.jpg)
في مجلس يزيد، حيث بلَغ الظلم أوجَه، وقفت زينب بنت علي وفاطمة الزهراء، لتُلقي كلمتها الخالدة: «فكِد كيدك، واسعَ سعيَك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وَحْينا، ولا تدحض أمرنا، ولا تستبعد عنك عارها». لم تكن هذه الكلمات مجرد ردّ فعل آني، بل كانت بيانًا سياسيًّا عميقًا يتجاوز حدود الزمان والمكان. تحدثت زينب نيابة عن الضحايا، عن النساء اللواتي كان يُتوقع منهن الصمت، وعن أهل البيت الذين طُمست أصواتهم. في تلك اللحظة، لم تكن زينب مجرد شاهدة على المأساة، بل كانت صانعة للذاكرة، ناقلة للرواية، ومؤسّسة لسردية بديلة لم يكتبها المنتصرون بل الناجون. لقد تحدّت المعايير الجندرية التي اختزلت النساء في دَور العار والصمت، وقدَمت نفسها كفاعلة سياسية، خطيبة مفوّهة، منظّرة، ومنقذة للذاكرة الجماعية. لم تكن ضحية تستسلم للقدَر، بل كانت ثورية واعية تنقل الحقيقة وتؤسّس لذاكرة المقاومة من موقع أنثويٍ واعٍ.
لكن، كيف تحوّل هذا الصوت الراديكالي إلى رمز مُدجَّن؟ كيف أصبحت زينب - التي واجهَت الاستبداد - تُروى اليوم كأيقونة للصبر لا للغضب، للصمت لا للخطابة، للدمعة لا للثورة؟ كيف تحوّلت إلى أيقونة مقدسة تُستدعى سيرتها في الخطب والمآتم والمهرجانات، لكن يُغفل وجهها السياسي الصارخ وتهمّش النساء الفعليات في المجتمعات الشيعية؟ رغم رفع شعار «الزينبيات» في تلك المجتمعات، وخصوصًا في لبنان، فإن النساء غالبًا ما يُختزلن في صوَر الصابرات والمضحّيات، لا الفاعلات أو المتحدثات أو صانعات القرار. إنهن يُشاركن في الرعاية، الدعم والتضحية، لكن دون تمثيل فعلي في مواقع السلطة أو القرار أو حتى في كتابة الرواية الرسمية للمقاومة. وإذا ما رُفع صوتهن، فغالبًا ما يكون ضمن إيديولوجيا محددة، وبصوت منخفض لا يخدم سوى النظام الذي احتواهن.
قبل كربلاء، لم تكن زينب مجرّد ابنة علي وفاطمة، بل كانت امرأة فاعلة في قلب النسيج الاجتماعي والسياسي في المدينة والكوفة. تربّت في بيت النبوّة، وتشرّبت مناخًا معرفيًّا وروحيًّا جعلها تُتقن الخطابة، وتفسير القرآن، وتعليم النساء، والمشاركة في الحياة العامة ضمن حدود زمانها. تزوجت من عبد الله بن جعفر الطيار، لكنها لم تُختزل في دورها كزوجة وأُم، بل كانت امرأة مثقفة، متكلمة وواعية. لُقبت بـ«عقيلة بني هاشم» (حكيمة بني هاشم) و«عالمة غير معلّمة»، مما يؤكّد حِكمتها ومكانتها الفكرية وقدرتها على القيادة. كما أسند إليها الإمام الحسين وصيّته، مما يعكس ثقته المطلقة بنُبلها وجدارتها، ويشير إلى أنها لم تخرج من الهامش في كربلاء فقط، بل كانت أصلًا فاعلة ومؤثرة قبلها. كربلاء لم تَخلق زينب؛ بل كشفتها.
رغم ذلك، فإن السرديات الشيعية أعادت بناء صورتها حول لحظة السبي، وركزت على خطابها في مجلس يزيد، حتى أصبح هذا المشهد هو النقطة التي تنطلق منها الذاكرة الشيعية، وتعود إليها، وتتوقف عندها. بمرور الزمن، تحولت زينب إلى «أيقونة رمزية» تُستدعى في لحظات المِحَن، ويُحتفى بها كرمز للصبر والتضحية، لا للوعي والمواجهة. هنا تكمن المفارقة: المرأة التي واجهت السلطة بخطبة سياسية حادة، يُعاد إنتاجها اليوم كرمز للسكوت الجميل. المرأة التي علّمت وناقشت وتفاعلت مع مجتمعها، يُحتفى بها بينما يتمّ تهميش النساء من صناعة القرار والسردية السياسية في مجتمعاتهن.
في المجتمعات الشيعية، خصوصًا في لبنان، يتم رفع اسم «زينب» على المنابر، وتُستدعى سيرتها لتأجيج الحماسة في المواسم السياسية والدينية، لكن النساء الفعليات في تلك البيئات يُقصين عن مواقع التأثير، ويُحبسن في أدوار نمَطية لا تعكس تعددية أدوار زينب الحقيقية. تمَّ تأطير زينب لا كمُلهمة للفعل النسَوي أو المشاركة العامة، بل كـ«أُم الشهيد»، «خادمة المجلس»، «حاملة المصيبة»، دون مساحة للاجتهاد أو النقد أو القول الحر. لقد صار يُعاد إنتاجها في المجتمعات الشيعية، وخاصة في لبنان، كأداة تربوية لغرس «القيَم التعبوية» في الفتيات منذ الصغر، لا كمُلهمة للعدالة والمساءلة. وفي هذا السياق، تلعب الحسينية، كمؤسسة تربوية غير رسمية، دورًا مركزيًّا في هذا التشكيل، حيث تُعلَّم الفتيات كيف يكنّ «زينبيات»، لا من خلال التعبير عن الرأي، بل عبر البكاء، الخدمة، التحمل والتسليم.
