03・09・2024
من العدد ١٣
«حزب الله» أو مسار التحوّل إلى المافيا المنظمة (٣)
مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان
الانسحاب السوري واغتيال رفيق الحريري

بدأت مرحلة جديدة من مراحل الحزب مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من الشريط الحدودي لجنوب لبنان في أيار من العام ٢٠٠٠، فنشوة النصر الذي يعتبر أنه العامل الرئيسي فيه انعكست على كافة الصعد لا سيما على الداخل اللبناني وظهر ذلك جليًّا من خلال الانتخابات النيابية التي حصلت في العام ذاته. فقد حصَد مع «حركة أمل» وحلفائهما أكثرية في المجلس النيابي معتمدًا على تعبئة جماهيره بطريقة طائفية بحتة بالإضافة إلى الدعم السوري له في كل معاركه السياسية. وبعد بضعة أشهر على الانسحاب الإسرائيلي ثم وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد في ١٠ حزيران ٢٠٠٠ وبعد لقاء وريثه بشار ببعض السياسيين اللبنانيين أُجريت الانتخابات النيابية في العام ٢٠٠٠ ولم تختلف عن سابقتيها بعد الحرب وخضعت لضوابط النفوذ السوري، فكان تحالف «حزب الله _ أمل» برعاية سورية إيرانية وتمّ توزيع المقاعد على حساب المسيحيين الذين قاطعوا الانتخابات يومها، جنوبًا وبقاعًا. حصل الحزب يومها على كتلة من ١١ نائبًا ضمن تحالفاته، مقابل ١٦ مقعدًا لبري. واستمر الأخير بشغل منصب رئيس مجلس النواب اللبناني منذ العام ١٩٩٢. ومن هنا بدأت الأزمات السياسية تتوالى وتألفت معارضة نيابية، بالشكل كانت ضد سياسة الحكومة إنما بالمضمون كانت تعارض التواجد السوري في لبنان، وبرزت عدة جبهات سياسية في هذا التوجُّه تكوَّنت من:  «تيار المستقبل»، «القوات اللبنانية»، «حزب الكتائب»، «الحزب التقدمي الاشتراكي»، «حركة اليسار الديمقراطي»، «حركة التجدد الديمقراطي»، «حزب الوطنيين الأحرار» و«لقاء قرنة شهوان».

على وقع النداء الخامس، العالي السقف لمجلس المطارنة الموارنة الذي أذيع في نيسان ٢٠٠١، اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار رقم ١٥٥٩ في ٢ أيلول ٢٠٠٤ بأغلبية ٩ أعضاء وامتناع ٦ عن التصويت. ونصّ هذا القرار على مطالبة جميع القوات الأجنبية المتواجدة في لبنان الانسحاب منه والدعوة إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها. كما أكد على إجراء انتخابات رئاسية نزيهة دون أي تدخّل خارجي .

لم تمرَّ ٢٤ ساعة على صدور هذا القرار حتى حصل التمديد المخالف للدستور للرئيس إميل لحود بموافقة ٩٦ نائبًا ومعارضة ٢٩.

جاهرَ أمين عام «حزب الله» برفضه للقرار ،١٥٥٩ لا بل ثبّت تحالفه وتنسيقه الدائم مع نظام آل الأسد في سوريا واعتبر، مع حليفه بري، أن وجود القوات السورية شأن داخلي لبناني.

هنا بدأت تتكثّف لقاءات المعارضة الوطنية بوجه الوجود السوري والهيمنة على القرار السياسي والانتقاص من السيادة اللبنانية فكان لقاء البريستول في ٢٣ أيلول ٢٠٠٤ الاجتماع الأبرز لتوحيد جهود المعارضة. ثم تمّت عملية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك الرئيس رفيق الحريري. ففي ١٤ شباط من العام ٢٠٠٥ وبعدما غادر الرئيس الحريري مجلس النواب عائدًا إلى مقرّ إقامته في منطقة قريطم سالكًا، بموكبه، الطريق البحرية دوّى انفجار ضخم، مستهدفًا الموكب عند محلة «السان جورج»، فقضى شهيدًا ومعه أغلب مرافقيه وبعض من كانوا في المنطقة، وقد بلغ عدد القتلى يومها الـ٢١ شخصًا.

اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، 14 شباط 2005، المصدر: الشرق الأوسط
اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، 14 شباط 2005، المصدر: الشرق الأوسط

وُجِّه الاتهام الأوّلي لنظام بشار الأسد بالاغتيال خصوصًا بعد التباين الشديد الذي حدث بين بشار الأسد والرئيس الحريري في شأن عملية التمديد للحود واتهام النظام السوري له بأنه كان طرفًا أساسيًّا في معارضة القرار السوري بالتمديد للحود وبدفع المجتمع الدولي لإصدار القرار ١٥٥٩.

بعد اغتيال الرئيس الحريري تعمّق الانقسام في البلد إلى فريقين، قسم معارض للوجود السوري وقسم حليف لآل الأسد وكان على رأسه «حزب الله» الذي دعا إلى مظاهرة حاشدة في ٨ آذار ٢٠٠٥ رافضًا لـ«قرار الفتنة» ١٥٥٩ على حدِّ قوله وموجِّهًا الشكر لسوريا الأسد على وقوفها سندًا للمقاومة وسدًّا منيعًا بوجه محاولة طعن تلك المقاومة.

