03・09・2024
من العدد ١٣
الحرب في الجنوب على مشارف عامها الأول
محطات من نظرة الجنوبيين إليها
إطلاق صواريخ من إحدى القرى في جنوب لبنان، المصدر: فايسبوك
إطلاق صواريخ من إحدى القرى في جنوب لبنان، المصدر: فايسبوك

«الحمد لله اللّي تحررني»، عبارة أطلقتها سيدة مسنّة من جنوب لبنان في العام ٢٠٠٠ إثر انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب والبقاع الغربي، وقد لاقت هذه العبارة التي تُظهر لكنَة السيدة الجنوبية بشكل واضح انتشارًا واسعًا، وباتت تُستخدم على نطاق واسع حتى من باب التهكّم أحيانًا، فيما خان التعبير سيدة أخرى عندما أرادت إبداء غضبها من إسرائيل إذ قالت «الله يهدِّك يا إسرائيل ويهدّ عدوّينك» باللكنة الجنوبية نفسها، فصارت هذه العبارة هي الأخرى متلازمة ومحطة كلامية يستخدمها الجنوبيون واللبنانيون بشكل عام للتعبير عن يأسهم من كل شيء.

موسم صيفي واعد ذهبَ أدراج الرياح

يمتلك أبو حسن مؤسسة لبيع الأدوات المنزلية في إحدى قرى قضاء بنت جبيل خارج الشريط الحدودي، في هذه الفترة من السنة يكون «الشغل متل النار»، في العادة ننتظر الموسم الصيفي بفارغ الصبر، مغتربون ومصطافون يأتون من بيروت، يشترون مكيّفات ومراوح وأجهزة للمطبخ وأوانٍ وكراسٍ وطاولات وتحف وأمور أخرى، اليوم الأمر مختلف كليًّا وحركة البيع شبه معدومة، الناس «وضعها على قدّها» والأزمة طالت الجميع، سكان المنطقة خسروا الكثير من مداخيلهم نتيجة لانهيار الموسم الصيفي، والمهجّرون فقدوا بدورهم مصادر رزقهم، والمساعدة التي يحصلون عليها من الجهات الحزبية بالكاد تكفي لتأمين الاحتياجات اليومية. 

بالقرب من محل أبو حسن يتواجد مقهى صغير يضمّ بضع طاولات وماكينة لصنع القهوة وثلّاجة للمرطبات، يقصدها بشكل يومي شبّان في العقدين الثالث والرابع من العمر، يشربون القهوة ويلعبون الورق وطاولة النَّرد، فيما يعرض التلفاز الصغير المعلّق على الحائط المقابل لهم قناة «الميادين»، صوت التلفاز منخفض بشكل يجعلك لا تفهم ما يقوله ضيوف البرنامج الحواري، لا أحد من الحاضرين يأبه أصلًا، فبعكس الأيام الأولى للحرب حيث كان الجميع يتلهّفون لمعرفة ما يجري، وينتظرون النشرات الأخبارية والتحليلات التي تضفي في الغالب أجواءً إيجابية، فقد أصبح اليوم الملل واللامبالاة سيدَي الموقف، فلم يعد أحد يهتمّ لما يقولونه في التلفاز، واكتفى الناس بالأخبار العاجلة التي تصلهم إلى هواتفهم النقّالة لتخطرهم بكل جديد في ما يخصّ الغارات والقصف المدفعي وما إلى ذلك.

يقول حسان، ٣٤ سنة، أنه يقصد المقهى كل يوم ويقضي فيه ساعات طويلة، لأنه ليس لديه شيء آخر ليعمله، فهو حاول إيجاد عمل بعد نزوحه من قريته مارون الراس دون أن يوفّق في ذلك، هو بالأساس عامل بناء و«الورشات» اليوم كلها متوقّفة كما تعلمون، يهزُّ رفاقه في المقهى رؤوسهم موافقين.

الحرب غيّرت حياة الجنوبيين

غيّرت هذه الحرب حياتنا، يضيف حسان، حتى أننا بتنا نحلم بالعودة إلى حياتنا قبل التهجير، بكل ما فيها من فقر وتهميش وشظَف عيش، فعلى الأقل كنّا نسكن في بيوتنا ونشعر بالأمن والأمان، هي أمور لن يشعر بقيمتها إلّا من يفقدها. 