يساهم الإعلام الحزبي، لا سيما التابع لحزب الله في لبنان، بشكل فعّال في هذا التشكيل. فالحزب يستخدم أمهات الشهداء بشكل استراتيجي لتضخيم دعايته، وتشجيع التضحية بالنفس وتضحية الأبناء من أجل «المقاومة». تعمل هؤلاء الأمهات كوسيطات ومتحدثات رئيسيات، ينقُلن روايات تُدغدغ المشاعر وتعزز ثقافة الشهادة. تستهدف دعاية «حزب الله» النساء بشكل فعال، حيث تصوّر النساء وهن يشجعن أبناءهن على التضحية بأنفسهن وتُنشر المقالات ومقاطع فيديو لأمهات يشكرن الله على استشهاد أبنائهن.
أما خطاب «التضحية والصبر» الذي يُستحضر من سيرة زينب، فهو موجّه دومًا إلى النساء، لا إلى الرجال؛ يُطلب منهن أن يكنّ زينبيات في الوجع، لكن لا عليّات في الموقف، ولا فاطميات في الرفض، ولا زينبيات في المواجهة اللفظية أو التأريخ. إلى أن صار الرمز الزينبي لا يُحفّز على الحضور السياسي للنساء فقط، بل يُستخدم لضبط هذا الحضور ضمن هوامش الأيديولوجيا، حيث الصوت المسموح به هو فقط ذلك الذي يخدم «الرواية الرسمية» للمقاومة، لا مَن يراجعها أو يُغنيها أو يُعيد سردها من موقع نسَوي مستقل.
%20(2).jpg)
في هذا السياق، لا يُسمح للنساء بتولّي مواقع القرار الديني أو التفسيري أو التشريعي. فالمحاكم الشرعية، مثلًا، تبقى حكرًا على الرجال، تُدار بعقل ذكوري يبتّ في مصير النساء دون إشراكهن. لا وجود لامرأة قاضية في المحاكم الجعفرية، ولا صوت نسائي على طاولات الحوار لحل النزاعات الاجتماعية أو السياسية أو حتى العائلية. تُقصى المرأة من موقع التأويل، رغم أن الدِّين يُمارَس على جسدها وروحها يوميًّا.
وما يُعمّق هذا التهميش أنّ النساء في هذه البيئات لا يُقصين فقط عن مواقع القرار السياسي أو السرديات الكبرى، بل يُستبعدن كذلك عن التشريعات التي تحكم تفاصيل حياتهن اليومية. فقانون الأحوال الشخصية الشيعي، بوصفه أحد أبرز تجلّيات السلطة الدينية، يُدار بالكامل بأمر ذكوري، دون حضور نسائي حقيقي في صياغته أو مراجعته أو حتى مساءلته. في هذا النظام، تُحدَّد سنيّ الزواج، تُمنح الحضانة، ويُبتّ في الطلاق، وفق رؤية فقهية يحتكرها الذكور، وغالبًا ما تُفرض على النساء دون نقاش. تُنتزع من الأم أحقّية حضانة أطفالها في عمر مُبكر، يُطلّقها الرجل بإرادة منفردة، وتُزوّج الفتاة وهي قاصر، باسم الدِّين والتقاليد والمصلحة، دون أي إشراك حقيقي لصوت المرأة أو تجربتها أو معاناتها. تبدو النساء وكأنهن موضوع هذه القوانين لا شركاء فيها. بالكاد يُصغى لهن، ويُسمِعن أوجاعهن في أروقة المحاكم، ولا يُستدعيَن أبدًا كمشرّعات أو مفكّرات أو شريكات في بناء هذه المنظومة التي تُقرّر مصيرهن. وحتى عندما تعلو الأصوات النسَوية، تُواجَه بحصون الفتوى، ويُزجّ بها في معركة لا تُنصف الضحية بل تحمي النظام.
ولأن هذا الخطاب يجد جذوره في بُنيةهرَمية يسيطر عليها الذكور، فإن أي محاولة نسَوية لاستعادة زينب كفاعل سياسي تُواجَه بالرفض أو الاتهام. يُراد للنساء أن يبقين على الهامش، مكرّمات بالكلام، مقموعات بالفعل. لا يُسمح لهن أن يكنّ جزءًا من «الرواية الرسمية».
إن استعادة «الزينبية» الحقيقية، التي تجمع بين الصبر الثوري والخطاب السياسي الواعي، ليست مجرد إعادة قراءة للتاريخ، بل هي دعوة لتفعيل دور المرأة في الحاضر والمستقبل، لتكون شريكًا فاعلًا في صياغة السرديات، وصنع القرار، وتحقيق العدالة الاجتماعية. هذا يتطلّب جهدًا متواصلًا من داخل المؤسّسات الدينية وخارجها، لكسر القيود المفروضة باسم التقاليد، ولإعادة تعريف مكانة المرأة بما يتوافق مع إرثها التاريخي الغني ومبادئ العدالة التي يدعو إليها ويُنادي بها الدِّين.