اما على المقلب الآخر وبعد دعوات الشارع المعارض إلى تحقيق العدالة، وبعد أن كلّف الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان فريقًا من المحققين تأليف لجنة لتقصّي الحقائق في الاغتيال، ثم استقالة حكومة عمر كرامي تحت ضغط الشارع في ٢٨ شباط، ومع بداية إعادة انتشار القوات السورية نحو البقاع، دعت المعارضة إلى تظاهرة في الرابع عشر من آذار داعية لتطبيق القرار ١٥٥٩ وانسحاب القوات السورية من كامل الأراضي اللبنانية كما دعت إلى كشف قتلَة الرئيس الحريري ومحاسبتهم، وكانت هذه التظاهرة الأكبر والأوسع على مستوى الطوائف والأطياف اللبنانية المعارضة للوجود السوري، كما تمَّ الإعلان في ٢١ نيسان من العام ٢٠٠٥ عن ولادة «اللقاء الشيعي اللبناني» والذي ضمَّ أكثر من ٣٠٠ شخصية شيعية معارضة لـ«حزب الله» و«حركة أمل». وفي ٢٦ نيسان من العام نفسه انسحبت جميع القوات السورية من لبنان تطبيقًا للقرار ١٥٥٩.

انتخابات ٢٠٠٥ وانقلاب «حزب الله» على الحوار وحرب ٢٠٠٦

أخطأت قوى الرابع عشر من آذار في رهانها على ما أسمته لبننة «حزب الله»، فأقامت معه ومعه «حركة أمل» تحالفًا انتخابيًّا سمِّي بـ«التحالف الرباعي» ضمّ أحزاب: تيار المستقبل الذي يرأسه سعد الحريري خلفًا لوالده الشهيد؛ ورئيس كتلة اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، فبعد أن كان الشارع الشيعي المعارض لأحادية قراره المتمثلة بثنائي «أمل _حزب الله» يطمح أن يُمثَّل بعدد وازن داخل البرلمان في ظلِّ رجحان الكفّة الشعبية لقوى ١٤ آذار، قامت الأخيرة بالتحالف مع «حزب الله» و«حركة أمل» وتخلّت عن حليفها الشيعي، فحصدت قوى ١٤ آذار يومها أكثرية نيابية ولكنها لم تمنع «حزب الله» من مصادرة القرار السياسي الشيعي، لا بل ازداد الحزب قوة وغطرسة وتسلّطًا على مقدّرات الطائفة.

وبعد موجة من الخلافات السياسية دعا نبيه بري إلى طاولة حوار في ٢ آذار ٢٠٠٦ للبحث بالعديد من القضايا وأهمها حلّ مشكلة سلاح «حزب الله» الذي اتفق على أن تتم مناقشته ضمن استراتيجية دفاعية، وعلى رغم إعلان الحكومة عن معطيات اقتصادية واعدة وبعد اتفاق سعد الحريري وحسن نصرالله على تبديد أجواء الاحتقان خلال الاجتماع الذي عقداه في مقر نصرالله في الضاحية الجنوبية لبيروت، استفاق اللبنانيون على خبر خطف «حزب الله» جنديين إسرائيليين في ١٢ تموز ٢٠٠٦ كما تمّ قتل ٨ جنود آخرين».

وفي ظلِّ تعنُّت أمين عام «حزب الله» في خلال مؤتمر صحفي وإعلانه أن الأسيرين لن يعودا إلا بتفاوض غير مباشر وعملية تبادل للأسرى، أعلنت حكومة فؤاد السنيورة أنها لم تكن على علم أبدًا بهذه العملية، قرّر مجلس الحرب الإسرائيلي على عملية عسكرية برّية داخل أراضي لبنان استمرت ٣٣ يومًا دمّرت إسرائيل خلالها معظم محطات الكهرباء والبُنى التحتية والجسور اللبنانية وعشرات الآلاف من الوحدات السكنية، كما نتج عن تلك الحرب ١١٤٥ قتيلًا لبنانيًّا وحوالى مليون نازح مقابل ١٥٦ قتيلًا إسرائيليًّا.

انتهت الحرب بإصدار مجلس الأمن للقرار ١٧٠١ القاضي بوقف إطلاق النار والاحترام الكامل للخط الأزرق من قبل الطرفين وإنشاء منطقة عازلة خالية من العناصر المسلحة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني باستثناء الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل»، مع التطبيق الكامل لبنود اتفاق الطائف ذات الصلة بالقرارين ١٥٥٩ و١٦٨٠.

