
ما يزال لبنان يواجه أصعب مرحلة في تاريخه، وذلك بسبب تعنّت «حزب الله» في التجاوب مع اتفاق الهدنة الأخير الذي وقَّع عليه، مما يعكس استمرارية تمسّكه بسلاحه. يشتري «الحزب» الوقت لصالح ما ستنتج عنه المفاوضات الإيرانية - الأميركية التي باتت معالمها تظهر بوضوح، وذلك حسب تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٥ في لقاء مع السلك الدبلوماسي الأجنبي العامل في طهران؛ حيث أعلن أن بلاده سوف تحضّر لمفاوضات قادمة مع الولايات المتحدة بشروط جديدة، وأماكن جديدة، وأوقات جديدة. في هذه المفاوضات، ستتعاون إيران مع الوكالة الذرية للطاقة النووية، لكن الضربة العسكرية التي تعرّضت لها إيران كانت بمثابة خيانة لمسار التفاوض الدبلوماسي.
بيروت، التي كانت دائمًا محجّة للسياسيين الغربيين، تشهد الآن تحركات لبنانية غير مسبوقة. الوفود الأجنبية التي تصل إلى بيروت وكأنها تُعيد نفس الصورة الدبلوماسية التي كانت حاضرة في أعقاب حرب الإسناد التي دعم فيها «حزب الله» قطاع غزة بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٣، في أعقاب عملية «طوفان الأقصى»، هذه الحرب التي أسفرت عن مذبحة كبيرة في لبنان وأدّى ذلك إلى سيطرة إسرائيل بشكل شبه كامل على الأجواء اللبنانية. هذه المواجهة فرضت معادلة جديدة على «الحزب» الذي كان يفاوض بالواسطة مع إسرائيل، بوساطة دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبالرعاية الأميركية الواضحة. كان التفاوض حينها لصالح إسرائيل، وهذا لا يعدُّ تمجيدًا للكيان الغاصب، بل هو مجرد إقرار بالحقيقة، حيث إن الدولة المنتصرة تفرض شروطها دائمًا، حسب الأعراف الدبلوماسية. وبالتالي، خسر الحزب الحرب في نهاية المطاف، ليواجه صفعة كبيرة بدأها بفشل ذريع لشعار «السلاح يحمي لبنان»، وهو الشعار الذي كان «الحزب» يرفعه طوال سنوات. فالسلاح لم يحمِ الحزب أو قيادته العسكرية، ولا حتى الأمين العام حسن نصرالله الذي تعرّض للاغتيال من قِبل إسرائيل.
وبغضِّ النظر عن الخطابات الإعلامية والسياسية التي أطلقها «الحزب» هنا أو هناك عن استعادة قوته العسكرية والبشرية بسرعة غير مسبوقة، إلّا أن الحقيقة التي يراها كثيرون هي أن «حزب الله» تلقّى ضربات موجعة تسببت في تقليص حجم إمكانياته. إضافة إلى ذلك، تراجع دعم إيران بشكل كبير بسبب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، مما صعّب من عملية التواصل بين الجمهورية الإسلامية و«حزب الله». هذه التغيّرات تسببت في قيود كبيرة على وصول الأسلحة والمال، فضلًا عن تفتيش الطائرات التي تصل إلى لبنان من العراق وغيره ومراقبة حركة الأموال ومنع الطيران الإيراني من الوصول إلى مطار بيروت.
السلاح الذي كان يعتبر جزءًا أساسيًّا من استراتيجية «الحزب»، فقَد قيمته الخارجية، لكنه لا يزال يسعى لربطه بالأوضاع الداخلية. تنفيذ اتفاق الهدنة والانسحاب الإسرائيلي من المناطق الجنوبية لم ينهِ حالة التوتر، حيث استمر «حزب الله» في المناورة والتلاعب، محاولًا تبرير عدم تسليم سلاحه للجيش اللبناني وتفكيك أماكن انتشاره، على الرغم من إعلان الدولة اللبنانية أنها فكّكت أكثر من ٥٠٠ موقع «للحزب» وأصبحت تحت سيطرة الجيش اللبناني، إلّا أن إسرائيل مستمرة في التوغّل داخل الأراضي اللبنانية، حيث تعلن أنها لا تزال تلاحق أماكن وجود مخازن الأسلحة وتكشف أماكن الأنفاق وتفجّرها في مناطق جنوبي الليطاني. كما أن الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية تجاوزت ٤٠٠٠ عملية قصف واغتيال لغاية الآن، ما أسفر عن مقتل حوالى ٤٠٠ شهيد، أغلبهم من عناصر «حزب الله».