يعيش حسان مع زوجته وابنتيه في شقة صغيرة خارج الشريط الحدودي، قدّمتها لهم إحدى العائلات التي تقطن في العاصمة في الأسابيع الأولى من الحرب، بالإضافة إلى الأضرار المادية والخسائر الكبيرة التي مُنيت بها عائلته، يخاف حسان اليوم من التبعات النفسية والذهنية على ابنتيه، الكبرى تبلغ من العمر سبع سنوات، لديها رُعب حقيقي من الأصوات القوية. عندما كانوا في مارون الراس سقطت قذيفة قرب منزلهم المتاخم للحديقة المعروفة في القرية، وكانت الفتاة تحمل لوحًا من الشوكولا في يدها، أصيبت بحالة رعب فأغلقت يدها ضامّة قطعة الشوكولا بأصابعها إلى راحة يدها، وبقيت لعدة ساعات عاجزة عن فتح يدها مرة أخرى، ليقرِّر الأب في اليوم نفسه مغادرة بلدته وعدم الانتظار أكثر وتعريض عائلته لمواقف مشابهة.

أما ابنته الصغرى ذات السنة والنصف من العمر، فهي اليوم تعيش رعبًا كبيرًا لدى سماع جدار الصوت وتدخل في نوبة بكاء طويلة، «كيف سنشفى من هذا الأمر كله؟» يسأل حسان.

وسائل التواصل مرآة مشوهة لما يجري على الأرض

وجد عشرات الآلاف من الجنوبيين أنفسهم في خضمِّ حرب تدور رحاها منذ أكثر من عشرة أشهر بين «حزب الله» و«إسرائيل»، وهي حرب مرتبطة بحسابات إقليمية ودولية لا قدرة لهم كمواطنين في التأثير على مجراها، فيما رأيهم حول الحرب سواء كان بالإيجاب أو بالسالب، فهو رأي لا يقدّم ولا يؤخّر على الأغلب، فلا رأي لمن لا يُطاع كما يقال. 

آراء الجنوبيين على اختلاف انتماءاتهم حول الحرب هي آراء متنوعة ومتباينة، حتى وإن حاول الإعلام الذي يدور في فلك «حزب الله» تصوير العكس، والإيحاء بأن الجنوبيين لهم موقف موحّد وحاسم من الحرب.

طالت الحرب بوَيلاتها السواد الأعظم من الجنوبيين سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، وكما هو معروف في الحروب فإن المعاناة تختلف وتتفاوت بين شخص وآخر وبين عائلة وأخرى، وممّا لا شكّ فيه فإن سكان الشريط الحدودي دفعوا الثمن الأكبر للحرب، إذ تركزت معظم النشاطات العسكرية والغارات الحربية داخل الشريط الحديدي أي المنطقة التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي في العام ٢٠٠٠، وهو يشمل ٤٠ قرية تقريبًا تمتدّ من شبعا شرقًا حتى الناقورة غربًا، وهي مقسّمة إلى ثلاثة قطاعات هي الشرقي والأوسط والغربي.

هل أصبح حُلم العودة مستحيلًا؟
أضرار تصيب المنازل في جنوب لبنان، المصدر: الشرق الاوسط
أضرار تصيب المنازل في جنوب لبنان، المصدر: الشرق الاوسط

بالقرب من محل تجاري في ساحة إحدى القرى التي استقبلت مئات النازحين، يجلس مجموعة من الرجال مساء كل يوم منتظرين أذان المغرب للذهاب إلى المسجد. يزجُون الوقت بشرب القهوة والشاي وإلقاء بعض النكات، باتوا مؤخرًا يأنفون الخوض في الأحاديث السياسية بعدما أصبحت مملّة ومكرّرة، هم يريدون شيئًا واحدًا فقط: «العودة إلى قراهم».

يتجاذب الجالسون الموزعين على كراسٍ ومقعد إسمنتي بنَته البلدية قبل سنوات، أطراف الحديث، أحاديث عشوائية وغير منتظمة تتناول حال الطقس وارتفاع الأسعار وساعات الملل الطويلة، فيما تأخذهم الذكريات في بعض الأحيان إلى الفترة التي سبقت تهجيرهم، فيتكلمون عنها بحنين كبير وكأن الأمر حصل قبل سنوات بعيدة. 