انقلاب «حزب الله» على الحكومة واحتلال الوسط التجاري لبيروت

تفاقمت الخلافات السياسية الداخلية بعد هذه الحرب والدمار الهائل الذي خلَّفته وحجم الخسائر الاقتصادية التي قُدِّرت بـ٦ مليارات دولار. وفي ١١ تشرين الثاني ٢٠٠٦ وعلى خلفية دعوة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى جلسة حكومية لإقرار المحكمة الدولية لمحاكمة قتلَة الرئيس الشهيد رفيق الحريري استقال الوزراء الشيعة الخمسة من الحكومة وطالبوا بحكومة وحدة وطنية، وبتأييد من الحليف المسيحي الأقوى لـ«حزب الله» «التيار الوطني الحر»، لكن تحالف ١٤ آذار الذي كان يملك أكثرية نيابية رفض ذلك تمامًا.

وفي الأول من كانون الأول ٢٠٠٦ احتل «حزب الله» وحلفاؤه الوسط التجاري لبيروت وعملوا على محاصرة السرايا الحكومية ونصبوا الخيَم في ساحة رياض الصلح امتدادًا حتى ساحة الشهداء، كما حصلت العديد من المشاكل التي أخذت بُعدًا طائفيًّا وسقط عدد من القتلى والجرحى في تلك الفترة.

بدأ خرق «حزب الله» للقرار ١٧٠١ منذ اللحظة الأولى لإيقاف الحرب. فعلى سبيل المثال ضبطت الجمارك اللبنانية شاحنة محملة بالأسلحة في شباط ٢٠٠٧ وأعلن «حزب الله» أنها تنقل ذخائر من البقاع إلى الجنوب متذرّعًا بالبيان الوزاري الذي يشرِّع المقاومة.

وفي العشرين من الشهر عينه حظرت وزارة الخزينة الأميركية التعاون التجاري مع مؤسسة «جهاد البناء» التابعة لـ«حزب الله» كونها تُعتبر المموّل الرئيسي للعمليات الإرهابية لـ«حزب الله».

لم تتوقف الاغتيالات في الفترة ما قبل حرب تموز ٢٠٠٦ وما بعدها، وكانت كل هذه الاغتيالات تطال رموزًا وقيادات من ١٤ آذار وكان المتهم السياسي الوحيد في هذه الاغتيالات نظام الأسد وحليفه «حزب الله». وفي ٢٠ أيار ٢٠٠٧ اندلعت اشتباكات بين الجيش اللبناني ومجموعة مسلحة تُطلق على نفسها اسم «فتح الإسلام»، واستطاع الجيش اللبناني القضاء على هذه الزمرة الإرهابية بعد حصاره لمخيم نهر البارد الذي كانت تتمركز فيه، ومن ثم تمَّ اقتحامه بالرغم من أن حسن نصرالله اعترض على حصار المخيّم واقتحامه واعتبره خطًّا أحمر.

أُقرَّت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان (اغتيال رفيق الحريري) بموجب القرار ١٧٥٧ الصادر عن مجلس الأمن في ٣٠ أيار ،٢٠٠٧ ومنذ إقرارها لم يترك «حزب الله» مناسبة أو خطاب إلا وهاجمها فيه، وقام نصرالله بحملة غير مسبوقة على القرار الظنّي قبل صدوره.

«٧ أيار» واستباحة بيروت: الطريق إلى اتفاق الدوحة ثم اتفاق الدوحة
7 أيار 2008، المصدر: المدن
7 أيار 2008، المصدر: المدن

ومع تفاقم أعمال «حزب الله» الأمنية وفي ظلِّ تمدّد شبكة الاتصالات الخاصة به وتمديد شبكته الاستخباراتية في البلاد من كاميرات مراقبة في معظم الأماكن والمرافق العامة، قامت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في ٥ أيار ٢٠٠٨ بإصدار قرارين يتعلّقان بشبكة اتصالات الحزب بعد أن اكتُشفت قضية وضع كاميرات مراقبة حول مدرج مطار بيروت لمراقبة حركة الزوّار والرسميين، فاعتبرت الحكومة أن هذه الأعمال تضرُّ بسيادة الدولة اللبنانية وتمسُّ الأمن القومي للدولة وأمرت بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة للحزب وأُقيل رئيس جهاز أمن المطار آنذاك العميد وفيق شقير مما استدعى ردة فعل من الحزب و«حركة أمل» اللذين اعتبرا القرارين تجاوزًا للبيان الوزاري الداعم للمقاومة. واعتبرت المعارضة أن الحكومة وبخاصة رئيسها (فؤاد السنيورة) «تبنّت للمرة الأولى في تاريخ حكومات ما بعد اتفاق الطائف موقفًا غريبًا لناحية اعتبار إجراءات المقاومة الأمنية بمثابة اعتداء على أمن الدولة». وأشارت إلى أن الحكومة قد رفعت «سقف المواجهة السياسية الداخلية بقرار إقالة قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير من منصبه، ما سيدفع قوى المعارضة ولا سيما «حركة أمل» و«حزب الله» إلى الردّ، كما هدّدت قوى المعارضة بالردّ على القرارات التي اتخذتها الحكومة باللجوء إلى «خطوات مقابلة تضع البلاد أمام وضع عصيب». ولم يتردَّد «حزب الله» وحلفاؤه جماعة السابع من أيار في استباحة بيروت والتعرُّض للمدنيين، كما قام بالاعتداء على تلفزيون المستقبل ودارت اشتباكات مسلحة بينه وبين أهالي بيروت، فاقتحم المنازل وأحرقها، ثم وجّه راجمات صواريخه نحو الجبل في ١١ أيار وحاول دخول المناطق المسيطر عليها من قِبل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ودارت معارك عنيفة بين الطرفين قتل فيها «حزب الله» العديد من المواطنين العزّل، ولكنه لم يستطع السيطرة على الجبل بعد تكبّده خسائر هائلة ضمن فصائله المقاتلة وأبرز نتائج تلك المعارك كانت مقتل ٧١ شخصًا من كلا الجانبين وأصيبت بعض الممتلكات بأضرار كبيرة، كما نشأت حالات توتر وصدامات مسلّحة بين أنصار كلا فريقي، الموالاة والمعارضة، خاصة في الشمال والبقاع.