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل أصبح «حزب الله» يدرك أن الرد على إسرائيل سيكلّفه كثيرًا، سواء في الأرواح أو في الدمار الذي قد يُصيب البيئة اللبنانية والدولة بشكل عام؟ أم أنه متمسّك بسلاحه فقط لحشد البيئة الشعبية الشيعية حوله، وتحقيق مكاسب سياسية داخليًّا؟ في النهاية، الحرب التي دارت بين إسرائيل وإيران طوال ١٢ يومًا، لم يتحرك فيها «حزب الله» بشكل ملحوظ، بل برَّر أمينه العام ذلك بالقول: «إيران لا تريد المساعدة، وتحرّكنا سيكون عندما تطلب إيران، بمعنى أن السلاح سيكون دفاعًا عن إيران إذا تعرضت لضربة نوعية». وبالتالي، باتت الصورة واضحة: الجميع في لبنان أصبح رهائن للموت دفاعًا عن إيران، ما يعني الدخول في دوّامة الموت الجمْعي.
إن الأمور في لبنان تتراوح مكانها، والتلاعب بالألفاظ أصبح في ذروته. في مشهد درامي، يتمّ تجيش الناس والبيئة للحفاظ على هذا السلاح تحت شعارات تتماشى مع العقيدة والوجدان الشيعيين. السلاح يُبرَّر بأنه للدفاع عن البيئة الشيعية التي قد تتعرض لضربات من إسرائيل من الحدود الشرقية والشمالية التي يسيطر عليها «التكفيريون». ولكن، هذا السلاح كان يجب أن يكون دائمًا له وظيفة تبريرية لاستثمار «الدويلة» داخل الدولة، رغم معارضة العديد من اللبنانيين لعدم تجاوب «حزب الله» مع شروط الدولة اللبنانية وفقًا للاتفاق الممهور والموافق عليه من قِبل الحزب؛ وبات، اليوم، يردّد شعارات تختلف كليًّا عن التفاهم الذي تمَّ التوصل إليه مع الدولة، مثل الانسحاب الإسرائيلي من «التلال الخمسة» و«النقاط الأخرى»، ترسيم الحدود، الإفراج عن أسرى «الحزب» المعتقلين في إسرائيل، والتوافق على استراتيجية دفاعية.
المجتمع الدولي، في المقابل، بدأ يُظهر امتعاضًا من الوضع القائم. والرسائل التي تصل من الخارج واضحة: على لبنان الإسراع في تنفيذ شروط التوافق الدولي، وتفكيك ترسانة «حزب الله»، أو أن لبنان سيكون أمام توجهات دولية مختلفة ستُؤثر سلبًا على وضعه. الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، بدأت تُعلن صراحة أنه إذا استمر «حزب الله» في التمسّك بسلاحه، فإن لبنان سيُحرَم من أي مساعدة مالية للبدء في عمليات الإعمار، وسيُترك الأمر لإسرائيل لممارسة المزيد من العمليات العسكرية ضد لبنان. المبعوث الأميركي إلى لبنان طوم برّاك، وفي مؤتمر صحافي له في السابع من تموز المنصرم في بيروت، أشار بوضوح إلى أنه لن يتمّ إرسال أي قوات عسكرية أميركية إلى لبنان لتفكيك سلاح «حزب الله»، وإنما على الدولة اللبنانية التحدث مع «الحزب» وعقلنته ودمجه في المجتمع اللبناني.
«حزب الله» اليوم هو جزء من الدولة اللبنانية، فهو ممثَّل في مؤسَّساتها التنفيذية والتشريعية، وفي السلك الدبلوماسي، وكذلك في مؤسَّساتها الخدمية والعسكرية. فهل من المنطقي الإصرار على إبقاء سلاحه خارج نطاق الدولة؟ هذا السلاح، الذي يستمر في التأثير على سيادة لبنان من خلال الاعتداءات المستمرة على أراضيه وتنفيذ عمليات عسكرية وأمنية، يساهم في إضعاف الدولة اللبنانية وتهديد العهد الحالي. وبالرغم من أن «الحزب» يشارك في المؤسّسات الرسمية، إلا أن إصراره على عدم تسليم سلاحه يُعد أمرًا معقَّدًا ومؤثِّرًا في سير عمل الدولة واستقرارها ونهوضها.