تغيّرت الأحاديث والتعليقات كثيرًا مع تقدّم الأيام، في الأسابيع الأولى للحرب كان الشعور العام لدى النازحين هو أنهم أمام حرب قصيرة ومحدودة لن تدوم طويلُا، وأنهم سيعودون إلى منازلهم عمّا قريب، يعتمدون في شعورهم هذا على تحليلات واستنتاجات من المواقع الإخبارية ومجموعات «الواتسآب» التي انتشرت بشكل مهول في السنوات الأخيرة، ويدير معظمها ناشطون ومؤثّرون يدورون في فلك الثنائي الشيعي «أمل وحزب الله» ويعملون ضمن الضوابط التي تُوضع لهم، وهي مجموعات تبثّ على الدوام أجواء وسرديّات انتصارية بهدف خلق حالة تفاؤل لدى جمهور البيئة الشيعية، وهي لا تكون صحيحة أو واقعية بالضرورة.

الحزن والإحباط شعور عارم في الجنوب اليوم

في الفترة الأولى كانت تتردّد عبارات مثل أن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه الحرب على أكثر من جبهة، وأن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن تصمد طويلًا وستسقط تحت ضغط الشارع، وأن الأولوية ستكون للحصول على الرهائن الإسرائيليين المتواجدين في غزة، ما سيتيح لمحور «الممانعة» إعلان «النصر المبين» في هذه المعركة، وتوظيف هذا النصر واستثماره في الدول التي ينشط فيها عمل أذرعة إيران. 

الأجواء الإيجابية التي بُثت في البداية، خفّفت من وطأة النزوح على سكان القرى الجنوبية، باعتبار أن الأمر سريع ومؤقت والأضرار محدودة ويمكن بسهولة التعويض على المتضررين، إلّا أن استمرار الأزمة شهرًا بعد شهر، والتضارب في الأنباء كلّ مرّة حول اقتراب حصول صفقة تُنهي هذا الكابوس، ومن ثم انهيار المفاوضات والعودة إلى نقطة الصفر، جعلت الناس يشعرون وكأنهم يدورون في دائرة مفرغة.

كان عباس ٢٣ سنة وهو نازح من قرية عيترون، يشاهد على هاتفه مقطع فيديو لشبان يحتفلون على دراجاتهم النارية في الضاحية الجنوبية لبيروت عقب الخطاب الأخير لأمين عام «حزب الله»، والذي دعا فيه الناس للعودة إلى بيوتهم، يقول ساخرًا «أليس علينا أن نعود إلى منازلنا، أم أننا غير مشمولين بالخطاب»، يجيبه نازح آخر في العقد الخامس من العمر: «لماذا يحتفلون في بيروت؟ هل انتهت الحرب؟ ما هذه المسخرة؟».

يسكن عباس اليوم في بلدة صريفا التي نزح إليها مع إخوته ووالديه في الأسبوع الثالث من الحرب، يقول الشاب إن عشرات العائلات من عيترون تتواجد اليوم في صريفا، وأنهم بدأوا بتشكيل مجتمع خاص بهم، حيث أصبح هناك اليوم ما يعرف بـ«الحي العيتروني في صريفا» على حدّ تعبيره، دكان وملحمة ومحل لبيع الهواتف ومؤسسات صغيرة أخرى وكأنك أمام سوق تجاري مصغّر ومخصّص للنازحين. تواجد الكثير من أهل عيترون في صريفا جعل بعض الفتية يُزيلون اسم صريفا عن إحدى الإشارات التي تدلّ على مدخل القرية واستبداله بعيترون من باب المزاح، ما خلق توتُّرًا بسيطًا بين الطرفين.

يقول عباس إن عائلته تحصل على مئتي دولار أميركي شهريًا يقدّمها لهم «حزب الله»، شأنهم في ذلك شأن جميع الأُسر النازحة من الشريط الحدودي، وهو مبلغ بحسب «عباس» بالكاد يكفي لأسبوع واحد. هل تشعر بالامتنان؟ يجيب عباس: «أعيدوني إلى قريتي وسأعطيهم من عندي مئتي دولار كل شهر». 

حاول عباس إيجاد عمل ليساعد في إعالة أسرته أثناء النزوح، إلّا أن فُرص العمل قليلة جدًا والراغبون في الحصول على إحداها أكثر من أن يُعدوا أو يُحصَوا. 

ما كان عملك في عيترون؟ يجيب عباس «أعمل في زراعة التبغ مع والديّ، هما بدورهما ورَثا هذه المهنة عن والديهما، لا أعلم كيف بدأ الأمر، تشعر وكأن زراعة التبغ مع كل التعب والإرهاق الذي يلازمه وانتظار قبض ثمنه نهاية العام وكأنه أمر فُُرض علينا». 