بعد ذلك اضطرت الحكومة إلى التراجع عن القرارين الصادرين عنها بعد تدخل جهات عربية ودعت الفريقين إلى اجتماع في الدوحة.

بعد اجتماع الفرقاء اللبنانين في الدوحة والخروج باتفاق أنهى الأزمة السياسية اللبنانية والذي سُمّى بـ«اتفاق الدوحة»، ونتجت عنه مقررات، نعرض هنا أبرز ما جاء فيها:

• إنهاء المعارضة لاعتصامها في ساحة رياض الصلح.

• انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية اللبنانية.

• تشكيل حكومة وحدة وطنية من ٣٠ وزيرًا توزّعوا على الشكل التالي: ١٦ للموالاة و١١ للمعارضة و٣ من حصة رئيس الجمهورية، مع وجود وزير أسمي بالوزير الملك، وهو أيضًا من حصة الرئيس، وتتعهّد كافة الأطراف بمقتضى هذا الاتفاق بعدم الاستقالة أو إعاقة عمل الحكومة.

• الاتفاق على قانون انتخابي يرضي جميع الأطراف، ومناقشة البرلمان اللبناني لـ«البنود الإصلاحية» الواردة في اقتراح القانون الذي أعدّته اللجنة الوطنية اللبنانية.

بعدها حصلت هدنة هشّة (سياسيًّا وإعلاميًّا) في ما بين الموالاة والمعارضة، بعد أن استمر التوتر بينهما لمدة ١٨ شهرًا.

شبكات المخدّرات في لبنان وحول العالم

كان «حزب الله» في تلك الفترة وبموازاة عمله في الشأن الداخلي اللبناني يعمل على عدة صُعد دوليًّا وإقليميًّا لجني المال. ومن أهم مصادر أمواله كانت إدارة شبكات تجارة المخدرات حول العالم. وفي مقال نشره موقع «العربية نت» في ٦ أيار ٢٠٢٠ تحت عنوان «تغاضي أوباما عن تهريب «حزب الله» للمخدرات»، ذكر الموقع «إن الأحداث تعود إلى عام ٢٠٠٨ عندما تمَّ إطلاق حملة أمنية أُطلق عليها تسمية «مشروع كاساندرا» على إثر جمع إدارة مكافحة المخدرات الأميركية أدلّة تُثبت أن «حزب الله» تحوّل من منظمة عسكرية وسياسية تركّز على الشرق الأوسط إلى عصابة دولية للجريمة المنظمة تمارس أنشطة إجرامية تدرُّ مليار دولار سنويًّا، من بينها تهريب المخدرات والأسلحة وغسل الأموال. وعلى مدار الأعوام الثمانية التالية، استخدم العملاء التابعين لمنشأة إدارة مكافحة المخدرات السرية للغاية في شانتيلي بولاية فرجينيا، عمليات تعقُب وتنصُّت على المكالمات الهاتفية وعمليات زرع عملاء سريين ومخبرين لرصد عناصر وعملاء شبكات «حزب الله» الإجرامية، بالتنسيق مع ٣٠ وكالة أمنية أميركية وأجنبية».

مصادرة شحنة «كبتاغون» في السعودية، المصدر: صدى
مصادرة شحنة «كبتاغون» في السعودية، المصدر: صدى

وبالفعل تمَّ تتبع تهريب شحنات كوكايين بعضها من أميركا اللاتينية إلى غرب أفريقيا ومن أوروبا والشرق الأوسط، وبعضها الآخر عبر فنزويلا والمكسيك إلى الولايات المتحدة. كما تمَّ تتبع مسارات غسيل الأموال، حيث كان عناصر «حزب الله» يلجأون إلى تكتيكات تتمثل في شراء السيارات الأميركية المستعملة وشحنها إلى إفريقيا. وبمساعدة بعض الشهود المتعاونين الرئيسيين، توصّل رجال مكافحة تهريب المخدرات الأميركيين إلى الدائرة الأعمق لـ«حزب الله» وإيران التي ترعى أنشطتها. لكن مع وصول «مشروع كاساندرا» إلى التسلسل الهرمي للمؤامرة، قام مسؤولو إدارة أوباما بوضع سلسلة من العوائق التي يتعذّر التغلب عليها بشكل متزايد، وفق ما ذكره عشرات ممن شاركوا في الحملة الأمنية والذين تحدّثوا في العديد من الحالات لأول مرة حول الأحداث التي تكتنفها السرية، بالإضافة إلى مطابقة أقوالهم مع الوثائق الحكومية وسجلات المحكمة. فعندما طلب قادة «مشروع كاساندرا» الموافقة على بعض التحقيقات والملاحقات والاعتقالات والعقوبات المالية المهمة، قام المسؤولون في وزارتي العدل والخزانة الأميركيتين بتأخير طلباتهم أو إعاقة أو رفض طلباتهم لفرض عقوبات على بنك متورّط في عمليات غسيل الأموال وعناصر تابعين لفيلق القدس الإيراني. 