لبنان اليوم على مفترق طرق «حزب الله»، من جهة، يجد نفسه مضطرًّا للاستمرار في الحفاظ على سلاحه في مواجهة الضغوط الداخلية والدولية، بينما الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي يتطلعون إلى تجريد «الحزب» من سلاحه ودمجه بشكل كامل ضمن مؤسسات الدولة. هذه المواجهة على جميع الأصعدة قد تحدّد مصير لبنان في السنوات القادمة، وتهدّد بتعميق الانقسامات بين مختلف القوى اللبنانية، مما يجعل الحلول السياسية أكثر صعوبة.
أكد المبعوث الأميركي طوم برّاك في بيروت، أثناء زيارته قبل الأخيرة بتاريخ ٧ تموز٢٠٢٥: «إن الولايات المتحدة ليست بصدد إرسال قوات عسكرية إلى لبنان لنزع سلاح حزب الله». التصريحات التي أطلقها برّاك تعكس السياسة الأميركية التي تفضّل الحلول الداخلية عبر التفاوض والحوار، بدلًا من التدخل العسكري المباشر. برّاك قال بشكل واضح إن القضية «هي مسألة لبنانية بحتة، وعلى اللبنانيين أن يتحدثوا مع حزب الله وأن يعملوا على إقناعه بتسليم سلاحه، أو على الأقل دمجه في الدولة اللبنانية بشكل سلمي».
لا يمكن القول بأن السجال الإعلامي وبعض التصريحات الرسمية للمبعوث الأميركي اعتُبرت زلّة لسان أو حُمِّلت أكثر من معناها ولا تحمل في مضمونها أي تصوّر قادم للبنان، لذلك علينا التوقف أمام التالي:
١ - التدخل الأميركي المحدود: الولايات المتحدة، من خلال هذه التصريحات، تتجنب التدخل المباشر في الشؤون العسكرية اللبنانية، وتُفَوِّض الدولة اللبنانية لتحمُّل المسؤولية. هذا يعكس سياسة الضغط الناعم، حيث تضع الكرة في ملعب الحكومة اللبنانية لتُقنع «حزب الله» بأن يلتزم بالقرارات الدولية المتعلّقة بتفكيك سلاحه أو دمجه في إطار الدولة.
٢ - الاستراتيجية الأميركية: الولايات المتحدة تتَّبع سياسة «الضغط من الخارج»، وترك مجال للحل الداخلي. التصريحات تشير إلى أن أميركا تدرك تمامًا أن أي تدخل عسكري مباشر قد يؤدّي إلى مزيد من التوترات في لبنان والمنطقة بأسرها، لذلك، هي تحاول تجنُّب التصعيد المباشر.
٣ - المسؤولية اللبنانية: هذه التصريحات تعزّز فكرة أن لبنان هو المسؤول عن وضع حد للتواجد العسكري غير الرسمي داخل أراضيه. بمعنى آخر، هناك «دعوة لبيروت لكي تتحمّل العبء السياسي والأمني»، وأن تحلّ مشكلتها الداخلية بدون الاعتماد على تدخلات خارجية. هذه المعادلة قد تكون صعبة في ظلّ التوازنات الدقيقة في لبنان، حيث إن «حزب الله» يُعتبر جزءًا من التوازن السياسي والعسكري في البلاد.
٣ - التحديات أمام الحكومة اللبنانية: الضغط على الحكومة اللبنانية لإقناع «حزب الله» بالقبول بهذا الحل ليس بالأمر السهل. «حزب الله» يُعتبر قوة عسكرية وسياسية كبيرة في لبنان، وله قاعدة شعبية ضخمة، ومن الصعب إقناعه بالتخلّي عن سلاحه الطائفي والعسكري الذي يعتبره جزءًا من المعركة ضد إسرائيل وضمانًا للأمن الوطني.
