03・09・2024
من العدد ١٣
من كتاب التربية والتعليم
في نشأة نظام تربوي رديف ومآلاته: مؤسسات «حزب الله» التربوية نموذجًا

في خبرٍ ورَدَ في صحيفة «العهد» الناطقة باسم «حزب الله» عام ١٩٨٤ أنَّه، منذ بناء أوّل مدرسة تابعة لـ«مدارس المصطفى »، أُلحِقَ أساتِذَتُها بدورات تدريب لكَسْبِ الخِبرات والمَهارات التعليميَّة، تحت إشراف جمعيَّة التعليم الدِّيني الإسلامي التي تأسَّست عام ١٩٧٤،  بحسب الصحيفة، وحصلت على عِلْم وخَبَر من الدولة اللبنانيَّة بتاريخ ٢ تموز ١٩٨١ تحت الرقم ٦٨ /أد. وقال القيِّمون على المدرسة: «نفخَرُ بأنَّنا استطَعْنا بجُهْدِنا المتواضِع أنْ نعدّل كثيرًا في سلوكِ أبنائنا من سلوكٍ حَسَنٍ إلى سلوكٍ واعٍ واستطَعْنا أنْ نُبعِدَهُم عن العَيْشِ في ملذّاتِهم» كما تبرَّعت الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران لبِناء مدرسةِ المرتضى في بلدة بُوداي بقضاء بعلبك عام ١٩٨٥ . واعتَبَر الشيخ محمد يزبك خلال رعايته انتهاء عامِها الدِّراسي الأول أنَّها مِن ثَمَرات انتصار الثورة الإسلامية في طهران، مُعاهِدًا «أنْ تكونَ المدرسةُ مَوْقِعًا مِن مواقِعِ الجِهاد المتقدمة». وخلال فترة الثمانينيّات تصدَّرت المشهَد المساعدات التي منَحَتْها الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة لـ«تلامذة المستَضْعَفين في لبنان » ووُزِّعت عَبر الصندوق الاجتماعي لمساعدةِ الطالِب التابِع لـ«التعبئة التربويَّة» لـ«حزب الله». ففي مؤتمرٍ صحافي في ٢٣ كانون الأول ١٩٨٧ لمناسبة توزيع تلك المساعدات، قال الأمين العام لـ«حزب الله» حينذاك الشيخ صبحي الطفيلي  إنَّ «الجمهوريَّة الإسلاميَة في إيران قدَّمت دعمًا ماليًّا كبيرًا لمشروعٍ تربويّ ]...[ شَمَلَ المستَضْعَفين في كلِّ المناطق دون تمييز طائفي أو مذهبي. وأوضح أنَّ المساعدات شمَلَت ٧٠ ألف طالبٍ في مراحلِ التعليم كافّة، والبالغة تكاليفها الماليَّة ٣٢٠ مليون ليرة، ما عدا الكتب التي وُزِّعت من خلِال مكتبات الإعارة وبلغت قيمتُها مائة مليون ليرة [...و[ عدد المدارس التي استفادَ طلّبُها من المساعدات بلغ ١٩٨ مدرسةً، كالآتي: في بيروت الغربيَّة ٧٧ مدرسة، بئر العبد ٢٥ ، الأوزاعي ٢٠ ، حيّ السُّلّم (الكرامة) ١٣ ، الشياح ٣٠ ، برج البراجنة ٣٣». وبلغت قيمة المساعدات ٤٢٥ مليون ليرة. أي حوالى مليون دولار أميركي حينذاك. وقد استغلَّ الطفيلي المؤتمرَ الصحافي للتصويبِ على النظام السياسي اللبناني مِن مَدْخَلِ التربية، مُعْتَبِرًا أنَّه قد «تمادى في طُغْيانِه وهو المسؤول عن كلِّ مآسي المسلِمين والمستَضْعَفين في البلاد وصار يُهدِّد المواطنين بحقّهم في التعلُّم والدراسة ولا يجوز لأحد التصالُحُ مع هذا النظام أو ترقيع بعض عيوبه». وأكّد أنَّ الحالة الإسلاميّة التي عَجِزَت دبّاباتُ العدو وأساطيل المستَكْبِرين أنْ تهزِمَها، لن تستطيعَ مؤامرة التجهيل الراهنة أنْ تنالَ من عزيمة أبنائها أو تُثنيهِم عن جِهادِهِم من أجلِ تحقيقِ كاملِ أهدافِهِم المشْروعة.