ويتضح من التفاصيل التي يوردها تحقيق مجلة «Politico» مدى التضارب بين رغبات إدارة أوباما وتغيير الأولويات على أعلى المستويات، الأمر الذي أدّى إلى إهدار سنوات من العمل وضياع الجهود التي بُذلت في نهاية المطاف. 

هذا غيضٌ من فيض أعمال «حزب الله» كما بدت معالمها في تلك المرحلة حيث إنه وبين عامي ٢٠٠٧ و٢٠١٠ بدأت تظهر جليًّا عمليات تصنيع أخطر أنواع المخدرات على الاطلاق («الكبتاغون») وتصديره إلى الدول العربية لا سيما دول الخليج، وكان لـ«حزب الله» دور كبير في عمليات التصنيع حيث إن معظم المعامل كانت متواجدة في مناطق نفوذه في بعلبك وجرودها شرقي لبنان، كما ذكر تقرير أعدّته قناة الـ mtv اللبنانية في أيار ٢٠١٠ والذي أوردت فيه إن إحدى شبكات الكبتاغون يديرها شقيق عضو كتلة الوفاء للمقاومة، النائب حسين الموسوي، الذي أصبح مطلوبًا للقضاء ومتواريًا عن الأنظار.

الانقلاب على إعلان بعبدا ودخول سوريا
حزب الله في سوريا، المصدر: CNN
حزب الله في سوريا، المصدر: CNN

وفي العودة إلى المشهد السياسي ومناكفات «حزب الله» مع معظم القوى اللبنانية، فإنه قام في العام ٢٠١١ بالانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري تحت وطأة التهديد المباشر لوليد جنبلاط لتقديم استقالته ونشَر عناصره في بيروت بقمصانهم السود محاولًا دبَّ الذعر في قلوب اللبنانيين.

وبعد دعوة رئيس  الجمهورية ميشال سليمان في ١١ حزيران ٢٠١٢ إلى طاولة حوار في بعبدا لكل الفرقاء، وبعد الاتفاق خلالها على إعلان بعبدا الذي دعا إلى النأي بالنفس وعدم التدخّل في شؤون الدول العربية، وبعد توفير حضانة عربية ودولية بإرسال نسخ منه إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وبعد موافقة «حزب الله» على هذا الإعلان، يطلُّ على الإعلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ليُعلن للبنانيين تبرّؤ حزبه من إعلان بعبدا، ومضيفًا: «بلّوه واشربوا ميتو (مياهه) »، بكل عجرفة.

بعد ذلك وبدون سابق إعلان أو إخبار أو استشارة بقية الفرقاء في الحكومة قرّر الحزب مساندة حليفه الأسد في حربه ضد الشعب السوري. ففي ٢ تشرين الأول من العام ٢٠١٢ نقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصدر أمني أن قائدًا عسكريًّا في ««حزب الله»» وبضعة مقاتلين آخرين سقطوا في سوريا. كما أشارت قناة «العربية» السعودية أن القائد التنظيمي لعمليات «حزب الله» في سوريا محمد حسين ناصيف الملقب «أبو عباس» شيِّع في لبنان بعد سقوطه في منطقة القصير.

أما الإعلان الرسمي عن دخول «حزب الله» علنًا في الحرب السورية إلى جانب النظام كان من خلال خطاب أمينه العام في نيسان من العام ٢٠١٣ من خلال العمليات العسكرية في منطقة القصير. وجاء في خطاب نصرالله بالحرف الواحد أنه «إذا احتاجت المعركة إلى ذهابه شخصيًّا مع كل عناصر «حزب الله» إلى سوريا لذهبوا» وهنا دقَّ المسمار الأخير في نعش «إعلان بعبدا» .

ومن ثم تدحرج تدخل «حزب الله» من القصير إلى باقي المناطق السورية، فدخوله منطقة الغوطة الشرقية والسيدة زينب كانت بحجة حماية المقامات الدينية هناك ثم ما لبث أن أصبح يقاتل إلى جانب الفصائل التابعة للحرس الثوري الإيراني على كامل الأراضي السورية واستطاع بحنكة مصطفى بدر الدين (المتهم الأول باغتيال الرئيس الحريري والذي قُتل بدوره في ١٣ أيار ٢٠١٦ في سوريا) أن يساهم في إخماد الثورة السورية ويحوّلها إلى معارك طائفية بحتة.