٤ - إشراك «حزب الله»: التصريح يعكس أيضًا رغبة أميركية في دمج «حزب الله» ضمن الهياكل السياسية اللبنانية بشكل يعزّز سيادة الدولة، في إطار سياسي وليس في إطار عسكري مستقل. لكن هذا التحدّي هو أمر معقّد للغاية، خاصة أن «حزب الله» يُصر على الاحتفاظ بقُدراته العسكرية خارج إطار الدولة اللبنانية، بحجة أنه الجهة الوحيدة القادرة على مواجهة التهديدات الإسرائيلية.
ما قاله طوم برّاك في بيروت ليس مجرد تصريحات، بل هو انعكاس للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط التي تسعى لتهدئة الأمور من دون التصعيد العسكري. ولكن، كما هو الحال في لبنان، الواقع على الأرض غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا من أي خطاب سياسي.
يمكننا القول هنا إن لبنان يمرّ في مرحلة حرجة، حيث يبقى «حزب الله» لاعبًا رئيسيًّا في المعادلة السياسية، ويصعب على الدولة اللبنانية مواجهته دون دعم داخلي قوي، وهو ما قد يستغرق وقتًا طويلًا لتحقيقه.
وهنا يُطرح سؤال: هل نعتقد أن الحكومة اللبنانية ستتمكّن من إقناع «حزب الله» بتسليم سلاحه أو دمجه في الدولة، أم أن الصراع سيستمر؟
في خضمِّ الحراك الدبلوماسي المكثّف الذي يشهده لبنان، برزت الورقة التي قدّمها الموفد الأميركي طوم برّاك إلى المسؤولين اللبنانيين، وهي تمثل خريطة طريق شاملة تهدف إلى معالجة العديد من القضايا الأساسية التي تجمع بين الأمن، السيادة، الإصلاحات الاقتصادية والعلاقات الإقليمية. هذه الورقة تمثل امتدادًا للرؤية الأميركية تجاه لبنان، إذ تسعى إلى معالجة القضايا اللبنانية الداخلية والخارجية عبر آلية «الخطوة مقابل خطوة».
الورقة الأميركية ركّزت على القضايا الأمنية الأساسية، بداية من مسألة السلاح في الجنوب، خصوصًا في شمالي نهر الليطاني، حيث يُطلب من لبنان اتخاذ خطوات ملموسة لنزع سلاح «حزب الله». كما طالبت الورقة الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، على أن يُقابَل ذلك بإجراءات لبنانية موازية، مثل نزع سلاح «حزب الله» من هذه المناطق. ولضمان استقرار هذه المناطق بعد انسحاب إسرائيل، يتمّ التأكيد على دور الجيش اللبناني في الانتشار في هذه المناطق وضمان استقرارها، مع استخدام معلومات استخباراتية لاكتشاف مخازن السلاح التابعة لـ«حزب الله»، والتعامل معها في حدود سلطته الأمنية.
على الصعيد الاقتصادي، اشترطت الورقة على الحكومة اللبنانية تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الضرورية من أجل الحصول على الدعم الدولي. يُشترط تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية للحصول على المساعدات من المؤسسات الدولية مثل «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي». لبنان مطالََب بتسريع الاجراءات الإصلاحية، مع تحديد موعد نهائي قبل انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في ايلول المقبل. كما تعهّدت الولايات المتحدة بإعادة تحريك ملف الاستثمارات في لبنان، خاصة في قطاع النفط والغاز، ولكن بشرط أن تنفذ الحكومة اللبنانية الإصلاحات المطلوبة.
في ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية، تناولت الورقة العلاقة بين لبنان وسوريا، حيث أكدت الولايات المتحدة على ضرورة التعاون في ملف النازحين السوريين بشرط أن تكون العودة «آمنة وطوعية»، وهو ما يعارضه لبنان الذي يصرُّ على «العودة الآمنة» فقط. كما تناولت الورقة قضية ضبط الحدود اللبنانية – السورية وترسيمها والتي تُعد أولويّة لبنانية، باعتبارها أولوية للبنان لإنهاء فوضى التهريب والنزوح واحترام السيادة الوطنية.