يضيف عباس «نحن أناس منسيّون، قبل التحرير كنا منسيين، وبعده بقينا كذلك، نحن اليوم ندفع الثمن الأكبر، خسرنا بيوتنا ومواسمنا، وهجُّرنا من قرانا، وتسمّمت أرضنا بسبب القذائف الفوسفورية، ولا أحد يهتم لأمرنا». 

نزح أبو مصطفى من قرية العديسة الحدودية واستقرَّ في خربة سلم، في اليوم الثالث للحرب خسر الرجل الأربعيني منزله، وبعدها بأيام أصابت قذيفة محله التجاري المخصَّص لبيع المواد الغذائية. 

عندما يسقط أحد مقاتلي «حزب الله» أو «حركة أمل» في المواجهات الدائرة جنوبًا، يتمّ تحديد هدنة مؤقتة بين الأطراف المتنازعة برعاية اليونيفيل، تمتدّ لساعات محدودة لكي تتمّ عملية التشييع والدفن. يقول أبو مصطفى إنه يستغلّ هذه الهدنات الممنوحة ليشارك في الدفن، ومن ثم التوجّه إلى محله المتضرّر وإحضار ما أمكنه حمله من بضاعة منه.

الأضرار المهولة التي ألحقتها الحرب من تدمير مئات المنازل والمؤسسات التجارية، وارتفاع تكلفة إعادة الإعمار بشكل قد يفوق قدرة الدولة اللبنانية أو «حزب الله» على تغطيته، فيما الدول العربية التي ساعدت لبنان في إعادة إعمار لبنان بعد حرب تموز في العام ٢٠٠٦، فإن معظمها اليوم لم يعد يُولي أي اهتمام للبنان، ويرى أنه أصبح جزءًا أساسيًّا من المحور الذي تقوده إيران. 

المهجّرون يتخوّفون اليوم من أن تذهب الوعود بإعادة الإعمار أدراج الرياح، فشعارات مثل «سنعيدها أجمل مما كانت» قد لا تكون واقعية اليوم أو قابلة للتحقق، في المقابل فإن مؤشّرات عديدة ظهرت في الأيام الأخيرة جعلت أهل الشريط الحدودي يتخوّفون من أن الحرب ستكون طويلة، وأن عليهم أن يتكيّفوا مع الحياة في قرى التهجير والبدء بالبحث عن مصادر دخل جديدة.

يعمل ربيع في معرض لبيع السجاد والتحف في ميس الجبل، البلدة المعروفة بمؤسساتها التجارية الكبيرة المتخصصة ببيع الأدوات المنزلية والأثاث المنزلي والمفروشات، ويقصدها الجنوبيون من مناطق بعيدة لشراء بضائعهم.

ترك ربيع قريته كما فعل معظم سكانها بسبب الحرب، يقول إن الحرب تزامنت مع موسم السجاد، وأن صاحب العمل كان اشترى بضاعة بمئات آلاف الدولارات قبل أيام من اندلاع الحرب، وقد ترك البضاعة كما حال زملائه من أصحاب المؤسسات وهرب من جحيم الحرب. 

قبل أيام توجهت عشرات الشاحنات بمؤازرة من الجيش اللبناني واليونيفيل إلى ميس الجبل والقرى المجاورة، وعملت على إخراج كمية كبيرة من البضائع والأدوات المنزلية والمفروشات من القرية. يقول ربيع إن الأمر أشعره بالقلق، وكأنهم يريدون بذلك القول لهم إنهم لن يعودوا إلى بلدتهم أبدًا، وعليهم أن يجدوا مكانًا آخر لبيع هذه البضاعة.

مخاوف من تحويل الشريط الحدودي إلى أرض محروقة
القصف الفسفوري على جنوب لبنان، المصدر: لبنان 24
القصف الفسفوري على جنوب لبنان، المصدر: لبنان 24

يتوقف ربيع عند ملاحظة أخرى تزيد مخاوفه، وهي قيام أحد المعاهد التعليمية في بنت جبيل بافتتاح فرع جديد له في قرية صفد البطيخ، ونقل طلاب فرع بنت جبيل إليه، كذلك قامت بعض المدارس خارج الحدود بتوسيع بعض أقسامها لاستقبال عدد أكبر من الطلاب، كلها دلائل تشير، بحسب ربيع، إلى أننا أمام سيناريوهين كلاهما صعب ومرير، أو حرب مفتوحة تدمِّر كل شيء تحوِّل حياتنا إلى جحيم، أو استمرار الواقع الحالي لفترة طويلة، وهو أشبه بموت بطيء يستنزف أعصابنا وأرواحنا.

