنائي لا يزال أقرب إلى «التزييني» منه إلى «التمكيني». لا توجد آليات حزبية واضحة لترشيح النساء، ولا تتضمّن برامج العمل أي رؤية سياسية نسَوية. حتى في الخطاب العلني، تغيب الإشارات إلى حقوق المرأة السياسية، ما يضع الثنائي في موقع المتقاعس أمام مطلب أساسي من مطالب الإصلاح السياسي.
في وقت تطالب فيه جهات سياسية ومدنية بقانون يفرض كوتا نسائية بنسبة ٣٠% في المجالس المحلية، يتجنَّب «الثنائي الشيعي» هذا النقاش كلّيًا. لا يرفضه علنًا، لكنه لا يتبنّاه، ولا يخطو خطوات عملية لتطبيقه في بيئته. حيث تعكس انتخابات ٢٠٢٥، أنّه لا تزال البيئة السياسية الشيعية، كما يمثّلها الثنائي، تحتكر القرار المحلي للرجال. وتبقى المرأة خارج دائرة الفعل السياسي، إلا ما نَدر، وبشروط غير متكافئة.
فقد أظهرت الانتخابات أن وعود الإصلاح الجندري لا تزال كلامًا غير مفعّل، وخارج الاهتمامات الأساسية لأحزاب السلطة.
في النهاية، تُثبت انتخابات ٢٠٢٥ أن النضال من أجل تمثيل نسائي حقيقي في المجالس المحلية لم يبدأ فعليًّا بعد عند «الثنائي الشيعي». وما لم يُنتزع هذا الحق من الداخل، سيبقى الصوت النسائي مهمّشًا في صناعة القرار، مهما علَت الأصوات.
يتبيّن مما سبق، أنّ العملية الانتخابية في البيئة الشيعية، وتحديدًا ضمن إطار «الثنائي»، لا تُدار وفق منطق ديموقراطي حرّ بل وِفق منظومة من الضبط السياسي والاجتماعي التي تضمن إعادة إنتاج النفوذ القائم. فاللوائح تُشكَّل مسبقًا، وتُدار الحملات بروح تعبويّة لا سياسية، ويُفرَغ التصويت من مضمونه ليُصبح فعل طاعة وولاء، لا اختياراً حرًّاً.
التحليل أظهر كذلك كيف يتمّ تجيير مفاهيم مثل: «الوفاء» و«استكمال الحرب» و«التمنين» لتحويل كل لحظة انتخابية إلى امتحان انتماء، تُمارَس فيه الرقابة الرمزية والمباشرة على الناخبين. هذا النموذج لا يقتصر فقط على البنية الحزبية، بل يتغلغل في الثقافة السياسية للبيئة الشيعية، حيث يتشابك الدِّيني بالسياسي، والعاطفي بالعقلاني، ويُعاد إنتاج الولاء من خلال آليات متعدّدة.
أمّا على مستوى النساء، فقد شكّل التصويت النسائي مرآة صادقة لمدى خضوع الفعل الانتخابي لمعايير ذكورية صارمة. فبينما شهدت بيئات أخرى انخراطًا أكبر للنساء في اللوائح التغييرية أو في التمرّد على القواعد الحزبية والعائلية، بقيت نساء الطائفة الشيعية، في معظمهن، محكومات بواقع سياسي واجتماعي يمنع الخروج عن «الصف»، ويؤطّر خياراتهن ضمن مفاهيم دينية وأخلاقية تقيّد استقلاليتهن.
تُظهر هذه المفارقة أهمية تبنّي مقاربة نسوية في تحليل الظواهر الانتخابية، لا بوصفها مسألة «كوتا» أو تمثيل رمزي فقط، بل كمدخل لفهم بنية السلطة نفسها، وكيف تُمارَس على الأفراد عبر الجندر والرمز والولاء. فالمرأة ليست فقط مهمَّشة كمرشحة، بل أيضًا كمواطنة يُصادر حقها في الاختيار والتفكير، تحت ضغط العائلة والمجتمع والحزب.
- تعزيز التوعية السياسية للنساء داخل البيئة الشيعية، عبر برامج مستقلة عن الأحزاب، تُركّز على الحقوق السياسية، المواطنة وآليات الاختيار الحرّ.
- كسْر الهيمنة الرمزية للثنائي على المرأة، من خلال دعم منصّات نسوية نقدية تُتيح للنساء التعبير عن أصواتهن، خارج ثنائية «الأم المقاومة» و«الزوجة الصابرة».
- فضح خطاب التمنين والوفاء كأدوات قمع ناعمة، عبر حمَلات إعلامية تحوّل التركيز من العاطفة إلى النقاش البرنامجي والمحاسبة السياسية.
- الضغط لتفعيل دور المرأة داخل الأحزاب من القاعدة لا من الأعلى، عبر فرض آليات ديموقراطية داخلية تُتيح للنساء المشاركة الحقيقية في القرار والترشيح.
- دعم الأبحاث النسوية التي تتناول البيئة الشيعية كمجال سياسي واجتماعي معقَّد، لتفكيك العلاقات السلطوية الكامنة وراء الشعارات الدينية أو التحررية الشكلية.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن ديموقراطية فعلية من دون نساء مستقلّات. ولا يمكن بناء دولة تمثيلية ما دامت الانتخابات تُستخدم لتكريس الطاعة لا للمساءلة. والمفارقة أن مفتاح التغيير في أكثر البيئات انغلاقًا قد يكون في أصوات النساء، إذا ما استعَدْن حرّيتهن في القول والاختيار.