تمسُّك لبنان أيضًا بوجود قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل» في الجنوب لمتابعة تنفيذ القرار ١٧٠١ ومندرجاته، رغم التحفظات الأميركية بشأن تمويل هذه القوات. الولايات المتحدة أكدت أن استمرار الدعم الدولي لـ«اليونيفيل» يتوقف على التزام لبنان بتنفيذ الإصلاحات الأمنية والاقتصادية.
أما بالنسبة لآلية «الخطوة مقابل خطوة»، التي تطرقت إليها الورقة، فهي تقوم على مبدأ أن يتخذ كل طرف خطوة موازية مع الطرف الآخر في معالجة القضايا الأمنية والسياسية. ومن ثم برز الخلاف حول مَن يجب أن يبدأ أولًا. إسرائيل تطالب بأن يبدأ لبنان بالخطوات التنفيذية أولًا، مثل نزع سلاح «حزب الله»، بينما يصرّ لبنان على أن تبدأ إسرائيل بالخطوة الأولى، مثل الانسحاب من الأراضي اللبنانية أو إطلاق سراح الأسرى، وتمّ تحديد تنفيذ هذه الخطوات على مراحل، حيث يتمّ الاتفاق على موعد كل خطوة بعد التوصل إلى اتفاق نهائي.
رغم تحديد ملامح الحلول في الورقة الأميركية، فإن هناك العديد من التحديات التي تواجه تنفيذ هذه الحلول. أولًا، الضغوط على لبنان لتنفيذ الإصلاحات في الوقت المحدّد، خاصة مع اقتراب موعد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول المقبل؛ ثانيًا، التأثيرات الناتجة عن التوترات الإقليمية، مثل «الحرب بين إيران وإسرائيل»، التي أدّت إلى تأجيل زيارة برّاك الثانية. وأخيرًا، تبقى الحسابات الداخلية في لبنان غامضة، حيث إن التوازنات السياسية الهشّة في البلاد، بالإضافة إلى الضبابية في المشهد الإقليمي، قد تفتح احتمالات متعدّدة بشأن مستقبل لبنان.
تسعى الولايات المتحدة من جهتها إلى تطبيق آلية تدريجية تشمل إنهاء ما تبقّى من سلاح «حزب الله»، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وضبط الحدود، وتعزيز السيادة اللبنانية. ومع ذلك، تبقى هشاشة الوضع الداخلي في لبنان، إضافة إلى الغموض والمستجدات في المجريات الإقليمية، تجعل مستقبل لبنان مفتوحًا على احتمالات متعدّدة، خاصة إذا لم تلتزم الدولة اللبنانية بما هو مطلوب منها على الصعيدين الداخلي والدولي في أسرع وقت ممكن.
خلال اجتماعاته مع المسؤولين اللبنانيين، سلم المبعوث الأميركي طوم برّاك ورقة تشمل خريطة طريق لمعالجة الملفات الأمنية، الاقتصادية والسياسية في لبنان. ردُّ لبنان كان حاسمًا على بعض البنود المطروحة، خصوصًا آلية «الخطوة مقابل خطوة» التي تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وإطلاق الأسرى اللبنانيين.
١ - الانسحاب الإسرائيلي أولًا: لبنان تمسّك بأن يكون الانسحاب الإسرائيلي هو الخطوة الأولى، بدءًا من المناطق المحتلة في جنوب لبنان، استنادًا إلى القرار ١٧٠١؛ رفض لبنان تقديم أي تنازلات قبل الانسحاب الإسرائيلي.
٢ - الإفراج عن الأسرى اللبنانيين: لبنان أكّد على ضرورة الإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية كخطوة أساسية قبل أي مفاوضات أخرى.
٣ - السيادة الوطنية: لبنان شدَّد على ضرورة احترام سيادته في التعامل مع الحدود، مشيرًا إلى أن الجيش اللبناني هو المسؤول الوحيد عن ضمان الاستقرار في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
٤ -آ لية «الخطوة مقابل خطوة»: لبنان رفض بدء أي خطوات من جانبه أولًا، مؤكدًا أن الخطوات الأولى يجب أن تبدأ من قِبل إسرائيل.
٥ - التمسك بالقرارات الدولية: لبنان أكد على ضرورة تنفيذ القرار ١٧٠١ من قِبل إسرائيل، بما يشمل الانسحاب الكامل والإفراج عن الأسرى.