اقتراب انطلاق الموسم الدراسي الجديد يشكّل عامل ضغط نفسي جديد على العائلات النازحة، الناس لا يعرفون أصلًا أين سيكونون بعد أسابيع أو أشهر قليلة، هل سيعودون إلى قراهم التي هجّروا منها؟ أم سيبقون في القرى التي نزحوا إليها؟ أم يتحقق السيناريو الأقسى والأصعب ويجدون أنفسهم مضطرين للتهجير مرة أو مرات أخرى بحال اندلعت الحرب الموسّعة؟ نموذج غزة يظهر أمامهم كشبح، أرتال من البشر يحملون أمتعتهم على أكتافهم ويتهجّرون مرة بعد مرة. 

أم سامي، والدة لأربعة أولاد، نزحت من بلدة دير سريان واستقرت قرب مدينة النبطية، تقول إن أولادها الذين يتعلّمون في مدرسة رسمية داخل الشريط الحدودي، توقّفوا عن التعليم لأكثر من شهرين بعد التهجير، قبل أن تستأنف الدروس عن بُعد «أونلاين» مطلع العام الحالي.

لا تؤمن أم سامي بجدوى التعليم عن بُعد، فقد جرّبوا الأمر أثناء جائحة كورونا وكانت النتائج كارثية على حدّ قولها، أما اليوم فإن الظروف أصعب، فخدمات الإنترنت سيّئة جدًا، والبيت الذي نزحوا إليه ضيق المساحة ولا يمكن لأربعة تلامذة أن يتابعوا دروسهم أونلاين ويؤدّوا واجباتهم اليومية، فيما المساعدات التي قدّمتها وزارة التربية من بطاقات إنترنت وألواح «تابليت» غير كافية ولا تفي بالغرض.

تنفث أم سامي الدخان من سيكارتها وتضيف «نريد لهذا الكابوس أن ينتهي، الأثمان التي ندفعها كبيرة جدًا، شبان بعمر الورود تصطادهم الطائرات والمسيّرات، في بداية الأمر كنا متحمّسين ونظن أننا سننتصر كما كل مرة، لكن الواقع مغاير اليوم، يمكنك ملاحظة الأمر بسهولة، كنا نفرح عندما يتم إطلاق صواريخ من لبنان، وعندما يسقط قتلى من الجانب الآخر، اليوم صرنا نتشاءم من الأمر ونعرف أن هذا يعني أننا سنكون أمام ليلة صعبة».

أظهر تقرير أعدّته المنظمة الدولية للهجرة (IOM) مطلع العام الحالي، أن أكثر من ٨٢ ألف مواطن نزحوا من داخل الشريط الحدودي واستقروا في مناطق أقل خطورة، وقد ارتفع هذا العدد بشكل مضطرد مع الوقت ليتخطّى حاجز المئة ألف، مع ارتفاع وتيرة العمليات وتوسُّع رقعة المواجهات. 

بالمحصلة، يمكن القول إن الإحباط والحزن هو الجو العام المسيطر على الجنوبيين، ويمكن اليوم أن تسمع الهمَسات المشكِّكة بجدوى فتح جبهة الجنوب، وتعريض أهله إلى كل ما عانوه حتى اليوم، في وقت تمَّ تدمير قطاع غزة، ولم تنجح جبهة المشاغلة في تخفيف معاناة الغزاويين.

هذا هو الجو العام في الجنوب، أما ما ينتشر على مواقع التواصل من رغبات بالحرب والقتال وتحقيق النصر، فهو مجرّد كلام استعراضي لا يعكس ما يحصل على أرض الواقع.

مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
03・02・2026
اليونيفيل في جنوب لبنان: دورها وسرديات علاقتها مع المجتمع المحلي
أحمد خواجة
لم تكن قوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان، منذ اليوم الأول لوصولها، مجرد قوة عسكرية هدفها القيام بأعمال المراقبة وتطبيق قرارات الأمم المتحدة، بل تفاعلت باستمرار مع المجتمع الأهلي، ونشأت علاقات بين عناصرها وبين المواطنين.