أ_ المؤسَّسَة الإسلاميَّة للتربية والتعليم

المؤسَّسَة الإسلاميَّة للتربية والتعليم جمعيَّةٌ تربويَّة تابعة لـ«حزب الله»، حصلت على عِلْم وخَبَر رقم ٩٨ /أد من الدولة اللبنانيَّة بتاريخ ١٧ شباط ١٩٩٤ ، وتَهْدُفُ، بحسب موقعها الإلكتروني إلى «العناية بالناشئة، وبناء جيل رِسالي مُلتَزِم النِّظام المعياري الإسلامي للقِيَم». 

المدارس والمؤسَّسَات التابعة في ما يخصّ التوسُّع في رُقْعَة الانتشار، فإنَّ مدارس المهدي التابعة للمؤسَّسَة الإسلاميَّة للتربية والتعليم في تزايُدٍ لا مثيل له، وتتوَزّع راهنًا في محافظات جبل لبنان، بيروت، الجنوب، النبطيَّة، البقاع، بعلبك الهرمل والشمال، بالإضافة إلى مدينة قُمّ حيث تَحْتَضِن أبناء الجالية اللبنانيَّة. ويبلغ عددُها ٢٢ مدرسة في لبنان وِفْقَ موقع المؤسَّسَة الإساميَّة للتربية والتعليم.

وبالعودة إلى مسارِ بداياتها، ففي عام ١٩٩٣ افتَتَحَت ثلاث مدارس في بيروتَ (الأوزاعي)، و(الشّرقيَّة) و(المجادل). وفي العام نفسه انطلق معهد الإمام المهدي لإعداد المعلّمين.الذي خرَّج دورة  الحَادِقات (معلِّمات الصفوف الأولى) الأولى من المعهد، فكنَّ ٧٥ حادِقَةً برعاية الأمين العام ل «حزب الله» السيّد حسن نصرالله في تموز ١٩٩٤. وفي ذاكَ العام افتتحَ الحزبُ مكتباتِ المهدي التعاونيَّة في برج البراجنة وصُور، كما أنشأ مجلس التخطيط والتأليف لاختيارِ المناهجِ التي تعتمدُها المؤسَّسَة، وأصدَرَ سلسلةً باللغة العربيَّة للصفّ التمهيدي وكتاب سيرةُ الجهاد بجزئيه الأول والثاني لصفَّي الثالث والرابع، وهو يَسْتَعرِض الحَركةَ الجهاديَّة منذ آدم، مرورًا بالأنبياءِ والأئمّةِ حتى عَصْرِنا الحاضر. وأصدَرَت المؤسَّسَة الإساميَّة للتربية والتعليم العددَ التوثيقي الأول من مجلّة «المهدي » وفيه صُوَر التلاميذ في جميع مدارِسِها. واعتمَدَت بشكلٍ أساسيٍّ على ما قدَّمته الجمهوريَّة الإساميَّة لإنشاء المدارس على الأراضي اللبنانيَّة، إذ قدَّمَت طهران لكلِّ مدرسةٍ ثمنَ الأرض والبناء للمرحلة الابتدائيَّة، على أنْ تتكفَّلَ المؤسَّسَة من خال التبرّعات والهِبَات بتكمِلَة المدارس حتى المرحلة الثانويَّة، وحصلت على إجازة بِقَبْضِ الحقوق الشرعيَّة الماليَّة من المراجع: آية الله السيّد علي خامنئي، آية الله الشيخ محمد علي الآراكي، وآية الله السيّد علي السيستاني. وعام ١٩٩٤ افتُتِحَت مدارس المهدي في عين قانا والبزّاليَّة، ثمَّ في الغازيَّة وعين المزراب وشمسطار في العام التالي.  وفي أواخر عام ١٩٩٥ أحْيَتْ جمعيَّةُ التعليم الدِّيني الإسامي في كافّةِ مدارِسِها والمؤسَّسَةُ الإساميَّة للتربية والتعليم مناسبةَ ولادة السيّدة فاطمة الزهراء ويوم المرأة المسلِمة بارتِدَاء ٧٥٤ فتاةً بلَغْنَ سنّ التكليف الشرعي، الحجاب. وعن التطور السريع في أعداد التلاميذ في المدارس، ورَدَ في أحد التقارير لصحيفة «العهد » عن المؤسَّسَة الإساميَّة للتربية والتعليم أنَّ الطلاب أضْحوا عام ١٩٩٦ ، بعد ثاثِ سنواتٍ على إنشاءِ مدارس المهدي، ٢٨٤٠ طالبًا وطالبة، كما بلغَ أعضاء الهيئة التعليميَّة بالإضافة إلى الإداريّين ٢٩٥ . وقد استمرّتْ المؤسَّسَة الإساميَّة للتربية والتعليم في افتتاح المدارس في بيروت (بئر حسن) عام ١٩٩٧ ، صُورعام ٢٠٠٠ ، النّبي شيث عام ٢٠٠١ ، وبنت جبيل عام ٢٠٠٣ . وأنشأت مؤسَّسَة الشهيد ثانويَّة شاهد في منطقة برج البراجنة في عام ،  وضُمَّت إلى مجموعة مدارس المهدي عام ٢٠٠٤ ، ثانويّتا المهدي في الكفاءات وزقاق الباط، ومدارس المهدي في راشكيدا، المعَيْصَرَة والدّوير. وكانت تلك المدارس قد نُقِلَت من جمعيَّة الإمداد الخيريَّة إلى مدارس المهدي.  كذلك عَمَدَت المؤسَّسَة الإساميَّة للتربية والتعليم إلى شراء أو ضمِّ مدارسَ خاصّة موجودة في المناطق الشّيعيَّة، كمدرسة الهداية في كفرفيلا عام ٢٠٠٧ من السيّدة صفيَّة محمد جواد مغنيَّة والمدرسة النموذجيَّة في الغازيَّة عام ٢٠٠٧ . وتجدُر الإشارة إلى أنَّ مدارس المهدي التي افتتحت في البدايات كالمجادِل والشرقيَّة كانتا باسمَي أديب حسين سلمان ومحمد جعفر فحص على التوالي. وعام ٢٠٢٢ أضحى عدد الطاّب الذين يتعلّمون في هذه المدارس مجتمِعةً ٢٩٣٣٠ تلميذًا. كما باتت توفِّر فرص العمل لأكثر من ٢٤٠٠ فردٍ من بيئة «حزب الله» بين معلِّمين ومعلِّمات وإداريّين وعمّال، فضلاً عن حوالى ٩٠٠ سائقِ حافلة. وأصبحت المؤسَّسَة الإسلاميَّة للتربية والتعليم التي تعتمدُ مناهجُها على «مؤلّفاتِها الخاصّة في أغلب المواد وفي مختلف المراحل التعليميَّة » لتعظيم الشّهادة والشّهداء، تمتلكُ أكثرَ من ١٥٠ إصدارًا من كتبٍ تعليميَّة إلى جانب مواردها التطبيقيَّة والرقميَّة. أمّا كُلْفَة الأقساط فيها فهي «الأقلّ كُلْفَة ]...[ مقارنةً مع المدارس الأخرى في البيئة المحيطة، ]... وتاليًا هي] مدارسُ مدعومةٌ لخدمةِ مجتمع المقاومة »، في إشارةٍ إلى محازبي «حزب الله» وجمهورِه. 