٦ -ا لإصلاحات المستقبلية: لبنان ربط تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية بتلبية المطالب الأمنية أولًا، وخاصة الانسحاب الإسرائيلي.
الرد اللبناني كان واضحًا: الخطوات الأولى يجب أن تكون من إسرائيل، سواء من خلال الانسحاب أو الإفراج عن الأسرى.
في زيارته الأخيرة إلى لبنان، قدّم الموفد الأميركي طوم برّاك إلى لبنان خريطة طريق شاملة، والتي تناولت عددًا من القضايا الحساسة المتعلقة بالأمن، السيادة والإصلاحات الاقتصادية، بالإضافة إلى العلاقات الإقليمية. كانت الورقة الأميركية تركز بشكل أساسي على آلية «الخطوة مقابل خطوة»، والتي تضمنت انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية بالتوازي مع اتخاذ لبنان خطوات مماثلة، أبرزها نزع سلاح «حزب الله». ولكن ما أثار قلق الحكومة اللبنانية بشكل خاص هو الموقف الأميركي بشأن «دور سوريا في المناطق الشمالية»، حيث عبَّرت الحكومة عن رفضها القاطع لأي تدخل سوري في الشؤون اللبنانية الداخلية، خاصة في الشمال. اعتبرت الحكومة اللبنانية أن أي محاولة لتمكين سوريا من دور أكبر في تلك المناطق تمثل تهديدًا للسيادة الوطنية، وأن لبنان يجب أن يظلّ صاحب القرار الوحيد في ملف النازحين السوريين وأمن الحدود.
ردًّا على ذلك، قام طوم برّاك بتوضيح مواقف بلاده في هذا الشأن، مؤكّدًا أن تصريحاته السابقة حول الدور السوري قد فُهمت بشكل خاطئ. وأوضح أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى «فرض أي تدخلات سورية» في لبنان، بل تركّز على التعاون في ملف النازحين السوريين فقط، بشرط أن يكون التعاون طوعيًّا وآمنًا ويضمن احترام السيادة اللبنانية. كما شدّد برّاك على أن «الولايات المتحدة لا تهدّد لبنان» بأي شكل من الأشكال، ولا تحاول الضغط عليه لمنح سوريا دورًا ميدانيًّا في الشمال اللبناني. وأضاف برّاك أن الهدف الأميركي يقوم على دعم لبنان، ولكن ضمن إطار تعزيز سيادته الوطنية، مؤكّدًا على أن «لبنان هو الجهة الوحيدة المخوّلة» باتخاذ القرارات بشأن شؤونه الداخلية.
الحكومة اللبنانية، بدورها، أكّدت على تمسّكها بحقها في تحديد مصير النازحين السوريين وأمن الحدود مع سوريا، وأن أي خطوة نحو التعاون مع سوريا يجب أن تكون بموافقة لبنان المبدئية.
في النهاية، سعى برّاك إلى طمأنة المسؤولين اللبنانيين بأن الولايات المتحدة ملتزمة بدعم سيادة لبنان وأمنه، وأكد أن أي تعاون بين لبنان وسوريا يجب أن يكون على أسس تحترم سيادة لبنان، دون أن يكون هناك أي تدخل في شؤونه الداخلية أو فرض أعباء إضافية عليه.
في ظلِّ الأوضاع المتوترة في الجنوب اللبناني، تطرح مسألة تجديد مهمة قوات الطوارئ الدولية في المنطقة «اليونيفيل» العديد من الأسئلة حول دور هذه القوات في المستقبل. مع تصاعد المواجهات بين «الأهالي» في الجنوب وقوات الطوارئ، والضغوط المتزايدة لتقليص ميزانية «الأمم المتحدة»، قد يبرز تحدٍّ كبير حول ما إذا كان سيتم تجديد تفويض هذه القوات أو تقليص دورها.
لبنان، الذي يواجه هجمات إسرائيلية مستمرة، قد يجد نفسه في وضع صعب في حال تمّ رفض تجديد تفويض القوات الدولية أو تقليص دورها. قد يُصبح لبنان معزولًا أمام التهديدات العسكرية الإسرائيلية، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني، ويتركه في مواجهة مباشرة مع إسرائيل دون غطاء دولي حقيقي. هذه الوضعية قد تضع لبنان في حالة من الهشاشة أمام التصعيد الإسرائيلي.