واشتدت المعارك في سوريا فتمكّن خلالها «حزب الله» وإيران بمساندة الطيران الروسي من القضاء على العديد من الفصائل المعارضة وإعادة احتلال بعض المناطق السورية وانتهاك حرُمات البيوت وتدميرها وتهجير سكانها في الزبداني والغوطتين الشرقية والغربية ودرعا والرقة ودير الزور وحماه وحلب وحمص وإدلب. وبالرغم من تكبّده خسائر بشرية هائلة تقدَّر بآلاف العناصر بين قتيل وجريح إلّا أنه قام بارتكاب مئات المجازر بحق الشعب السوري على مدى عقد كامل من الزمن. إذن نستطيع القول إن «حزب الله» استطاع الانتصار على الشعب السوري واقتلاعه وإبعاده عن أرضه ليكون للبنان الحصة الأكبر من موجة النزوح والهجرة السورية.

شبكات إرهابية حول العالم والدخول في حروب عديدة في المنطقة

حفل العام ٢٠١٣ بالكثير من الأحداث الخارجية المرتبطة بالحزب، أبرزها اتهام بلغاريا للحزب بتفجير إرهابي في مدينة بورغاس واكتشاف خليّة للحزب في نيجيريا تخطّط لشنّ هجمات ضد مؤسسات أجنبية، كما اتهمت الإدارة الأميركية شركتي صيرفة لبنانيتين بتبييض أموال لحساب الحزب (كتاب «شيعة لبنان من الماضي الغامض إلى المستقبل المجهول» _ الجزء الثاني) .

أما في الداخل اللبناني وفي نفس العام فقد اغتال الحزب الناشط في تيار «الانتماء اللبناني» هاشم السلمان خلال تظاهرة أمام السفارة الإيرانية في بيروت، كما خاض الحزب معركة عسكرية مع أنصار الشيخ أحمد الأسير في بلدة عبرا وسقط العديد من الشهداء للجيش اللبناني في تلك المعركة التي ورّطه الحزب بها.

وخلال مشاركته في معارك القلمون السوري تقدّم العديد من الإرهابيين إلى قرية عرسال اللبنانية فقاموا باحتجاز عناصر من الجيش اللبناني وإعدام عدد كبير منهم.   

لم يكتف الحزب بمشاركته في الحرب السورية، بل أرسل مقاتليه أيضًا إلى العراق بحجة مقاتلة تنظيم الدولة الاسلامية «داعش» وكان قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني يشرف بنفسه على العمليات العسكرية هناك بالتعاون والتنسيق التام مع قوات التحالف الدولي بقيادة أميركية، فقاتل «حزب الله» بغطاء جوي أميركي في الأنبار والموصل وسامراء وحتى في منطقة البوكمال السورية.

ووسع «حزب الله» من عملياته في العام ٢٠١٥ فأعلن أنه أرسل مستشارين عسكريين إلى اليمن لمساندة جماعة الحوثي الإرهابية في قتالها ضد المملكة العربية السعودية وقام أمينه العام والناطقين باسم الحزب وإعلامه ونوابه في كل خطاباتهم بالتهجّم وتوجيه الشتائم إلى المملكة، والنابعة من أحقاد بحق الأشقاء العرب لا سيما دول الخليج وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية. كما لم يتوانَ للحظة عن دعم الجماعات المعارضة للأنظمة في البحرين والكويت والسعودية مما أثَّر على علاقات لبنان التاريخية مع الدول العربية، وانعكس هذا الأمر سلبًا على الوضع الاقتصادي الداخلي الذي كان يعوِّل على دول الخليج من خلال الودائع وتوظيف الاستثمارات في كافة المجالات في الداخل اللبناني.

تعطيل البلد ثم انتخاب ميشال عون رئيسًا للجمهورية

 وبالعودة إلى الداخل اللبناني فإن «حزب الله» كان يُمسك بالقرار اللبناني وينتقص من سيادته مرة تلو الأخرى ويسيطر على كامل مفاصل الدولة من أمن وقضاء ومعابر شرعية وغير شرعية ومرفأ ومطار، واستطاع من خلال وحداته الأمنية أن يشتري بعض الصحافيين والأمنيين والقضاة والسياسيين ويسيطر عليهم إما بالترهيب أو بالترغيب من خلال فائض القوة المتمثل بسلاحه وفائض المال الآتي من إيران، ناهيك عن الأموال التي يجنيها بالطرق غير الشرعية. وبقي الحال على هذا المنوال إلى أن قام بتعطيل الدولة والمؤسسات كافة بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان ليترك البلد بفراغ رئاسي دام عامين ويفرض من خلال سطوته انتخاب حليفه ميشال عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية في العام ٢٠١٦.

هنا لم يعد يتحكَّم «حزب الله» بلبنان فحسب بل أصبح يحكم البلد بشكل رسمي من خلال عون الذي كان رئيسا للجمهورية بالشكل، اما في المضمون فكان عميلًا يتحكّم الحزب بكل قراراته ومواقفه.

واستطاع الحزب من خلال تحالفاته الانتخابية في العام ٢٠١٨ أن يحصد مع حلفائه أغلبية نيابية من ٧١ نائبًا ليتمكن من التحكُّم بكل مفاصل البلد، بدءًا من رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة ويتعالى ويتغطرس على اللبنانيين. فقد اعتبر قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني يومها أن هذا الانتصار الكبير نقل «حزب الله» من حركة مقاومة إلى «حكومة مقاومة».