إنَّ الإعداد الأساسي للمعلِّمين كما الإعداد المستمر بعدَه، غيرُ مشروطٍ في أُطُرِهِ التنظيميَّة، ولا بما يَحتَويه من قُدُراتٍ ومَهارات،

بمؤسَّسَة دون سواها، بل يتمّ بشقّيه الأساسي والمستمرّ من خلال أُطرٍ ناظمة على صعيد الوطن، وكذلك حالُ بناء المناهج وتطويرها. غير أنَّ مدارس المؤسَّسَة الإساميَّة للتربية والتعليم تضطلعُ بتنظيم عمليَّة الإعداد وإعادة تنظيمها وتصميم البرامج بشكلٍ رديفٍ لما هو قائمٌ على المستوى اللبناني العام. فالمؤسَّسَة تُعطي لنَفْسِها الدور في «إعداد المعلمين والمناهج التربويَّة »، ولا يمكن بأي حالٍ تصوير ما تقوم به على صعيد الإعداد/إعادة الإعداد للكادر التعليمي وتصميم المناهج على أنَّه مِثْلُ سائرِ المدارس الخاصّة التي تعمل على تنظيم دوراتٍ في الإعداد المستمرّ أُسْوَة بما يفعله المركز التربوي للبحوث والإنماء مع معلِّمي القطاع الرسمي، أو تصميم الأنشطة الداعمة للمنهج الرسمي الذي تلجأ إليه المدارس الخاصّة بطبيعة الحال، أو اعتمادها على التدريس في غيرِ الكتابِ الرسمي ولكن في مطبوعاتٍ مطابقة بمحتواها لما يتضمَّنه المنهاج الرسمي.