إذا تمّ تجديد تفويض قوات الطوارئ، قد يتغير دور هذه القوات في المنطقة. تغيير قواعد الانتشار سيكون أحد السيناريوهات المتوقعة، وقد يتمّ تعديل أماكن تواجد القوات الدولية لتوسيع نطاق عملها في مناطق معينة، أو لتعزيز استقرار المناطق التي تشهد صراعات حادة. ويمكن أن يكون لهذه القوات دور أكبر في التدخل في حالات العنف أو التصعيد الأمني، الأمر الذي قد يزيد من وجودها الفعلي على الأرض.
من جانب آخر، قد يتمّ اللجوء إلى «الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة» في حال استمر التوتر الأمني، مما يتيح للأمم المتحدة اتخاذ إجراءات قسرية، مثل استخدام القوة العسكرية لفرض النظام وحماية المدنيين في حال عدم الاستقرار. أما الكلام عن الفصل السابع فقد يمنح قوات الطوارئ صلاحيات أكبر في التعامل مع التهديدات الأمنية، ما يزيد من دورها في حفظ السلام والحدِّ من التصعيد.
تجدر الإشارة إلى أن «حزب الله» وإسرائيل قد يسعيان لتحقيق مكاسب خاصة من خلال التلاعب بتواجد القوات الدولية. قد يحاول «حزب الله» الاستفادة من الوضع لتحسين نفوذه في المنطقة، بينما قد ترى إسرائيل في تعزيز التواجد الدولي أداة لتحقيق مصالحها الأمنية الخاصة. هذا التلاعب قد يؤدّي إلى الالتفاف على «القرارات الدولية»، حيث يسعى الطرفان لتحقيق أهدافهما دون احترام كامل للقرارات الأممية.
في النهاية، يبقى لبنان في موقف حساس. في حال تمّ تقليص دور قوات الطوارئ أو رفض تجديد مهمّتها، سيكون لبنان عُرضة لهجمات إسرائيلية متواصلة، دون أن تكون هناك حماية دولية حقيقية. تظلّ التحديات الأمنية قائمة، مع وجود تداخل بين الأهداف الدولية والإقليمية التي قد تضع لبنان في موقع صعب، حيث سيبقى أسير الضغوط الإقليمية والدولية في ظلّ غياب أي ضمانات للأمن والاستقرار في الجنوب اللبناني.
تتسع الهوة في المواقف بين «حزب الله» والدولة اللبنانية في الآونة الأخيرة، وذلك من خلال التصريحات النارية لقادة «حزب الله» التي تهدف إلى شدِّ عصب البيئة المحلية وإبقاء الحالة التصعيدية مع إسرائيل قائمة. هذه التصريحات تأتي في وقت حسّاس، حيث يتمّ التعامل مع التهديدات الإسرائيلية المستمرة، في ظلِّ تأزّم الوضع الأمني في المنطقة.
من جهة أخرى، يبدو أن هناك ترقُّبًا للتفاوض الإيراني، إذ باتت إيران تُعطي إشارات بأنها ستعود إلى طاولة المفاوضات قبل أن تتصاعد الأمور أكثر. هناك تخوّف من أن تدخل إسرائيل والولايات المتحدة في تصعيد جديد قد يؤدّي إلى أزمة أكثر تعقيدًا. هذا السيناريو يزيد من حدّة التوترات في المنطقة ويطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل الأوضاع.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الأثناء هو: هل ما يجري مع إيران سيُطبق على أذرعها في المنطقة؟ حيث يعتبر «حزب الله» أحد أبرز الأذرع الإيرانية، الذي يتخذ قراراته العسكرية والسياسية بناء على توجيهات طهران، وتحديدًا من المرشد الأعلى. تبقى الأوضاع غامضة، ويصعب التكهُّن بما إذا كانت إيران ستسمح لـ«حزب الله» بالاستمرار في سياسة التصعيد أو ما إذا كان سينتظر تطورات مفاوضات أكبر في المنطقة.






عُقدت الأسبوع الفائت الجولة الخامسة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ووصَفتها التقارير بأنها من أهم الجولات، نظرًا لأنها تطرقت بشكل جدي إلى مناقشة الملف النووي الإيراني.