الانزعاج من ثورة ١٧ تشرين ومن التواجد الشيعي المؤثِّر فيها

هنا بدأت الأزمة الاقتقصادية والمعيشية تطلّ برأسها أكثر فأكثر إلى العلن. فبعد أن شكَّل سعد الحريري حكومة من ٣٠ وزيرًا بعد ثمانية أشهر من تكليفه وفرض الحزب توزير ممثّل عن المقربين له من السنة، ما لبثت أن اندلعت انتفاضة ١٧ تشرين في العام ٢٠١٩ على خلفية اجتماعية اقتصادية فشهد لبنان مظاهرات حاشدة على كافة الأراضي اللبنانية كان ثقلها في ساحتي الشهداء ورياض الصلح وكان العنصر الشيعي المعارض فاعلًا في تلك المظاهرات من ساحة الشاعر «خليل المطران» في بعلبك إلى ساحة العلَم في صور إلى ساحات صيدا والنبطية وكفرمان إلى طريق المطار.

أزعجت هذه المشهدية «حزب الله» وأمينه العام الذي كان يُعتبر رأس هذه المنظومة الفاسدة وحاميها ومانع انهيارها. وكانت اتفاقه الواضح مع باقي أعضاء المنظومة قائم على معادلة حماية الفساد مقابل حماية السلاح، وبالرغم من رضوخ سعد الحريري لمطالب الشعب وتقديم استقالة حكومته بقي نصرالله متعنتًا ومجاهرًا بدفاعه المستميت عن عهد ميشال عون، فقام «حزب الله» والمنظومة الميليشياوية التي يتزعمها ويحكم البلد من خلالها بفرض حسان دياب كرئيس حكومة لا يمثل إلّا مشغّليه وكانت تلك حكومة الانهيار الكامل الذي أسقط البلد في المجهول وأخذه إلى حيث يريد ميشال عون، أي إلى جهنم.

تفجير مرفأ بيروت واتهام «حزب الله»، اغتيال لقمان سليم

وفي خضمّ الانتفاضة المستمرة ومع الانهيار الاقتصادي والسياسي هزَّ انفجار ضخم مرفأ بيروت في الرابع من آب العام ٢٠٢٠ مخلِّفًا دمارًا هائلًا في مدينة بيروت لا سيما في أحيائها الشرقية. وقد حصد هذا الانفجار أرواح أكثر من ٢٠٠ ضحية والآلاف من الجرحى وتشريد آلاف العائلات وكانت قوة هذا الانفجار تعادل قنبلة نووية تكتيكية. ولغاية اليوم لم تكشف التحقيقات مَن الذي قام بتفجير المرفأ، غنما من المؤكد أن كميات كبيرة من نيترات الأمونيوم التي كانت مخزّنة في أحد عنابر المرفأ منذ العام ٢٠١٣، وهناك ترجيحات صرح بها أكثر من مصدر أن هذه الكميات من النيترات كانت مخزنة من قِبل «حزب الله» وكانت تُنقل على مراحل وتسلّم إلى النظام السوري ليقوم باستعمالها كبراميل متفجرة يتمّ رميهاعلى المدنيين العزّل إبّان الحرب الدائرة هناك.

وكان الصحافي والناشر الشيعي لقمان سليم قد فنَّد موضوع النترات عبر مقابلة على قناة «الحدث» موضحًا كيف خزّنت النيترات ومَن خزّنها ومَن هي الجهات المسؤولة عنه وكيف كان يتمّ نقله إلى الأراضي السورية ومشدّدًا على مسؤولية «حزب الله» عن الانفجار الحاصل في المرفأ.

رفض «حزب الله» التحقيق بموضوع المرفأ، لا بل حارب كل المحققين العدليين الذين تولّوا التحقيق فقد تمّت إزاحة المحقق فادي صوان بالتهديد المباشر من قِبل مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا، عندما دخل إلى قصر عدل بيروت مهدّدًا، ثم أصدر قاضي التحقيق المعين لاحقًا طارق بيطار مذكرات توقيف طالت كلٍّ من: الوزراء علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فينيانوس، إلّا أن الحزب أوقف التحقيق للمرة الثانية، بسطوته على القضاء ورفضه مثول المتهمين امام القضاء.

وفي صبيحة الثالث من شباط ٢٠٢١ وُجِدَ لقمان سليم مقتولًا داخل سيارته مصابًا بست طلَقات على طريق فرعية في منطقة يسيطر عليها «حزب الله» قرب صيدا جنوب لبنان، وكان الاتصال مع الناشط قد انقطع قبل ليلة من العثور على جثته، وتدلّ كل المعطيات إلى تورّط «حزب الله» باغتياله لأنهم كانوا قد هددوه قبل فترة وكتبوا على جدران منزله في حارة حريك عبارة «المجد لكاتم الصوت» إلّا أنه وحتى اليوم لم تفرج القوى الأمنية والقضائية عن تحقيقاتها بهذه الجريمة، هذا إذا قامت بالتحقيق فيها.