ويَظهرُ جليًّا أنَّ المؤسَّسَة الإساميَّة للتربية والتعليم تتبنّى اتجاهاتٍ محدَّدَة بالمضمون العقائدي، وتنْسَلِخُ عن الهويَّة الوطنيَّة للمجتمع اللبناني في مدارسَ يَطْغى التصنيفُ والتمييزُ. 

ب_ جمعيَّة التعليم الدِّيني الإسلامي

تأسَّسَت بموجب علم وخبر رقم ٦٨ /أد بتاريخ ٢ تموز ١٩٨١ وعَدَّلَت غايتَها برقم ٢١١ /أد بتاريخ ٨ أيلول ١٩٨٨ ، فانصبَّ نشاطُها على التدريس الدِّيني الإسلامي في المدارس والثانويّات الرسميَّة والخاصّة والاهتمام بالقرآن وإنشاء المدارس الابتدائيَّة والمتوسّطة والثانويّات والمعاهد الفنيَّة وغيرها.

_ المدارس والمؤسَّسَات التابعة

أنشأت الجمعيَّة تباعًا «مدارس المصطفى » في حارة حريك، بئر حسن، تحويطة الغدير، صُور، النبطيَّة والبقاع.  وبلغ عدد طلّابها ٤١١٢ بحسب دليل المدارس للتعليم عام ٢٠٢١ _ ٢٠٢٢ . وتُصْدِر جمعيَّة التعليم الدِّيني الإسامي كتاب «الإسلامُ رسالتُنا». 

وهو منشورٌ تعليمي ديني مُعْتَمَدٌ في العديد من المدارسِ الرسميَّة والخاصّة في المناطق الشّيعيَّة. وعام ٢٠٠٧ بلغَ عدد الطلاب الذين تعلَّموا فيه ١٣٥٢٩٤ تلميذًا في ٥٢٨ مدرسة، بينها٥٨٢ رسميَّة.

لا يركز مشروع «حزب الله» التربوي على التعليم الديني إنما يأتي خطاب على تحديدِ خطٍّ دون غيره في الالتزام الدِّيني، ألا وهو التَبَعِيَّة لولاية الفقيه، إذ أوْرَدَت النشرة في رسالتِها إلى الشباب: «اعْلَموا أنَّ انتصارَكُم ضد اليهود والتكفيريّين والظالمين يكْمُنُ في طاعتِكم للتكليف الشرعي الذي هو قلبُ الإسام، فإنَّ الإسلام يقومُ على أكتافِ الشباب. وبجهادِكم تكونون مِمّن قِيلَ فيهم، إنَّ لله رجالً إذا أرادوا أراد. علينا أنْ نقدّمَ الدماء والتضحِيات لكي ننتَصِر على أعداءِ الأمّة ولنلتحق بقافِلَة الإمام الحسين» .

مقالات مشابهة
03・11・2024
سِمة اللاعقلانيَّة وقِيَم التبعيَّة في المشروع التربوي لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، أمين عام حزب الله الجديد نموذجًا
تحدَّث الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله» آنذاك وأمينه العام الحالي، في ليلة الثاني من محرّم، أيلول ٢٠١٧ في مُجَمّع سيّد الشهداء في الضاحية الجنوبيَّة، بشكل حصريٍّ عن المشروع التربوي لحزبِه في مدارسه.
03・07・2024
من كتاب «شيعة لبنان والاقتصاد: كيان مواز يجذب العقوبات»
منذ أن وضعت الولايات المتحدة الأميركية حزب الله على لوائح الإرهاب في ٨ تشرين الأول ١٩٩٧، بدأت العقوبات الأميركية تطال المؤسسات والأفراد ضمن المجتمع الشيعي اللبناني وفي مختلف القطاعات.
03・06・2024
من كتاب «المرأة الشيعية في لبنان، خصوصية الهوية والكفاح المستمر»:
بالنظر إلى واقع المرأة الشيعية، يلاحظ أنها تعاني من غياب أو شبه غياب في المشاركة السياسية ومؤسساتها. يُعتبر ذلك واقعاً معقّداً، ويمكن تفسيره وتوضيحه من خلال تجارب نساء مثل بشرى الخليل، التي تُعتبر أول امرأة شيعية ترشحت للانتخابات النيابية في عام ١٩٩٢ في دائرة الجنوب، لكنها لم تَفز.