أتت انتخابات الـ٢٠٢٢ بنتائج مخيِّبة نوعًا ما لمنظومة «حزب الله» المتحكمة بالبلد، فلم يستطع وحلفاؤه تأمين أكثرية نيابية ودخل بعض رموز الانتفاضة الشعبية إلى الندوة البرلمانية، كما خسر حليفه المسيحي الأول أكثريته ضمن طائفته المسيحية، وبالرغم من هذه النكسة إلّا أنه استطاع إعادة انتخاب نبيه بري رئيسًا للمجلس النيابي بأغلبية هزيلة، كما استطاع أن يشكِّل حكومة أمر واقع برئاسة نجيب ميقاتي الذي لم يقدِّم ولم يؤخِّر في موضوع الانهيار الاقتصادي الحاصل ولا حتى باستعادة ودائع المواطنين المحتجزة في المصارف.

قرار المحكمة الدولية والحكم على عناصر من «حزب الله»

في ١٦ حزيران ٢٠٢٢ وبحكم غيابي، حكمت الغرفة الاستئنافية في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان على كلٍّ من: حسن مرعي وحسين عنيسي وسليم عياش بالسجن مدى الحياة لتورُّطهما باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهي أقصى عقوبة ينصُّ عليها النظام الأساسي للمحكمة وقواعدها.

حرب المساندة لغزة ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣

بينما ينشغل المواطن اللبناني اليوم بقضاياه السياسية والمعيشية والاجتماعية والاقتصادية، وبينما بدأت عجلة الاقتصاد تتحرّك شيئًا فشيئًا من خلال إعادة بعض المواطنين العرب لا سيما الخليجيين منهم استثماراتهم إلى لبنان، أعلن أمين عام «حزب الله» في الثامن من تشرين الأول  ٢٠٢٣ معركة مساندة غزة في حربها التي بدأتها مع إسرائيل قبل يوم من هذا التاريخ من خلال عبور بعض مقاتلي حماس إلى الاراضي الإسرائيلية وتمكّنت من قتل ١٢٠٠ إسرائيلي وأسْر ما يقارب المئة وثلاثين.

إذًا أعلن نصرالله حربه التي تعدّدت تسمياتها من مشاغلة إلى مساندة وانخرط شيئًا فشيئًا بحرب غزة التي لا أفق لنهايتها حتى الآن. أراد نصرالله من خلال خطاباته أن يكون السند لغزة التي لم يتبقَّ منها حجر على حجر وقد قارب عدد الضحايا الفلسطينيين الـ٤٠ ألفًا ومئات ألاف الجرحى ونحو مليوني مهجَّر في قلب القطاع، فماذا قدَّم إسناده لغزة؟

لكن السؤال الأهم ماذا قدَّم نصرالله للبنان في حرب المشاغلة تلك؟ ففي حصيلة رسمية، بلغ عدد القتلى ٥٢٠ قتيلًا والجرحى ١٢٠٠ جريح عدا المعوّقين، ناهيك عن أكثر من ٥٠٠٠ وحدة سكنية سُويت بالأرض أو دمّرت دمارًا جزئيًّا، عدا الخسائر في المحاصيل الزراعية والمنشآت التجارية والصناعية.

لقد خسر الحزب في حربه تلك أكثر من ٢٠ قائدًا ميدانيًّا، بينهم ٣ قادة وحدات ومعاون جهادي يعدُّ بمرتبة وزير دفاع «حزب الله» وهو فؤاد شكر الملقب بالسيد محسن والتي كانت الولايات المتحدة الاميركية قد رصدت مبلغ ٥ ملايين دولار لقاء الحصول على معلومات عنه.

أما بالنسبة لخسائر الدولة اللبنانية الاقتصادية فهي تفوق وللأسف الـ٦ مليارات دولار!

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・07・2025
انتخابات بلدية تحت سطوة السلاح والخسائر
محمد عثمان
كانت الانتخابات النيابية لعام ٢٠٢٢ قد شهدت فوز «حزب الله» و«حركة أمل» بكامل المقاعد الشيعية في المجلس النيابي، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى امتلاك حزب الله للسلاح وفرض سطوته على الحياة السياسية اللبنانية بمختلف مفاصلها، إضافة إلى تحكّمه بقرار السلطة السياسية...
03・03・2025
بعد عشرين عامًا... سقطت الشيعية السياسية على أعتاب شرق أوسط جديد
محمد عثمان

لم يكن سرًّا ولا مستغربًا أن ثنائي «أمل - حزب الله» قد استأثرا بالحكم لمدة عشرين عامًا، وشكّلا أحادية القرار الصادر من الولي الفقيه في إيران والمنفَّذ في الداخل اللبناني، ضاربين عرض الحائط بكل مفاهيم الشراكة الوطنية التي كرّسها الدستور اللبناني.

03・08・2024
«حزب الله» أو مسار التحوُّل إلى المافيا المنظَّمة (٢)
محمد عثمان
بدأ عهد حسن نصرالله الذي إذا انغمسنا أكثر في تفاصيل حياته نجد أنه انتقل من البازورية إلى النجف لتلقّي العلوم الدينية في سنٍّ مبكّرة ومن ثم عاد إلى بعلبك برفقة السيد عباس الموسوي.